رفض مصر محاولات مقايضتها اقتصادياً بتهجير الفلسطينيين يثير تفاعلاً واسعاً

برلمانيون وإعلاميون يشيدون بموقف القاهرة «القاطع»

نازحون فلسطينيون يعبرون ممر نتساريم وهم في طريقهم إلى الأجزاء الشمالية من قطاع غزة (أ.ف.ب)
نازحون فلسطينيون يعبرون ممر نتساريم وهم في طريقهم إلى الأجزاء الشمالية من قطاع غزة (أ.ف.ب)
TT

رفض مصر محاولات مقايضتها اقتصادياً بتهجير الفلسطينيين يثير تفاعلاً واسعاً

نازحون فلسطينيون يعبرون ممر نتساريم وهم في طريقهم إلى الأجزاء الشمالية من قطاع غزة (أ.ف.ب)
نازحون فلسطينيون يعبرون ممر نتساريم وهم في طريقهم إلى الأجزاء الشمالية من قطاع غزة (أ.ف.ب)

حصد البيان المصري الذي جدد رفض القاهرة القاطع تهجير الفلسطينيين، حتى ولو مقابل دعمها اقتصادياً، تفاعلاً واسعاً على مواقع التواصل الاجتماعي، فضلاً عن إشادة برلمانيين وإعلاميين به.

وقالت الهيئة العامة المصرية للاستعلامات، الأحد، إن القاهرة أعادت التأكيد على رفض أي محاولة لتهجير الفلسطينيين من قطاع غزة قسراً أو طوعاً لأي مكان خارجه.

وجاء في بيان هيئة الاستعلامات أن مصر «ترفض بشكل تام أي مزاعم تتداولها بعض وسائل الإعلام تتعلق بربط قبولها بمحاولات التهجير... بمساعدات اقتصادية يتم ضخها لها».

وأضافت الهيئة: «السياسة الخارجية المصرية عموماً لم تقم قط على مقايضة المصالح المصرية والعربية العليا بأي مقابل، أياً كان نوعه».

وذكرت هيئة الاستعلامات المصرية أن القضية الفلسطينية هي «جوهر الأمن القومي المصري والعربي»، مشيرةً إلى أن موقف مصر من القضية الفلسطينية لأكثر من 75 عاماً «ظل موقفاً مبدئياً راسخاً يُعلي من اعتبارات هذا الأمن القومي وحقوق الشعب الفلسطيني».

ومنذ 25 يناير (كانون الثاني) اقترح الرئيس الأميركي ترمب استقبال مصر والأردن لفلسطينيين بعد تهجيرهم من غزة، قبل أن تبدأ سلسلةٌ من الرفض المصري والعربي، كان أبرزها حديث الرئيس عبد الفتاح السيسي بأن «تهجير الفلسطينيين ظلم لن نشارك فيه»، مروراً ببيانات لوزارة الخارجية ومجلس النواب ترفض ذلك الاقتراح.

وأشاد عضو مجلس النواب المصري، الصحافي مصطفى بكري، ببيان الهيئة العامة المصرية للاستعلامات، وقال في تصريحات لـ«الشرق الأوسط»، إن «هناك محاولاتٍ لإغراء مصر بتقديم مبالغ مالية مقابل استقبالها الفلسطينيين في أرضها، ولكن مصر رفضت هذ الأمر، والرئيس عبد الفتاح السيسي قال أكثر من مرة إنه لن يباع شبر من أرضنا بمال الدنيا».

وأشار بكري إلى أنه من الواضح أن «السيناريو القادم هو ممارسة الضغوط على أهل غزة لدفعهم إلى التهجير الطوعي القسري تجاه الحدود المصرية، وهذا ما أعلنته السلطات الإسرائيلية، ولكن مصر تقف أمام هذا المخطط، وسبق أن قدمت خطة تعمير غزة بهدف إجهاض مخطط التهجير وتمكين الشعب الفلسطيني من إقامة دولته، ولكن من الواضح أن هناك سيناريو كبيراً للشرق الأوسط ومسألة التهجير جزء منه».

فيما قال رئيس لجنة الثقافة والإعلام بمجلس الشيوخ المصري، محمود مسلم، إن البيان المصري بالرفض القاطع لمقايضة القاهرة اقتصادياً مقابل الرضوخ لمخطط التهجير هو موقف يستحق الإشادة، لأن «مصر أكثر من تضررت اقتصادياً بسبب حرب غزة، حيث تخسر قناة السويس مليارات الدولارات، وكذلك تأثرت السياحة القادمة لمصر، فضلاً عن الدعم المالي الكبير في شكل مساعدات الذي تقدمه مصر لغزة».

مسلم أضاف لـ«الشرق الأوسط» أنه في ظل كل ذلك، فإن مصر «تبرهن للعالم واقعياً وفعلياً أنها لن تقبل بتصفية القضية الفلسطينية مقابل حل أزمتها الاقتصادية، لأن مصر دفعت ثمناً غالياً لدعم القضية الفلسطينية، وهو الدم، بالتالي فالمال أقل ثمن يمكن أن تدفعه».

فيما يرى عضو مجلس الشيوخ المصري، أسامة الهواري، أنه مع تثمين بيان هيئة الاستعلامات فإنه لم «تكن هناك حاجةٌ للرد على الأقاويل التي تزج باسم مصر في أمور لا يصدقها أحدٌ عن قبولها أموالاً مقابل الرضوخ لمخطط تهجير الفلسطينيين».

وشدد الهواري، في تصريحات لـ«الشرق الأوسط»، على أن «موقف مصر واضح من قديم الأزل، وليس في الحرب الحالية فقط، وهو رفض تصفية القضية الفلسطينية ورفض تهجير الفلسطينيين، وعدم التفريط في شبر واحد من أرض مصر مهما كانت الضغوط والإغراءات».

فيما شارك الإعلامي المصري أحمد موسى بيان هيئة الاستعلامات على صفحته في موقع «إكس»، وغرد قائلاً: «على مدى ثلاثة أرباع القرن، ظل موقف مصر ثابتاً وراسخاً، ويعلي من مصلحة الأمن القومي وحقوق الشعب الفلسطيني، وتحملت مصر أعباء اقتصادية ومالية هائلة لم تدفعها في أي لحظة مطلقاً نحو أي تنازل، ولو طفيف، في مقتضيات أمنها القومي الخاص وأمن الأمة العربية العام، ولا في حق واحد مشروع للشعب الفلسطيني، وجددت مصر التأكيد على مبادئ سياستها الخارجية، التي تقوم على الأخلاق والرفض التام لأن يكون لاعتبارات المقايضة أي تأثير عليها».

فيما غرد حساب باسم محمد شعت، صحافي وباحث على موقع «إكس»، قائلاً: «كلمات حاسمة وصفت موقف مصر من التهجير في بيان هيئة الاستعلامات... رافض وقاطع ونهائي ولا نقبل المقايضة».

وأضاف أن «تكثيف مفردات الرفض يعني أن لا مجال للقبول بالفكرة تحت أي ظرف مهما مورست الضغوط، ومستعدون لأي سيناريو مهما كانت العواقب».

فيما غرد حساب باسم ahmed على موقع «إكس» قائلاً: «موقف مصر ثابت... التهجير مرفوض وخط أحمر بالنسبة لمصر، وسيناء للمصريين ومش هنفرّط في شبر واحد من أرضها».


مقالات ذات صلة

الجيش الإسرائيلي يعلن انتهاء عمليته في الخليل والانسحاب من المدينة

المشرق العربي تُظهر هذه الصورة الجوية منطقة «دير بحة» في مدينة الخليل بالضفة الغربية المحتلة بتاريخ 2 نوفمبر 2026 حيث يعود الفلسطينيون إلى منازلهم بعد أن نزحوا عنها جراء عملية عسكرية إسرائيلية جرت الأسبوع الماضي (أ.ف.ب) p-circle

الجيش الإسرائيلي يعلن انتهاء عمليته في الخليل والانسحاب من المدينة

أعلن الجيش الإسرائيلي اليوم (الاثنين) الانسحاب من الخليل في جنوب الضفة الغربية المحتلة.

«الشرق الأوسط» (الخليل (الأراضي الفلسطينية))
المشرق العربي سحابة من الغبار تتصاعد بينما يهدم الجيش الإسرائيلي منزل فلسطيني في مدينة الخليل بالضفة الغربية (رويترز)

إصابة فلسطيني إثر هجوم مستوطنين في شمال الضفة الغربية

أصيب فلسطيني بجروح، اليوم (السبت)، جراء تعرضه للضرب من قبل مستوطنين في قرية دوما جنوب نابلس بشمال الضفة الغربية.

«الشرق الأوسط» (رام الله)
المشرق العربي طريق النفق الذي يوصل القدس بمستوطنات ومناطق جنوب الضفة الغربية (الشرق الأوسط)

كيف تسارع الاستيطان الإسرائيلي في الضفة الغربية؟

شهد الاستيطان الإسرائيلي في الضفة الغربية توسّعاً مستمراً منذ عام 1967 رغم الضغوط الدولية، لكنّ وتيرته تسارعت بشكل ملحوظ منذ عودة نتنياهو إلى السلطة عام 2022.

«الشرق الأوسط» (رام الله)
الخليج وزراء خارجية المجموعة الرباعية يناقشون في إسطنبول عدداً من القضايا الإقليمية ذات الاهتمام المشترك (واس) p-circle 00:26

«الرباعية» تدين هجمات الحوثيين على السعودية وتطالب بوقف التصعيد في اليمن

أدانت السعودية وتركيا ومصر وباكستان التصعيد الذي تمارسه الميليشيات الحوثية الإرهابية في اليمن، بما في ذلك هجماتها على المملكة واستهداف المدنيين والبنية التحتية.

«الشرق الأوسط» (إسطنبول)
شؤون إقليمية لوحات إعلانية إلكترونية خاصة بالانتخابات تظهر كلاً من رئيس أركان الجيش الإسرائيلي السابق غادي آيزنكوت ورئيس الوزراء بنيامين نتنياهو (د.ب.أ) p-circle

«الخوف دافعهم الأكبر»... ارتفاع التصويت بين فلسطينيي إسرائيل قد يهدد بقاء نتنياهو

تستعد إسرائيل لتنظيم انتخابات يوم الثلاثاء المقبل، ويبرز دور أصوات فلسطينيي الداخل، الذين يشكّلون نحو 20 في المائة من السكان.

«الشرق الأوسط» (لندن)

«مؤثرون» أم «منتشرون»؟ جدل حول تعريف صُنّاع المحتوى في مصر

وزير الدولة للإعلام في مصر ضياء رشوان (وزارة الدولة للإعلام)
وزير الدولة للإعلام في مصر ضياء رشوان (وزارة الدولة للإعلام)
TT

«مؤثرون» أم «منتشرون»؟ جدل حول تعريف صُنّاع المحتوى في مصر

وزير الدولة للإعلام في مصر ضياء رشوان (وزارة الدولة للإعلام)
وزير الدولة للإعلام في مصر ضياء رشوان (وزارة الدولة للإعلام)

ما زال الجدل مستمراً في مصر حول لقاء وزير الدولة للإعلام بعدد من صانعي المحتوى قبل أيام، وسط انتقادات للقاء وتساؤلات عن المعايير التي اختير على أساسها المشاركون، ومن ثم تعريف المؤثرين، وما إذا كان تحديدهم يستند إلى عدد المتابعين أم «قيمة» ما يقدمونه وقدرته على ترك أثر.

كان وزير الدولة للإعلام ضياء رشوان قد التقى، الأحد، بنحو 70 من صُناع المحتوى ضمن اللقاءات التي تعقدها الوزارة مع أطراف منظومة الصحافة والإعلام والوسائل الرقمية المؤثرة في الرأي العام، وفق بيان الوزارة الذي أطلق شرارة الجدل، حيث وصف المجموعة بأنها «نخبة من أبرز المؤثرين وصناع المحتوى الجاد بأنواعه، السياسي والاقتصادي والاجتماعي والثقافي والعلمي والتكنولوجي، ممن يبلغ إجمالي متابعيهم الدائمين على وسائل التواصل الاجتماعي أكثر من 500 مليون متابع».

إشكالية التعريف

أستاذة الإعلام في جامعة القاهرة، سارة فوزي، ترى أن نحو 25 في المائة فقط من المجموعة التي التقاها وزير الدولة للإعلام هم من يقدمون محتويات هادفة متخصصة جيدة، بينما يدور محتوى الباقين حول التندر أو السخرية أو الدخول في معارك بهدف جذب المتابعين.

وقالت: «عدد المتابعين ليس معياراً يمكن الاستناد إليه عند التعامل مع صنُاع المحتوى، فقد يتابع أحدهم ملايين المتابعين لكن التفاعل معهم قائم على الهجوم على ما يقدمونه، وليس الإعجاب به».

أما أستاذ الإعلام ونائب رئيس أكاديمية الشروق، محمد شومان، فيعتبر تعريف المؤثرين عبر وسائل التواصل الاجتماعي «إشكالية»، خصوصاً أنه «لا يوجد تعريف واحد مرجعي ملزم قانونياً لصناع المحتوى والمؤثرين حول العالم يمكن الاستناد إليه، فيتم تعريفهم بصور مختلفة مثل منشئي المحتوى عبر وسائل التواصل بهدف التأثير في الجماهير، أو فئة فاعلة ومؤثرة في الرأي العام والتسويق والقضايا السياسية».

لكنه يعدد معايير يمكن الاستناد إليها في تمييز المؤثرين من بين صناع المحتوى الكثيرين، منها «عدد المتابعين، واستمرارية النشر، وحجم التفاعل معهم، ومدى تأثيرهم الفعلي في المتابعين».

إطار تنظيمي

خبير الإعلام الرقمي والسوشيال ميديا، معتز نادي، نبَّه إلى ضرورة التفرقة بين «المؤثر» و«المنتشر»، وقال لـ«الشرق الأوسط»: «المنتشر قد يحصد ملايين المشاهدات بفضل ترند عابر أو محتوى مثير للجدل، بينما يمتلك المؤثر ثقة متراكمة لدى جمهوره، وقدرة على تشكيل القناعات وتغيير السلوك، حتى لو كان عدد متابعيه أقل؛ ولذلك لا أعتبر أرقام المشاهدات والمتابعين وحدها معياراً لقياس التأثير الحقيقي».

وأضاف: «من منظور الاتصال المؤسسي، يستطيع صناع المحتوى المساهمة في تبسيط السياسات والخدمات العامة، والتعريف بالفرص الاقتصادية والسياحية والثقافية، ونقل اهتمامات الجمهور وتساؤلاته إلى المؤسسات؛ لكن من المهم ألا تتحول هذه العلاقة إلى توظيف المؤثرين لأغراض دعائية، لأن استقلاليتهم ومصداقيتهم هما مصدر قوتهم الحقيقي في إطار حديثهم بلسان حال الناس».

وكان صناع المحتوى قد طالبوا في اجتماع وزير الدولة للإعلام بإطار قانوني يميزهم عمن يقومون بالنشر على وسائل التواصل الاجتماعي بهدف الانتشار، واقترح أحدهم أن ينضموا إلى شعبة بنقابة الصحافيين المصرية؛ وكان رد رشوان أنه لا توجد دولة في العالم استحدثت مثل هذا الكيان، ودعا المؤثرين إلى الاعتماد على أنفسهم في إيجاد مثل هذه الآلية.

عدد من صناع المحتوى خلال لقائهم وزير الدولة للإعلام يوم الأحد (وزارة الدولة للإعلام)

وأيد شومان طلب تنظيم المؤثرين وصناع المحتوى، معتبراً أن إيجاد مثل هذا الإطار سواء بنقابة أو اتحاد أو شعبة على غرار الشعب التجارية، يتيح وضع إطار تنظيمي وتعريف لهم.

وتابع قائلاً: «توفير كيان قانوني للمؤثرين مفيد لهم وللدولة، فيمكن عندها العودة إليه عند مخالفة بعضهم للمعايير والأسس المجتمعية، كما أنه سينظم في قانون واحد هذا العمل ومعاييره وأخلاقياته، ويفرض عقوبات على المتلاعبين فيه، مثل المؤثرين الذين يشترون مشاهدات ومتابعين وهميين لإيهام الجمهور بشعبية ليست حقيقية».

لكن سارة فوزي تتحفظ على استعانة الحكومة بـ«المؤثرين» دون وضع معايير محددة أو خطة واضحة وهدف لمثل هذه اللقاءات، مستبعدة أن تتمكن المجموعة التي التقاها وزير الدولة للإعلام من مساعدة الوزارة في التأثير في الرأي العام.

وقالت: «الجمهور يتابعهم لمحتوى معين، ويسهل عليه اكتشاف التحول أو التغير فيه، وعادة لا يتقبل مثل هذه التغيرات ويهجر صانع المحتوى عند تغيير طريقته المعتادة، وهو ما حدث مع الكثير من المؤثرين».

وترى أنه من الأفضل أن «تضع الحكومة خطة ومعايير واضحة، وتدعم صناع محتوى جدداً نابهين من كليات الإعلام والكليات الاجتماعية، لديهم الموهبة، ويمكن أن تمدهم بالتدريب والتأهيل اللازمين، وتساعدهم على إنتاج محتوى هادف مفيد للمجتمع، لا أن تنجذب إلى ضخامة عدد متابعين لمحتوى قد يكون تافهاً ولا يقدم شيئاً».


أسعار الطاقة تدفع الحكومة المصرية لـ«سيناريو الترشيد»

رئيس الوزراء المصري مصطفى مدبولي خلال اجتماع حكومي (مجلس الوزراء)
رئيس الوزراء المصري مصطفى مدبولي خلال اجتماع حكومي (مجلس الوزراء)
TT

أسعار الطاقة تدفع الحكومة المصرية لـ«سيناريو الترشيد»

رئيس الوزراء المصري مصطفى مدبولي خلال اجتماع حكومي (مجلس الوزراء)
رئيس الوزراء المصري مصطفى مدبولي خلال اجتماع حكومي (مجلس الوزراء)

تتجه الحكومة المصرية مجدداً إلى سيناريو «ترشيد الإنفاق»، خاصة في المجالات المرتبطة باستهلاك الطاقة، في ظل ارتفاع الأسعار العالمية، وتأثير الاضطرابات العالمية على الاقتصاد؛ غير أن تلك الخطوات أثارت تساؤلات حول ما إذا كانت ستمسَّ المواطنين عبر زيادة أسعار الوقود أو عودة «تخفيف الأحمال».

وقال رئيس الوزراء مصطفى مدبولي خلال ترؤسه اجتماعاً «للجنة المركزية لإدارة الأزمات»، مساء الاثنين، إن هناك «خطة لترشيد الإنفاق الحكومي، وإيجاد حيز مالي محدد للتعامل مع الأزمة الراهنة يتم إعدادها بالتعاون والتنسيق بين وزارتي المالية والتخطيط والتنمية الاقتصادية».

وأوضح أن الخطة تتضمن عدداً من البنود المرتبطة بترشيد الاستهلاك الحكومي في الوقود والكهرباء، والتي سبق تطبيقها عند اندلاع الأزمة، مع إيلاء الأهمية القصوى لعمليات الإنتاج والتصنيع وتعزيز التصدير للأسواق الخارجية، وترشيد الإنفاق في جميع مخصصات مجالات الدعاية والإعلان بالجهات الحكومية.

وسبق أن طبقت الحكومة المصرية خطة تقشفية «استثنائية» بعد أيام من اندلاع الحرب الإيرانية، وأقرت في شهر مارس (آذار) الماضي، حزمة إجراءات عاجلة لترشيد استهلاك الطاقة، تضمنت إيقاف إنارة الإعلانات على الطرق، وخفض الإنارة الداخلية للشوارع لأقل مستوى، وإغلاق الحي الحكومي في السادسة مساءً وإطفاء الأنوار فيه بالكامل، وإغلاق المحال والمراكز التجارية والمطاعم والمقاهي في التاسعة مساءً، قبل أن تُوقف قرار غلق المحال العامة بعد شهر من تطبيقه، وتبعه التراجع عن باقي القرارات المرتبطة بـ«الخطة الاستثنائية».

فجوة الموازنة

يأتي التوجه الحالي للحكومة في وقت تشكو فيه من وجود فجوة في الموازنة العامة التي بُنيت على سعر 75 دولاراً لبرميل النفط، بينما ارتفع حالياً إلى نحو 107 دولارات وفقاً لأرقام وزارة البترول؛ فيما أكد مدبولي، الشهر الماضي، أن كلفة شحنات الطاقة المستوردة تضاعفت مقارنة بما كانت عليه قبل عامين.

حافلات على أحد الطرق الرئيسية في مصر (وزارة النقل)

وقال الخبير الاقتصادي علي الإدريسي إن خطة «الترشيد» مجدداً مهمة وإيجابية، وبحاجة لأن تتكامل مع إجراءات أخرى تهدف إلى تقليص فاتورة الوقود.

وأضاف في حديثه لـ«الشرق الأوسط» أن من بين تلك الإجراءات وجود نظام محكم للرقابة على «منظومة البونات» التي تُمنح لصالح السيارات التابعة للحكومة، وضمان عدم تسريبها للاستخدام الشخصي، إلى جانب وجود منظومة رقمية لجميع وسائل الانتقال.

واستطرد قائلاً إن الحكومة تعمل على تتبع استخدام الوقود لكنها في الوقت ذاته لم تستكمل منظومة «بطاقة البنزين»، والتي كان من المفترض تعميمها منذ سنوات للتعرف على استهلاك الوقود.

وأضاف: «في حال تفعيل هذه المنظومة فسيمكن تحديد كميات محددة مدعومة شهرياً، وهو ما يُمكِّن الحكومة من تحقيق عوائد بيع أفضل للمستهلكين المحليين، كما أن ذلك يمنحها القدرة على تقدير احتياجات السوق ومتطلباته بشكل أكثر دقة».

وقال الإدريسي إن الحكومة أمام وضع صعب بسبب الفجوة بين كلفة دعم الوقود في الموازنة العامة والأسعار العالمية، إلى جانب تراجع الجنيه مقابل الدولار، وهو أيضاً ما يرفع تكاليف الاستيراد.

وتراجع الجنيه المصري بنسبة 5.81 في المائة خلال الشهر الماضي، وانخفض بنسبة 17.27 في المائة خلال الاثني عشر شهراً الماضية، وفقاً لمؤشر «تريندغ إيكونومي».

خيارات صعبة

وقالت مصادر حكومية، الثلاثاء، إنه جرى إخطار الشركات الأجنبية المتعاقد معها بتأجيل تسلم 5 شحنات من الغاز الطبيعي المسال لتلبية احتياجات السوق المحلية خلال نوفمبر (تشرين الثاني) الحالي، من إجمالي 15 شحنة جرى التعاقد عليها، في ظل ارتفاع تكلفة الشحنة الواحدة إلى أكثر من 100 مليون دولار، بزيادة 100 في المائة، مقارنة بسبتمبر (أيلول) الماضي، بحسب ما نشرته «الشرق بلومبرغ».

وكان الرئيس عبد الفتاح السيسي قد كشف عن أن مصر «لم تتمكن من ملء مستودعاتها الاستراتيجية لتخزين البترول، رغم أن سعتها الإجمالية تبلغ 33 مليون برميل، بسبب عدم توفر التمويل اللازم»، المقدر بنحو 2.5 مليار دولار.

وقال رئيس لجنة الاستثمار بحزب «الوعي»، أحمد شكري: «قرارات الترشيد جيدة لكنها تأخرت كثيراً، وكانت بحاجة لأن يتم تطبيقها بحسم منذ بداية الحرب الإيرانية»، مشيراً إلى أن «الترشيد» يجب ألا يقتصر على استهلاك الطاقة وحسب، وأن على الحكومة إعادة خططها نحو تدشين مشروعات جديدة، وعدم البدء في مشروعات تشكل ضغطاً على الموازنة، ولو مؤقتاً إلى أن تتضح الرؤية بشأن تمدد صراعات المنطقة.

وأضاف قائلاً لـ«الشرق الأوسط»: «الحكومة مطالبة أيضاً بترشيد على مستوى الاستعانة بالمستشارين، ومعالجة أزمة تكرارية المناصب في جهات مختلفة تؤدي الدور نفسه، والحد من استيراد السلع غير الضرورية التي تستهلك الرصيد الدولاري».

رئيس الوزراء مصطفى مدبولي في إحدى الجلسات البرلمانية (مجلس الوزراء)

وأثار العديد من المواطنين تساؤلات عبر مواقع التواصل الاجتماعي حول ما إذا كان التقشف قد يطول الخدمات المقدمة إليهم، في ظل حديث سابق للحكومة عن «خيارات صعبة» للتعامل مع أزمة إمدادات الوقود.

لكن المتحدث باسم الحكومة، المستشار محمد عادل، قال في تصريحات إعلامية، مساء الاثنين، إن إجراءات التقشف «لا ترتبط بتخفيف الأحمال أو اتخاذ أي قرارات تمس المواطنين بشكل مباشر»، وإن اجتماع اللجنة المركزية لإدارة الأزمات ناقش ترشيد استهلاك الطاقة والوقود داخل الوزارات والهيئات الحكومية.


تصعيد دبلوماسي إثيوبي ضد السودان يشعل توترات «القرن الأفريقي»

البرهان وإلى جانبه آبي أحمد خلال لقاء على هامش قمة «إيغاد» في نيروبي يوليو 2022 (رويترز)
البرهان وإلى جانبه آبي أحمد خلال لقاء على هامش قمة «إيغاد» في نيروبي يوليو 2022 (رويترز)
TT

تصعيد دبلوماسي إثيوبي ضد السودان يشعل توترات «القرن الأفريقي»

البرهان وإلى جانبه آبي أحمد خلال لقاء على هامش قمة «إيغاد» في نيروبي يوليو 2022 (رويترز)
البرهان وإلى جانبه آبي أحمد خلال لقاء على هامش قمة «إيغاد» في نيروبي يوليو 2022 (رويترز)

أجج قرار إثيوبي بإغلاق قنصلية سودانية في أصوصا الحدودية، حسب تأكيدات مصادر سودانية عدة، التوتر القائم مع دول الجوار، تزامناً مع لقاء مصري - سوداني لوحت فيه القاهرة بتفعيل «اتفاق الدفاع المشترك» مع الخرطوم غداة شكوى سودانية تجاه إثيوبيا بمجلس الأمن.

ولم يصدر تعليق رسمي على إغلاق القنصلية من إثيوبيا أو السودان، والذي إن تأكد فسيكون ثالث خطوة على الساحة الدبلوماسية تتخذها أديس أبابا خلال شهر واحد تقريباً تجاه دولة أفريقية تجمع بينهما خلافات، وذلك بعد قطع العلاقات الدبلوماسية مع إريتريا، وتبادل طرد دبلوماسي مع مصر مطلع أكتوبر (تشرين الأول) الماضي.

وقال خبراء بالشؤون الأفريقية لـ«الشرق الأوسط» إن ذلك بمنزلة إشعال للتوترات بالقرن الأفريقي وسط سيناريوهين مرجحين، أولهما المواجهة جراء استمرار التصعيد، والثاني التهدئة بسبب التكلفة الباهظة للحرب.

مهلة 48 ساعة

أفادت وسائل إعلام سودانية بأن إثيوبيا «أمهلت طاقم القنصلية السودانية في مدينة أصوصا الحدودية بغرب البلاد 48 ساعة لمغادرة الأراضي الإثيوبية، بعد اعتبار جميع موظفيها أشخاصاً غير مرغوب فيهم».

وجاء هذا في أعقاب احتضان القاهرة، مساء الاثنين، اجتماعاً رباعياً مصرياً - سودانياً شارك فيه وزيرا الخارجية ووزيرا الري بالبلدين، غداة شكوى تقدمت بها الخرطوم ضد أديس أبابا بعد اتهامها باستهداف أراضيها بالمُسيرات دعماً لقوات «الدعم السريع».

وأعادت مصر التذكير، في بيان مشترك عقب الاجتماع، ببيان الرئاسة الصادر أواخر ديسمبر (كانون الأول) 2025، والذي يتضمن استعدادها الكامل «لاتخاذ جميع التدابير والإجراءات اللازمة التي يكفلها القانون الدولي واتفاقية الدفاع المشترك بين البلدين الشقيقين لدعم السودان، وضمان عدم المساس بهذه الخطوط الحمراء أو تجاوزها».

أزمة ثقة

الباحث الإثيوبي في الشؤون الأفريقية، موسى شيخو، قال لـ«الشرق الأوسط» إن إغلاق القنصلية السودانية في أصوصا «يعكس انتقال الخلاف بين أديس أبابا والخرطوم من الاتهامات المتبادلة إلى إجراءات دبلوماسية تصعيدية، وسط ازدياد المخاوف من تداخل الأزمات الأمنية والاصطفافات السياسية في القرن الأفريقي»، مستدركاً: «إغلاق قنصلية أصوصا لا يعني قطع العلاقات الدبلوماسية، لكنه يعكس تراجع الثقة بين البلدين».

وحذَّر من أن «تزامن الأزمة السودانية مع القطيعة الإثيوبية - الإريترية يثير مخاوف من تشابك النزاعات والتحالفات بمنطقة القرن الأفريقي».

قائد الجيش السوداني عبد الفتاح البرهان خلال لقاء مع رئيس الوزراء الإثيوبي آبي أحمد في أغسطس 2019 (رويترز)

وعن السيناريوهات المحتملة، قال: «اتهامات الخرطوم باستخدام الأراضي الإثيوبية لإطلاق مسيّرات ضد منشآت سودانية تزيد مخاطر الاحتكاك العسكري، لكن هناك عوامل للتهدئة، خصوصاً أن الحرب السودانية والتحديات الأمنية الإثيوبية والمصالح الحدودية والمائية المشتركة تجعل المواجهة المباشرة مكلفة للطرفين».

ويخلص شيخو إلى أن «التحدي الأكبر ليس احتمال الحرب وحده، بل تحول الخلافات الثنائية إلى اصطفافات إقليمية تضع استقلال القرار الوطني واستقرار القرن الأفريقي أمام اختبار خطير».

تبعات الحرب

في المقابل، يعتقد الخبير المصري في الشؤون الأفريقية رمضان قرني أن قرار الحكومة الإثيوبية إغلاق القنصلية السودانية في أصوصا «يمثل مرحلة جديدة من التصعيد الدبلوماسي بين الطرفين»، ويرى أنه قرار «جاء متأخراً نسبياً؛ إذ كان متوقعاً أن يطول الخرطوم موقف إثيوبي، منذ قرارات أديس أبابا ضد إريتريا ومصر، في ضوء اتهامها للدول الثلاث بالضلوع في حرب إقليم تيغراي، وشنها حرباً إعلامية وسياسية».

وأضاف قائلاً لـ«الشرق الأوسط» إن الخطوة الإثيوبية «رد صريح على الشكوى المقدمة من السودان ضد إثيوبيا في مجلس الأمن ومجلس السلم والأمن التابع للاتحاد الأفريقي»، دون أن يستبعد أن تكون المتغيرات الإثيوبية، التي تضمنت حصول أديس أبابا على مقاتلات روسية، بمنزلة «رسالة ردع موجهة لإريتريا والسودان ومصر».

وعقب تسلّم الصفقة التي تضم مبدئياً 12 مقاتلة من طراز «سوخوي-35» من الجيل الرابع المطور «4++»، قال رئيس وزراء إثيوبيا آبي أحمد، أواخر أكتوبر (تشرين الأول) الماضي، إنها تعزز «قدرة إثيوبيا على الردع الاستراتيجي».

لكن التصعيد الحالي لا يعني، بحسب قرني، مواجهة عسكرية شاملة بين إثيوبيا والسودان، مؤكداً أن هذا حديث «سابق لأوانه تماماً، وربما في غير محله لاعتبارات عديدة مرتبطة بتكلفة الحرب على إثيوبيا والسودان».

وأرجع ذلك إلى «عدم قدرة الجانبين على تحمل تبعات حرب واسعة في ظل انشغال إثيوبي بمواجهات متعددة الجبهات في أقاليم عدة (تيغراي، وأمهرة، وأورومو، وعفر) إلى جانب الجبهة الإريترية. وكذلك يركز الجيش السوداني جهوده الميدانية على تأمين الحدود ومواجهة (الدعم السريع) في مناطق مثل كردفان والنيل الأزرق ودارفور».

ويتبقى مسار محتمل في ضوء تلك التوترات التي يشهدها القرن الأفريقي بسبب تحركات إثيوبيا، هو أن يزداد التصعيد السياسي والدبلوماسي وتبادل الاتهامات بين الطرفين والتوترات بمنطقة القرن الأفريقي، بحسب قرني.