أعباء الحرب تدفع اليمنيات إلى العمل في ظروف معقدة

مركز الملك سلمان والأمم المتحدة أسهما في تأهيل النساء مهنياً

الحرب ضاعفت الأعباء المعيشية والنفسية على اليمنيات (رويترز)
الحرب ضاعفت الأعباء المعيشية والنفسية على اليمنيات (رويترز)
TT

أعباء الحرب تدفع اليمنيات إلى العمل في ظروف معقدة

الحرب ضاعفت الأعباء المعيشية والنفسية على اليمنيات (رويترز)
الحرب ضاعفت الأعباء المعيشية والنفسية على اليمنيات (رويترز)

قبل الانقلاب الحوثي في اليمن، كانت نائلة محمد تستخدم الحمار الذي تمتلكه عائلتها لنقل المياه إلى منزلها فقط، إلا أن تراجع دخل زوجها، دفعها للعمل في نقل المياه وبعض المواد الغذائية من الأسواق إلى سكان قريتها، وهي مهنة شاقة كان يتولاها الرجال سابقاً، وأوشكت على الانقراض لولا ظروف الحرب.

يزاول زوج نائلة عدة مهن في البناء، لكنَّ الحرب تسبَّبت في تراجع كبير في الطلب على خدمات العمال في هذا المجال، ودفع ذلك زوجته إلى مساعدة سكان قريتهما الواقعة في مديرية الشمايتين التابعة لمحافظة تعز (جنوب غرب)، بنقل كثير من احتياجاتهم مقابل أجور زهيدة تسهم في تحسين دخل العائلة.

وتواجه نائلة صعوبة كبيرة خلال ممارسة مهام النقل التي تتطلب جهداً كبيراً وقوة بدنية وصبراً على أعباء الطرق الريفية، إلى جانب اضطرارها إلى مفاوضة الباعة والتجار على الأسعار عند تكليفها من نساء قريتها بشراء بعض المستلزمات من الأسواق.

نقل المياه إلى المنازل... مهمة شاقة فرضتها الأوضاع المعقدة على اليمنيات (أ.ف.ب)

وتلقي الأعباء المعيشية الناتجة عن الحرب والانقلاب في اليمن بثقلها على النساء، وتضطر الكثير منهن إلى التوجه إلى العمل ومزاولة مهن كانت حكراً على الرجال لصعوبتها وخطورتها، في حين يعمل برنامج الأمم المتحدة الإنمائي ومركز الملك سلمان للإغاثة والأعمال الإنسانية على استيعاب المئات منهن في برامج تدريب مهنية.

وتقول الناشطة المجتمعية أمل عبد النور لـ«الشرق الأوسط» إن النساء اليمنيات دفعن جزءاً كبيراً من فاتورة الصراع الدائر في البلاد، لكنّ ذلك لم يكن سلبياً تماماً، فبمقدار ما واجهن من اضطهاد ومعاناة، إلا أنهن اكتسبن خبرات في التكيف مع الصعوبات والتحديات، وتعوَّدن الاعتماد على ذواتهن في إعالة أنفسهن وعائلاتهن.

وشدّدت عبد النور على أن اليمنيات بحاجة إلى الدعم والمساندة في مواجهة الفقر والتشرد والنزوح، وإلى الكثير من البرامج التنموية لتأهيلهن نفسياً ودمجهن اجتماعياً ومساعدتهن في إدارة الموارد، وفي التماسك النفسي للحؤول دون تعرضهن للصدمات النفسية والإجهاد المؤثر على الصحة.

يمنية في محافظة الحديدة أنشأت مشروعاً لإنتاج زيت السمسم (الأمم المتحدة)

وبينما وجدت مئات النساء فرصاً للتدريب والتعليم والعمل، تظل الغالبية العظمى من اليمنيات في حالة عزلة وانعدام وسائل مواجهة الفاقة والتهميش الاقتصادي والاجتماعي.

مخاطر وانتهاكات

يعدّ انخراط اليمنيات في سوق العمل مغامرة محفوفة بالمخاطر، نظراً لانعدام الخبرات وقصور النظرة المجتمعية، وقلة الأجور، وتزيد المخاطر عند اضطرار النساء إلى العمل في مهن شاقة تحتاج إلى جهد بدني وقوة تحمل، إضافةً إلى أن العمل في الشوارع والأسواق يجعلهن عُرضة للعنف والاستغلال.

وتنوه مسؤولة الإعلام في اللجنة الوطنية للمرأة، ماريا راشد، إلى أن الوضع الاقتصادي للمرأة اليمنية سابقاً، ليس في أحسن حالٍ منه خلال الأزمة والحرب، غير أن الأزمة الاقتصادية الحالية فرضت على الآلاف من النساء العمل دون مرتبات، خصوصاً في مناطق سيطرة الجماعة الحوثية، بالإضافة إلى اضطرار كثير منهن للعمل في كثير من المهن كالمشاريع الصغيرة والأصغر.

امرأة في تعز تشرف على مشروع لرصف إحدى الطرق (الأمم المتحدة)

وتؤكد راشد لـ«الشرق الأوسط» أن العمل لم يكن حكراً على فئة بعينها، لكن الحرب دفعت بالنساء إلى مزيد من الأعمال التي كان يتولاها الرجال.

وبيَّنت أن كثيراً من الأعمال والقطاعات تُمارس فيها انتهاكات لحقوق العمال من الجنسين، حيث لا يتم الالتزام بقانون الخدمة المدنية، لكنّ عمل المرأة في الشارع، كالبيع مثلاً، يعرِّضها لبعض المخاطر، كالابتزاز أو الغش.

ووصفت ما تواجهه النساء من أعباء معيشية بالعنف الاقتصادي، المتمثل بانخفاض الأجور مقابل عدد ساعات العمل.

وتبنَّت اللجنة الوطنية للمرأة استراتيجية وطنية لرسم السياسات للحكومة فيما يخص كثير من الجوانب الخاصة بالنساء، بينها التمكين الاقتصادي والوضع المعيشي للمرأة.

برنامج الأمم المتحدة الإنمائي يقدم تدريباً مهنياً لمئات اليمنيات (الأمم المتحدة)

ولفتت راشد إلى أن هذه الاستراتيجية لن تكون بمعزل عن الوضع العام في اليمن، وإنما ستأتي في سياق أي توجه وإرادة سياسيين حقيقيين لحل الأزمة الاقتصادية، داعيةً المجتمع الدولي إلى تحمل جزء من المسؤولية بحكم وضع اليمن تحت الفصل السابع.

تأهيل أممي

يَذكر برنامج الأمم المتحدة الإنمائي في بيان له بمناسبة اليوم العالمي للمرأة الذي صادف الثامن من الشهر الجاري، أنه وخلال العام الماضي، قدم دعماً لأكثر من 21 ألف امرأة من خلال النقد مقابل التغذية، وتم تزويد أكثر من 1.5 مليون امرأة بإمكانية الوصول إلى الخدمات الاجتماعية الأساسية الرئيسية مثل المياه والصحة والتعليم.

وبيَّن البرنامج أنه وبسبب الفقر المدقع، اضطرت النساء والفتيات إلى التخلي عن تعليمهن، في حين واجهت السلطات المحلية، في محافظة لحج (جنوب غرب) مثلاً، تحديات كبيرة في تلبية الاحتياجات التعليمية الأساسية بسبب محدودية التمويل، واضطرت الكثير من المدارس إلى الإغلاق، بينما عملت مدارس أخرى بموارد محدودة، مما أدى إلى تدهور جودة التعليم وارتفاع معدلات التسرب من المدارس.

أكثر من 1500 شاب أغلبهم من الإناث تلقوا تدريبات مهنية للانخراط في سوق العمل العام الماضي (الأمم المتحدة)

واستفادت السلطات المحلية في المحافظة، من دعم مشروع البرنامج الأممي ومركز الملك سلمان للإغاثة والأعمال الإنسانية، لتعزيز المرونة المؤسسية والاقتصادية في اليمن، والممول من الاتحاد الأوروبي، مع اللجان المجتمعية والمجموعات النسائية.

وأورد البرنامج أمثلة لمجالات مهنية جديدة على النساء مثل إنتاج زيت السمسم من خلال إدارة معاصر تقليدية في محافظة الحديدة (غرب)، وهي حرفة قديمة في اليمن، لكنها تعدّ من اختصاص الرجال، في حين تنخرط نساء في محافظة تعز في قطاع الأشغال العامة والمقاولات والبناء، إلى جانب مساهمة نساء أخريات في لحج وعدن وحضرموت في مشروع «التنمية المستدامة لمصايد الأسماك».

ويركز المشروع على دعم تطوير سلسلة القيمة في مجالات الأعمال الواعدة من خلال تحديد ورعاية القطاعات ذات الإمكانات العالية، مثل الرعاية البيطرية والصناعات الغذائية وصيانة معدات الطاقة الشمسية، بهدف تحقيق النفع للمجتمعات بأكملها.


مقالات ذات صلة

حراك يمني لتعزيز الشراكة الدولية والقدرات العسكرية والإدارية

العالم العربي العليمي استقبل وزير الدولة البريطاني لشؤون الشرق الأوسط (سبأ)

حراك يمني لتعزيز الشراكة الدولية والقدرات العسكرية والإدارية

القيادة اليمنية تكثف تحركاتها الدولية، مؤكدة تعافي الدولة، وتوحيد القرار الأمني، وجاهزية القوات، مع دعم أميركي وبريطاني وفرنسي لتعزيز الاستقرار والسلام

«الشرق الأوسط» (عدن)
العالم العربي العليمي يرأس أول اجتماع لحكومة شائع الزنداني (سبأ)

العليمي يرسم خريطة عمل حكومة الزنداني ويحذر من الفشل

حدد رئيس مجلس القيادة اليمني خريطة طريق صارمة لحكومة الزنداني، واضعاً الاقتصادَ والأمن والخدمات معياراً للأداء، وصناعةَ النموذج مدخلاً لاستعادة الثقة والدولة.

«الشرق الأوسط» (عدن)
العالم العربي وزراء حكومة الزنداني مع رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي بعد أدائهم اليمين (سبأ)

حكومة الزنداني تؤدي اليمين وفي انتظارها ملفات مثقلة بالتحديات

أدت حكومة شائع الزنداني اليمين الدستورية بالرياض وسط ترحيب أممي ودولي بتنوعها وتمثيل النساء، فيما تواجه تحديات اقتصادية وخدمية وأمنية مع مطالب بالعمل من الداخل.

«الشرق الأوسط» (عدن)
العالم العربي مشاهد الفقر والكساد تطغى على الأسواق في مناطق سيطرة الحوثيين قبيل حلول رمضان المبارك (إعلام محلي)

الحوثيون حوّلوا رمضان المبارك ضيفاً ثقيلاً على اليمنيين

يستقبل ملايين اليمنيين بمناطق الحوثيين رمضان المبارك دون رواتب وبلا مساعدات، وسط فقر مدقع وغياب للأمن الغذائي، بعد توقف الدعم الإنساني وتدهور الأوضاع المعيشية.

محمد ناصر (عدن)
خاص وصف المنسق الأممي التحرك السعودي الأخير لدعم التنمية في اليمن بأنه كان قوياً وسريعاً (الأمم المتحدة)

خاص الأمم المتحدة: التحرك السعودي الأخير لدعم التنمية في اليمن قوي وسريع

أكد المنسق المقيم للأمم المتحدة في اليمن أن التدخلات التنموية السعودية لا تقل أهمية عن تدخلاتها الإنسانية، وذلك من خلال البرنامج السعودي لتنمية إعمار اليمن.

عبد الهادي حبتور (الرياض)

إسرائيل تُصفّي نشطاء بارزين في «حماس» و «الجهاد»

فلسطينيون يشيّعون قتلى سقطوا بضربات إسرائيلية في مدينة غزة الثلاثاء (رويترز)
فلسطينيون يشيّعون قتلى سقطوا بضربات إسرائيلية في مدينة غزة الثلاثاء (رويترز)
TT

إسرائيل تُصفّي نشطاء بارزين في «حماس» و «الجهاد»

فلسطينيون يشيّعون قتلى سقطوا بضربات إسرائيلية في مدينة غزة الثلاثاء (رويترز)
فلسطينيون يشيّعون قتلى سقطوا بضربات إسرائيلية في مدينة غزة الثلاثاء (رويترز)

تواصل إسرائيل حملتها لتصفية نشطاء بارزين في حركتي «حماس» و«الجهاد الإسلامي» في قطاع غزة، من خلال هجمات جوية تنفذها داخل مناطق غرب «الخط الأصفر»، مستغلة خروج عناصر مسلّحة من أنفاق رفح وتحييدهم، كحدث أمني تعدُّه خرقاً لاتفاق وقف النار، بهدف تنفيذ هجمات ضد أهداف كانت قد رصدتها سابقاً.

وقُتل فلسطينيان، أمس، في غارة إسرائيلية استهدفت دراجة هوائية كهربائية، وسط قطاع غزة، أحدهما هو عاصم أبو هولي، قائد وحدة النخبة في «سرايا القدس»، الجناح العسكري لـ«الجهاد الإسلامي».

وكانت إسرائيل شنت، الاثنين، غارة على شقة سكنية في حي النصر بمدينة غزة، مستهدفة 3 نشطاء بارزين في كتيبة بيت حانون، التابعة لـ«كتائب القسام»، الجناح العسكري لـ«حماس».

من جهة أخرى، جاءت ردود الفعل الأميركية على الإجراءات الإسرائيلية الرامية لضم الضفة الغربية «خجولة»، مع تأكيد مسؤول في البيت الأبيض، لم يعلن عن اسمه، معارضة الرئيس دونالد ترمب، لعملية الضم، من دون انتقاد مباشر للإجراءات أو تلويح بأي خطوة رادعة.


تقرير: مسودة خطة بشأن غزة تتضمن احتفاظ «حماس» ببعض الأسلحة الخفيفة

جاريد كوشنر صهر الرئيس دونالد ترمب والمبعوث الخاص ستيف ويتكوف في برلين يوم 15 ديسمبر 2025 (د.ب.أ)
جاريد كوشنر صهر الرئيس دونالد ترمب والمبعوث الخاص ستيف ويتكوف في برلين يوم 15 ديسمبر 2025 (د.ب.أ)
TT

تقرير: مسودة خطة بشأن غزة تتضمن احتفاظ «حماس» ببعض الأسلحة الخفيفة

جاريد كوشنر صهر الرئيس دونالد ترمب والمبعوث الخاص ستيف ويتكوف في برلين يوم 15 ديسمبر 2025 (د.ب.أ)
جاريد كوشنر صهر الرئيس دونالد ترمب والمبعوث الخاص ستيف ويتكوف في برلين يوم 15 ديسمبر 2025 (د.ب.أ)

نسبت صحيفة «نيويورك تايمز» إلى مصادر مطلعة، الثلاثاء، أن مسودة خطة أميركية بشأن غزة تطالب حركة «حماس» بتسليم جميع الأسلحة القادرة على ضرب إسرائيل، لكنها ستسمح للحركة بالاحتفاظ ببعض الأسلحة الخفيفة في البداية على الأقل.

وقالت الصحيفة إن من غير المرجح أن تسحب إسرائيل قواتها من القطاع قبل أن تُلقي «حماس» والفصائل الفلسطينية الأخرى أسلحتها.

وذكرت أن فريقاً بقيادة أميركية، يضم جاريد كوشنر صهر الرئيس دونالد ترمب، والمبعوث الأميركي الخاص ستيف ويتكوف، والمسؤول الأممي السابق نيكولاي ملادينوف، يعتزم عرض المسودة على «حماس» في غضون أسابيع.

وحذر المسؤولون الذين تحدثوا إلى الصحيفة الأميركية، ومن بينهم دبلوماسي من المنطقة، ومصادر مطلعة على الخطة، من أن التفاصيل قابلة للتغيير، وأن مسودات مختلفة قد تظهر لاحقاً.

وذكرت «نيويورك تايمز» أن المسودة تبدو مبنية على مبادئ نوقشت علناً من قبل؛ إذ قدم كوشنر الشهر الماضي عرضاً في دافوس بسويسرا تناول الخطوات التالية لنزع سلاح غزة، مشيراً إلى أن الأسلحة الثقيلة ستخرج من الخدمة، وستسجل الأسلحة الشخصية وتخرج من الخدمة مع تولي إدارة فلسطينية جديدة مسؤولية الأمن في القطاع.

وتشمل الخطوات التالية لخطة السلام نشر قوة استقرار دولية في غزة، وبدء إعادة إعمار واسعة النطاق، وتسليم إدارة القطاع إلى لجنة فلسطينية تكنوقراطية.


لتضميد جراح الحرب... فتيات يتدربن على الملاكمة في غزة (صور)

مدرب الملاكمة أسامة أيوب (يمين) يقوم بتدريب فتيات صغيرات داخل خيمة في منطقة المواصي بخان يونس جنوب قطاع غزة (إ.ب.أ)
مدرب الملاكمة أسامة أيوب (يمين) يقوم بتدريب فتيات صغيرات داخل خيمة في منطقة المواصي بخان يونس جنوب قطاع غزة (إ.ب.أ)
TT

لتضميد جراح الحرب... فتيات يتدربن على الملاكمة في غزة (صور)

مدرب الملاكمة أسامة أيوب (يمين) يقوم بتدريب فتيات صغيرات داخل خيمة في منطقة المواصي بخان يونس جنوب قطاع غزة (إ.ب.أ)
مدرب الملاكمة أسامة أيوب (يمين) يقوم بتدريب فتيات صغيرات داخل خيمة في منطقة المواصي بخان يونس جنوب قطاع غزة (إ.ب.أ)

على حلبة ملاكمة مرتجلة أقيمت على الرمل بين خيام النازحين بجنوب قطاع غزة، تمارس فتيات تمارين الإحماء قبل توجيه لكمات قوية باتباع تعليمات مدربهن الذي يقول إن هذا يساعدهن على التفريغ النفسي بعد عامين من الحرب الشرسة.

قبل اندلاع الحرب في السابع من أكتوبر (تشرين الأول) 2023، كان أسامة أيوب يدير نادياً للملاكمة في مدينة غزة، لكن القصف الإسرائيلي دمره كما دمر منزله أسوة بالدمار الذي لحق بكل قطاع غزة ومرافقه من جراء الحرب الانتقامية التي تشنها إسرائيل منذ هجوم «حماس».

مدرب الملاكمة أسامة أيوب يدرب فتيات صغيرات داخل خيمة في منطقة المواصي (إ.ب.أ)

وبعد أن وجد نفسه وسط مآسي النازحين الذين تكدسوا في عشرات الآلاف من الخيام المهترئة في ظروف مزرية وسط رعب القصف والغارات التي لم يكونوا بمنأى منها، قرر أن يفعل شيئاً من أجلهم، ولم يجد أفضل من تسخير خبرته مدرباً رياضياً لمساعدتهم.

يقول أيوب: «بعدما فقدنا منزلنا وتهجَّرنا من غزة في الشمال إلى خان يونس في الجنوب، قررنا أن نعمل داخل المخيم. كبداية أردنا أن يكون ذلك نوعاً من التفريغ النفسي من جراء صدمات الحرب».

على الحلبة خلفه، يتواجه عدد من اللاعبات بحماسة وسط تشجيع زميلاتهن، في حين تتدرب أخريات على أكياس اللكم.

يقول أيوب إن الفتيات متأثرات كثيراً من جراء «القصف واستشهاد أفراد من عائلاتهن وأقربائهن وصديقاتهن. إنهن يشعرن بالألم ويحتجن إلى تفريغه، والملاكمة تساعدهن على التعبير عن مشاعرهن وانفعالاتهن».

مدرب الملاكمة أسامة أيوب (يمين) يدرب فتيات صغيرات في خان يونس بجنوب قطاع غزة (إ.ب.أ)

يوفر أيوب حصص تدريب مجانية لخمس وأربعين فتاة بين الثامنة والتاسعة عشرة من العمر، ثلاث مرات في الأسبوع.

وفي إشارة إلى نجاح المبادرة يقول إن هذه التدريبات وفرت «راحة كبيرة، حتى لدى أهالي الفتيات الذين يأتون لمشاهدتهن ويقومون بتشجيعهن».

ومن بين المتدربات، تأمل غزل رضوان البالغة من العمر 14 عاماً أن تصبح بطلة في الملاكمة يوماً ما. وتقول: «ألعب الملاكمة حتى أقوي شخصيتي وأفرغ الطاقة... أتدرب حتى أصبح في المستقبل بطلة وألعب مع فرق العالم الأخرى وأرفع علم فلسطين».

فتاة تتدرب على الملاكمة داخل خيمة في منطقة المواصي بخان يونس في جنوب قطاع غزة (إ.ب.أ)

نداء للمساعدة

يعاني قطاع غزة من النقص في كل شيء، من الماء والدواء والطعام وصولاً إلى مواد البناء، وهو ما اضطر المدرب أيوب إلى إقامة حلبة ملاكمة متواضعة بما توفر من مواد.

ويوضح أيوب: «أحضرنا الخشب وصنعنا حلبة ملاكمة مربعة، ولكن ليس لدينا حُصر ولا وسائل لتوفير السلامة».

في ظل الحصار الإسرائيلي الذي يسبب نقصاً حاداً في المواد الضرورية الأساسية، تأتي المعدات الرياضية في مرتبة متأخرة جداً ضمن قائمة المواد التي قد يُسمح بإدخالها إلى القطاع الفلسطيني المدمر.

مدرب الملاكمة أسامة أيوب (في الوسط) يدرب فتيات صغيرات داخل خيمة في منطقة المواصي بخان يونس (إ.ب.أ)

وفي يناير (كانون الثاني)، أفادت «وكالة الأنباء الفلسطينية الرسمية» (وفا)، بأن إسرائيل لم تسمح بدخول شحنة من العشب الصناعي تبرعت بها الصين للمجلس الأعلى للشباب والرياضة في غزة.

ووجه المدرب نداء إلى «المجتمع الدولي للاهتمام بالملاكمات ودعمهن ونقلهن من غزة إلى معسكرات تدريب خارج البلاد لتعزيز ثقتهن بأنفسهن وتوفير المزيد من الراحة النفسية لهن».

وتفيد اللاعبة ريماس ابنة السادسة عشرة بأنها أصرت على مواصلة التدريب «رغم الحرب والقصف والدمار».

فتيات صغيرات يتدربن على الملاكمة داخل خيمة في المواصي بخان يونس جنوب قطاع غزة (إ.ب.أ)

وتقول متوجهة إلى العالم: «نحن الفتيات الملاكمات، نأمل منكم مساعدتنا، وأن تحضروا لنا طاولات وقفازات وأحذية. نحن نتدرب على الرمل، ونحتاج إلى فرشات وإلى أكياس لكم».