لماذا وكيف عاد الكاظمي إلى بغداد؟

«الإطار التنسيقي» يخشى فقدان الاتصال وعقوبات ترمب

مصطفى الكاظمي (أ.ب)
مصطفى الكاظمي (أ.ب)
TT

لماذا وكيف عاد الكاظمي إلى بغداد؟

مصطفى الكاظمي (أ.ب)
مصطفى الكاظمي (أ.ب)

على متن طائرة خاصة، وصل مصطفى الكاظمي رئيس وزراء العراق السابق، إلى بغداد، الثلاثاء الماضي. كان في استقباله فوج حماية تؤمنه الحكومة عادةً للرؤساء السابقين، في مشهدٍ لم يكن متاحاً لسياسي عراقي جرى التنكيل به طوال سنتين.

أراد طرف سياسي من الكاظمي أن يغادر بغداد حين قصفت طائرة مسيّرة منزله في نوفمبر (تشيرين الثاني) 2021. غادرها فعلياً أواخر 2022 بعد أن تعاضد تحالف واسع، ضم أحزاباً ومؤسسات قضائية وحكومية وناشطين، لإبعاده عن المجال العام، ولإجباره على «اختيار» المنفى.

في الصورة الأولى التي ظهر فيها الكاظمي مصافحاً ضابط أمن قرب منزله في المنطقة الخضراء، صورة أكبر عمَّا يتغير في العراق اليوم، وما سيؤول إليه في ظل شرق أوسط يعيش عصفاً غير مسبوق.

الكاظمي مصافحاً ضابط شرطة قرب منزله في المنطقة الخضراء (إكس)

في الصورة الأكبر أيضاً، تكهنات حول الطريقة التي عاد بها الكاظمي؛ إذ يروج مقربون منه أنها جاءت بعد «دعوة خاصة» لمساعدة تحالف «الإطار التنسيقي» على مواجهة أزمة تلوح في أفق دونالد ترمب الثاني، وهو ما يراه مشككون بنوايا «الإطار» والكاظمي، على حد سواء، دليلاً جديداً على أن الأخير «بارع في إنقاذ الدولة العميقة».

هل عاد الكاظمي لمساعدة أولئك الذين جردوه من فرص البقاء بأمان في المجال العام، أم أنه يبحث عن مساعدة نفسه، ومشروعه السياسي في «توقيت ذهبي»؟

يقول مستشار يعمل لديه حديثاً إن «المنطقة تمر بتحولات خطيرة ستؤثر على العراق، ولا بد من أن يساهم جميع السياسيين في درء المخاطر». ويعلق سياسيون من «الإطار التنسيقي» أن «شيئاً ما سيحدث في غضون الشهرين المقبلين... شيء لا نملك مضاداً حيوياً لمواجهته في التركيبة الإطارية الحالية».

لا توفر هذه الإجابة تفسيرات كافية عما حدث منذ خريف 2022، وكيف رجم «الإطار التنسيقي» وماكينته الإعلامية حكومة الكاظمي. ومن دون مقدمات يعود، ليعلق النظام السياسي على رقبته أحلاماً في لحظة عصيبة.

«إعادة شحن الهواتف»

قبل أن يعود الكاظمي، ظهرت إشارات إلى أن بغداد فقدت قدرتها على الاتصال بدوائر القرار الأميركي، وبدرجة ما بمحيطها القريب.

منذ أن ودع الديمقراطيون مكاتبهم في الخارجية الأميركية، لم تعثر حكومة السوداني على جمهوري واحد يرفع الهاتف. أفادت معلومات بأن فريقاً عراقياً كان مكلفاً بإنعاش الاتصالات مع إدارة ترمب أخفق في تأمين قناة رصينة، باستثناء لقاءات بروتوكولية مع أشخاص غير مهتمين بالملف العراقي.

«تُوِّج فقدان الاتصال»، وهو تعبير استخدمه ثلاثة أشخاص بارزين في الحكومة وأحد الأحزاب الحاكمة، يوم 13 نوفمبر الحالي، حين شارك رئيس الحكومة محمد شياع السوداني في مؤتمر ميونيخ للأمن، من دون أن يحظى بلقاء مع أي مسؤول أميركي كان في المؤتمر.

تزامن فقدان الاتصال مع رسائل أميركية «غير ودية»، يمررها بتواتر لافت النائب الجمهوري جو ويلسون، والمبعوث الرئاسي لشؤون الرهائن آدم بولر.

ويقول سياسيون عراقيون إن «الدولة العميقة» رأت في الكاظمي «الرجل القادر على إعادة شحن الهواتف المطفأة»، وإنقاذ السوداني و«الإطار التنسيقي».

«لا أحد يعلم إن كان الرجل يرغب في تقديم هذه الخدمة مجاناً، أو أنه سيقدمها أساساً بأي ثمن»، يقول سياسي كان يعارض الكاظمي أيام رئاسته للحكومة.

الكاظمي يتوسط العاهل الأردني الملك عبد الله الثاني والرئيس المصري عبد الفتاح السيسي خلال قمة عقد في بغداد 27 يونيو 2021 (رويترز)

كابوس العقوبات

جاء ترمب الثاني بفريق لا يضمر الود لقيادات في «الإطار التنسيقي» ووزراء في الحكومة ومسؤولين في السلك القضائي. بعضهم من أمثال مستشار الأمن القومي الجديد مايكل والتز الذي لم يكن يوفر الفرص لمهاجمة بغداد التي يتهمها بأنها «تسلّم نفسها لطهران».

في بغداد، ثمة قناعة راسخة بأن الفريق الجمهوري لن يفكر مرتين في الملف العراقي بعد أن يتفرغ من غزة والحرب الأوكرانية. أقل ما يرد في أذهان سياسيين عراقيين، لا يحبهم والتز، أنهم سيقرأون أسماءهم يوماً ما على لائحة عقوبات.

«لم لا نجرب خلطة الكاظمي الذي كان يمنح واشنطن الثقة بالتوازن المطلوب بينها وبين الإيرانيين»، يقول كثيرون في أحزاب شيعية قلقون مما سيحدث لاحقاً، وقائمة تكهناتهم تبدأ بعقوبات على شيعة متنفذين، ولا تنتهي عند حجب الدولار بتوقيع ترمب.

هل يمتلك الكاظمي هذه القدرات الاستثنائية التي تجعله قبة حديدية كما يصوره سياسيون في بغداد يحلمون الآن باكتشاف الطريقة التي تحميهم من عاصفة أميركية محتملة؟

«شخص معروف»

كيف وصلت الحكومة العراقية إلى حالة الجمود السياسي؟ ثمة تفسيرات يقدمها سياسيون بارزون في «الإطار التنسيقي» تتقاطع عند الملف السوري؛ إذ تأخر العراق في فهم فلسفة السياسة الجديدة في المنطقة، وواجه صعوبات في مغادرة قواعد لعبة «طوفان الأقصى»، لينتقل إلى قواعد ما بعد بشار الأسد.

و«لأن ترمب لا يفكر في العراق كثيراً»، كما يقول ديفيد شينكر المساعد السابق لوزير الخارجية الأميركي لشؤون الشرق الأدنى، فإن واشنطن لن تنخرط في علاقات سليمة مع العراق من دون أن يكون الأخير على درجة كافية من التناغم مع التغيرات في محيطه.

من اللافت أن يُسمع من أوساط مقربة من المرجعية الدينية في النجف وجهات نظر قد تعكس فهماً للسياسة العراقية المفقودة، في أن يكون النظام جزءاً حيوياً من الحراك العربي النشط بشأن قضايا المنطقة.

من اللافت أن يحدث كل هذا من دون أن يُسمع من طهران أي موقف، «ليس لأنها تخلت عن الملف العراقي، أو تعجز عن التأثير فيه»، كما يقول شخص مطلع على حوارات رافقت عودة الكاظمي.

يقول إن «طهران بحاجة إلى إنعاش بغداد التي تصل إلى نهائيات سائبة في السياسة الخارجية، وباتت تفقد الحيوية في التعامل مع الإقليم والغرب»، من دون أن يؤكد أن عودة الكاظمي على صلة بهذا المناخ.

رغم النظرة الإيجابية إلى عهده، يأخذ كثيرون على السوداني تأخره في ابتكار أدوات التكيف مع التحولات العاصفة في المنطقة. كان من الصعب البقاء في المربع الأول بينما يحدث زلزال في سوريا، وعاصفة في لبنان.

ما علاقة الكاظمي؟ على الأغلب، اقتنص الرجل «الفرصة الذهبية»؛ إذ يرى في نفسه الشخص القادر على التكيف السريع مع الشرق الأوسط الذي يتغير، بقناة اتصال رصينة مع المحيط العربي، ورصيد في إدارة التوازنات.

يقول سياسيون عراقيون إن عهد ترمب والشرق الأوسط الجديد سيفرضان معادلة سياسية جديدة في بغداد تتطلب شخصاً «يكون شريكاً موثوقاً لمطبخ القرار العربي في الشرق الأوسط، حتى يكون معروفاً لدى الأميركيين»، لهذا قطع الكاظمي تذكرة العودة إلى حلبة التنافس التي لن تكون هذه المرة بشعارات «المقاومة»، بل الاندماج مع الوضع الجديد..

الرئيس الأميركي السابق جو بايدن يصافح الكاظمي في البيت الأبيض في واشنطن 26 يوليو 2021 (أ.ف.ب)

شيعة ليبراليون

الحال أن عودة الكاظمي سبقها إعلان رئيس الوزراء الأسبق إياد علاوي عن تشكيل تحالف جديد، ومن قبله ينشط عدنان الزرفي، وهو مكلف سابق برئاسة الحكومة التي اعترضت على ترشيحه فصائل مسلحة. كلها عناصر تشكل سياقاً ناشئاً للبحث عن شيعة ليبراليين يقدمون بديلاً جديداً.

من يشتهي هذا السيناريو ويروج له بطريقة التسليم بأنه «الحل الأوحد»، يقول إن سوريا أحمد الشرع، ولبنان جوزيف عون، ونواف سلام، ينقصهم عراق يقوده شيعة ليبراليون يعرفون أين تقف إبرة الميزان بين واشنطن وطهران من دون اهتزاز.

عثر الكاظمي على طريق العودة إلى بغداد بعد أن انتهى التحالف الذي كان يرجمه ليلاً ونهاراً. لم يعد «الإطار التنسيقي» هو نفسه عام 2022؛ نوري المالكي، زعيم «ائتلاف دولة القانون»، يبحث عن طريقة لكبح السوداني، والفصائل المسلحة تجتهد في اختراع تموضع جديد يعفيها من ضريبة «وحدة الساحات»، وقيس الخزعلي، زعيم «عصائب أهل الحق»، يجرب الصمت وهو شيء لا يحب أن يفعله في سنة انتخابية.

يشعر الكاظمي أن هؤلاء جميعهم يحبون وجوده في بغداد هذه الأيام، يريدون منه «سمعة جيدة» عن عراق غير مضطر إلى إجراء تغييرات جذرية حتى ينسجم مع سوريا ولبنان الجديدين، فهل سيقدم هذه الخدمة مجاناً؟


مقالات ذات صلة

العراق يجدد التأكيد على ملاحقة منفذي الاعتداءات على السعودية

المشرق العربي مواطنون ورجال أمن عند الجانب العراقي من معبر الشلامجة (أ.ف.ب)

العراق يجدد التأكيد على ملاحقة منفذي الاعتداءات على السعودية

كررت السلطات الأمنية في بغداد، الثلاثاء، تأكيدها الاستمرار في ملاحقة مطلقي المسيّرات الملغمة ضد دول الجوار.

فاضل النشمي (بغداد)
المشرق العربي مصافحة بين الرئيس ماكرون ورئيس الوزراء العراقي علي الزيدي عقب مراسم التوقيع (أ.ف.ب)

توافق فرنسي - عراقي على تعزيز «الشراكة الاستراتيجية»

توافق فرنسي - عراقي على تعزيز شراكة البلدين الاستراتيجية، وباريس تولي اهتماماً خاصاً لقطاعين عراقيين رئيسيين هما: الطاقة والدفاع.

ميشال أبونجم (باريس)
رياضة عربية نيفتشي الأوزبكي هزم ضيفه القوة الجوية العراقي (الاتحاد الآسيوي)

«النخبة الآسيوي»: ضربة رأس تقود نيفتشي لحسم مواجهة القوة الجوية

سجل البديل زوران ماروشيتش هدفاً بضربة رأس متقنة في الدقيقة 83 ليفوز نيفتشي الأوزبكي 1 - صفر على ضيفه القوة الجوية العراقي الاثنين.

«الشرق الأوسط» (فيرغانا (أوزبكستان))
المشرق العربي معبر الشلامجة الحدودي مع إيران في محافظة البصرة يوم السبت بعدما أغلقته الحكومة العراقية على خلفية الاعتداء بالمسيّرات على المملكة العربية السعودية (أ.ف.ب)

العراق يشدد إجراءات الأمن لمنع استهداف دول الجوار

ما زال الهجوم الذي طال المملكة العربية السعودية، نهاية الأسبوع الماضي، يحظى باهتمام الجهات الرسمية العراقية التي تتحدث عن إجراءات مشددة للحيلولة دون تكراره.

فاضل النشمي (بغداد)
الاقتصاد الزيدي يناقش مع رئيس شركة توتال إنرجيز باتريك بوينيه والوفد المرافق له مشاريع الشركة في العراق (إكس)

الزيدي يناقش مشاريع «توتال» الفرنسية في العراق

أعلن العراق، الاثنين، أن رئيس مجلس الوزراء علي فالح الزيدي، ناقش مع رئيس شركة توتال إنرجيز باتريك بوينيه، في باريس، مشاريع الشركة التي تنفذها في العراق.

«الشرق الأوسط» (باريس)

الغموض يلف دوافع جريمة في السويداء ضحاياها محامٍ ووالدته وشقيقته

مستشفى السويداء الوطني (أرشيفية)
مستشفى السويداء الوطني (أرشيفية)
TT

الغموض يلف دوافع جريمة في السويداء ضحاياها محامٍ ووالدته وشقيقته

مستشفى السويداء الوطني (أرشيفية)
مستشفى السويداء الوطني (أرشيفية)

يلفّ الغموض دوافع وهوية مرتكبي جريمة قتل، راح ضحيتها محامٍ ووالدته وشقيقته، في منزلهم بمدينة السويداء، جنوب سوريا، إحدى المناطق التي يسيطر عليها شيخ العقل حكمت الهجري وما يعرف بـ«الحرس الوطني» التابع له.

وبينما ذكرت مصادر رسمية في المحافظة، أن هناك شبهات تتعلق بعناصر ومجموعات كانت تنضوي سابقاً تحت ما يُعرف بـ«عصابة راجي فلحوط الإرهابية»، تحدثت مصادر محلية في المدينة عن أن المحامي «من المقتدرين مالياً، وليس له نشاط سياسي»، في حين كشفت مصادر أخرى أنه «لم يكن على توافق مع الهجري».

وأفادت منصات إخبارية، تعني بأخبار السويداء ذات الأغلبية السكانية الدرزية، الاثنين، بالعثور على جثث كل من المحامي زاهر محمود ثابت، وشقيقته لينا محمود ثابت، ووالدتهما رضى أبو شبلي، داخل منزلهم في حي الإطفائية في مدينة السويداء.

ونقلت المنصات، عن مصادر محلية، أن «الجثث وُجدت داخل الشقة وعليها آثار قتل بأدوات حادة، فيما تحدثت بعض الروايات عن آثار تعذيب ونحر»، مشيرة إلى أنه «لم تُعرف بعد دوافع الجريمة أو هوية الجناة».

المحامي زاهر محمود ثابت وجد مقتولاً مع والدته وشقيقته في منزله بالسويداء (أرشيفية)

نفّذت الجريمة وسط حالة من الفوضى الأمنية تسود المناطق الخاضعة لنفوذ الهجري و«الحرس الوطني»، منذ سيطرتهم عليها عقب اشتباكات وقعت في يوليو (تموز) 2025 بين الدروز وعشائر تسكن المنطقة، وتدخلت فيها القوات الحكومية، وأدّت إلى اندلاع أعمال عنف.

من جانبها، أصدرت «مديرية إعلام السويداء» التابعة لمحافظة السويداء بياناً أدانت فيه بأشد العبارات الجريمة البشعة التي أودت بحياة المحامي ووالدته وشقيقته، وما تلاها من حادثة قتل بحق مدنيين أبرياء.

وذكرت أنه بحسب المعطيات الأولية، تظهر على جثامين الضحايا آثار تعذيب وتنكيل باستخدام أدوات حادة، في جريمة تشكل انتهاكاً صارخاً للقيم الإنسانية والقانونية، وتستوجب محاسبة جميع المتورطين فيها.

وتشير المعلومات إلى «وجود شبهات تتعلق بعناصر ومجموعات كانت تنضوي سابقاً تحت ما يُعرف بعصابة راجي فلحوط الإرهابية»، لافتة إلى أن المحامي المغدور تعرض لـ«حادثة اختطاف عام 2021 على يد عصابات السويداء، حيث تم دفع فدية مالية لفكّ اختطافه. علماً بأنه يعرف عن المغدور، بشهادات أهلية عديدة، سيرته الحسنة وأياديه الممدودة لمساعدة الآخرين».

يذكر أن راجي فلحوط أسّس ما يُعرف بـ«حركة قوات الفجر» خلال سنوات الحرب السورية، وكانت من أبرز المجموعات التابعة لجهاز الأمن العسكري في السويداء والجنوب السوري خلال عهد النظام السابق، ويتهمها أبناء السويداء بعمليات قتل وخطف وتجارة مخدرات لصالح نظام الأسد والميليشيات الإيرانية. وقد تمكنت «حركة رجال الكرامة» وفصائل محلية أخرى، منتصف عام 2022، من السيطرة على مقراتها والقضاء على عدد كبير من مسلحيها، فيما لم يعرف مصير زعيمها.

مقتل إياد صابر مقلد برصاص أمام منزله في مدينة السويداء الإثنين (السويداء 24)

وفي بيانها، لفتت «مديرية إعلام السويداء»، إلى أن تزايد الجرائم والانتهاكات وأعمال العنف في محافظة السويداء، خصوصاً في ظل الفراغ الأمني القائم في مناطق تخضع لسيطرة «مجموعات خارجة عن القانون»، تمارس التضييق على المدنيين، وتقيّد حرياتهم في الرأي والتعبير والعمل والتنقل تحت تهديد السلاح، يتطلب وقفة جادة من المجتمع المحلي للعودة إلى ضرورة تطبيق القانون وإيجاد التفاهم الحقيقي بعودة الدولة الضامنة لحقوق أفرادها.

وأوضحت المديرية، أن هذا الواقع لم يعد يقتصر على القضايا الجنائية والتهديدات الأمنية، بل يمتد إلى تقويض الحقوق والحريات الأساسية للمواطنين، الأمر الذي يفرض تضافر الجهود المجتمعية والقانونية لحماية المدنيين وصون كرامتهم.


احتضان دبلوماسي وعسكري للبنان في اجتماعات باريس الخميس

الرئيس اللبناني جوزيف عون (وسط) خلال الجولة التي قام بها في 12 سبتمبر بالجنوب اللبناني (الرئاسة اللبنانية)
الرئيس اللبناني جوزيف عون (وسط) خلال الجولة التي قام بها في 12 سبتمبر بالجنوب اللبناني (الرئاسة اللبنانية)
TT

احتضان دبلوماسي وعسكري للبنان في اجتماعات باريس الخميس

الرئيس اللبناني جوزيف عون (وسط) خلال الجولة التي قام بها في 12 سبتمبر بالجنوب اللبناني (الرئاسة اللبنانية)
الرئيس اللبناني جوزيف عون (وسط) خلال الجولة التي قام بها في 12 سبتمبر بالجنوب اللبناني (الرئاسة اللبنانية)

رداً على من يروّجون لغياب أي تأثير لفرنسا في الملف اللبناني، تنظر باريس إلى الاجتماع الدولي الخاص بدعم الجيش اللبناني والقوات الأمنية على أنه الدليل على قدرتها على العمل من أجل مساعدة لبنان. وجديد الاجتماع أنه وضع في إطار ما يسمى «مسار العقبة»، الذي أطلقه الأردن قبل عشر سنوات، والذي يركز أساساً على تحديات الأمن والاستقرار في الشرق الأوسط، من خلال حوارات لخبراء من المستوى الرفيع.

ووفق «الإليزيه»، فإن العاهل الأردني هو الجهة التي اقترحت التئام دورته الراهنة في باريس، وأن تُخصَّص للملف اللبناني، وأن الرئيس اللبناني جوزيف عون وافق على ذلك. ووفق «الإليزيه» أيضاً، فإن المناقشات تتركز على المسائل «العملياتية» والمهمات التي ستقع على عاتق الجيش اللبناني، لضمان أن تمارس الدولة سلطتها على كل الأراضي اللبنانية وبداية في الجنوب. لذا فإن البحث سيتناول النظر في حاجات الجيش اللبناني التي سيتاح له عرضها من الناحيتين المالية والقدراتية، بحيث يتمكن من القيام بالمهام المسندة إليه، لا بل أيضاً مواكبته في مهامّه. وتريد باريس أن يفهم الجميع أنه لا أحد سيمكنه الحلول محل الجيش اللبناني، مشيرة بذلك إلى مهمة حصرية السلاح التي تريد الدولة القيام بها منوطة بالجيش اللبناني، وهي ترى أنه يمكن أن يكون قادراً على القيام بها.

الرئيس جوزيف عون في النبطية بجنوب لبنان يوم 12 سبتمبر (أ.ب)

وقبل انطلاق الاجتماع «التقني»؛ أي العسكري، سيكون للرئيس ماكرون اجتماعان ثنائيان في قصر الإليزيه صباحاً مع الرئيس جوزيف عون بدايةً، ثم مع العاهل الأردني عبد الله الثاني، ثم سيحصل اجتماع ثلاثي. ومن المقرر أن يلقي كل من القادة الثلاثة كلمة افتتاحية في الاجتماع. وأفاد قصر الإليزيه بأن قيادة الجيش اللبناني ورئاسة أركان القوات الفرنسية والأردنية والبريطانية ستكون حاضرة، وأن التمثيل الأميركي العسكري سيكون مرتفعاً.

وأشارت صحيفة «لو موند»، في عددها الصادر الثلاثاء، أن الجنرال جوزيف كليرفيلد سيمثل الجيش الأميركي، وأن السفير الأميركي في بيروت ميشال عيسى سيحضر أيضاً الاجتماع، إلى جانب مستشارين لوزير الخارجية ماركو روبيو. وبالنسبة للتمثيل السعودي، فقد أفاد «الإليزيه» بأنه سيكون عسكرياً وسياسياً، وأن المبعوث السعودي إلى لبنان الأمير يزيد بن فرحان سيكون حاضراً، مؤكداً أن باريس تعمل «بشكل وثيق» مع السعودية في الملف اللبناني.

ولم تكشف مصادر «الإليزيه» عن هويات الأطراف الأخرى المشارِكة ومستويات التمثيل العسكرية، إلا أن «الشرق الأوسط» علمت من مصادر دبلوماسية أن هناك 17 دولة وهيئة ستشارك في الاجتماع؛ ومن بينها بعثة أوروبية، وأخرى أممية، باعتبار أن ملف ما بعد «يونيفيل» سيكون مطروحاً.

حقيقة الأمر أن باريس لا تريد رفع سقف التوقعات، لذا فإن مصادر «الإليزيه» أشارت إلى أن الاجتماع «ليس لعرض أرقام الالتزامات المالية أو للائحة المقتنيات الواجب الحصول عليها». إلا أنها، بالمقابل، تضع الاجتماع ذا الطابع العسكري في إطار أوسع هو ترميم السيادة اللبنانية والتوصل إلى استقرار الأوضاع وقلب صفحة الأزمات، الأمر الذي يمر، وفق ما قالته، بالسير بمجموعة من الإصلاحات، بما فيها المالية وتوافق لبناني حول الإصلاحات والانتخابات والتوصل إلى اتفاق مع صندوق النقد الدولي، وكلها مطالب قديمة طلبت الأسرة الدولية من اللبنانيين القيام بها. بيد أن باريس تعي صعوبة الوضع الميداني في الجنوب بسبب الاحتلال الإسرائيلي لمساحات واسعة من أراضيه، وما يقوم به الجيش الإسرائيلي من ضرب البنى التحتية والتهجير، وكلها تُفاقم الصعوبات اللبنانية. وتعي باريس أيضاً أن علاقاتها المتوترة مع إسرائيل لا تسهل مهمة البحث في مرحلةِ ما بعد نهاية انتداب «يونيفيل».

ومع ذلك فإن باريس تُراهن على عنصرين؛ الأول العمل الذي تقوم به مع إيطاليا لملء الفراغ المترتب على رحيل «يونيفيل» الحالية. وإيطاليا توفر أكبر عدد حالياً لـ«يونيفيل». والثاني الالتزام الأوروبي بمساعدة لبنان من خلال آلياته المعتمَدة للمساعدات الخارجية. إلا أن الرفض المزدوج أميركياً وإسرائيلياً لـ«يونيفيل 2»، يُصعب مهمة باريس وروما، لذا فإن الرهان على الاجتماعات التي ستستضيفها الأمم المتحدة، خلال الشهر الحالي، التي يمكن أن تسهم في توضيح الصورة.

الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون خلال زيارته قاعدة عسكرية في مدينة أورانج بجنوب فرنسا الثلاثاء (أ.ف.ب)

وليس سراً أن باريس تريد انتداباً دولياً يحدد مهمة القوة المطلوب منها ملء الفراغ الأمني ومساعدة الجيش اللبناني، الأمر الذي مِن شأنه تشجيع الدول الراغبة في الانخراط في هذه العملية. وفي أي حال، فإن الهدف الأعلى الذي تسعى إليه باريس يقوم على شقين: مساعدة لبنان على ترميم سيادته وسلطته، ما يستدعي نزع سلاح «حزب الله»، وهو الطلب المنصوص عليه في القرار 1701 وفي قرارات دولية أخرى. والثاني طمأنة إسرائيل لتوافر أمنها انطلاقاً من الخط الأزرق. وتعدّ فرنسا أن رئاستها مجلس الأمن الدولي، للشهر الحالي، يمكن أن تكون عاملاً مساعداً لإيجاد مَخرج للقوة البديلة في الجنوب اللبناني.

هل سيغيّر اجتماع باريس شيئاً في الوضع اللبناني؟ السؤال يمكن أن يطرح إذ إن الاجتماعات التي خُصصت لدعم الجيش اللبناني كانت كثيرة وتنقلت، في السنوات الأخيرة، بين باريس وروما، لكن المراد من اجتماع الخميس أن يكون مختلفاً عما سبقه بحيث يتناول الأمور العملية الواجب التعامل معها وفق قراءة مشتركة واضحة: من جهة، رصد لحاجات الجيش اللبناني وتحديد مهماته. ومن الجهة الثانية، الدور العربي الدولي في كيفية الاستجابة لهذه الحاجات وتلبيتها لتمكينه من القيام بدوره وليس الحلول مكانه.


إسرائيل تغتال قائد كتيبة في «القسام» بغزة

فلسطينيون يشيعون القيادي في كتائب «القسام» أحمد البطش بعد مقتله في غارة جوية إسرائيلية استهدفت سيارته في مدينة غزة الثلاثاء (أ.ف.ب)
فلسطينيون يشيعون القيادي في كتائب «القسام» أحمد البطش بعد مقتله في غارة جوية إسرائيلية استهدفت سيارته في مدينة غزة الثلاثاء (أ.ف.ب)
TT

إسرائيل تغتال قائد كتيبة في «القسام» بغزة

فلسطينيون يشيعون القيادي في كتائب «القسام» أحمد البطش بعد مقتله في غارة جوية إسرائيلية استهدفت سيارته في مدينة غزة الثلاثاء (أ.ف.ب)
فلسطينيون يشيعون القيادي في كتائب «القسام» أحمد البطش بعد مقتله في غارة جوية إسرائيلية استهدفت سيارته في مدينة غزة الثلاثاء (أ.ف.ب)

واصلت إسرائيل تنفيذ عمليات الاغتيال في قطاع غزة، والتي تطال نشطاء بارزين في الفصائل الفلسطينية، وخاصةً «كتائب القسام» الجناح المسلح لحركة «حماس».

ووقعت أحداث محاولات الاغتيال، ظهر الثلاثاء، باستهداف ناشطَين من «حماس» كانا يسيران بالقرب من مفترق الصناعة جنوب غربي مدينة غزة، ما أدى لإصابتهما بجروح، بعدما تمكنا من الابتعاد عن مكان استهدافهما بصاروخ واحد من طائرة مسيرة، بينما أصيب 7 من المارة بجروح متفاوتة ونقلوا إلى مستشفيات المدينة لتلقي العلاج.

وبعد أيام من اغتيال محمد اليازوري، قائد لواء خان يونس جنوبي قطاع غزة، قتلت طائرة مسيرة إسرائيلية، قبيل منتصف ليل الاثنين - الثلاثاء، أحمد البطش، قائد كتيبة جباليا البلد، في لواء الشمال، التابع لـ«كتائب القسام»، وذلك إثر استهداف مركبة كان يقودها بحي الصفطاوي شمال غزة.

وقال مصدر ميداني من «حماس» إن «هناك بدائل موجودة للقيادات العسكرية التي تتعرض للاغتيال، وفق آلية (مرنة) كما كان الحال بعد الاغتيالات التي طالت القيادات التاريخية».

وتزامن اغتيال البطش مع غارة أخرى استهدفت مجموعة من الشبان في حي تل الهوى جنوب غربي مدينة غزة، ما أدى لإصابة بعضهم، قبل أن يعلن، صباح الثلاثاء، عن مقتل الناشط في «كتائب القسام»، يوسف الزعيم.

كما نفذت طائرة مسيرة إسرائيلية غارة على سطح مبنى وشقة سكنية، بجوار مجمع الشفاء الطبي بمدينة غزة، ما أدى لمقتل محمد عجور، وهو قائد سرية في «وحدة التصنيع العسكري» بـ«كتائب القسام».

وأكد بيان للجيش الإسرائيلي أن عجور ناشط في وحدة التصنيع العسكري، زاعماً أنه عمل مؤخراً على «دفع مخططات لاستهداف قواته، ولإعادة بناء قدرات (حماس)».

وسبق ذلك اغتيال رأفت أبو الزمر إثر قصف خيمة من قبل طائرة مسيرة إسرائيلية في مواصي خان يونس جنوب القطاع.

وعلمت «الشرق الأوسط» من مصدر ميداني آخر أنه أبو الزمر كان قائد سرية في قسم التدريبات العسكرية بـ«القسام»، وهو من الناشطين الميدانيين البارزين في «لواء رفح»، وكان على علاقة مباشرة مع مؤمن أبو لبدة الذي اغتيل ليلة الخميس - الجمعة بعد قصف مركبته في مدينة حمد.

وفي بيان له، قال الجيش الإسرائيلي إن «أبو الزمر قائد سرية في هيئة العمليات، وقاد تدريبات لعناصر في (حماس) قبل هجوم السابع من أكتوبر (تشرين الأول) 2023، وواصل خلال الفترة الأخيرة تدريبه لعناصر أخرى، وتطوير القدرات القتالية للحركة»، على حد بيانه.

كما أصيب، ظهر الاثنين، ناشط في «القسام» إثر غارة استهدفته في خيمة بمخيم للنازحين وسط مدينة غزة، وأصيب عدد آخر من المواطنين في الهجوم.