الصومال: نجحنا في تسوية 4.5 مليار دولار من الديون بمساعدة السعودية

وزير المالية الصومالي لـ«الشرق الأوسط»: نشهد تغيراً حقيقياً وجاهزون لاستقبال الاستثمارات

TT

الصومال: نجحنا في تسوية 4.5 مليار دولار من الديون بمساعدة السعودية

وزير المالية الصومالي بيحي عجي (تصوير: تركي العقيلي)
وزير المالية الصومالي بيحي عجي (تصوير: تركي العقيلي)

كشف وزير المالية الصومالي بيحي عجي أن بلاده تمكنت من تسوية نحو 4.5 مليار دولار من الديون ضمن مبادرة «هيبيك» التي ينفذها صندوق النقد الدولي، مبيناً أن هذا النجاح جاء نتيجة للتقدم الكبير في إصلاح المؤسسات الاقتصادية والمالية، وزيادة تعبئة الإيرادات المحلية.

وشدد الوزير عجي، في حوار مع «الشرق الأوسط»، على أن مقديشو تنظر إلى الرياض على أنها شريك أساسي وحليف استراتيجي في دعم النمو الاقتصادي وتعزيز الأمن والاستقرار في البلاد. وأشاد بالدور «المحوري» الذي تلعبه السعودية في عملية تخفيف أعباء الديون.

وفي سياق التصدي للجماعات الإرهابية، أوضح وزير المالية أن الحكومة أطلقت حملة عسكرية واسعة ضد «حركة الشباب» المتطرفة، نجحت خلالها في تحرير أكثر من 80 قرية، مؤكداً استمرار الضغط على الحركة حتى القضاء عليها تماماً داخل البلاد.

وزير المالية الصومالي بيحي عجي (تصوير: تركي العقيلي)

وأضاف: «هذا النجاح يعكس التزاماً وتصميماً قويين، ويؤكد أن الصومال يشهد تغيراً حقيقياً، وأننا نمضي بخطى ثابتة نحو مستقبل أكثر إشراقاً».

ورغم أن الوزير الصومالي لم يؤكد وجود تعاون مباشر بين «حركة الشباب» وجماعة الحوثيين الإرهابية، فإنه لم يستبعد هذا الاحتمال تماماً. وأضاف: «نحن في حالة يقظة تامة، ونراقب بشكل مستمر احتمالية وجود تعاون بينهما أو محاولاتهما لتوسيع نفوذهما الإقليمي».

وتطرق عجي إلى أولويات بلاده في المرحلة المقبلة، التي تركز على جذب الاستثمارات، خصوصاً من السعودية، في قطاعات متعددة تشمل المواشي الحية، والطاقة المتجددة، والاقتصاد الأزرق، والموارد الطبيعية مثل الذهب والمعادن وغيرها.

إصلاح المؤسسات

وأوضح وزير المالية الصومالي أن بلاده حققت إنجازاً تاريخياً في ديسمبر (كانون الأول) 2023، بوصولها إلى نقطة إتمام مبادرة البلدان الفقيرة المثقلة بالديون (هيبيك)، وهي عملية استغرقت قرابة عقد من الزمن.

وأشار إلى أن «هذه العملية تمثلت في سلسلة من الإصلاحات الهادفة إلى إعادة بناء مؤسسات الدولة الصومالية، وإصلاح نظام إدارة المالية العامة، بالإضافة إلى تنفيذ إصلاحات اقتصادية واسعة، وخلال هذه الفترة، نجحنا في بناء هذه المؤسسات، وفي الوقت نفسه تسوية ديوننا».

وأضاف أن الصومال تعامل بشكل أساسي مع الديون المستحقة لأعضاء نادي باريس، إلى جانب أعضاء من خارج النادي، مبيناً أنه تمت تسوية أكثر من 4.5 مليار دولار من الديون.

الدور السعودي

وأشار الوزير إلى أن المؤسسات العربية كانت جزءاً من مؤسسات نادي باريس، موضحاً: «نجحنا في تسوية الديون التي كانت مستحقة علينا، بما في ذلك الديون لصندوق التنمية السعودي، وقد لعبت السعودية دوراً محورياً في هذا الجانب، من خلال تسهيل ودعم إعادة هيكلة الديون المستحقة على الصومال للمملكة».

ولي العهد السعودي خلال استقباله الرئيس الصومالي العام الماضي في قصر الصفا بمكة المكرمة (واس)

وأضاف: «لم يقتصر دور المملكة على ذلك فحسب، بل امتد ليشمل دعم مؤسسات أخرى، وعلى رأسها صندوق أوبك للتنمية، كنا ندين للصندوق بنحو 36 مليون دولار، وقدمت الحكومة السعودية قرضاً مرحلياً لصندوق أوبك، مما مكّننا من إعادة هيكلة ديون الصندوق بنجاح».

تنسيق مستمر

وتحدث بيحي عجي عن التنسيق القوي والمستمر بين مقديشو والرياض في مختلف المجالات، خصوصاً في القطاع الأمني، مشيراً إلى أهمية التعاون بين الجانبين. وقال: «ننسِّق بشكل مستمر مع السلطات السعودية، وحالياً هناك وفد يضم ممثلين من مختلف القطاعات الصومالية، خصوصاً من القطاع الأمني، موجود في السعودية لمناقشة أفضل الاستراتيجيات للتعاون في مكافحة الجماعات الإرهابية».

وأضاف: «إلى جانب ذلك، لدينا بعثة أخرى في جدة بقيادة رئيس جهاز الاستخبارات الوطنية، ويشمل هذا التنسيق عدة محاور، ولا يقتصر فقط على الجوانب المالية، بل يتعدى ذلك ليشمل التنسيق العسكري والاستخباراتي أيضاً».

وشدد الوزير على أن الصومال يسعى إلى «توسيع قاعدة هذا التعاون لنتمكن من الاستجابة بفاعلية أكبر للتهديدات الإرهابية». وأكد أن «الجماعات الإرهابية لا تعترف بالحدود ولا تحترمها، مما يجعلها تهديداً مشتركاً يطول كل دولة في العالم».

أولويات الصومال

بعد نجاحه في تخفيف أعباء الديون، يركز الصومال على تعزيز الجانب الاقتصادي وجذب الاستثمارات إلى البلاد، وفقاً لما أوضحه وزير المالية.

وكشف الوزير عن أن الحكومة بصدد توقيع برنامج جديد مع صندوق النقد الدولي، يستند إلى المكاسب التي تحققت خلال عملية تخفيف الديون، بهدف ترسيخ هذه الإصلاحات الاقتصادية.

د. عبد الله الربيعة ووزير الطاقة والموارد المائية الصومالي خلال زيارته مقديشو يناير 2024 (واس)

وأضاف: «يشكل هذا البرنامج أساس خطتنا الاقتصادية لما بعد مبادرة (هيبيك)، حيث يركز على استدامة الإصلاحات، خصوصاً من خلال زيادة الإيرادات المحلية، وهو عنصر أساسي لضمان الاستقرار المالي، كما نعمل على تعزيز قدرات إدارة الديون، إلى جانب التعاون مع كثير من الجهات الإقليمية والدولية، خصوصاً في مجال مكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب، تحت إشراف مجموعة العمل المالي العربي (مينافاتف) ومجموعة العمل المالي (فاتف)».

تحسين مناخ الاستثمار

وأكد الوزير عجي أن مقديشو بذلت جهوداً كبيرة لتحسين مناخ الاستثمار وتعزيز البيئة التنظيمية بهدف جذب الاستثمارات وتقديم الحوافز المناسبة للمستثمرين. وأوضح أن «هذه الجهود تأتي كجزء من استراتيجيتنا لجذب الاستثمارات، مع تركيز خاص على المستثمرين السعوديين، نظراً للعلاقات التاريخية الممتدة والقرب الجغرافي في منطقة البحر الأحمر».

وأضاف: «نعد المملكة العربية السعودية شريكاً أساسياً وحليفاً استراتيجياً للصومال في دعم النمو الاقتصادي وتعزيز الأمن والاستقرار».

الفرص الاستثمارية

وأشار الوزير بيحي عجي إلى أن الصومال يتمتع بأطول ساحل في البر الرئيسي لأفريقيا، مما يوفر فرصاً هائلة في مجال الاقتصاد الأزرق والاستفادة من الموارد الطبيعية غير المستغلة، كما أوضح أن هناك فرصاً كبيرة للاستثمار في الزراعة والثروة الحيوانية.

وأكد أن السعودية «تُعد شريكنا التجاري الأكبر، حيث نُصدّر ما بين 3 و5 ملايين رأس من الحيوانات الحية سنوياً، وهو مجال يمكن تحسينه وتطويره من خلال تحديث القطاع الزراعي، خصوصاً في الثروة الحيوانية».

وأضاف: «تُعد سوق المواشي السعودية سوقاً بالغة الأهمية لنا وللمستثمرين، كما أن قطاع الطاقة يقدم فرصاً استثمارية كبيرة، خصوصاً في مجال الطاقة المتجددة، حيث يمكن أن يكون لها تأثير مضاعف على قطاعات أخرى، مثل الاستثمار في الثروة الحيوانية وتطوير سلاسل التبريد المرتبطة بالاقتصاد الأزرق».

وتشمل الفرص الاستثمارية أيضاً قطاع الموارد الطبيعية، خصوصاً المعادن مثل الذهب والمعادن الأخرى المنتشرة في أنحاء البلاد، مما يجعلها وجهة جاذبة للمستثمرين، حسب وصف الوزير.

تبديد المخاوف الأمنية

ويقول وزير المالية إن الصومال مرّ بسنوات طويلة من التحديات والصعوبات، لكن خلال الـ15 إلى الـ20 عاماً الماضية، بدأت البلاد تسير على طريق إعادة البناء وتحسين الوضعين الاقتصادي والأمني، والذي كان التحدي الأكبر.

وأوضح أن الحكومة «أطلقت حملة عسكرية هجومية ضد (حركة الشباب) المتطرفة، وتمكنت من تحرير أكثر من 80 قرية، ولا نزال نواصل الضغط على الحركة حتى يتم القضاء عليها تماماً في البلاد. هذه المكاسب الأمنية الكبيرة تشكل فرصة ضخمة لجذب الاستثمارات».

منظر عام للعاصمة الصومالية مقديشو (رويترز)

وأضاف: «عندما بدأنا عملية تخفيف الديون ضمن مبادرة (هيبيك)، كان هناك كثير من الشكوك حول قدرتنا على النجاح، ولكننا حققنا ذلك دون أي فشل، في المقابل، هناك دول عدة حاولت وفشلت في هذه العملية أكثر من مرة، أما نحن، فقد نجحنا من المحاولة الأولى، وهذا النجاح يعكس التزامنا وتصميمنا، ويثبت أن الصومال قد تغيَّر بالفعل، وأننا نمضي بخطى ثابتة نحو مستقبل أفضل».

مواجهة «حركة الشباب»

تبنّى الصومال استراتيجية تعتمد على ثلاثة محاور رئيسية لمواجهة «حركة الشباب» والجماعات الإرهابية، وفقاً لما ذكره وزير المالية، إذ قال: «في المحور الآيديولوجي، ركَّزنا على مواجهة الفكر المتطرف وتوعية المجتمع بأن ما تروجه هذه الجماعات لا يمتّ إلى الإسلام بصلة، أما في المحور المالي فقد عملنا على إضعاف مصادر تمويلهم بشكل جذري، وفي المحور العسكري واجهناهم بشكل مباشر على الأرض».

قوات تابعة للحكومة الصومالية تستعد لمواجهة تنظيم «داعش» الإرهابي في بوصاصو (رويترز)

وتابع بقوله: «فيما يخص المحور المالي حققنا إنجازات كبيرة من خلال تنفيذ إصلاحات شاملة على نظام الأمان المالي؛ إذ قمنا بإغلاق آلاف الحسابات المشبوهة، سواء في تطبيقات الأموال الإلكترونية أو الحسابات البنكية التقليدية، مما أدى إلى تقليص قدرتهم على جمع الأموال عبر الإتاوات، هذا الإجراء أسهم بشكل كبير في إضعاف قدرتهم على تمويل وتنفيذ عملياتهم».

وأشار إلى أنه «عندما تم انتخاب هذه الحكومة، كانت (حركة الشباب) تجمع موارد هائلة وتشكل تهديداً ليس للصومال وحده، بل للمنطقة بأكملها، بما في ذلك الشرق الأوسط والقرن الأفريقي، فقد كانوا يدعمون الجماعات التابعة لتنظيم (القاعدة) في الشرق الأوسط وأفريقيا، وصولاً إلى نيجيريا والمغرب العربي، ولكن اليوم، لم تعد لديهم القدرة على تمويل تلك الجماعات، بل حتى عملياتهم داخل الصومال تأثرت بشكل كبير».

وأكد أن مقديشو تخوض حرباً ضد تنظيم «داعش» في الصومال، مشيراً إلى أن الحكومة كثفت خلال الأشهر الأخيرة حملتها العسكرية ضد التنظيم، خصوصاً في المناطق الشمالية الشرقية من البلاد. وقال: «نجحنا في السيطرة على مساحات واسعة من الأراضي التي كانوا يسيطرون عليها، ودمرنا قواعدهم في تلك المناطق، وحققنا مكاسب كبيرة على هذا الصعيد أيضاً».

تعاون «حركة الشباب» مع الحوثيين

وفي رده على سؤال حول التقارير التي تشير إلى تعاون محتمل بين جماعة الحوثيين الإرهابية في اليمن و«حركة الشباب» المتطرفة، قال الوزير الصومالي: «كما ذكرت، نحن نخوض حرباً ضد الإرهابيين في الصومال الذين كانوا يسعون لإنشاء ملاذ آمن لهم، وحققنا مكاسب كبيرة في هذا المجال، وسنواصل الضغط حتى القضاء على (حركة الشباب) تماماً في البلاد، ومع ذلك، نحن ندرك أن هذه الجماعات قد تحاول إيجاد روابط واتصالات جديدة للاستفادة منها، وحتى الآن، لم نرصد أي اتصالات مباشرة، لكن لا يمكننا استبعاد هذا الاحتمال بالكامل».

وأضاف: «هدفنا الأساسي هو القضاء التام على (حركة الشباب) وتنظيم (داعش) في الصومال، لضمان عدم قدرتهما على إقامة أي روابط أو إحداث تأثير مزعزع للاستقرار في المنطقة، نحن في حالة يقظة عالية، ونواصل مراقبة أي احتمالات لتعاونهما أو محاولاتهما لتوسيع نفوذهما الإقليمي».


مقالات ذات صلة

السعودية تدين استهداف إيران الناقلتين «وديان» و«الركيات»

الخليج سفن في مضيق هرمز (رويترز)

السعودية تدين استهداف إيران الناقلتين «وديان» و«الركيات»

أدانت السعودية بأشد العبارات قيام إيران باستهداف الناقلتين السعودية «وديان» والقطرية «الركيات» خلال عبور مضيق هرمز.

«الشرق الأوسط» (الرياض)
الخليج ولي العهد الأمير محمد بن سلمان مترئساً جلسة مجلس الوزراء في جدة الثلاثاء (واس)

«الوزراء» السعودي يبحث جهود خدمة الأمن والسلم الدوليين

اطّلع مجلس الوزراء السعودي، الثلاثاء، على مجمل أعمال الدولة، ولا سيما المتصلة بتعزيز العلاقات الثنائية مع الدول الشقيقة والصديقة على مختلف الأصعدة.

«الشرق الأوسط» (جدة)
يوميات الشرق يبلغ قطر رأس الحفر في الآلة 11.16 متر ويصل طولها الإجمالي إلى 105 أمتار (الهيئة الملكية لمدينة الرياض)

جاهزية آلة حفر الأنفاق العملاقة لمشروع امتداد «قطار الرياض»

اكتمل تصنيع آلة حفر الأنفاق العميقة المخصصة لمشروع امتداد المسار الأحمر لـ«قطار الرياض»، واجتيازها الاختبارات المصنعية، تمهيداً لنقلها إلى العاصمة السعودية.

«الشرق الأوسط» (الرياض)
يوميات الشرق جانب من أداء العازف أحمد الهلالي أحد أوائل خريجي بيت العود في السعودية (الشرق الأوسط)

«بيت العود» يحتفي بأول دفعة من خريجيه في السعودية

شهدت العاصمة الرياض تخريج أول دفعة من طلاب بيت العود، وذلك في خطوة تعكس تنامي الاهتمام بالتعليم الموسيقي المتخصص في السعودية.

فاطمة القحطاني (الرياض)
خاص ينتقل استخدام الذكاء الاصطناعي الصناعي من المشروعات التجريبية إلى التشغيل الفعلي في المباني والمصانع والشبكات (شاترستوك)

خاص «سيمنس السعودية» لـ«الشرق الأوسط»: المملكة تعيد صياغة نموذج اقتصاد المستقبل الرقمي

ترى «سيمنس» أن الشرق الأوسط يسرّع تحديث بنيته التحتية مع تحديات في الشبكات والمهارات والقياس والتمويل وتكامل البيانات.

نسيم رمضان (لندن)

الشرع وماكرون يطلقان شراكة تدعم الاستثمار والإعمار

الرئيسان السوري والفرنسي في الجامع الأموي بدمشق أمس (أ.ف.ب)
الرئيسان السوري والفرنسي في الجامع الأموي بدمشق أمس (أ.ف.ب)
TT

الشرع وماكرون يطلقان شراكة تدعم الاستثمار والإعمار

الرئيسان السوري والفرنسي في الجامع الأموي بدمشق أمس (أ.ف.ب)
الرئيسان السوري والفرنسي في الجامع الأموي بدمشق أمس (أ.ف.ب)

أطلق الرئيس السوري أحمد الشرع ونظيره الفرنسي إيمانويل ماكرون، الذي اختتم زياره رسمية إلى سوريا، أمس، شراكة جديدة بين البلدين تدعم الاستثمار وإعادة الإعمار. كما أشرفا على تشكيل لجان مشتركة وتوقيع مذكرات تفاهم واتفاقيات للاستثمار في مجالات حيوية عدة.

وأعلن الشرع خلال مؤتمر صحافي مشترك مع ماكرون عن اتفاق البلدين على «بدء مسار تبادل السفراء المقيمين بين دمشق وباريس في أقرب وقت ممكن، إيذاناً بعودة العلاقات الدبلوماسية إلى طبيعتها الكاملة».

وكان الرئيس السوري قد استقبل نظيره الفرنسي في قصر الشعب الرئاسي، عقب سماع انفجارين قرب فندق «الفورسيزونز» حيث أمضى ماكرون ليلته.

وأكّدت الرئاسة الفرنسية أن ماكرون «بخير ويواصل زيارته إلى سوريا».

أما وزارة الداخلية السورية فأوضحت أن الانفجارين نجما عن عبوتين ناسفتين، مشيرة إلى أنها باشرت تحليل تسجيلات الكاميرات لكشف ملابسات التفجيرين.

وتحدث وزير الداخلية أنس خطاب عن إغلاق بعض الطرق ريثما تنتهي أعمال التأمين في محيط موقع الانفجارين.


من المستفيد من تفجيرات «دمشق» في مكان حساس وتوقيت حرج؟

فرق الطوارئ تعمل فيما يتصاعد الدخان والنيران في موقع انفجار عبوات ناسفة في دمشق (رويترز)
فرق الطوارئ تعمل فيما يتصاعد الدخان والنيران في موقع انفجار عبوات ناسفة في دمشق (رويترز)
TT

من المستفيد من تفجيرات «دمشق» في مكان حساس وتوقيت حرج؟

فرق الطوارئ تعمل فيما يتصاعد الدخان والنيران في موقع انفجار عبوات ناسفة في دمشق (رويترز)
فرق الطوارئ تعمل فيما يتصاعد الدخان والنيران في موقع انفجار عبوات ناسفة في دمشق (رويترز)

في مكان وزمان بالغ الحساسية والحرج للسلطات السورية، وقع انفجاران متتاليان على بعد نحو 10 كيلومترات من مقر إقامة الرئيس الفرنسي خلال زيارته إلى سوريا.

وقالت مصادر مقربة من الحكومة لـ«الشرق الأوسط» إن هناك أطرافاً كثيرة قد تكون مستفيدة من هذه العملية، وفي مقدمتها «الفلول» والمتضررون من التقارب الفرنسي ـ السوري. إلا أن مصادر أخرى متابعة رجّحت مسؤولية تنظيم «داعش» عن التفجير كون التنظيم ما زال التحدي الأمني الأبرز في سوريا.

وأصيب 18 شخصاً على الأقل، بينهم معاون وزير السياحة و4 من عناصر الشرطة، في انفجارين متتاليين قرب وزارة السياحة، في محيط فندق «الفورسيزونز» مقر إقامة الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، وجاء ذلك بعد أقل من أسبوع على انفجار وقع في مقهى للمحامين في محيط القصر العدلي، راح ضحيته 10 مدنيين، وأصيب نحو 20 آخرين.

وبحسب الخبير الأمني عبد الله النجار، تحمل هذه التفجيرات بصمات «فلول» النظام السابق، بهدف «إجهاض عملية العدالة الانتقالية، التي سوف تطولهم بالتأكيد، ولإظهار أن سوريا غير آمنة».

وقال لـ«الشرق الأوسط» إن «العبوات بدائية الصنع، ولا تستثني أحداً، سواء مدنيون أم عسكريون» وهي ترمي إلى إظهار غياب سيطرة أمنية جيدة، مع الأخذ بعين الاعتبار أن «المعيار الأمني» في هذه التفجيرات «لا يشير إلى هشاشة أمنية»، ذلك لأنه يمكن لأي مجرم وضع عبوة ناسفة بدائية في حاوية قمامة، وأخرى في مركبة مركونة على جانب الطريق، كما حصل في تفجير الثلاثاء.

أفراد الأمن السوريون يتفقدون سيارة محترقة بالقرب من فندق فورسيزونز بينما كان الرئيس السوري أحمد الشرع يلتقي الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون في القصر الرئاسي بدمشق الثلاثاء (أ.ب)

من جهته، قال المحلل السياسي والدبلوماسي السابق بسام بربندي، لـ«الشرق الأوسط»، إنه كلما ظهرت «إشارات جدية» على التعافي في سوريا، تظهر ردّات فعل من الأطراف المتضررة من تحسن الوضع في البلاد، وفي هذا تتلاقى مصالح الفلول وتنظيم «داعش» و«حزب الله» اللبناني وإيران وإسرائيل.

مع الأخذ بعين الاعتبار أن أعداداً كبيرة من العناصر الذين كانوا جزءاً من نظام القمع السابق ما زالوا يعيشون «بيننا وضمن طبقات عدة»، فإن الأمر الذي لا يمكن إغفاله، بحسب بربندي، أن مؤسسات الدولة ما تزال في طور التكوين، وعناصر الأجهزة الأمنية جدد، لم يكتسبوا بعد الخبرات والقدرة الكاملة على ضبط الأمن.

ولفت المحلل السياسي إلى أن حجم التفجيرات يشير إلى أمرين، إما أن المنفذ أفراد أو مجموعات متضررة، أو أنها «جهة قادرة على القيام بعمليات كبيرة، لكن هدفها ليس التدمير في بلد هو أساساً مدمر، وإنما إشاعة عدم استقرار في كل مكان في سوريا».

بربندي شدّد على وجود رغبة دولية في توطيد الاستقرار في سوريا، وعلى الأرجح سيزداد الدعم لبناء المؤسسات الأمنية، وعلى الصعيد الاقتصادي والاستثمارات الكبيرة، غالباً لن تتأثر كونها تستند إلى حسابات سياسية، في حين ستتأثر الاقتصادات المحلية والمشاريع الصغيرة.

أشخاص يلوحون بالعلم الفرنسي أمام الفندق الذي يقيم فيه الرئيس إيمانويل ماكرون خلال زيارته إلى دمشق (أ.ف.ب)

مصادر مقربة من الحكومة قالت لـ«الشرق الأوسط» إن هذا النوع من العبوات البدائية غالباً لا تلاحظها عمليات مسح المتفجرات، واستخدامها سياسياً أكثر منه أمنياً، لافتة إلى أن المعطيات الأولية تشير الى «الفلول» أكثر من تنظيم «داعش»، الذي يستهدف بالدرجة الأولى عناصر الأمن والعسكريين في الدولة، ومن يعتبرهم «مرتدين». كما أن ضربات التنظيم «لئيمة» جداً من حيث حجم الأضرار التي تحدثها، «إلا إذا غيّر التنظيم نهجه في العمليات بين ليلة وضحاها».

من جانبه، اعتبر الخبير الأمني ضياء قدور تلك الآراء تكهنات بسبب الأطراف المستفيدة من التفجيرات في هذا التوقيت الحساس والمحرج لسوريا إلى أبعد الحدود، إلا أنه «لا يمكن تغطية الشمس بغربال» من حيث إن تنظيم «داعش» ما زال هو «التحدي الأمني الأكبر والأبرز في سوريا».

وزير الداخلية السوري أنس خطاب يتفقد منطقة بالقرب من فندق فورسيزونز بعد انفجارين في دمشق بالقرب من فندق كان يقيم فيه الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون (أ.ف.ب)

وقال لـ«الشرق الأوسط» إن التفجير المركب الذي حصل الثلاثاء يشبه الانفجار الذي وقع في منطقة باب شرقي بدمشق في مايو (أيار) الماضي، قرب أحد المباني التابعة لوزارة الدفاع، وأسفر عن مقتل عسكري وإصابة عدد من المدنيين، وقد تبناه تنظيم «داعش».

ورأى قدور أن الخطورة «لا تكمن بوجود خلية نشطة لتنظيم (داعش) متمرسة تعمل في قلب العاصمة وفي أكثر المناطق حساسية، وإنما أيضاً في أن هذه الخلية تعمل في الوقت الذي تريده وتستطيع أن تضرب وقتما تشاء»، رغم الجهود الكبيرة التي تبذلها وزارة الداخلية لمكافحة التنظيمات الإرهابية، ولا سيما (داعش) الذي ينفذ عمليات نوعية، وأحياناً استباقية».

تصاعد العمليات مؤخراً أعطى صورة سلبية عن الاستقرار النسبي الذي عاشته سوريا خلال الفترة الماضية، وهذا ما يريده من يقف خلف هذه التفجيرات، بحسب قدور الذي دعا وزارة الداخلية والاستخبارات إلى «القيام بمراجعات مؤلمة وقاسية في أسلوب التعاطي مع التهديدات الأمنية، ووضع استراتيجية شاملة للقضاء على هذه التهديدات والحدّ منها».

وأعلنت وزارة الداخلية السورية أن «انفجارين وقعا قرب وزارة السياحة بدمشق، الأمر الذي أسفر عن إصابة 18 شخصاً، من بينهم 4 من عناصر الشرطة». وقالت الوزارة إن موقع الانفجار كان خارج النطاق الأمني لمقرّ إقامة الرئيس الفرنسي.

وشهدت شوارع العاصمة السورية إجراءات أمنية مشددة، شملت العديد من الأحياء، وتم إغلاق كثير من الطرق، بالتزامن مع زيارة الرئيس الفرنسي إلى دمشق.


برلين: على لبنان التصدي لـ«حزب الله» وضمان الأمن لإسرائيل

مؤتمر صحافي لوزير الخارجية الألماني يوهان فاديفول ونظيره الإسرائيلي جدعون ساعر (أ.ب)
مؤتمر صحافي لوزير الخارجية الألماني يوهان فاديفول ونظيره الإسرائيلي جدعون ساعر (أ.ب)
TT

برلين: على لبنان التصدي لـ«حزب الله» وضمان الأمن لإسرائيل

مؤتمر صحافي لوزير الخارجية الألماني يوهان فاديفول ونظيره الإسرائيلي جدعون ساعر (أ.ب)
مؤتمر صحافي لوزير الخارجية الألماني يوهان فاديفول ونظيره الإسرائيلي جدعون ساعر (أ.ب)

حضّ وزير الخارجية الألماني، الثلاثاء، السلطات في لبنان على التصدي لـ«حزب الله» وإعادة بسط سيطرة الدولة على جنوب البلاد، حيث يخوض الحزب مواجهات مع القوات الإسرائيلية.

وخلال زيارة إلى القدس، أشاد يوهان فاديفول الذي سبق أن أبدى هذا العام تأييده للغزو الإسرائيلي لجنوب لبنان، بالاتفاق الإطاري الذي تم التوصّل إليه بوساطة أميركية بين إسرائيل ولبنان، وأكّد دعم ألمانيا للخطوة التي وصفها بأنها مبادرة «تاريخية».

وشدّد فاديفول في مؤتمر صحافي مشترك مع نظيره الإسرائيلي جدعون ساعر على وجوب «تحلي لبنان بالعزم لبسط سلطته، وضمان عدم وجود أي سيطرة لـ(حزب الله) في جنوب لبنان».

ولفت إلى أنه يتعيّن على لبنان أن «يضمن خصوصاً ألا تتعرض إسرائيل لأي مخاطر انطلاقاً من الأراضي اللبنانية»، وفق ما نقلته «وكالة الصحافة الفرنسية».

ودخل لبنان الحرب في الثاني من مارس (آذار)، بعدما أطلق الحزب صواريخ على إسرائيل، قال إنها رداً على مقتل المرشد الإيراني علي خامنئي في أولى الضربات الأميركية والإسرائيلية على إيران في 28 فبراير (شباط).

وردّت إسرائيل بحملة واسعة من الغارات الجوية واجتياح بري وأصدرت إنذارات إخلاء متكررة على مدى أكثر من ثلاثة أشهر من القتال، ما أسفر عن مقتل نحو 4300 شخص ونزوح أكثر من مليون شخص، خصوصاً من جنوب لبنان وضاحية بيروت الجنوبية، وفق السلطات.

وقُتل في الجانب الإسرائيلي 38 جندياً ومتعاقد مدني.

ترحيب وتعهّد

ورحّب فاديفول بالمحادثات الجارية بوساطة أميركية بين إسرائيل ولبنان، والمقرّر أن تُستأنف في روما الأسبوع المقبل، وتعهّد توفير الدعم الأوروبي والألماني لهذا الحوار.

وقال: «إن الاتفاق الذي توصّلت إليه إسرائيل ولبنان يشكّل بارقة أمل للسكان على جانبي الحدود، الذين يعانون معاً من إرهاب (حزب الله)».

واعتبر أن المفاوضات التي يجريها لبنان وإسرائيل حالياً «خطوة تاريخية جرى التقليل من شأنها».

وتابع: «أعتقد أنه إذا أمكن دعم هذا المسار من جانب الأوروبيين، فإن إسرائيل ولبنان يمكنهما أن يعوّلا على الدعم الألماني في أي وقت».

وتطرّق فاديفول أيضاً إلى الوضع في الضفة الغربية التي تحتلها إسرائيل. وقال: «في الضفة الغربية، يحتاج الفلسطينيون إلى أفق لمستقبل سياسي واقتصادي».

وحضّ وزير الخارجية الألماني إسرائيل على تحويل عائدات الضرائب والجمارك التي تحجبها عن السلطة الفلسطينية في رام الله، للحؤول دون انهيارها.

وقال: «إن السلطة الفلسطينية ليست مثالية، وهي بحاجة ماسة إلى الإصلاح. لكن إضعاف السلطة الفلسطينية لا يخدم أمن إسرائيل، بل يمكن أن يخلق فراغاً قد تملؤه قوى أخرى أكثر تطرفاً».

وحذّر فاديفول من أن استمرار التوسع الاستيطاني الإسرائيلي يقوّض آفاق السلام. وقال: «لهذا السبب ننظر بقلق كبير إلى مواصلة بناء المستوطنات». وأضاف: «لا يمكن القبول دولياً بضم فعلي لأجزاء من الضفة الغربية، ولا ترى ألمانيا كيف يمكن أن يكون ذلك قانونياً».