الصومال: نجحنا في تسوية 4.5 مليار دولار من الديون بمساعدة السعودية

وزير المالية الصومالي لـ«الشرق الأوسط»: نشهد تغيراً حقيقياً وجاهزون لاستقبال الاستثمارات

TT

الصومال: نجحنا في تسوية 4.5 مليار دولار من الديون بمساعدة السعودية

وزير المالية الصومالي بيحي عجي (تصوير: تركي العقيلي)
وزير المالية الصومالي بيحي عجي (تصوير: تركي العقيلي)

كشف وزير المالية الصومالي بيحي عجي أن بلاده تمكنت من تسوية نحو 4.5 مليار دولار من الديون ضمن مبادرة «هيبيك» التي ينفذها صندوق النقد الدولي، مبيناً أن هذا النجاح جاء نتيجة للتقدم الكبير في إصلاح المؤسسات الاقتصادية والمالية، وزيادة تعبئة الإيرادات المحلية.

وشدد الوزير عجي، في حوار مع «الشرق الأوسط»، على أن مقديشو تنظر إلى الرياض على أنها شريك أساسي وحليف استراتيجي في دعم النمو الاقتصادي وتعزيز الأمن والاستقرار في البلاد. وأشاد بالدور «المحوري» الذي تلعبه السعودية في عملية تخفيف أعباء الديون.

وفي سياق التصدي للجماعات الإرهابية، أوضح وزير المالية أن الحكومة أطلقت حملة عسكرية واسعة ضد «حركة الشباب» المتطرفة، نجحت خلالها في تحرير أكثر من 80 قرية، مؤكداً استمرار الضغط على الحركة حتى القضاء عليها تماماً داخل البلاد.

وزير المالية الصومالي بيحي عجي (تصوير: تركي العقيلي)

وأضاف: «هذا النجاح يعكس التزاماً وتصميماً قويين، ويؤكد أن الصومال يشهد تغيراً حقيقياً، وأننا نمضي بخطى ثابتة نحو مستقبل أكثر إشراقاً».

ورغم أن الوزير الصومالي لم يؤكد وجود تعاون مباشر بين «حركة الشباب» وجماعة الحوثيين الإرهابية، فإنه لم يستبعد هذا الاحتمال تماماً. وأضاف: «نحن في حالة يقظة تامة، ونراقب بشكل مستمر احتمالية وجود تعاون بينهما أو محاولاتهما لتوسيع نفوذهما الإقليمي».

وتطرق عجي إلى أولويات بلاده في المرحلة المقبلة، التي تركز على جذب الاستثمارات، خصوصاً من السعودية، في قطاعات متعددة تشمل المواشي الحية، والطاقة المتجددة، والاقتصاد الأزرق، والموارد الطبيعية مثل الذهب والمعادن وغيرها.

إصلاح المؤسسات

وأوضح وزير المالية الصومالي أن بلاده حققت إنجازاً تاريخياً في ديسمبر (كانون الأول) 2023، بوصولها إلى نقطة إتمام مبادرة البلدان الفقيرة المثقلة بالديون (هيبيك)، وهي عملية استغرقت قرابة عقد من الزمن.

وأشار إلى أن «هذه العملية تمثلت في سلسلة من الإصلاحات الهادفة إلى إعادة بناء مؤسسات الدولة الصومالية، وإصلاح نظام إدارة المالية العامة، بالإضافة إلى تنفيذ إصلاحات اقتصادية واسعة، وخلال هذه الفترة، نجحنا في بناء هذه المؤسسات، وفي الوقت نفسه تسوية ديوننا».

وأضاف أن الصومال تعامل بشكل أساسي مع الديون المستحقة لأعضاء نادي باريس، إلى جانب أعضاء من خارج النادي، مبيناً أنه تمت تسوية أكثر من 4.5 مليار دولار من الديون.

الدور السعودي

وأشار الوزير إلى أن المؤسسات العربية كانت جزءاً من مؤسسات نادي باريس، موضحاً: «نجحنا في تسوية الديون التي كانت مستحقة علينا، بما في ذلك الديون لصندوق التنمية السعودي، وقد لعبت السعودية دوراً محورياً في هذا الجانب، من خلال تسهيل ودعم إعادة هيكلة الديون المستحقة على الصومال للمملكة».

ولي العهد السعودي خلال استقباله الرئيس الصومالي العام الماضي في قصر الصفا بمكة المكرمة (واس)

وأضاف: «لم يقتصر دور المملكة على ذلك فحسب، بل امتد ليشمل دعم مؤسسات أخرى، وعلى رأسها صندوق أوبك للتنمية، كنا ندين للصندوق بنحو 36 مليون دولار، وقدمت الحكومة السعودية قرضاً مرحلياً لصندوق أوبك، مما مكّننا من إعادة هيكلة ديون الصندوق بنجاح».

تنسيق مستمر

وتحدث بيحي عجي عن التنسيق القوي والمستمر بين مقديشو والرياض في مختلف المجالات، خصوصاً في القطاع الأمني، مشيراً إلى أهمية التعاون بين الجانبين. وقال: «ننسِّق بشكل مستمر مع السلطات السعودية، وحالياً هناك وفد يضم ممثلين من مختلف القطاعات الصومالية، خصوصاً من القطاع الأمني، موجود في السعودية لمناقشة أفضل الاستراتيجيات للتعاون في مكافحة الجماعات الإرهابية».

وأضاف: «إلى جانب ذلك، لدينا بعثة أخرى في جدة بقيادة رئيس جهاز الاستخبارات الوطنية، ويشمل هذا التنسيق عدة محاور، ولا يقتصر فقط على الجوانب المالية، بل يتعدى ذلك ليشمل التنسيق العسكري والاستخباراتي أيضاً».

وشدد الوزير على أن الصومال يسعى إلى «توسيع قاعدة هذا التعاون لنتمكن من الاستجابة بفاعلية أكبر للتهديدات الإرهابية». وأكد أن «الجماعات الإرهابية لا تعترف بالحدود ولا تحترمها، مما يجعلها تهديداً مشتركاً يطول كل دولة في العالم».

أولويات الصومال

بعد نجاحه في تخفيف أعباء الديون، يركز الصومال على تعزيز الجانب الاقتصادي وجذب الاستثمارات إلى البلاد، وفقاً لما أوضحه وزير المالية.

وكشف الوزير عن أن الحكومة بصدد توقيع برنامج جديد مع صندوق النقد الدولي، يستند إلى المكاسب التي تحققت خلال عملية تخفيف الديون، بهدف ترسيخ هذه الإصلاحات الاقتصادية.

د. عبد الله الربيعة ووزير الطاقة والموارد المائية الصومالي خلال زيارته مقديشو يناير 2024 (واس)

وأضاف: «يشكل هذا البرنامج أساس خطتنا الاقتصادية لما بعد مبادرة (هيبيك)، حيث يركز على استدامة الإصلاحات، خصوصاً من خلال زيادة الإيرادات المحلية، وهو عنصر أساسي لضمان الاستقرار المالي، كما نعمل على تعزيز قدرات إدارة الديون، إلى جانب التعاون مع كثير من الجهات الإقليمية والدولية، خصوصاً في مجال مكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب، تحت إشراف مجموعة العمل المالي العربي (مينافاتف) ومجموعة العمل المالي (فاتف)».

تحسين مناخ الاستثمار

وأكد الوزير عجي أن مقديشو بذلت جهوداً كبيرة لتحسين مناخ الاستثمار وتعزيز البيئة التنظيمية بهدف جذب الاستثمارات وتقديم الحوافز المناسبة للمستثمرين. وأوضح أن «هذه الجهود تأتي كجزء من استراتيجيتنا لجذب الاستثمارات، مع تركيز خاص على المستثمرين السعوديين، نظراً للعلاقات التاريخية الممتدة والقرب الجغرافي في منطقة البحر الأحمر».

وأضاف: «نعد المملكة العربية السعودية شريكاً أساسياً وحليفاً استراتيجياً للصومال في دعم النمو الاقتصادي وتعزيز الأمن والاستقرار».

الفرص الاستثمارية

وأشار الوزير بيحي عجي إلى أن الصومال يتمتع بأطول ساحل في البر الرئيسي لأفريقيا، مما يوفر فرصاً هائلة في مجال الاقتصاد الأزرق والاستفادة من الموارد الطبيعية غير المستغلة، كما أوضح أن هناك فرصاً كبيرة للاستثمار في الزراعة والثروة الحيوانية.

وأكد أن السعودية «تُعد شريكنا التجاري الأكبر، حيث نُصدّر ما بين 3 و5 ملايين رأس من الحيوانات الحية سنوياً، وهو مجال يمكن تحسينه وتطويره من خلال تحديث القطاع الزراعي، خصوصاً في الثروة الحيوانية».

وأضاف: «تُعد سوق المواشي السعودية سوقاً بالغة الأهمية لنا وللمستثمرين، كما أن قطاع الطاقة يقدم فرصاً استثمارية كبيرة، خصوصاً في مجال الطاقة المتجددة، حيث يمكن أن يكون لها تأثير مضاعف على قطاعات أخرى، مثل الاستثمار في الثروة الحيوانية وتطوير سلاسل التبريد المرتبطة بالاقتصاد الأزرق».

وتشمل الفرص الاستثمارية أيضاً قطاع الموارد الطبيعية، خصوصاً المعادن مثل الذهب والمعادن الأخرى المنتشرة في أنحاء البلاد، مما يجعلها وجهة جاذبة للمستثمرين، حسب وصف الوزير.

تبديد المخاوف الأمنية

ويقول وزير المالية إن الصومال مرّ بسنوات طويلة من التحديات والصعوبات، لكن خلال الـ15 إلى الـ20 عاماً الماضية، بدأت البلاد تسير على طريق إعادة البناء وتحسين الوضعين الاقتصادي والأمني، والذي كان التحدي الأكبر.

وأوضح أن الحكومة «أطلقت حملة عسكرية هجومية ضد (حركة الشباب) المتطرفة، وتمكنت من تحرير أكثر من 80 قرية، ولا نزال نواصل الضغط على الحركة حتى يتم القضاء عليها تماماً في البلاد. هذه المكاسب الأمنية الكبيرة تشكل فرصة ضخمة لجذب الاستثمارات».

منظر عام للعاصمة الصومالية مقديشو (رويترز)

وأضاف: «عندما بدأنا عملية تخفيف الديون ضمن مبادرة (هيبيك)، كان هناك كثير من الشكوك حول قدرتنا على النجاح، ولكننا حققنا ذلك دون أي فشل، في المقابل، هناك دول عدة حاولت وفشلت في هذه العملية أكثر من مرة، أما نحن، فقد نجحنا من المحاولة الأولى، وهذا النجاح يعكس التزامنا وتصميمنا، ويثبت أن الصومال قد تغيَّر بالفعل، وأننا نمضي بخطى ثابتة نحو مستقبل أفضل».

مواجهة «حركة الشباب»

تبنّى الصومال استراتيجية تعتمد على ثلاثة محاور رئيسية لمواجهة «حركة الشباب» والجماعات الإرهابية، وفقاً لما ذكره وزير المالية، إذ قال: «في المحور الآيديولوجي، ركَّزنا على مواجهة الفكر المتطرف وتوعية المجتمع بأن ما تروجه هذه الجماعات لا يمتّ إلى الإسلام بصلة، أما في المحور المالي فقد عملنا على إضعاف مصادر تمويلهم بشكل جذري، وفي المحور العسكري واجهناهم بشكل مباشر على الأرض».

قوات تابعة للحكومة الصومالية تستعد لمواجهة تنظيم «داعش» الإرهابي في بوصاصو (رويترز)

وتابع بقوله: «فيما يخص المحور المالي حققنا إنجازات كبيرة من خلال تنفيذ إصلاحات شاملة على نظام الأمان المالي؛ إذ قمنا بإغلاق آلاف الحسابات المشبوهة، سواء في تطبيقات الأموال الإلكترونية أو الحسابات البنكية التقليدية، مما أدى إلى تقليص قدرتهم على جمع الأموال عبر الإتاوات، هذا الإجراء أسهم بشكل كبير في إضعاف قدرتهم على تمويل وتنفيذ عملياتهم».

وأشار إلى أنه «عندما تم انتخاب هذه الحكومة، كانت (حركة الشباب) تجمع موارد هائلة وتشكل تهديداً ليس للصومال وحده، بل للمنطقة بأكملها، بما في ذلك الشرق الأوسط والقرن الأفريقي، فقد كانوا يدعمون الجماعات التابعة لتنظيم (القاعدة) في الشرق الأوسط وأفريقيا، وصولاً إلى نيجيريا والمغرب العربي، ولكن اليوم، لم تعد لديهم القدرة على تمويل تلك الجماعات، بل حتى عملياتهم داخل الصومال تأثرت بشكل كبير».

وأكد أن مقديشو تخوض حرباً ضد تنظيم «داعش» في الصومال، مشيراً إلى أن الحكومة كثفت خلال الأشهر الأخيرة حملتها العسكرية ضد التنظيم، خصوصاً في المناطق الشمالية الشرقية من البلاد. وقال: «نجحنا في السيطرة على مساحات واسعة من الأراضي التي كانوا يسيطرون عليها، ودمرنا قواعدهم في تلك المناطق، وحققنا مكاسب كبيرة على هذا الصعيد أيضاً».

تعاون «حركة الشباب» مع الحوثيين

وفي رده على سؤال حول التقارير التي تشير إلى تعاون محتمل بين جماعة الحوثيين الإرهابية في اليمن و«حركة الشباب» المتطرفة، قال الوزير الصومالي: «كما ذكرت، نحن نخوض حرباً ضد الإرهابيين في الصومال الذين كانوا يسعون لإنشاء ملاذ آمن لهم، وحققنا مكاسب كبيرة في هذا المجال، وسنواصل الضغط حتى القضاء على (حركة الشباب) تماماً في البلاد، ومع ذلك، نحن ندرك أن هذه الجماعات قد تحاول إيجاد روابط واتصالات جديدة للاستفادة منها، وحتى الآن، لم نرصد أي اتصالات مباشرة، لكن لا يمكننا استبعاد هذا الاحتمال بالكامل».

وأضاف: «هدفنا الأساسي هو القضاء التام على (حركة الشباب) وتنظيم (داعش) في الصومال، لضمان عدم قدرتهما على إقامة أي روابط أو إحداث تأثير مزعزع للاستقرار في المنطقة، نحن في حالة يقظة عالية، ونواصل مراقبة أي احتمالات لتعاونهما أو محاولاتهما لتوسيع نفوذهما الإقليمي».


مقالات ذات صلة

السعودية تُرحِّب بإدانة مجلس الأمن الدولي هجمات الحوثيين

الخليج من جلسة سابقة لمجلس الأمن حول اليمن بحضور المبعوث الأممي هانس غروندبرغ (بعثة السعودية لدى الأمم المتحدة)

السعودية تُرحِّب بإدانة مجلس الأمن الدولي هجمات الحوثيين

رحَّبت السعودية ببيان مجلس الأمن الدولي الذي أدان الهجمات المتواصلة والتصعيدية التي تشنها الميليشيا الحوثية ضدها.

«الشرق الأوسط» (الرياض)
الخليج من جلسة سابقة لمجلس الأمن حول اليمن بحضور المبعوث الأممي هانس غروندبرغ (بعثة السعودية لدى الأمم المتحدة)

مجلس الأمن الدولي يدين الهجمات الحوثية ضد السعودية

أدان أعضاء مجلس الأمن الدولي بأشد العبارات الهجمات الحوثية ضد السعودية، بما فيها التي طالت الطيران المدني والبنية التحتية للطاقة، وأسفرت عن وفاة وإصابة مدنيين.

«الشرق الأوسط» (نيويورك)
الخليج اللواء الركن تركي المالكي متحدثاً خلال المؤتمر الصحافي في الرياض الخميس (أ.ب) p-circle

المالكي: على الحوثيين قراءة بيان التحالف وما بين السطور جيداً

حذّر اللواء الركن تركي المالكي، المتحدث باسم تحالف دعم الشرعية في اليمن، الميليشيا الحوثية من عواقب استهداف المدنيين والمنشآت المدنية في السعودية.

عبد الهادي حبتور (الرياض)
عالم الاعمال جانب من توقيع الاتفاقية (الشرق الأوسط)

«الرياض آرت» و« وِرث» يوقّعان مذكرة تفاهم

وقّع «الرياض آرت»، أحد برامج الهيئة الملكية لمدينة الرياض، مذكرة تفاهم مع المعهد الملكي للفنون التقليديّة «وِرث»؛ بهدف تعزيز التعاون بين الجانبين.

«الشرق الأوسط» (الرياض)
الخليج وزير الدفاع السعودي الأمير خالد بن سلمان مستقبلاً نظيره اليوناني نيكوس ديندياس في الرياض الخميس (واس)

لقاء سعودي - يوناني يبحث تداعيات هجمات الحوثيين

ناقش وزير الدفاع السعودي الأمير خالد بن سلمان مع نظيره اليوناني نيكوس ديندياس التطورات الإقليمية، وتداعيات هجمات الحوثيين على الأمن والاستقرار.

«الشرق الأوسط» (الرياض)

رئيس «القضاء» العراقي يدعو إلى مراجعة أحكام الدستور

عراقيان يلوّحان بورقة الاستفتاء على الدستور الدائم في 15 أكتوبر 2005 (أ.ف.ب)
عراقيان يلوّحان بورقة الاستفتاء على الدستور الدائم في 15 أكتوبر 2005 (أ.ف.ب)
TT

رئيس «القضاء» العراقي يدعو إلى مراجعة أحكام الدستور

عراقيان يلوّحان بورقة الاستفتاء على الدستور الدائم في 15 أكتوبر 2005 (أ.ف.ب)
عراقيان يلوّحان بورقة الاستفتاء على الدستور الدائم في 15 أكتوبر 2005 (أ.ف.ب)

دعا القاضي فائق زيدان رئيس مجلس القضاء الأعلى في العراق البرلمانَ إلى مراجعة أحكام الدستور وإجراء التعديلات اللازمة «بما ينسجم مع القانون وإرادة الشعب»، ما فسره خبراء في القانون على أنه دعوة لتشكيل لجنة تأسيسية تقود إلى «عقد اجتماعي جديد للبلاد».

وقال رئيس القضاء الأعلى في بيان صحافي مساء الخميس، بمناسبة الذكرى الـ21 للاستفتاء على الدستور عام 2005، إن البرلمان «أمام مسؤولية وطنية وتاريخية لمراجعة الأحكام وإجراء التعديلات اللازمة وفق الآليات التي رسمها الدستور، وبما ينسجم مع القانون وإرادة الشعب».

ودعا زيدان إلى «تحديث التشريعات بما يواكب متطلبات الدولة وتطور تجربتها الديمقراطية، ويعزز سيادة الدولة والقانون، ويقوي مؤسساتها، ويصون حقوق المجتمع وحريات الأفراد في ظل النظام الديمقراطي التعددي الذي نطمح إليه جميعاً».

وأضاف أن «احترام الدستور والتمسك به يقتضيان معالجة مواطن الخلل وتحديث بعض نصوصه، بعد مرور أكثر من عقدين على صياغته في ظروف انتقالية دقيقة وحساسة».

وذكر زيدان أن «التجربة كشفت عن إشكالات في التطبيق والتفسير، أسهمت في تعطيل استحقاقات دستورية، أبرزها ما يتعلق بالأغلبيات البرلمانية، وانتخاب رئيس الجمهورية، وتحديد الكتلة النيابية (الأكثر عدداً)، وغيرها من الفقرات الجدلية».

وكان زيدان قد كتب في مارس (آذار) الماضي مقالاً في «الشرق الأوسط»، محذراً من «خطيئة التفسير الخاطئ للدستور». وأشار حينها إلى أن «الاجتهاد الخاطئ في تفسير النص الدستوري، خصوصاً إذا وافق مصالح سلطة معينة، يُنظر إليه على أنه انحياز سياسي، مما يؤدي إلى فقدان الثقة في استقلال القضاء الدستوري ونزاهته».

رئيس مجلس القضاء العراقي فائق زيدان (موقع المجلس)

«عقد اجتماعي جديد»

وبشأن الدعوة إلى إعادة النظر في الدستور، قال الخبير القانوني سيف السعدي إن «القاضي فائق زيدان يجهز الرأي العام لتعديل جراحي وليس تجميلياً للدستور».

وأشار السعدي، في حديث مع «الشرق الأوسط»، إلى «الفرق بين ما تعمل عليه الكتل السياسية في تعديل فقرة أو فقرات بعينها وفق مصالح سياسية، وبين مقاصد القاضي زيدان في قوله (إعادة النظر في الدستور) الذي يعني لجنة تأسيسية جديدة تعد عقداً اجتماعياً جديداً».

من جهته، رأى صلاح العرباوي رئيس حركة «وعي»، أنه «من الطبيعي الدعوة إلى إعادة النظر في دستور مضى عليه أكثر من عقدين، لا سيما النصوص الإشكالية»، داعياً في حديث مع «الشرق الأوسط» البرلمان العراقي إلى «تفعيل لجان تعديل الدستور مرة أخرى؛ لإنجاز التعديلات الممكنة وعرضها على الشعب للاستفتاء عليها».

أما باسل حسين، رئيس «مركز كلواذا للدراسات»، فقد اعتبر «دعوة رئيس مجلس القضاء إلى فتح باب المراجعة الدستورية استكمالاً لما طرحه سابقاً في هذا الصدد، لكنه هذه المرة يتوسع في تشخيص الإشكالات التي كشفها التطبيق، ويضعها في مقدمة الحاجة إلى تعديل الدستور، لا سيما ما يتعلق بتحديد الكتلة النيابية (الأكثر عدداً)، والأغلبيات المطلوبة داخل مجلس النواب، وآلية انتخاب رئيس الجمهورية».

وقال حسين، في حديث مع «الشرق الأوسط»، إن «غموض بعض النصوص في الدستور أدى إلى اجتهادات متضاربة عطّلت استحقاقات دستورية وأخّرت تشكيل السلطات، ما يجعل معالجة هذه الثغرات ضرورة تتجاوز حدود التفسير إلى مراجعة النصوص نفسها».

قضاة من بغداد وأربيل خلال ندوة عن الدستور العراقي (أرشيفية - إعلام حكومي)

تاريخ من الخلاف والتعطيل

منذ إقرار دستور عام 2005، برزت خلافات بشأن تفسير عدد من مواده، ولا سيما «المادة 76» المتعلقة بتكليف مرشح الكتلة النيابية «الأكثر عدداً» بتشكيل الحكومة، و«المادة 70» الخاصة بانتخاب رئيس الجمهورية. وأسهم التباين في تفسير هذه الأحكام في تعقيد المفاوضات بين القوى السياسية، خصوصاً في ظل عدم امتلاك أي طرف القدرة على حسم الاستحقاقات منفرداً.

ويتمثل أحد أبرز أوجه الخلاف في تحديد مفهوم «الكتلة النيابية الأكثر عدداً»، وما إذا كانت تعني القائمة الفائزة بأكبر عدد من المقاعد في الانتخابات، أم تحالفاً يتشكل داخل مجلس النواب بعد إعلان النتائج. وقد أتاح تفسير المحكمة الاتحادية العليا الصادر عام 2010 اعتماد المفهومين، ما جعل تشكيل التحالفات بعد الانتخابات عاملاً مؤثراً في تحديد الجهة التي تتولى تشكيل الحكومة.

ولم تقتصر الانعكاسات على تشكيل السلطة التنفيذية؛ إذ أدى الخلاف على شروط انعقاد جلسات انتخاب رئيس الجمهورية والنصاب المطلوب له إلى تعطيل هذا الاستحقاق في مراحل مختلفة. ففي عام 2022، أخفق البرلمان مراراً في انتخاب رئيس جديد للجمهورية، وسط انقسامات بين القوى السياسية ومقاطعة جلسات التصويت، قبل أن تنتهي الأزمة بانتخاب عبد اللطيف رشيد في أكتوبر (تشرين الأول) من العام نفسه، بعد نحو عام على الانتخابات التشريعية التي جرت في أكتوبر 2021.

وأظهر ذلك أن المهل الدستورية، رغم تحديدها مواعيد لإنجاز الاستحقاقات، لم تكن كافية وحدها لضمان انتقال سلس للسلطة في ظل غياب التوافق السياسي. كما أسهم تداخل الخلافات القانونية مع حسابات التحالفات الحزبية في إطالة أمد المفاوضات، وتأخير تشكيل الحكومات، وإبقاء المؤسسات في حالة انتظار إلى حين التوصل إلى تسويات بين الأطراف المعنية.


مستوطنون يهاجمون قرية بالضفة الغربية... يحرقون أشجار الزيتون ويصيبون صحافية

مستوطنون إسرائيليون يتجمّعون وسط اشتباكات مع الفلسطينيين خلال موسم قطف الزيتون في أبو فلاح بالقرب من رام الله بالضفة الغربية يوم 16 أكتوبر 2026 (رويترز)
مستوطنون إسرائيليون يتجمّعون وسط اشتباكات مع الفلسطينيين خلال موسم قطف الزيتون في أبو فلاح بالقرب من رام الله بالضفة الغربية يوم 16 أكتوبر 2026 (رويترز)
TT

مستوطنون يهاجمون قرية بالضفة الغربية... يحرقون أشجار الزيتون ويصيبون صحافية

مستوطنون إسرائيليون يتجمّعون وسط اشتباكات مع الفلسطينيين خلال موسم قطف الزيتون في أبو فلاح بالقرب من رام الله بالضفة الغربية يوم 16 أكتوبر 2026 (رويترز)
مستوطنون إسرائيليون يتجمّعون وسط اشتباكات مع الفلسطينيين خلال موسم قطف الزيتون في أبو فلاح بالقرب من رام الله بالضفة الغربية يوم 16 أكتوبر 2026 (رويترز)

أحرق العشرات من المستوطنين الإسرائيليين المتشددين، مرتدين ملابس سوداء وملثّمين، أشجار الزيتون ورشقوا الفلسطينيين بالحجارة في هجوم منسق اليوم (الجمعة) استهدف موسم الحصاد السنوي بإحدى قرى الضفة الغربية، وأسفر عن إصابة شخصين على الأقل بينهما صحافية، وفق ما نقلته وكالة «رويترز» للأنباء.

رجل فلسطيني يقف بجانب شجرة زيتون لا تزال تشتعل فيها النيران بعدما أضرم مستوطنون إسرائيليون فيها النار بالقرب من قرية ترمسعيا شمال مدينة رام الله بالضفة الغربية يوم 16 أكتوبر 2026 (أ.ف.ب)

وقال شهود من «رويترز» إن نحو 80 مستوطناً، حمل بعضهم عبوات غاز، نزلوا من تلة تطل على بستان زيتون حيث تجمّع سكان قرية أبو فلاح لجمع الثمار الناضجة، وهو تقليد سنوي له مكانة خاصة لدى الفلسطينيين. واتخذ المستوطنون مواقع في ممرات أشجار الزيتون. واستخدم بعضهم مقاليع لإلقاء الحجارة على فلسطينيين نزلوا نحو أسفل التل والتقطوا الحجارة للدفاع عن أنفسهم.

رجال إطفاء يعملون على إخماد النيران في سيارة محترقة عقب هجوم شنه مستوطنون إسرائيليون متشددون على مجموعة من الفلسطينيين كانوا يقطفون الزيتون بالقرب من ترمسعيا بالضفة الغربية يوم 16 أكتوبر 2026 (رويترز)

وقال معتز عبد الهادي (42 عاماً)، وهو مزارع شهد الهجوم في أبو فلاح، إن المستوطنين يهدفون لمهاجمة الفلسطينيين وإجبارهم على مغادرة ديارهم.

وخلال الهجوم عبرت سيارتان على الأقل للجيش الإسرائيلي بسرعة من المنطقة، وهرع الفلسطينيون للفرار من طريقهما وسط الغبار الذي أثارته المركبتان.

واستمر الهجوم بعد وصول الجيش؛ إذ أطلق جنود إسرائيليون الغاز المسيل للدموع في اتجاه الفلسطينيين الذين تفادوا السيارتين «الجيب». وسُمع صوت إطلاق أعيرة رصاص حي في المنطقة، ورأى مصوّر من «رويترز» مستوطناً مسلحاً واحداً على الأقل يطلق النار.

مستوطن إسرائيلي يشهر سلاحاً وسط اشتباكات مع فلسطينيين كانوا يقطفون الزيتون في قرية أبو فلاح قرب رام الله بالضفة الغربية يوم 16 أكتوبر 2026 (رويترز)

ولم يرد الجيش الإسرائيلي بعد على طلب للتعليق. وقال مسعفون فلسطينيون إن شخصين أُصيبا ونُقلا إلى مستشفيين في منطقة رام الله، ومن بينهما هايدي ليفين، وهي مصوّرة صحافية في صحيفة «واشنطن بوست» الأميركية.

تصاعد عنف المستوطنين

قالت منظمة «ييش دين» الإسرائيلية المعنية بحقوق الإنسان والتي ترصد نشاط المستوطنات، إن أعمال العنف التي يرتكبها مستوطنون إسرائيليون بحق الفلسطينيين في الضفة الغربية المحتلة تصاعدت بوقوع 170 هجوماً على الأقل منذ 27 سبتمبر (أيلول)؛ أي مع بداية موسم حصاد الزيتون السنوي.

فلسطينيون يتفقدون موقعاً تعرّض لهجوم من مستوطنين إسرائيليين متشددين على مجموعة من الفلسطينيين أثناء قطفهم الزيتون بالقرب من ترمسعيا في الضفة الغربية يوم 16 أكتوبر 2026 (رويترز)

واكتسب مستوطنون جرأة في عهد الحكومة اليمينية التي يترأسها بنيامين نتنياهو، الذي أشرف على توسع سريع للمستوطنات والبؤر الاستيطانية الصغيرة في أنحاء الضفة الغربية.

وانتقد نتنياهو أعمال العنف، لكنه لم يتخذ سوى خطوات قليلة للحد من هذه الوقائع التي أثارت إدانة دولية وخططاً من حلفاء إسرائيل القدامى، ومن بينهم بريطانيا، لفرض عقوبات.

ويقطن الضفة الغربية نحو 500 ألف مستوطن وما لا يقل عن ثلاثة ملايين فلسطيني. وتعتبر هيئات الأمم المتحدة ومعظم الدول أن المستوطنات غير قانونية بموجب القانون الدولي المتعلق بالاحتلال العسكري. وترفض إسرائيل ذلك، وتعتبر الأراضي متنازعاً عليها وليست محتلة.

وجاء هجوم أبو فلاح بعد هجوم مماثل وقع صباح اليوم (الجمعة) في منطقة قرية ترمسعيا حيث أحرق المستوطنون ثلاث سيارات بعد مهاجمة مجموعة من المزارعين كانوا يحصدون الزيتون. ولم يرد الجيش الإسرائيلي حتى الآن على طلب للحصول على تعليق.

وقال صلاح أبو النسوة، الذي شهد الهجوم في ترمسعيا، إن المستوطنين «تسللوا ورا بعضهم كالحرامية... وإللي بيمسكوه لحاله... يبلشوا فيه ضرب».


60 مليار دولار خسائر العراق جرّاء حرب الشرق الأوسط

ركاب يمرون بسوق الشورجة ببغداد في 13 أكتوبر 2026 (أ.ف.ب)
ركاب يمرون بسوق الشورجة ببغداد في 13 أكتوبر 2026 (أ.ف.ب)
TT

60 مليار دولار خسائر العراق جرّاء حرب الشرق الأوسط

ركاب يمرون بسوق الشورجة ببغداد في 13 أكتوبر 2026 (أ.ف.ب)
ركاب يمرون بسوق الشورجة ببغداد في 13 أكتوبر 2026 (أ.ف.ب)

خسر العراق نحو 60 مليار دولار منذ اندلاع حرب الشرق الأوسط والتراجع الحاد في إيراداته النفطية بسبب اضطراب الملاحة عبر مضيق هرمز، حسب ما قال وزير الخارجية فؤاد حسين، وفق ما نقلته «وكالة الصحافة الفرنسية».

ويعاني العراق أزمة اقتصادية منذ نشوب الحرب في فبراير (شباط)، إذ تراجعت بشكل حادّ ولعدّة أشهر صادراته النفطية التي تؤمّن 90 في المائة من إيراداته، ما اضطرّ الحكومة إلى الاقتراض الداخلي. وارتفعت أسعار المواد الاستهلاكية، وتدنّت احتياطات العملات الأجنبية بنحو 20 مليار دولار.

وفي اجتماع في روما مع نظيره الإيطالي، مساء الخميس، أشار حسين إلى أن «العراق تكبّد خسائر تُقدّر بنحو 60 مليار دولار خلال الحرب الأخيرة بين الولايات المتحدة الأميركية والجمهورية الإسلامية الإيرانية»، حسب بيان صدر عن مكتبه.

وكان العراق، وهو عضو في منظمة «أوبك»، يُنتج قبل الحرب نحو أربعة ملايين برميل من النفط يومياً، ويصدّر منها نحو 3.5 ملايين معظمها من جنوب البلاد عبر مضيق هرمز.

شاحنات نفط قادمة من العراق في طريقها إلى محطة بانياس النفطية في سوريا يوم 14 مايو 2026 (رويترز)

لكن منذ بدء الحرب، قيّدت إيران حركة الملاحة في الممرّ الحيوي لإمدادات الطاقة العالمية، ما اضطرّ العراق إلى وقف الإنتاج في معظم حقوله بعدما امتلأت الخزانات، واللجوء إلى التصدير بكميات محدودة عبر سوريا من خلال شاحنات الصهاريج، وتركيا عبر خط أنابيب.

وبعد تراجع حاد في الصادرات النفطية العراقية، عادت لترتفع مؤخراً لتصل إلى 2.6 مليون برميل يومياً في الفترة بين 1 و21 سبتمبر (أيلول)، بحسب وزارة النفط.

ولفت صندوق النقد الدولي هذا الأسبوع إلى أن العراق من الدول الأكثر تضرراً من الاضطرابات التي طالت حركة النقل جرّاء الحرب.

ومع تفاقم الأزمة الاقتصادية، رفع البنك المركزي العراقي، الأسبوع الماضي، السعر الرسمي لصرف الدولار لأول مرة منذ أكثر من ثلاثة أعوام.

أوراق نقدية عراقية وأميركية في محل صرافة بدهوك بإقليم كردستان العراق - 7 أكتوبر 2026 (د.ب.أ)

ويعتمد العراق إلى حدّ كبير على العملات الأجنبية الناتجة عن مبيعات النفط، لتمويل الواردات وتحقيق استقرار الدينار ودفع رواتب موظفي القطاع العام والمتقاعدين الذين يشكّلون نحو 20 في المائة من السكان الذين يزيد عددهم عن 46 مليوناً.

ويسعى العراق إلى تنويع موارده الاقتصادية ورفع الإيرادات غير النفطية من 10 إلى 45 في المائة بحلول العام 2037، بحسب السلطات.