«ديب سيك»: مجموعة من الحيل الهندسية الذكية حققت نجاحه الباهر

ابتكار مذهل يخفض التكلفة واستهلاك الطاقة ويحافظ على البيئة

«ديب سيك»: مجموعة من الحيل الهندسية الذكية حققت نجاحه الباهر
TT

«ديب سيك»: مجموعة من الحيل الهندسية الذكية حققت نجاحه الباهر

«ديب سيك»: مجموعة من الحيل الهندسية الذكية حققت نجاحه الباهر

منذ أن بدأت الطفرة في الذكاء الاصطناعي، طالب خبراء التكنولوجيا في الولايات المتحدة بتوسيع كبير لمراكز البيانات والبنية الأساسية للطاقة، لدعم مزيد من التقدم واستيعاب التكنولوجيا. والآن، تتحدى موجة الصدمة التي أحدثتها شركة «ديب سيك» DeepSeek الصينية هذه النظرة؛ كما كتب أليكس ويلكنز*.

«ديب سيك» والتغيرات الجذرية

في حين توجد مخاوف خطيرة تتعلق بالسلامة والرقابة بشأن نموذج الذكاء الاصطناعي للشركة، يعتقد كثيرون في الصناعة أن تقدم «ديب سيك» يمكن أن يؤدي إلى تغييرات جذرية في طريقة تطوير مثل هذه النماذج واستخدامها، فضلاً عن توفير كبير للطاقة وخفض العبء المناخي. فهل هم على حق؟

كان نموذج «آر1» R1 من «ديب سيك» بمنزلة صدمة لشركات الذكاء الاصطناعي الأميركية، ولغزاً.

الصينيون يتحدون آلاف الخبراء الأميركيين وملياراتهم

كيف تمكن فريق من بضع مئات من الباحثين، وميزانية تبلغ عدة ملايين من الدولارات، من إنتاج نموذج قادر مثل نموذج «أوبن إيه آي» وأفضل مما لدى «غوغل»، الشركتين اللتين تمتلكان فِرَقاً مكونة من عدة آلاف من الاختصاصيين وميزانياتهم التي تبلغ مليارات الدولارات؟

يقول آرثر غارسيز من جامعة سيتي سانت جورج، في لندن، إن السر لم يكن في مكون سحري واحد؛ بل في مجموعة من الحيل الهندسية الذكية التي كانت معروفة بالفعل بشكل فردي.

التعليم التعزيزي

تُعد طريقة ما يسمى «التعلم التعزيزي»reinforcement learning واحدة من أكثر الطرق نجاحاً في تدريب الذكاء الاصطناعي؛ حيث يُظهر الباحثون للذكاء الاصطناعي كيف يبدو النجاح، ويتركونه ليكتشف القواعد باستخدام شكل من أشكال التجربة والخطأ.

كان هذا هو مفتاح إنجازات «ديب مايند» DeepMind من «غوغل»، مع أنظمة الذكاء الاصطناعي للشطرنج ونظم دراسة طي البروتين؛ حيث يمكن تعريف النجاح في لعبة الشطرنج أو التنبؤ بشكل البروتين بسهولة. ومع ذلك، وجد الباحثون أن من الصعب ترجمة هذه الطريقة إلى نماذج لغوية كبيرة؛ حيث يكون النجاح أقل واقعية.

وبينما تستخدم نماذج «جي بي تي» GPT من «أوبن إيه آي» شكلاً من أشكال التعلم التعزيزي؛ حيث يتم إعطاؤها ملاحظات حول الإجابات التي يفضلها الناس، فإن هذا ليس في الحقيقة التعلم التعزيزي بالطريقة التي استخدمها الباحثون تقليدياً.

ويقول غارسيز إن «آر1» في «ديب سيك»، مثل نماذج «جي بي تي»، تم تدريبه أولاً على كميات هائلة من النصوص من الإنترنت، ولكن بعد ذلك تُرِك ليكتشف كيفية التفكير من تلقاء نفسه باستخدام التعلم التعزيزي الفعلي، دون الحاجة إلى ردود فعل بشرية.

مشكلات بإجابات واضحة

وللقيام بذلك، ركز المهندسون في «ديب سيك» على تطبيق التعلم التعزيزي على المشكلات؛ حيث يمكنهم تحديد إجابات واضحة، كما هي الحال في الرياضيات والترميز، كما جعلوا النموذج ينتج كثيراً من الإجابات في وقت واحد، بحيث يمكنه مقارنتها جنباً إلى جنب. بعد ذلك تم عرض أمثلة مُسمّاة من قبل البشر على النموذج لضبط قدراته في مجالات أخرى.

بعد تدريب النموذج بهذه الطريقة، وجد باحثو «ديب سيك» طريقة لزرع قدراته على التفكير، في نماذج أصغر مفتوحة المصدر تم تدريبها بالفعل، في خطوة أطلقوا عليها اسم «التقطير» distillation.

يقول غارسيز إن هذه المرحلة من العملية أثارت شكوك كثيرين، في تصورات شركات التكنولوجيا الأميركية حول ضرورات التوسع في حجم قدرات الحوسبة.

يقول غارسيز: «كانت شركة (أوبن إيه آي) وبعض منافسيها يبالغون في التوسع. وكانت الشركات تتبنى شعاراً مفاده أن التوسع هو كل ما تحتاج إليه، وكانت تتوسع في كل عام. وما نراه من خلال عملية التقطير والمكاسب التي تظهرها، هو أنك لا تملك حقاً سبباً كافياً (مقنعاً) للتوسع».

قوة حوسبة أقل لتدريب الذكاء الاصطناعي

إذا كانت شركات التكنولوجيا بحاجة إلى قوة حوسبة أقل لتدريب النماذج، فقد يعني هذا أن الذكاء الاصطناعي يجب ألا يكون ضاراً بالمناخ (نتيجة استهلاكه لطاقة كهربائية عالية) كما هي الحال حالياً، وأن خططاً مثل مشروع البنية التحتية للذكاء الاصطناعي بقيمة 500 مليار دولار في الولايات المتحدة قد لا تحتاج إلى المضي قدماً.

ولكن شركات التكنولوجيا الأميركية كانت سريعة في التصدي لهذا. فقد نشر ساتيا ناديلا، الرئيس التنفيذي لشركة «مايكروسوفت» التي تمتلك حصة كبيرة في «أوبن إيه آي» على منصة «إكس» أنه «مع ازدياد كفاءة الذكاء الاصطناعي وسهولة الوصول إليه، سنرى استخدامه يرتفع بشكل كبير، مما يحوله إلى سلعة لا نشبع منها».

تقول ميريلا لاباتا، من جامعة إدنبره بالمملكة المتحدة: «إذا تحدثت إلى الرؤساء التنفيذيين، فسوف يروجون لتصوراتهم، ويطرحون تنبؤات بأن الذكاء الاصطناعي سيحتاج إلى مراكز البيانات هذه. ولكن إذا كان بإمكاني تشغيل هذه الأشياء على جهاز الكومبيوتر الخاص بي، على وحدة معالجة الرسومات، فلماذا أدفع لشركة (أوبن إيه آي) أجوراً للقيام بأي شيء؟».

اقتصاد في النفقات والطاقة

ومع ذلك، فإن جانباً آخر من نموذج «آر» الخاص بشركة «ديب سيك» قد يزيد بالفعل من متطلبات الذكاء الاصطناعي للطاقة. ومثل نماذج الاستدلال «أو1»o1، الخاصة بشركة «أوبن إيه آي»، يستخدم هذا النظام طريقة تسمى «سلسلة الفكر»؛ حيث «يفكر الذكاء الاصطناعي بصوت عالٍ» ويُظهِر عمله عندما يُطلب منه الرد على مطالبة. وقد وجد الباحثون أن هذا يمكن أن يحسن أداءه في بعض مهام الرياضيات والترميز.

وإذا بدأ مزيد من الأشخاص في استخدام أدوات الذكاء الاصطناعي التي تحتاج إلى التفكير بهذه الطريقة، فقد يؤدي ذلك إلى زيادة الحاجة والتكلفة الحسابية، كما يتوقع ناديلا.

ولكن وقت التفكير في «ديب سيك» مقسم بين كثير من الأنظمة الفرعية المتخصصة في مجالات مختلفة، مثل الرياضيات أو الترميز، فيما يُعرف بنموذج «مزيج الخبراء». يقول نيكوس أليتراس، من جامعة شيفيلد بالمملكة المتحدة، إن هذا سيؤدي إلى الحاجة إلى قوة حسابية أقل من استخدام النموذج كله. ويضيف أن الغالبية العظمى من الطلبات قد لا تحتاج إلى نماذج «التفكير» الأكثر كثافة حسابياً، ما يؤدي إلى انخفاض تكاليف الطاقة الإجمالية.

نماذج رخيصة التكلفة

في النهاية، سيعتمد مدى تأثير ابتكارات «ديب سيك» على صناعة الذكاء الاصطناعي واستهلاكها للطاقة، على ما إذا كانت شركات التكنولوجيا الأميركية قادرة على إظهار أن نهجها يحقق نتائج متفوقة. ولكن مع قدرة العملاء على استخدام «آر1» من «ديب سيك» بأقل من عشرين مرة من تكلفة نماذج مثل «أو1»، فإن الفارق في الجودة يجب أن يكون كبيراً. يقول لاباتا: «إذا لم يكن علينا أن ندفع، فلماذا ندفع؟ وهذا يعني أن استهلاك الطاقة سيكون أقل فعلياً».

نجاحات الصين رغم الحصار الإلكتروني الأميركي

في عام 2022، بدأت الحكومة الأميركية في تنفيذ ضوابط التصدير التي تسعى إلى الحد من وصول الصين إلى الرقائق الأميركية المطورة للاستخدام مع الذكاء الاصطناعي. ولا يبدو أن هذا قد أثر على تطوير «ديب سيك»، حتى الآن.

وبعدما أن قامت «ديب سيك» بتدريب نموذج «R1» الخاص بها بكفاءة، قال لينارت هايم من مؤسسة «راند» RAND، البحثية الأميركية في كاليفورنيا: «من المحتمل أن تكون مكاسب الكفاءة قد جاءت من وجود وصول كبير إلى الحوسبة».

وكتب هايم وسيهاو هوانغ من جامعة أكسفورد في منشور على مدونة، أن «ديب سيك» تدير واحدة من أكبر مجموعات شرائح الذكاء الاصطناعي في آسيا، ولديها وصول غير مقيد إلى موارد الحوسبة المخزنة في السحابة. وساعدت هذه الموارد «ديب سيك» على إنشاء بيانات تدريب اصطناعية، ثم اكتشاف تقنيات أكثر كفاءة من خلال التجربة والخطأ.

وأضافا: «لا تزال الصين تدير مراكز بيانات ما قبل القيود بعشرات الآلاف من الرقائق، بينما تبني الشركات الأميركية مراكز بيانات بمئات الآلاف».

لكن آخرين يرون أن ضوابط التصدير لها نتائج مختلطة، وحتى أنها تحفز الشركات التقنية الصينية على تطوير حلول بديلة فعَّالة. ويقول بول تريولو من مجموعة DGA، وهي شركة استشارية عالمية في واشنطن العاصمة: «كان لضوابط التصدير الأميركية تأثير كبير على ابتكار (ديب سيك)، ولا شك في ذلك».

* مجلة «نيوساينتست»، خدمات «تريبيون ميديا».


مقالات ذات صلة

الاقتصاد شعار شركة «إنفيديا» في رسم توضيحي (رويترز)

«إنفيديا» تستثمر 1.5 مليار دولار في «إس بي إنرجي» لتعزيز بنية الذكاء الاصطناعي

ستقوم شركة «إنفيديا» باستثمار 1.5 مليار دولار في «إس بي إنرجي»، المدعومة من «سوفت بنك»، مقابل الحصول على ما يصل إلى 8 غيغاواط من سعة الحوسبة للذكاء الاصطناعي.

«الشرق الأوسط» (نيويورك (الولايات المتحدة))
الاقتصاد دونالد ترمب الابن وإريك ترمب خارج مبنى بورصة ناسداك في نيويورك (رويترز)

«وورلد ليبرتي» المدعومة من ترمب تتعاون مع منصة ذكاء اصطناعي صينية تثير مخاوف أمنية

تتعاون شركة «وورلد ليبرتي فاينانشال» المدعومة من الرئيس الأميركي دونالد ترمب مع مشروع مقرّه هونغ كونغ يتيح نماذج للذكاء الاصطناعي طورتها شركات صينية.

«الشرق الأوسط» (بوسطن)
الاقتصاد متداول يعمل في قاعة بورصة نيويورك (رويترز)

العقود الآجلة الأميركية ترتفع بدعم من توقعات قوية لإيرادات «أنثروبيك»

ارتفعت العقود الآجلة لمؤشريْ «ناسداك» و«ستاندرد آند بورز 500»، يوم الاثنين، مدعومةً بتوقعات قوية لإيرادات شركة أنثروبيك، المتخصصة في الذكاء الاصطناعي.

«الشرق الأوسط» (نيويورك )
الاقتصاد مبنى «البنك المركزي الأوروبي» في فرنكفورت بألمانيا (رويترز)

«المركزي الأوروبي» يحذر من تصحيح محتمل لأسهم التكنولوجيا الأميركية

ذكرت مدوَّنة لـ«البنك المركزي الأوروبي»، نُشرت يوم الاثنين، أن تصحيحاً في سوق أسهم التكنولوجيا الأميركية، التي تشهد ارتفاعاً مفرطاً، يبدو مرجَّحاً...

«الشرق الأوسط» (فرنكفورت (ألمانيا))

العمل عن بُعد لا يحقق بالضرورة مكاسب بيئية

تأثير العمل عن بعد على البيئة مرتبط بتنظيم بيئة العمل المنزلية (جامعة برونِل- لندن)
تأثير العمل عن بعد على البيئة مرتبط بتنظيم بيئة العمل المنزلية (جامعة برونِل- لندن)
TT

العمل عن بُعد لا يحقق بالضرورة مكاسب بيئية

تأثير العمل عن بعد على البيئة مرتبط بتنظيم بيئة العمل المنزلية (جامعة برونِل- لندن)
تأثير العمل عن بعد على البيئة مرتبط بتنظيم بيئة العمل المنزلية (جامعة برونِل- لندن)

مع التوسع في تبنِّي العمل عن بُعد خلال السنوات الأخيرة، بات هذا النموذج يُنظَر إليه كأحد الحلول الواعدة للحد من الانبعاثات الكربونية، كونه يقلل من التنقل اليومي بين المنزل ومقر العمل، وما يصاحبه من استهلاك للوقود وانبعاثات غازات الدفيئة. ولكن دراسة سويسرية تكشف أن الأمر أكثر تعقيداً مما يبدو عليه.

أجرى الدراسة باحثون من جامعة لوسرن للعلوم التطبيقية والفنون في سويسرا، بهدف تقييم الأثر الحقيقي للعمل عن بُعد على البصمة الكربونية، من خلال تحليل الانبعاثات المرتبطة بالتنقل، واستخدام المساحات المنزلية، وتقنيات المعلومات والاتصالات.

العمل عن بعد يقتصر على المهن التي تعتمد على الحاسوب (جامعة ريدنغ)

العمل عن بُعد

خلصت النتائج إلى أن العمل عن بُعد لا يؤدي تلقائياً إلى خفض الانبعاثات كما يُعتقد على نطاق واسع؛ إذ يمكن أن تتلاشى المكاسب البيئية الناتجة عن تقليل التنقل إذا صاحبها ارتفاع في استهلاك الطاقة والمساحات المخصصة للعمل داخل المنزل. ونُشرت النتائج في عدد 13 يوليو (تموز) الماضي من دورية «PLOS Climate».

وحسب الباحثين، يساهم تقليل التنقل اليومي فعلياً في خفض انبعاثات ثاني أكسيد الكربون، ولكن هذه الفائدة قد تُعوِّضها انبعاثات تشغيل مكتب منزلي واستخدام الأجهزة الإلكترونية؛ خصوصاً إذا خصص الموظف غرفة مستقلة للعمل.

وتتقاطع هذه النتيجة مع بحوث سابقة رصدت ما تُعرف بـ«تأثيرات الارتداد»، كانتقال الموظفين للسكن في مناطق أبعد، أو زيادة الرحلات الترفيهية، إضافة إلى «تأثيرات غير مباشرة» تتمثل في زيادة استخدام الأجهزة الإلكترونية، وتخصيص غرف مستقلة للعمل، ما يرفع استهلاك الطاقة والانبعاثات.

واعتمدت الدراسة على استبيان إلكتروني أُجري أواخر عام 2024، شمل أكثر من ألف شخص في سويسرا مارسوا العمل عن بُعد خلال الشهر السابق للاستطلاع، وجمع بيانات تفصيلية عن أيام العمل عن بُعد، ومكانه، ووجود غرفة مستقلة، ومسافات التنقل ووسائله، واستخدام تقنيات المعلومات والاتصالات، إلى جانب ظروف السكن والخصائص الاجتماعية والديموغرافية للمشاركين.

وعلى أساس هذه البيانات، حَسَب الباحثون الانبعاثات الكربونية المكافئة في 3 مجالات رئيسية: التنقل، والمساحة السكنية، وتقنيات المعلومات والاتصالات، ليقدِّروا إجمالي البصمة الكربونية لكل مشارك.

وأظهرت النتائج أن زيادة أيام العمل عن بُعد تقلل فعلاً انبعاثات التنقل، ولكن هذه المكاسب تتراجع بشكل كبير بسبب ارتفاع الانبعاثات المرتبطة باستخدام المنزل كمكان عمل؛ فالموظفون الذين خصصوا غرفة مستقلة كمكتب منزلي سجلوا انبعاثات أعلى من غيرهم، نظراً لحاجة هذه الغرفة إلى طاقة إضافية للتدفئة أو التبريد والإضاءة، فضلاً عن ارتفاع استهلاك الكهرباء المرتبط بالحواسيب والشاشات وأجهزة الاتصال والبنية الرقمية للعمل.

وبيَّنت التحليلات أن تأثير العمل عن بُعد لا يرتبط بعدد أيام العمل خارج المكتب فقط؛ بل يتأثر أيضاً بطريقة تنظيم بيئة العمل المنزلية، وأنماط التنقل، والظروف المعيشية.

فوائد ملموسة

ولتحقيق فوائد بيئية حقيقية، أوصت الدراسة بتقليل المساحات المنزلية المخصصة للعمل، أو استخدام مساحات عمل مشتركة خارج المنزل، إلى جانب عدم تخصيص غرفة كاملة للعمل إن لم يكن ذلك ضرورياً، واستخدام مساحة صغيرة متعددة الاستخدامات، وتحسين كفاءة استهلاك الطاقة والأجهزة الرقمية.

وشدد الباحثون على أن مجرد تقليل التنقل لا يكفي لتحقيق انخفاض ملموس في الانبعاثات؛ بل يجب النظر إلى دورة العمل كاملة، بما فيها استهلاك الطاقة داخل المنزل. ولفتوا إلى أن الدراسة تمثل تقييماً أولياً، استند إلى تقديرات مبسطة، ولم يتضمن مجموعة مقارنة من الموظفين العاملين بالكامل من المكاتب، ما يستدعي دراسات مستقبلية أكثر شمولاً.

ويرى الدكتور تحسين شعلة، خبير البيئة والمناخ المصري، أن العمل عن بُعد لا يناسب جميع الوظائف؛ بل يقتصر أساساً على المهن التي تعتمد على الحاسوب، ويمكن إنجاز مهامها خارج مقر العمل. وأوضح -في تصريحات لـ«الشرق الأوسط»- أن نجاح هذا النموذج يرتبط بوعي الموظف بترشيد استهلاك الطاقة، في حين تستفيد الدولة من تقليل الضغط على وسائل النقل وخفض الانبعاثات، إلى جانب منح الموظفين مرونة أكبر في أداء أعمالهم.

وأضاف شعلة أن تحقيق الفائدة الحقيقية من العمل عن بُعد يتطلب ربطه بمهام واضحة وأوقات محددة، على غرار الوظائف القائمة على إنجاز الأهداف، حتى يتحول إلى وسيلة لتوفير الطاقة بدلاً من زيادة استهلاكها.

ولتحقيق أقصى استفادة، يوصي شعلة بتحديد الأهداف وساعات العمل بدقة، مع تفضيل إنجاز المهام خلال الساعات الأولى من الصباح، عندما يكون الضغط على الشبكة الكهربائية أقل، ولا تكون الحاجة إلى تشغيل أجهزة التكييف كبيرة، مع تجنب ساعات الذروة قدر الإمكان.

ويرى أن هذا النموذج يحقق فوائد متوازنة للعامل، عبر توفير الوقت والجهد وتكاليف التنقل؛ وللبيئة، من خلال خفض الانبعاثات والازدحام المروري؛ وللدولة، عبر تقليل الضغط على شبكات الطاقة والمواصلات.

وأشار إلى أن مزايا العمل عن بُعد يمكن أن تمتد إلى التعليم؛ خصوصاً في المقررات النظرية، لما يوفره من خفض لتكاليف التشغيل والنقل، وإتاحة فرص أكبر للطلاب، ولا سيما في المناطق النائية، شريطة تطبيقه وفق معايير تضمن جودة العملية التعليمية.


الذكاء الاصطناعي يُسرّع وتيرة اتساع الفجوة الرقمية

الذكاء الاصطناعي يُسرّع وتيرة اتساع الفجوة الرقمية
TT

الذكاء الاصطناعي يُسرّع وتيرة اتساع الفجوة الرقمية

الذكاء الاصطناعي يُسرّع وتيرة اتساع الفجوة الرقمية

لحظة تلو الأخرى، يرسخ الذكاء الاصطناعي سريعاً وجوده بصفته جزءاً من البنية التحتية اليومية - لكن في بعض الأماكن فقط؛ فهو يساعد في كتابة الرسائل الإلكترونية ورموز البرمجيات، ويُستخدم في فرز طلبات التوظيف، ودعم أنظمة التوصية. كما يجري دمجه، على نحو متزايد، في مجالات التعليم والرعاية الصحية والتمويل والإدارة العامة. واليوم، ترفع قيادات الصناعة شعار «الذكاء الاصطناعي للجميع»، في حين تسارع الحكومات إلى نشر استراتيجيات وطنية، وبناء قدراتها السيادية بمجال الحوسبة.

غير أن التجربة على امتداد العقد الماضي، من خلال العمل على مشروعات الشمول الرقمي ومحو الأمية الرقمية في مناطق تمتد من أوروبا إلى أفريقيا جنوب الصحراء وجنوب شرق آسيا، تكشف عن نمط متكرر: فكل موجة جديدة من التكنولوجيا «التحويلية»، تصل إلى واقع قائم بالفعل على تفاوتات في الاتصال والمهارات والقدرات المؤسسية، كما كتبت دانيكا رادوفانوفيتش في مجلة «سبكترم» الصادرة عن جمعية المهندسين الكهربائيين الأميركية.

إن الموجة الحالية من الذكاء الاصطناعي ليست استثناءً، بل إنها تُفاقم هذه الانقسامات القائمة على صعيد الذكاء الاصطناعي.

ومع ذلك، تستكشف بعض الدول سبل المشاركة في تطوير الذكاء الاصطناعي، دون الدخول مباشرة في سباق النماذج المتقدمة، الذي تهيمن عليه الولايات المتحدة والصين. وتكشف التطورات الأخيرة في جنوب أفريقيا وإندونيسيا، عن حجم الفرص والتحديات في آن واحد؛ فالمسألة لا تتعلق فقط بإتاحة الوصول إلى الذكاء الاصطناعي؛ إذ إن الدول التي تظل مجرد مستهلكة له، لا منتجة، تخاطر بفقدان فرص بناء منظومات ابتكار محلية، وتعزيز قدرات القطاع العام، وضمان تمثيل لغاتها وثقافاتها وأولوياتها المجتمعية داخل هذه الأنظمة. وبذلك، تتحول الفجوة على صعيد الذكاء الاصطناعي، إلى فجوة على صلة بالفرص الاقتصادية والنفوذ التكنولوجي.

تمركز القدرات وتفاوت المهارات

• تمركز قدرات الذكاء الاصطناعي. تشير تحليلات حديثة صادرة عن جامعة ستانفورد في تقرير مؤشر الذكاء الاصطناعي لعام 2026، إلى أن الولايات المتحدة وحدها تضم أكثر من 5000 مركز بيانات، أي ما يزيد على عشرة أضعاف أي دولة أخرى. ومع تزايد اعتماد أعباء العمل المرتبطة بالذكاء الاصطناعي على المنصات السحابية، بدلاً من البنية التحتية المحلية، يتحول هذا التركز إلى تركّز في التبعية كذلك. وحسب بيانات البنك الدولي، استحوذت الولايات المتحدة عام 2023 على نحو 87 في المائة من مجمل صادرات خدمات الحوسبة السحابية وتخزين البيانات عالمياً.

وفيما يخص معظم الدول، يعني ذلك أن تطوير الذكاء الاصطناعي يجري إسناده خارجياً، ليس فقط من الناحية التكنولوجية، بل كذلك من الناحيتين التجارية والجيوسياسية، بما يضعه خارج نطاق سيطرتها. وينتج من ذلك نظام بيئي يتركز فيه تشغيل المحركات الحاسوبية، التي تدعم الأنظمة العالمية، في أيدي عدد محدود من الدول والشركات.

أضف إلى ذلك، أن الأنظمة التي يجري تدريبها وتوحيد معاييرها وإدارتها ضمن بيئات مؤسسية ولغوية محدودة، قد تجابه صعوبة في خدمة جمهور عالمي حقيقي.

• تفاوت عميق في المهارات والمعرفة بالذكاء الاصطناعي. حتى في الأماكن التي تتوافر فيها خدمات الاتصال والوصول إلى الحوسبة السحابية، لا يتمتع الجميع بالقدرة نفسها على الاستفادة منها. وعلى سبيل المثال، عبر دول منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية، لا يمتلك سوى نحو 40 في المائة من البالغين مهارات تتجاوز المستوى الأساسي في حل المشكلات الرقمية، في حين تظل الكفاءات المتقدمة في مجالات الحوسبة والذكاء الاصطناعي متركزة بين العاملين ذوي التعليم العالي، والقطاعات كثيفة الاعتماد على التكنولوجيا.

وبالتزامن مع ذلك، تتسابق الحكومات لإدماج الذكاء الاصطناعي في التعليم، وغالباً ما تبدأ من المراحل التعليمية العليا. وقد أفادت منظمة «يونيسكو» بوجود جهود متزايدة عالمياً لدمج الذكاء الاصطناعي في التعليم، في حين لا يزال دعم ثقافة الذكاء الاصطناعي في صفوف التعليم الابتدائي والإعدادي، وكذلك تدريب المعلمين على الجوانب الأخلاقية المرتبطة به، متفاوتاً بين الدول.

بوجه عام، يعدّ الأفراد الذين يتمتعون بتعليم قوي، ومهارات رقمية متقدمة، واتصال مستقر بالإنترنت، الأكثر قدرة على التعامل مع الذكاء الاصطناعي، بصفته أداة لتعزيز قدراتهم. وتُظهر بيانات حديثة صادرة عن منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية، أن المشاركة في التدريب المرتبط بالذكاء الاصطناعي لا تزال متفاوتة بشكل واضح تبعاً للمستوى التعليمي؛ إذ أفاد 36 في المائة من الحاصلين على تعليم جامعي بمشاركتهم في تدريب متعلق بالذكاء الاصطناعي خلال العام الماضي، مقابل 18 في المائة فقط من أصحاب شهادة التعليم الثانوي.

اللحاق بركب الذكاء الاصطناعي

• الاستثمار والحوكمة: ضعف الدول النامية. تظل سلطة تحديد الأجندة الأساسية محصورة في يد مجموعة ضيقة من الفاعلين داخل قطاع الذكاء الاصطناعي، بجانب عدد محدود من الدول المتقدمة تكنولوجياً. في المقابل، تبقى معظم الدول الأخرى في حالة سعي دائم للحاق بالركب، مع حرصها المستمر على تكييف النماذج والمعايير وقوالب «الذكاء الاصطناعي الجدير بالثقة» المستوردة مع سياقاتها المحلية، في ظل محدودية قدرتها على تقييم المفاضلات أو طرح بدائل مستقلة.

وفي دول مثل إندونيسيا وجنوب أفريقيا، تُنتج المجتمعات بيانات على نطاق واسع. ومع ذلك، لا تزال تملك حضوراً محدوداً في تحديد كيفية تصميم أنظمة الذكاء الاصطناعي أو حوكمتها أو نشرها. كما أن لغاتها ممثلة بشكل ضعيف في بيانات التدريب، في حين تعاني مؤسساتها من نقص الموارد داخل المنتديات التنظيمية. ونادراً ما تنعكس تجاربها في مجموعات البيانات المرجعية. وفيما يتعلق بالكثير من دول الجنوب العالمي، يظل الانخراط في مجال الذكاء الاصطناعي قائماً بصورة أساسية على تكييف أنظمة مستوردة، لا على التأثير في تصميمها أو إدارتها أو توجيهها.

في جنوب أفريقيا، أطلقت وزارة الاتصالات والتكنولوجيا الرقمية مشروع سياسة وطنية للذكاء الاصطناعي، في أبريل (نيسان) هذا العام، تضمن مقترحات لإنشاء مؤسسات رقابية جديدة. غير أن المشروع سُحب بعد أيام قليلة، عقب اكتشاف صحافي أن ستة على الأقل من المراجع الأكاديمية الواردة فيه لا وجود لها، ويُرجح أنها نتاج هلوسات أفرزها الذكاء الاصطناعي. ووصف الوزير الواقعة بأنها «خطأ غير مقبول».

ويسلط هذا الحادث الضوء على الفجوة بين طموحات حوكمة الذكاء الاصطناعي والقدرات المؤسسية اللازمة لتنفيذها، رغم أن اللجنة الجديدة التي جرى تشكيلها لاحقاً قد تمثل فرصة للاستفادة من خصوصية موقع جنوب أفريقيا.

أما إندونيسيا، فتقدم نموذجاً لمحاولة واعية، وإن كانت مقيدة، لتعزيز دور القطاع العام. وفي هذا الإطار، عملت الوكالة الوطنية للبحث والابتكار، التي تقود تنفيذ استراتيجية الذكاء الاصطناعي، على تطوير أدوات عملية تستهدف المجتمعات الأقل حظاً، بدلاً من التركيز على القدرات المتقدمة، من بينها تطبيق يستخدم بيانات الأقمار الاصطناعية وتقنيات التعلم الآلي، لمساعدة الصيادين التقليديين في تحديد مواقع تجمعات الأسماك، ونماذج لغوية متعددة اللغات مدربة على اللغة الإندونيسية ولغات محلية مثل الجاوية والسوندية، إضافة إلى روبوتات محادثة تُستخدم في الخدمات الحكومية.

وفي أغسطس (آب) عام 2025، أصدرت وزارة الاتصالات والشؤون الرقمية خريطة طريق وطنية للذكاء الاصطناعي، تستهدف تدريب 100 ألف عامل سنوياً على المهارات المرتبطة بهذا المجال.

في الواقع، فإن الخيار ليس مجرد الاختيار بين «قوة عظمى في مجال الذكاء الاصطناعي» و«متلقٍ سلبي»؛ فالتعاون الإقليمي يكتسب أهمية متزايدة. وفي عام 2024، اعتمد وزراء أفارقة استراتيجية قارية للذكاء الاصطناعي وميثاقاً رقمياً أفريقياً. واستكشف المشاركون في قمة الذكاء الاصطناعي العالمية لأفريقيا، التي عُقدت في كيغالي في أبريل 2025، كيف يمكن للتنسيق الإقليمي، ونماذج الذكاء الاصطناعي باللغات المحلية، والجامعات الحكومية، وأنظمة المصادر المفتوحة، أن تُقلل من الاعتماد، على المدى الطويل، على أنظمة الذكاء الاصطناعي المطورة بالخارج.

• طريقة مختلفة للتفكير في فجوة الذكاء الاصطناعي. لا يعني أي من هذا أن على الناس إبطاء وتيرة الذكاء الاصطناعي أو التخلي عنه، ولا أن تركّز الحوسبة السحابية أو رأس المال الاستثماري أمر سيئ بطبيعته، وإنما ينبغي لنا عندما نتحدث عن «ثورة الذكاء الاصطناعي»، أن نتساءل كذلك: من يستطيع تشكيلها، ومن يستطيع التكيف معها فقط؟

فيما مضى ركزت النقاشات حول الفجوة الرقمية على الأجهزة والاتصال، ثم توسعت لاحقاً لتشمل المهارات والنتائج. إلا أن موجة الذكاء الاصطناعي الحالية تُضيف بعداً آخر: التفاوتات المتعلقة بمن يستطيع المشاركة بفاعلية في تحديد غاية الذكاء الاصطناعي، والمشاكل التي يُفترض أن يحلها، والأولويات الاجتماعية التي يخدمها في نهاية المطاف.

وفيما يتعلق بالمهندسين وصناع السياسات، يطرح هذا الأمر تساؤلات صعبة، لكنها ضرورية: هل يجب عليهم أن يصمموا أنظمة وبنى تحتية للذكاء الاصطناعي تُوسّع نطاق المشاركة في تشكيل التغيير التكنولوجي، بدلاً من تضييقه؟ وكذلك وعندما تُطلق الحكومات استراتيجيات وطنية للذكاء الاصطناعي أو تُدمجه في الخدمات العامة، فما القيود واللغات والواقع المؤسسي الذي تضعه في الحسبان؟

من جهتهم، يصور الكثير من المراقبين الوضع الحالي للذكاء الاصطناعي بوصفه منافسة، لكن في واقع الأمر لا تقتصر المنافسة التكنولوجية على السرعة فحسب، بل تتعلق كذلك بمن يستطيع التأثير على مسار التغيير.

اليوم، ينتشر الذكاء الاصطناعي بالفعل على مستوى العالم. ومع ذلك، يبقى السؤال الأعمق: هل سيضمن خبراء التكنولوجيا وصناع السياسات المسؤولون عنه، توسع رقعة المشاركة الفعّالة في صياغة المستقبل؟

كل موجة جديدة من التكنولوجيا «التحويلية» تقود إلى واقع قائم على تفاوتات في الاتصال والمهارات والقدرات المؤسسية


فقدان نسخة واحدة من جين رئيسي يسبب عيوباً خلقية في القلب

فقدان نسخة واحدة من جين رئيسي يسبب عيوباً خلقية في القلب
TT

فقدان نسخة واحدة من جين رئيسي يسبب عيوباً خلقية في القلب

فقدان نسخة واحدة من جين رئيسي يسبب عيوباً خلقية في القلب

لطالما حيّرت العلماء قدرة بعض الطفرات الوراثية على التسبب في عيوب خلقية خطيرة رغم احتفاظ المصابين بنسخة سليمة من الجين نفسه. واليوم توصل باحثون أميركيون إلى تفسير جديد قد يغيّر فهمنا لكثير من الأمراض الوراثية، مفاده أن المشكلة لا تكمن دائماً في الشفرة الجينية ذاتها، بل في الطريقة التي يُطوى بها الحمض النووي داخل الخلايا.

جين محوري لنمو القلب

وكشف باحثون من معاهد غلادستون في الولايات المتحدة، عن أن جيناً محورياً في نمو القلب يُعرف باسم TBX5 يعمل كمهندس معماري ينظم البنية ثلاثية الأبعاد للحمض النووي (دي إن إيه) DNA داخل الخلايا القلبية. وأظهرت الدراسة التي نُشرت في دورية Science في 23 يوليو (تموز) 2026 أن فقدان نسخة واحدة فقط من هذا الجين يكفي لإحداث اضطراب واسع في تنظيم الحمض النووي؛ ما يؤثر في نشاط عدد كبير من الجينات الضرورية لتطور القلب بصورة طبيعية.

وتقدم النتائج تفسيراً جديداً لأحد أكثر العيوب الخلقية شيوعاً، وهو مرض القلب الخلقي الذي يصيب نحو طفل واحد من كل مائة مولود حول العالم.

• ما وراء الشفرة الوراثية. غالباً ما يُنظر إلى الحمض النووي بوصفه مخطط الحياة أو دليل التعليمات الخاص بالجسم. لكن هذا الدليل لا يقتصر على محتواه الوراثي فحسب، بل يعتمد أيضاً على الطريقة التي يُطوى بها داخل نواة الخلية. فلو جرى فَرد الحمض النووي الموجود في خلية واحدة بالكامل لبلغ طوله نحو مترين. لذلك؛ يجب ضغطه وتنظيمه بدقة شديدة داخل حيز مجهري. غير أن هذا التنظيم ليس مجرد وسيلة لتوفير المساحة، بل إنه يحدد أيضاً أي الجينات يمكن تشغيلها وأيها يبقى خاملاً.

وتوضح الدراسة الجديدة أن جين TBX5 يؤدي دوراً أساسياً في بناء هذا التنظيم المعقد؛ إذ ينسق الروابط بين الجينات والعناصر التنظيمية التي تتحكم في نشاطها. ويقول البروفسور بينوا برونو، مدير معهد غلادستون لأمراض القلب والأوعية الدموية وأحد كبار الباحثين في الدراسة، إن جين TBX5 ليس سوى مثال واحد لفئة واسعة من الجينات التي تؤدي خسارة نسخة واحدة منها إلى عيوب خلقية. وما يثير الحماس في نتائجنا أنها تشير إلى أن كثيراً من هذه الاضطرابات قد تنشأ للسبب نفسه، أي طيّ خاطئ لدليل التعليمات ثلاثي الأبعاد داخل الخلية.

• رسم خريطة ثلاثية الأبعاد للحمض النووي. ولاختبار هذه الفرضية استخدم الباحثون خلايا جذعية بشرية تحتوي على نسختين سليمتين من الجين، أو نسخة واحدة، أو لا تحتوي عليه إطلاقاً ثم حفزوها لتتحول خلايا عضلة قلبية. وبالاستعانة بتقنيات متطورة لرسم الخرائط ثلاثية الأبعاد للحمض النووي، تمكن الفريق من تتبع كيفية تنظيم المادة الوراثية داخل آلاف الخلايا الفردية. كما استعانوا بنماذج حاسوبية متقدمة لتحليل ملايين البيانات الناتجة عن التجارب.

وأظهرت النتائج أن فقدان الجين TBX5 يؤدي إلى انهيار واسع في تنظيم الجينوم على مختلف المستويات من البنى الوراثية الكبيرة وصولاً إلى الحلقات الدقيقة التي تربط الجينات بالعناصر المسؤولة عن تشغيلها.

واكتشف الباحثون أن الجين يعمل بمثابة نظام تحديد مواقع جزيئي molecular GPS يوجه بروتيناً يُعرف باسم «كوهيسين» Cohesin إلى مواقع محددة على الحمض النووي لتشكيل هذه الحلقات التنظيمية. وعندما تنخفض مستويات الجين يفشل الحمض النووي في تكوين الروابط اللازمة فتتعطل الجينات الحيوية المسؤولة عن نمو القلب.

واللافت، أن وجود نصف الكمية الطبيعية فقط من البروتين كان كافياً لإحداث اضطراب كبير في البنية ثلاثية الأبعاد للحمض النووي.

رؤية جديدة للأمراض الوراثية

• لماذا تختلف الحالات المرضية؟ كما كشفت الدراسة عن أن تأثير فقدان الجين لا يكون متماثلاً في جميع خلايا القلب. فقد لاحظ الباحثون اختلافات واضحة بين الخلايا الأذينية والبطينية، بل وحتى بين خلايا تنتمي إلى النوع نفسه. ويرى العلماء أن هذه النتيجة قد تفسر سبب ظهور عيوب قلبية مختلفة لدى أشخاص يحملون الطفرة الوراثية ذاتها.

• رؤية جديدة للأمراض الوراثية. ولا تقتصر أهمية هذه النتائج على العيوب الخلقية في القلب، بل تمتد إلى طيف واسع من الاضطرابات النمائية. فالكثير من هذه الأمراض يرتبط بحالة تُعرف بـ«قصور الجرعة الجينية» Haploinsufficiency، حيث لا يمتلك الفرد سوى نسخة وظيفية واحدة من جين معين. وتشير النتائج الجديدة إلى أن هذه الاضطرابات قد لا تنجم فقط عن تغير نشاط بعض الجينات، بل لأن انخفاض مستويات بروتينات رئيسية يؤدي إلى اضطراب التنظيم ثلاثي الأبعاد للحمض النووي داخل الخلية. ويرى الباحثون أن هذه النتائج قد تكشف عن آلية جديدة تماماً لحدوث الأمراض الوراثية.

وبدلاً من النظر إلى الاضطرابات الوراثية بصفتها مجرد خلل في تسلسل الحمض النووي، قد يتجه العلماء إلى التركيز على كيفية طيّ الجينوم وتنظيمه داخل الخلايا. ومن شأن فهم هذه التغيرات البنيوية أن يمهد الطريق لتطوير أساليب جديدة لتشخيص الاضطرابات النمائية والوقاية منها وربما تصحيحها قبل أن تُحدث أضراراً دائمة.

ومع استمرار الباحثين في استكشاف الكيفية التي يسهم بها الجين TBX5 في تشكيل البنية المعمارية للجينوم خلال المراحل المبكرة من نمو الجنين تفتح هذه الدراسة نافذة جديدة لفهم أحد أكثر الأسئلة جوهرية في علم الأحياء هي كيف تسهم البنية ثلاثية الأبعاد للحمض النووي في تحديد صحة الإنسان قبل الولادة بوقت طويل.