«ديب سيك»: مجموعة من الحيل الهندسية الذكية حققت نجاحه الباهر

ابتكار مذهل يخفض التكلفة واستهلاك الطاقة ويحافظ على البيئة

«ديب سيك»: مجموعة من الحيل الهندسية الذكية حققت نجاحه الباهر
TT

«ديب سيك»: مجموعة من الحيل الهندسية الذكية حققت نجاحه الباهر

«ديب سيك»: مجموعة من الحيل الهندسية الذكية حققت نجاحه الباهر

منذ أن بدأت الطفرة في الذكاء الاصطناعي، طالب خبراء التكنولوجيا في الولايات المتحدة بتوسيع كبير لمراكز البيانات والبنية الأساسية للطاقة، لدعم مزيد من التقدم واستيعاب التكنولوجيا. والآن، تتحدى موجة الصدمة التي أحدثتها شركة «ديب سيك» DeepSeek الصينية هذه النظرة؛ كما كتب أليكس ويلكنز*.

«ديب سيك» والتغيرات الجذرية

في حين توجد مخاوف خطيرة تتعلق بالسلامة والرقابة بشأن نموذج الذكاء الاصطناعي للشركة، يعتقد كثيرون في الصناعة أن تقدم «ديب سيك» يمكن أن يؤدي إلى تغييرات جذرية في طريقة تطوير مثل هذه النماذج واستخدامها، فضلاً عن توفير كبير للطاقة وخفض العبء المناخي. فهل هم على حق؟

كان نموذج «آر1» R1 من «ديب سيك» بمنزلة صدمة لشركات الذكاء الاصطناعي الأميركية، ولغزاً.

الصينيون يتحدون آلاف الخبراء الأميركيين وملياراتهم

كيف تمكن فريق من بضع مئات من الباحثين، وميزانية تبلغ عدة ملايين من الدولارات، من إنتاج نموذج قادر مثل نموذج «أوبن إيه آي» وأفضل مما لدى «غوغل»، الشركتين اللتين تمتلكان فِرَقاً مكونة من عدة آلاف من الاختصاصيين وميزانياتهم التي تبلغ مليارات الدولارات؟

يقول آرثر غارسيز من جامعة سيتي سانت جورج، في لندن، إن السر لم يكن في مكون سحري واحد؛ بل في مجموعة من الحيل الهندسية الذكية التي كانت معروفة بالفعل بشكل فردي.

التعليم التعزيزي

تُعد طريقة ما يسمى «التعلم التعزيزي»reinforcement learning واحدة من أكثر الطرق نجاحاً في تدريب الذكاء الاصطناعي؛ حيث يُظهر الباحثون للذكاء الاصطناعي كيف يبدو النجاح، ويتركونه ليكتشف القواعد باستخدام شكل من أشكال التجربة والخطأ.

كان هذا هو مفتاح إنجازات «ديب مايند» DeepMind من «غوغل»، مع أنظمة الذكاء الاصطناعي للشطرنج ونظم دراسة طي البروتين؛ حيث يمكن تعريف النجاح في لعبة الشطرنج أو التنبؤ بشكل البروتين بسهولة. ومع ذلك، وجد الباحثون أن من الصعب ترجمة هذه الطريقة إلى نماذج لغوية كبيرة؛ حيث يكون النجاح أقل واقعية.

وبينما تستخدم نماذج «جي بي تي» GPT من «أوبن إيه آي» شكلاً من أشكال التعلم التعزيزي؛ حيث يتم إعطاؤها ملاحظات حول الإجابات التي يفضلها الناس، فإن هذا ليس في الحقيقة التعلم التعزيزي بالطريقة التي استخدمها الباحثون تقليدياً.

ويقول غارسيز إن «آر1» في «ديب سيك»، مثل نماذج «جي بي تي»، تم تدريبه أولاً على كميات هائلة من النصوص من الإنترنت، ولكن بعد ذلك تُرِك ليكتشف كيفية التفكير من تلقاء نفسه باستخدام التعلم التعزيزي الفعلي، دون الحاجة إلى ردود فعل بشرية.

مشكلات بإجابات واضحة

وللقيام بذلك، ركز المهندسون في «ديب سيك» على تطبيق التعلم التعزيزي على المشكلات؛ حيث يمكنهم تحديد إجابات واضحة، كما هي الحال في الرياضيات والترميز، كما جعلوا النموذج ينتج كثيراً من الإجابات في وقت واحد، بحيث يمكنه مقارنتها جنباً إلى جنب. بعد ذلك تم عرض أمثلة مُسمّاة من قبل البشر على النموذج لضبط قدراته في مجالات أخرى.

بعد تدريب النموذج بهذه الطريقة، وجد باحثو «ديب سيك» طريقة لزرع قدراته على التفكير، في نماذج أصغر مفتوحة المصدر تم تدريبها بالفعل، في خطوة أطلقوا عليها اسم «التقطير» distillation.

يقول غارسيز إن هذه المرحلة من العملية أثارت شكوك كثيرين، في تصورات شركات التكنولوجيا الأميركية حول ضرورات التوسع في حجم قدرات الحوسبة.

يقول غارسيز: «كانت شركة (أوبن إيه آي) وبعض منافسيها يبالغون في التوسع. وكانت الشركات تتبنى شعاراً مفاده أن التوسع هو كل ما تحتاج إليه، وكانت تتوسع في كل عام. وما نراه من خلال عملية التقطير والمكاسب التي تظهرها، هو أنك لا تملك حقاً سبباً كافياً (مقنعاً) للتوسع».

قوة حوسبة أقل لتدريب الذكاء الاصطناعي

إذا كانت شركات التكنولوجيا بحاجة إلى قوة حوسبة أقل لتدريب النماذج، فقد يعني هذا أن الذكاء الاصطناعي يجب ألا يكون ضاراً بالمناخ (نتيجة استهلاكه لطاقة كهربائية عالية) كما هي الحال حالياً، وأن خططاً مثل مشروع البنية التحتية للذكاء الاصطناعي بقيمة 500 مليار دولار في الولايات المتحدة قد لا تحتاج إلى المضي قدماً.

ولكن شركات التكنولوجيا الأميركية كانت سريعة في التصدي لهذا. فقد نشر ساتيا ناديلا، الرئيس التنفيذي لشركة «مايكروسوفت» التي تمتلك حصة كبيرة في «أوبن إيه آي» على منصة «إكس» أنه «مع ازدياد كفاءة الذكاء الاصطناعي وسهولة الوصول إليه، سنرى استخدامه يرتفع بشكل كبير، مما يحوله إلى سلعة لا نشبع منها».

تقول ميريلا لاباتا، من جامعة إدنبره بالمملكة المتحدة: «إذا تحدثت إلى الرؤساء التنفيذيين، فسوف يروجون لتصوراتهم، ويطرحون تنبؤات بأن الذكاء الاصطناعي سيحتاج إلى مراكز البيانات هذه. ولكن إذا كان بإمكاني تشغيل هذه الأشياء على جهاز الكومبيوتر الخاص بي، على وحدة معالجة الرسومات، فلماذا أدفع لشركة (أوبن إيه آي) أجوراً للقيام بأي شيء؟».

اقتصاد في النفقات والطاقة

ومع ذلك، فإن جانباً آخر من نموذج «آر» الخاص بشركة «ديب سيك» قد يزيد بالفعل من متطلبات الذكاء الاصطناعي للطاقة. ومثل نماذج الاستدلال «أو1»o1، الخاصة بشركة «أوبن إيه آي»، يستخدم هذا النظام طريقة تسمى «سلسلة الفكر»؛ حيث «يفكر الذكاء الاصطناعي بصوت عالٍ» ويُظهِر عمله عندما يُطلب منه الرد على مطالبة. وقد وجد الباحثون أن هذا يمكن أن يحسن أداءه في بعض مهام الرياضيات والترميز.

وإذا بدأ مزيد من الأشخاص في استخدام أدوات الذكاء الاصطناعي التي تحتاج إلى التفكير بهذه الطريقة، فقد يؤدي ذلك إلى زيادة الحاجة والتكلفة الحسابية، كما يتوقع ناديلا.

ولكن وقت التفكير في «ديب سيك» مقسم بين كثير من الأنظمة الفرعية المتخصصة في مجالات مختلفة، مثل الرياضيات أو الترميز، فيما يُعرف بنموذج «مزيج الخبراء». يقول نيكوس أليتراس، من جامعة شيفيلد بالمملكة المتحدة، إن هذا سيؤدي إلى الحاجة إلى قوة حسابية أقل من استخدام النموذج كله. ويضيف أن الغالبية العظمى من الطلبات قد لا تحتاج إلى نماذج «التفكير» الأكثر كثافة حسابياً، ما يؤدي إلى انخفاض تكاليف الطاقة الإجمالية.

نماذج رخيصة التكلفة

في النهاية، سيعتمد مدى تأثير ابتكارات «ديب سيك» على صناعة الذكاء الاصطناعي واستهلاكها للطاقة، على ما إذا كانت شركات التكنولوجيا الأميركية قادرة على إظهار أن نهجها يحقق نتائج متفوقة. ولكن مع قدرة العملاء على استخدام «آر1» من «ديب سيك» بأقل من عشرين مرة من تكلفة نماذج مثل «أو1»، فإن الفارق في الجودة يجب أن يكون كبيراً. يقول لاباتا: «إذا لم يكن علينا أن ندفع، فلماذا ندفع؟ وهذا يعني أن استهلاك الطاقة سيكون أقل فعلياً».

نجاحات الصين رغم الحصار الإلكتروني الأميركي

في عام 2022، بدأت الحكومة الأميركية في تنفيذ ضوابط التصدير التي تسعى إلى الحد من وصول الصين إلى الرقائق الأميركية المطورة للاستخدام مع الذكاء الاصطناعي. ولا يبدو أن هذا قد أثر على تطوير «ديب سيك»، حتى الآن.

وبعدما أن قامت «ديب سيك» بتدريب نموذج «R1» الخاص بها بكفاءة، قال لينارت هايم من مؤسسة «راند» RAND، البحثية الأميركية في كاليفورنيا: «من المحتمل أن تكون مكاسب الكفاءة قد جاءت من وجود وصول كبير إلى الحوسبة».

وكتب هايم وسيهاو هوانغ من جامعة أكسفورد في منشور على مدونة، أن «ديب سيك» تدير واحدة من أكبر مجموعات شرائح الذكاء الاصطناعي في آسيا، ولديها وصول غير مقيد إلى موارد الحوسبة المخزنة في السحابة. وساعدت هذه الموارد «ديب سيك» على إنشاء بيانات تدريب اصطناعية، ثم اكتشاف تقنيات أكثر كفاءة من خلال التجربة والخطأ.

وأضافا: «لا تزال الصين تدير مراكز بيانات ما قبل القيود بعشرات الآلاف من الرقائق، بينما تبني الشركات الأميركية مراكز بيانات بمئات الآلاف».

لكن آخرين يرون أن ضوابط التصدير لها نتائج مختلطة، وحتى أنها تحفز الشركات التقنية الصينية على تطوير حلول بديلة فعَّالة. ويقول بول تريولو من مجموعة DGA، وهي شركة استشارية عالمية في واشنطن العاصمة: «كان لضوابط التصدير الأميركية تأثير كبير على ابتكار (ديب سيك)، ولا شك في ذلك».

* مجلة «نيوساينتست»، خدمات «تريبيون ميديا».


مقالات ذات صلة

الاقتصاد جانب من ملتقى «حكومة الرقمية 2025» (الهيئة)

الحكومة السعودية تواصل تقدمها في استخدام التقنيات الناشئة لتتجاوز 76 %

أعلنت هيئة الحكومة الرقمية السعودية تقرير «مؤشر جاهزية تبنّي التقنيات الناشئة»، الذي يؤكد التطور المتسارع في جاهزية الجهات الحكومية لتبنّي التقنيات الناشئة.

«الشرق الأوسط» (الرياض)
علوم بين عين الطبيب وعقل الخوارزمية

الذكاء الاصطناعي في الطب

نحو 64 % من الدول الأوروبية باتت تعتمد الذكاء الاصطناعي في مجالات التشخيص.

د. عميد خالد عبد الحميد (لندن)
خاص مراكز البيانات المدارية قد تكون مفيدة عندما تكون البيانات مولودة في الفضاء أو متسامحة مع التأخير (شاترستوك)

خاص مراكز البيانات المدارية... هل تخفف اختناق الذكاء الاصطناعي أم تبقى حلاً متخصصاً؟

تبرز مراكز البيانات المدارية كخيار ناشئ لتخفيف اختناقات طاقة الذكاء الاصطناعي، لكنها تبدو أقرب إلى حل متخصص، لا بديل شامل.

نسيم رمضان (لاس فيغاس)
الاقتصاد يظهر شعار شركة «إس كيه هاينكس» في هذا الرسم التوضيحي (رويترز)

استثمار ملياريّ لـ«إس كيه هاينكس» لتعزيز ريادتها في رقائق الذكاء الاصطناعي

أعلنت شركة «إس كيه هاينكس»، يوم الأربعاء، أنها تخطط لاستثمار 19 تريليون وون (12.85 مليار دولار) في إنشاء مصنع جديد بكوريا الجنوبية.

«الشرق الأوسط» (سيول)

الذكاء الاصطناعي في الطب

بين عين الطبيب وعقل الخوارزمية
بين عين الطبيب وعقل الخوارزمية
TT

الذكاء الاصطناعي في الطب

بين عين الطبيب وعقل الخوارزمية
بين عين الطبيب وعقل الخوارزمية

في الطب، لا تبدأ الحقيقة دائماً بما نراه... بل كثيراً بما لا يُعرض علينا أصلاً، فالأرقام، مهما بدت دقيقة، لا تحكي القصة كاملة، والخوارزميات، مهما بلغت من ذكاء، لا تُفصح عن حدودها بصراحة.

حين تعتمد أوروبا على الذكاء الاصطناعي

تقرير أوروبي

في هذا السياق، صدر تقرير حديث عن منظمة الصحة العالمية - المكتب الإقليمي لأوروبا، ونُشر رسمياً في 20 أبريل (نيسان) 2026، ليُقدّم أول صورة شاملة عن واقع استخدام الذكاء الاصطناعي في الأنظمة الصحية داخل دول الاتحاد الأوروبي. لا بوصفه وعداً تقنياً، بل محاولة لقياس ما أصبح بالفعل جزءاً من الممارسة الطبية اليومية: مَن يستخدم هذه الأنظمة؟ كيف تُدمج في القرار السريري؟ وإلى أي حد يمكن الوثوق بها؟

ما الذي نقيسه... وما الذي يغيب عنا؟

لكن ما يلفت الانتباه في هذا التقرير، ليس فقط ما كشفه من أرقام بل ما تركه خارج القياس. فبينما يشير إلى أن نحو 64 في المائة من الدول الأوروبية باتت تعتمد الذكاء الاصطناعي في مجالات التشخيص، خصوصاً في تحليل الصور الطبية، يظل السؤال الأعمق معلقاً: هل تكفي هذه المؤشرات لفهم ما يحدث فعلاً داخل غرفة القرار الطبي؟

في مقالات سابقة، كان السؤال: مَن يقرر؟ أما اليوم، فقد تغيّر السؤال: ماذا لا نرى؟

بين الانتشار والفهم... فجوة لا تُرى

لم يعد إدخال أنظمة الذكاء الاصطناعي إلى المستشفيات تحدياً تقنياً يُذكر؛ فالنماذج قادرة اليوم على تحليل آلاف الصور الطبية في لحظات، واقتراح مسارات تشخيصية بدقة لافتة. غير أن التحدي الحقيقي لا يكمن في القدرة على الاستخدام، بل في القدرة على الفهم: ماذا تفعل هذه الأنظمة حين تعمل؟ وأين تتوقف حدودها؟

تفاوت الجاهزية البشرية والتنظيمية

يكشف تقرير منظمة الصحة العالمية عن تفاوت واضح بين الدول، لا في توفر التكنولوجيا، بل في جاهزيتها البشرية والتنظيمية؛خصوصاً في مجالات الحوكمة الأخلاقية، وتأهيل الأطباء، وإدارة البيانات. لكن هذا التفاوت الظاهر يخفي وراءه فجوة أعمق، لا تُقاس بسهولة.

إنها فجوة معرفية قبل أن تكون تقنية، فالذكاء الاصطناعي لا يعمل بمنطق الشك الذي اعتاد عليه الطبيب، ولا يعلن عن مناطق ضعفه كما يفعل العقل البشري حين يتردد. إنه يولد إجابات، لكنه لا يكشف عمّا استُبعد من الحساب، ولا عمّا لم يُمثَّل في البيانات أصلاً.

هنا يظهر ما يمكن تسميته بـ«الصمت الخوارزمي»؛ ليس بوصفه خللاً في الأداء، بل خاصية بنيوية في هذه الأنظمة: فراغ غير مرئي داخل القرار؛ حيث لا يكون الخطأ في ما قِيل، بل فيما لم يُطرح أصلاً.

هل يُقاس الطب بالخوارزميات وحدها؟

في بيئة طبية تتسارع فيها الأنظمة الذكية، يسهل اختزال جودة الرعاية الصحية في مؤشرات الأداء: دقة أعلى، وقت أقل، وقرارات أسرع. غير أن هذا القياس، على أهميته، يظل عاجزاً عن التقاط جوهر القرار الطبي. فالطب لا يقوم فقط على ما يُكتشف، بل على كيفية التعامل مع ما يظل غير محسوم.

الطبيب لا يعمل داخل معادلة مغلقة، بل داخل مساحة مفتوحة من الاحتمالات؛ حيث تُعاد صياغة القرار مع كل معلومة جديدة، ومع كل شك يظهر في الطريق. وهذا ما لا تعكسه المؤشرات الرقمية، ولا تُترجمه النماذج الحسابية بسهولة.

تفاعل الطبيب

التقرير الأوروبي يقيس مدى انتشار الذكاء الاصطناعي، لكنه لا يقيس كيفية تفاعل الطبيب مع مخرجاته: متى يقبلها؟ ومتى يعيد تفسيرها؟ ومتى يختار أن يتجاوزها؟ هذه اللحظات -التي لا تُسجل في البيانات- هي التي تُشكّل جوهر الممارسة السريرية.

وهنا تتجلى المفارقة بوضوح: كلما أصبحت الأنظمة أكثر دقة في الإجابة، ازدادت الحاجة إلى عقل قادر على إعادة طرح السؤال.

من يكتب القواعد... الإنسان أم الآلة؟

يُظهر تقرير منظمة الصحة العالمية أن الدول الأوروبية لا تتحرك بإيقاع واحد في تنظيم الذكاء الاصطناعي الطبي؛ فبعضها صاغ استراتيجيات وطنية واضحة، في حين لا يزال بعضها الآخر في طور البحث عن إطار ينظم ما يتسارع قبل أن يُفهم بالكامل.

غير أن المسألة لا تتعلق فقط بوجود القوانين، بل بطبيعة ما نحاول تنظيمه. فالذكاء الاصطناعي لم يعد أداة ثابتة يمكن إخضاعها لقواعد جامدة، بل نظام يتعلم ويتغير، وتتشكل مخرجاته من تفاعل معقد بين البيانات والسياق وطريقة الاستخدام.

وهنا تظهر مفارقة تنظيمية عميقة: نحن نكتب قواعد لأنظمة لا تتوقف عن إعادة تشكيل نفسها. فالقانون يفترض ثبات السلوك، في حين تقوم هذه الأنظمة على التحول المستمر.

لهذا، لم تعد مساءلة الذكاء الاصطناعي مساءلة تحديد «من أخطأ»، بل فهم كيف تُشكّل القرار أصلاً، ومن أين بدأ مساره. إنها مساءلة لا تبحث فقط في النتيجة، بل في البنية التي أنتجتها، وهذا ما يجعلها أقرب إلى سؤال فلسفي منه إلى إجراء تنظيمي تقليدي.

أوروبا تتقدم... فماذا عن العالم العربي؟

ما يلفت النظر في تقرير منظمة الصحة العالمية ليس فقط ما حققته أوروبا، بل ما يكشفه ضمنياً عن موقعنا نحن في هذه الخريطة المتحركة. ففي العالم العربي، تبدو الصورة غير متجانسة، بل أقرب إلى تفاوت حاد بين دول تقود التجربة، وأخرى لا تزال في بداياتها الأولى.

المملكة تقود التحول حيث يلتقي الطب بالذكاء

في المقدمة، تبرز المملكة العربية السعودية نموذجاً يقود التحول في الذكاء الاصطناعي الطبي، ضمن رؤية استراتيجية واضحة ترتبط بـ«رؤية السعودية 2030»؛ حيث لم يعد الاستخدام مقصوراً على التجريب، بل أصبح جزءاً من البنية التشغيلية في المستشفيات، ومنصات الرعاية الافتراضية، وتحليل البيانات الصحية على نطاق واسع.

تلي السعودية كل من قطر والإمارات العربية المتحدة بخطوات متفاوتة؛ حيث تتشكل منظومات واعدة، لكنها لم تصل بعد إلى مستوى التكامل الشامل الذي نشهده في التجربة السعودية.

أما بقية العالم العربي، والتي تمثل أكثر من 70 في المائة من الدول، فتتراوح بين مراحل وضع الأسس الأولية للذكاء الاصطناعي الطبي، أو غيابه شبه الكامل عن الممارسة السريرية المنظمة. وهنا لا تكون الفجوة تقنية فحسب، بل فجوة في الرؤية والتخطيط والجاهزية البشرية.

لكن التحدي الحقيقي لا يكمن في تسريع التبني فقط، بل في كيفية توجيهه. فالسؤال لم يعد: كم نظاماً نملك؟ بل: كيف نستخدمه؟ ومن يفسر نتائجه؟ وهل الطبيب العربي اليوم مُهيأ ليكون شريكاً في القرار، لا مجرد متلقٍ لمخرجاته؟

ما الذي لا يظهر في التقارير؟

ربما يكون أهم ما كشفه تقرير منظمة الصحة العالمية... هو ما لم يقله صراحة. فبين الأرقام، تختفي تفاصيل لا تُقاس: قلق طبيب شاب أمام توصية لا يفهم آليتها، أو مريض يبدأ موازنة ثقته بين الإنسان والنظام.

هذه المساحات غير المرئية ليست هامشية، بل هي التي تُشكّل جوهر القرار الطبي؛ حيث تتقاطع الدقة مع الشك، والتوصية مع المسؤولية.

الخلاصة: السؤال الذي تغيّر

في نهاية المطاف، لا يكمن السؤال فيما إذا كان الذكاء الاصطناعي سيُستخدم في الطب، بل في مَن يقود القرار حين يلتقي الإنسان بالخوارزمية.

في هذا العصر، لم تعد الأخطاء تختبئ فقط في القرارات الخاطئة، بل في القرارات التي لم تُتخذ، وفيما لم يُعرض أصلاً على طاولة التفكير السريري. ولهذا، لم يعد السؤال: هل أخطأ النظام؟ بل أصبح:

ما الذي لم نره... وكان ينبغي أن يكون جزءاً من القرار؟


«ناسا» تكشف عن تلسكوب سيوفر «أطلساً جديداً للكون»

صحافي يلتقط صورة للتلسكوب الفضائي الجديد «رومان» (أ.ف.ب)
صحافي يلتقط صورة للتلسكوب الفضائي الجديد «رومان» (أ.ف.ب)
TT

«ناسا» تكشف عن تلسكوب سيوفر «أطلساً جديداً للكون»

صحافي يلتقط صورة للتلسكوب الفضائي الجديد «رومان» (أ.ف.ب)
صحافي يلتقط صورة للتلسكوب الفضائي الجديد «رومان» (أ.ف.ب)

كشفت وكالة الفضاء الأميركية (ناسا) عن تلسكوبها الفضائي الجديد «رومان» القادر على مسح أجزاء شاسعة من الكون بحثاً عن كواكب خارجية، وكذلك عن إجابات لأكبر الألغاز الفيزيائية المتمثلة في المادة والطاقة المظلمتين.

ونقلت «وكالة الصحافة الفرنسية» عن مدير «ناسا» جاريد آيزاكمان قوله أمس (الثلاثاء) من مركز غودارد التابع للوكالة في ولاية ماريلاند (شرق الولايات المتحدة)، إن هذا التلسكوب من الجيل الأحدث «سيوفِّر لكوكب الأرض أطلساً جديداً للكون».

وسيُنقل التلسكوب الذي يتجاوز طوله 12 متراً والمزوَّد ألواحاً شمسية ضخمة إلى فلوريدا، تمهيداً لإرساله إلى الفضاء في أقرب وقت مطلع سبتمبر (أيلول)، بواسطة صاروخ تابع لشركة «سبيس إكس».

وأُطلقت تسمية «رومان» على هذا التلسكوب الذي فاقت تكلفته 4 مليارات دولار، تيمناً بنانسي غريس رومان، إحدى أهم عالمات الفلك الأميركيات، والملقبة بـ«أم هابل»، نسبة إلى تلسكوب «هابل» الشهير التابع لـ«ناسا».

ومن نقطة مراقبة تبعد 1.5 مليون كيلومتر عن كوكب الأرض، سيمسح «رومان» مناطق شاسعة من السماء، بفضل مجال رؤيته الواسع الذي يفوق مجال رؤية «هابل» بأكثر من مائة مرة.

وقال مهندس الأنظمة في مهمة «رومان» مارك ميلتون، لـ«وكالة الصحافة الفرنسية»، إن التلسكوب الجديد سيُرسِل إلى الأرض «11 تيرابايت من البيانات يوميّاً، ما يعني أن كمَّ البيانات التي سيوفِّرها في السنة الأولى وحدها يفوق ما جمعه تلسكوب هابل طوال فترة عمله» منذ دخوله الخدمة قبل 35 عاماً.

وتوقَّعت المسؤولة عن الأنشطة العلمية في «ناسا» نيكي فوكس، أن يتيح «رومان» بفضل عدسته الواسعة الزاوية «اكتشاف عشرات الآلاف من الكواكب الجديدة»، فضلاً عن «آلاف المستعرات العظمى» أي النجوم الضخمة التي شارفت دورة حياتها نهايتها.

لكنَّ «رومان» يهدف أيضاً إلى دراسة ما هو غير مرئي، أي دراسة المادة والطاقة المظلمتين اللتين يُعتقد أنهما تمثِّلان 95 في المائة من الكون.

وبفضل الأشعة تحت الحمراء، سيتمكَّن «رومان» من رصد الضوء المنبعث من أجرام سماوية قبل مليارات السنين، والعودة بذلك إلى الماضي، لفهم هاتين الظاهرتين الغامضتين بصورة أفضل.


دراسة: دخان حرائق الغابات قد يرفع خطر الإصابة بأنواع من السرطان

جانب من حرائق غابات في إزمير (إكس)
جانب من حرائق غابات في إزمير (إكس)
TT

دراسة: دخان حرائق الغابات قد يرفع خطر الإصابة بأنواع من السرطان

جانب من حرائق غابات في إزمير (إكس)
جانب من حرائق غابات في إزمير (إكس)

خلصت دراسة قدمت في اجتماع الجمعية الأميركية لأبحاث السرطان في سان دييغو إلى أن التعرض للدخان الناتج عن حرائق الغابات يرتبط بارتفاع كبير في مخاطر الإصابة بعدة أنواع من السرطان.

وحلل الباحثون بيانات عن انتشار الإصابة بالسرطان من تجربة فحص سرطان البروستاتا والرئة والقولون والمستقيم والمبيض، والتي تتعقب حالات التشخيص الجديدة بالسرطان لدى بالغين في أنحاء الولايات المتحدة ليس لديهم تاريخ سابق من الإصابة بالأورام الخبيثة.

ولتحديد مقدار التعرض لدخان حرائق الغابات، أجرى الباحثون تقييما للجسيمات الدقيقة والكربون الأسود في الجو باستخدام بيانات تلوث الهواء على مستوى سطح الأرض من الأحياء التي يعيش فيها المشاركون، إلى جانب صور الأقمار الصناعية التي ساعدت في حساب عدد الأيام التي تعرضت فيها مناطق إقامتهم للدخان.

ومن بين 91460 مشاركا تم تسجيل بياناتهم بين عامي 2006 و2018، ارتبط التعرض لدخان حرائق الغابات بشكل كبير بزيادة خطر الإصابة بسرطان الرئة والقولون والمستقيم والثدي والمثانة والدم، ولكن ليس بسرطان المبيض أو الجلد.

ووجد الباحثون أيضا أن خطر الإصابة بهذه الأنواع من السرطان يزداد مع ارتفاع مستوى تلوث الهواء الناتج عن الحرائق.

وقال رئيس الدراسة تشي تشن وو من مركز السرطان الشامل بجامعة نيو مكسيكو في بيان «الرسالة الرئيسية هي أن دخان حرائق الغابات ليس مجرد مشكلة قصيرة الأمد تتعلق بالجهاز التنفسي أو القلب والأوعية الدموية. فقد ينطوي التعرض المزمن له أيضا على مخاطر الإصابة بالسرطان على المدى الطويل».

وأضاف «من الملحوظ أن زيادة خطر الإصابة بالسرطان قد تحدث حتى عند مستويات منخفضة نسبيا من دخان حرائق الغابات (الجسيمات الدقيقة) التي يتعرض لها السكان عادة».

وأشار وو أيضا إلى أن مصدر ومكونات دخان حرائق الغابات تختلف باختلاف المناطق الجغرافية، وقد تتأثر الصحة أيضا بالمركبات والتحولات الكيميائية التي تحدث للدخان أثناء انتشاره.