كيف يفهم الذكاء الاصطناعي مبادئ أخلاقيات الطب؟

رحلة عبر التاريخ من حمورابي إلى عصر قرارات الخوارزمية

العدالة في زمن الذكاء الاصطناعي الطبي- المبادئ الاربعة: الاستقلالية، العدالة، المنفعة ، وعدم الإضرار
العدالة في زمن الذكاء الاصطناعي الطبي- المبادئ الاربعة: الاستقلالية، العدالة، المنفعة ، وعدم الإضرار
TT

كيف يفهم الذكاء الاصطناعي مبادئ أخلاقيات الطب؟

العدالة في زمن الذكاء الاصطناعي الطبي- المبادئ الاربعة: الاستقلالية، العدالة، المنفعة ، وعدم الإضرار
العدالة في زمن الذكاء الاصطناعي الطبي- المبادئ الاربعة: الاستقلالية، العدالة، المنفعة ، وعدم الإضرار

لم يعد الذكاء الاصطناعي في الطب مجرد أداة تحليلية تعمل في الخلفية خلف الشاشات، بل أصبح حاضراً في لحظة القرار ذاتها؛ في غرف الطوارئ، وفي أنظمة دعم التشخيص، وفي منصات تقييم المخاطر التي قد ترجّح خياراً علاجياً على آخر. وتقترح الأنظمة الذكية اليوم احتمالات علاجية، وتحسب نسب المضاعفات، وتقدّر فرص النجاة.

هنا يتغير السؤال جذرياً. لم يعد السؤال؛ هل يستخدم الطب الذكاء الاصطناعي؟ بل أصبح؛ كيف يمكن لهذه الأنظمة أن تعمل داخل المنظومة الأخلاقية التي صاغت الممارسة الطبية عبر قرون طويلة؟ كيف يمكن لخوارزمية أن تفهم، أو على الأقل أن تُحاط بمبادئ الإحسان، وعدم الإضرار، واحترام الاستقلالية، وتحقيق العدالة؟

حين تدخل الخوارزمية غرفة القرار، فإنها لا تدخل فراغاً تقنياً، بل تدخل تاريخاً أخلاقياً ممتداً من قوانين حمورابي، إلى قسم أبقراط، إلى تنظيرات ابن سينا، وصولاً إلى مواثيق الأخلاقيات الطبية الحديثة. والسؤال اليوم ليس عن قدرة الآلة على الحساب، بل عن قدرتنا نحن على إدماجها في هذا الإرث الأخلاقي دون أن يتصدّع.

أخلاقيات الطب من المسمار الطيني إلى الخوارزمية

جذور أخلاقيات الطب

> من حمورابي إلى ابن سينا. ظهرت أولى محاولات تنظيم المسؤولية الطبية في شريعة الملك حمورابي في بلاد الرافدين قبل نحو 4 آلاف عام، حيث رُبط الفعل الطبي بنتائجه، وحددت مسؤولية الطبيب القانونية بوضوح غير مسبوق في تاريخ الحضارات. وكان الطب هنا فعلاً يخضع للمساءلة، لا مجرد مهارة تقنية.

وفي الصين القديمة، أكّد كونفوشيوس مركزية الفضيلة والواجب الأخلاقي في علاقة المعالج بالمريض. ثم جاء أبقراط في اليونان ليضع الإطار الأكثر رسوخاً لفكرة الالتزام الأخلاقي للطبيب، عبر مبدأ «عدم الإضرار» والسعي لمنفعة المريض، مؤسساً لفكرة أن الغاية من المعرفة الطبية هي حماية الإنسان، لا استعراض المهارة.

وفي الحضارة الإسلامية، رسّخ ابن سينا في كتابه «القانون في الطب» تصوراً أكثر تكاملاً، حيث لا تنفصل المعرفة الطبية عن الحكمة، ولا المهارة عن الضمير الإنساني. فالطبيب عنده ليس حافظاً للمعلومات فحسب، بل صاحب رؤية أخلاقية توازن بين العقل والرحمة.

> طبّ بين المعرفة والمسؤولية. لم يكن الطب يوماً صراعاً بين الإنسان والأداة، بل علاقة متواصلة بين التقدم العلمي والمسؤولية الأخلاقية. فمع كل تطور تقني - من المشرط الجراحي إلى الأشعة السينية ثم إلى التصوير الجزيئي - ازدادت دقة التشخيص واتسعت إمكانات العلاج، لكن في المقابل تعمّق عبء القرار الطبي وتعقّد. فالأداة لا تعفي الطبيب من المسؤولية، بل تضيف طبقة جديدة من المساءلة؛ كيف تُستخدم؟ ومتى؟ ولصالح من؟

اليوم يختلف الذكاء الاصطناعي عن الأدوات السابقة في أنه لا يساعد اليد فقط، بل يقترب من مجال التفكير السريري ذاته. إنه لا يكتفي بتوفير صورة أو نتيجة مختبرية، بل يقترح تفسيراً، ويرجّح احتمالاً، ويعيد ترتيب الخيارات العلاجية. وهنا يصبح السؤال الأخلاقي أكثر حساسية؛ إذا كانت الأداة تشارك في التحليل، فمن يملك القرار؟ ومن يتحمل مسؤوليته؟

الضمير في قلب الخوارزمية

حدود الذكاء الاصطناعي

> قصور في الاعتبارات الأخلاقية. لم يعد النقاش حول أخلاقيات الذكاء الاصطناعي نظرياً أو افتراضياً، بل أصبح مدعوماً بتحليل تجريبي لحوادث واقعية. ففي دراسة نُشرت في فبراير (شباط) 2026 بعنوان «كشف المخاطر الخفية للذكاء الاصطناعي: vتحليل تجريبي للحوادث المرتبطة بالأنظمة الصحية الذكية»، في مجلة الذكاء الاصطناعي في الطب (Artificial Intelligence in Medicine)، أجرى باحثون من معهد أخلاقيات الذكاء الاصطناعي بجامعة أكسفورد في المملكة المتحدة مراجعة منهجية لحوادث ارتبطت باستخدام أنظمة ذكية في بيئات الرعاية الصحية.

وكشفت النتائج أن عدداً كبيراً من الإخفاقات لم يكن ناتجاً عن خلل تقني مباشر في الخوارزمية، بل عن قصور في الاعتبارات الأخلاقية أثناء تصميم النظام، أو عن تطبيقه خارج السياق السريري المناسب. ففي بعض الحالات، جرى استخدام النظام في فئات مرضية لم تُدرَّب الخوارزمية عليها بما يكفي، أو دون مراعاة الفروق الاجتماعية والاقتصادية بين المرضى، ما أدى إلى توصيات غير عادلة أو غير ملائمة.

تلك النتائج تعيدنا إلى جوهر السؤال؛ الذكاء الاصطناعي قد يكون دقيقاً من الناحية الحسابية، لكن من دون إطار أخلاقي واضح يوجّه تصميمه واستخدامه، قد يتحول من أداة مساعدة إلى مصدر خطر غير مقصود.

> الاستقلالية: قرار المريض في عصر الخوارزمية. يقوم مبدأ الاستقلالية على حق المريض في اتخاذ قراره بعد فهم الخيارات العلاجية المتاحة، وموازنة فوائدها ومخاطرها وفق قِيَمه وظروفه الخاصة. وهو مبدأ انتقل بالطب من نموذج «الوصاية» إلى نموذج الشراكة بين الطبيب والمريض.

في هذا السياق، يمكن للذكاء الاصطناعي أن يكون أداة داعمة للاستقلالية، عبر تبسيط المعلومات الطبية المعقدة، وعرض بدائل علاجية متعددة، وتوضيح احتمالات النجاح والمضاعفات بلغة مفهومة. كما يمكنه أن يمكّن المريض من الاطلاع على سيناريوهات مختلفة تساعده على اتخاذ قرار أكثر وعياً.

غير أن التحدي الأخلاقي يظهر حين تتحول توصيات النظام إلى سلطة غير مرئية. فالمريض، وأحياناً الطبيب، قد يميلان إلى الثقة المفرطة بالتوصية الرقمية باعتبارها «محايدة» أو «موضوعية»، حتى إن كانت مبنية على بيانات غير مكتملة أو منحازة. هنا قد يتقلص المجال الحقيقي للاختيار، دون أن يبدو ذلك واضحاً.

الاستقلالية في عصر الخوارزمية لا تعني توفير الخيارات فقط، بل ضمان ألا تتحول الخوارزمية إلى مرجعية صامتة تُعيد تشكيل القرار من وراء الستار.

التقييم في عصر الطب الرقمي

> الإحسان وعدم الإضرار. يشكّل مبدأ الإحسان، أي السعي إلى تحقيق منفعة المريض ومبدأ عدم الإضرار وتجنّب الأذى قدر الإمكان، حجر الزاوية في الأخلاقيات الطبية منذ أبقراط. وفي هذا الإطار، تبدو الأنظمة الذكية حليفاً طبيعياً لهذين المبدأين. فهي قادرة على تحليل كميات هائلة من البيانات السريرية، والتنبؤ بالمضاعفات المحتملة، ورصد الأنماط الدقيقة التي قد تفوت العين البشرية.

غير أن هذه القدرة الحسابية لا تعمل في فراغ. فجودة التوصيات تبقى رهينة جودة البيانات التي دُرّبت عليها الخوارزميات، وتمثيلها العادل لمختلف الفئات السكانية، ودقة السياق السريري الذي تُستخدم فيه. فإذا كانت البيانات ناقصة أو منحازة، فإن التوصية مهما بدت دقيقة قد تحمل في طياتها خطراً غير مرئي.

يضاف إلى ذلك ما يُعرف بـ«الانحياز الآلي»؛ حيث قد يميل الطبيب إلى منح ثقة مفرطة للتوصية الرقمية، فيتردد في مخالفتها رغم وجود شك سريري مشروع. هنا يتحول النظام من أداة داعمة إلى مرجعية صامتة قد تضعف الجرأة المهنية على السؤال أو المراجعة.

إن الإحسان في عصر الذكاء الاصطناعي لا يعني تحسين التنبؤ فقط، وعدم الإضرار لا يتحقق بمجرد انخفاض نسبة الخطأ الإحصائي، بل يتطلبان وعياً نقدياً مستمراً يوازن بين ما تقترحه الخوارزمية وما يقتضيه الضمير السريري.

> العدالة في الطب الرقمي. يحمل الذكاء الاصطناعي وعداً حقيقياً بتوسيع الوصول إلىر الرعاية الصحية، من خلال دعم التشخيص في المناطق محدودة الموارد، وتقليل الفوارق في الوصول إلى الخبرة الطبية. غير أن هذا الوعد الأخلاقي يرتبط بشرط أساسي بعدالة البيانات التي تتعلم منها الأنظمة الذكية.

إن الخوارزميات لا تعمل بمعزل عن الواقع الاجتماعي، بل تعكسه. وإذا كانت بيانات التدريب تمثل فئات سكانية محدودة، أو أنظمة صحية متقدمة دون غيرها، فقد تنتج توصيات أقل دقة لدى مجتمعات أخرى، ما يعيد إنتاج التفاوتات الصحية بدلاً من تقليصها.

لهذا تصبح مراجعة النماذج والخوارزميات، وتقييم مصادر البيانات، وضمان تمثيل التنوع البشري والثقافي، جزءاً لا يتجزأ من المسؤولية الأخلاقية في الطب الرقمي. فالعدالة لم تعد مسألة توزيع الخدمات فقط، بل مسألة تصميم خوارزمي واعٍ يضمن تكافؤ فرص التشخيص والعلاج بين مختلف المرضى والمجتمعات.

> الطب يبقى فعلاً إنسانياً. من شريعة حمورابي التي ربطت الفعل الطبي بالمسؤولية، إلى قسم أبقراط الذي جعل عدم الإضرار مبدأً مهنياً، إلى ابن سينا الذي جمع بين المعرفة والحكمة، ظلّ الطب قائماً على علاقة أخلاقية بين إنسان وإنسان. لم يكن يوماً مجرد تقنية، بل التزاماً ومسؤولية وقراراً يُتخذ في لحظة حساسة قد تغيّر مصير حياة.

اليوم، ومع صعود الخوارزميات القادرة على تحليل ملايين البيانات في ثوانٍ، يتسع أفق الرؤية الطبية، لكن جوهر القرار لا يتغير، لكنها لا تتحمل عبء الاختيار الأخلاقي، ولا تقف أمام المريض لتحمل تبعات القرار.

قد تساعد التقنية الطبيب على أن يرى بوضوح أكبر، لكنها لا تعفيه من أن يختار. والطب، في نهاية المطاف، لا يُقاس بذكاء النظام المستخدم، بل بوعي الإنسان الذي يوجّهه. ومهما تطورت الخوارزميات، يبقى القرار الطبي فعلاً إنسانياً، ومسؤولية لا يمكن تفويضها بالكامل للآلة.


مقالات ذات صلة

ثمار صغيرة بقدرات كبيرة… كيف يفيد التوت الأسود جسمك؟

صحتك التوت الأسود يُعدّ مصدراً ممتازاً لفيتامين «سي» (بيكسلز)

ثمار صغيرة بقدرات كبيرة… كيف يفيد التوت الأسود جسمك؟

في عالمٍ تتصدّر فيه ما يُعرف بـ«الأطعمة الخارقة» عناوين الصحة والتغذية تميل الأنظار غالباً إلى مكونات شهيرة مثل الأفوكادو والكينوا والكيوي.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
يوميات الشرق البرقوق المجفف من الأطعمة الداعمة لصحة العظام (جامعة هارفارد)

أطعمة تقوّي العظام وتقلّل الكسور

تُعد صحة العظام من أهم ركائز الصحة العامة، خصوصاً مع التقدم في العمر، حيث يزداد خطر ضعف العظام والإصابة بالكسور.

«الشرق الأوسط» (القاهرة )
صحتك المشروبات الغازية والمُحلّاة تُعد من أبرز العوامل التي قد تؤثر في خصوبة الرجال (بيكسلز)

أطعمة تضرّ خصوبة الرجال… تعرّف عليها

تُعدّ مشكلة العقم من التحدّيات الصحية الشائعة على مستوى العالم، إذ يُعاني منها نحو 15 في المائة من الأزواج.

«الشرق الأوسط» (بيروت)
صحتك مسكنات الألم تُعد من الأدوية الأكثر استخداماً في العالم (أرشيفية-أ.ف.ب)

اكتشف تأثير مُسكنات الألم على الكلى

تُعد مسكنات الألم من الأدوية الأكثر استخداماً في العالم، ومع ذلك فإن استخدامها قد يحمل في طياته مخاطر صحية غير مرئية، خصوصاً على الكلى.

«الشرق الأوسط» (لندن)
صحتك يُعدّ مرض الكبد الدهني المرتبط باضطرابات الأيض من أكثر الأمراض انتشاراً (رويترز)

1.8 مليار شخص مهددون بالإصابة بأمراض الكبد الأيضية بحلول 2050

أشارت دراسة حديثة إلى أن أمراض الكبد الأيضية ستؤثر على 1.8 مليار شخص حول العالم بحلول عام 2050؛ نتيجة لارتفاع معدلات السمنة والسكري.

«الشرق الأوسط» (نيويورك)

حين يقترح الذكاء الاصطناعي الدواء… مَن يقرر فعلاً؟

بين الشاشة والطبيب
بين الشاشة والطبيب
TT

حين يقترح الذكاء الاصطناعي الدواء… مَن يقرر فعلاً؟

بين الشاشة والطبيب
بين الشاشة والطبيب

في الطب، لم يكن القرار يوماً مجرد اختيار بين خيارات متاحة، بل لحظة مسؤولية معقدة، يقف فيها الطبيب بين ما تقوله البيانات وما يعيشه الإنسان. فالتشخيص قد يكون علماً، لكن القرار ظل دائماً فعلاً إنسانياً يقوم على مزيج من الخبرة والحدس والقدرة على قراءة ما بين السطور.

عندما يصبح القرار احتمالاً

وفي الطب النفسي تحديداً، يزداد هذا التعقيد. فالمريض ليس رقماً ولا عضواً يمكن قياسه، بل تجربة إنسانية كاملة: مشاعر، ذاكرة، وعلاقات. لذلك؛ كان اختيار الدواء أقرب إلى محاولة فهم... لا إلى تطبيق معادلة.

لكن هذا التوازن بدأ يتغير مع دخول الذكاء الاصطناعي التنبؤي، حيث لم يعد القرار يبدأ من الفهم فقط، بل من الاحتمال.

الدواء تحت مجهر الخوارزمية

من«أي دواء أختار؟» إلى «ما احتمال النجاح؟»

في دراسة حديثة نُشرت في أبريل (نيسان) 2026 في مجلة «جاما للطب النفسي» (JAMA Psychiatry)، حلّل باحثون بيانات أكثر من 300 ألف مريض لتقدير احتمالية الاستجابة لمضادات الاكتئاب من نوع مثبطات استرداد السيروتونين الانتقائية (SSRIs)، وأظهرت النتائج أن النماذج التنبؤية بلغت دقة تقارب 74 في المائة، مقارنة بما يقابل نحو 48 في المائة في الممارسة التقليدية.

لكن الأهم من الأرقام هو ما تعكسه من تحول في طريقة التفكير الطبي. فبدلاً من أن يبدأ الطبيب من خبرته ليختار الدواء، يبدأ الآن من تقدير احتمالي مسبق يوجه القرار منذ البداية... وهنا لا تتغير الإجابة فقط... بل يتغير السؤال نفسه.

مثال من العيادة... حيث يبدأ التردد

في عيادة نفسية، يحضر مريض يعاني اكتئاباً متوسطاً. في النموذج التقليدي، يختار الطبيب الدواء بناءً على خبرته، ثم يراقب الاستجابة ويعدّل العلاج عند الحاجة.

أما مع الذكاء الاصطناعي، فيمكن إدخال بيانات المريض للحصول على تقدير لاحتمال نجاح كل خيار. قد يشير النظام إلى أن دواءً معيناً يملك فرصة نجاح أعلى بنسبة 68 في المائة. في هذه اللحظة، لا يختفي دور الطبيب... لكنه يتغير.

ويظهر سؤال جديد: هل يتبع خبرته... أم الاحتمال؟

هل أصبح القرار حسابياً؟

رغم دقة هذه النماذج، فإنها لا «تفهم» المريض كإنسان، بل تحلل أنماطاً إحصائية مستخلصة من بيانات واسعة. فهي لا تدرك التاريخ النفسي أو السياق الاجتماعي أو التعقيد الشخصي للحالة. وما تقدمه هذه الأنظمة ليس قراراً، بل هو احتمال مبني على تشابه الحالات. وهنا يبرز السؤال الجوهري: هل يكفي أن يكون الخيار أكثر احتمالاً للنجاح... ليكون الخيار الأنسب؟

تعاون طبي بعقل واحد

بين الدقة والإقناع

كلما ازدادت دقة الخوارزميات، ازدادت قدرتها على إقناع الطبيب بنتائجها. لكن هذا الإقناع قد لا يعكس الحقيقة دائماً، بل قوة العرض الرقمي. ففي بيئة تعتمد على السرعة والكفاءة، قد يميل الطبيب إلى الوثوق بالنتيجة، لا لأنه تحقق من دقتها، بل لأنها تبدو منظمة وواثقة.

وهنا يكمن الخطر الحقيقي: ليس في أن تخطئ الأنظمة... بل في أن تُقنعنا بأنها لا تخطئ.

الطب النفسي الشخصي... إلى أي مدى؟

تقود هذه التطورات إلى ما يُعرف بـ«الطب النفسي الشخصي»، الذي يسعى لتخصيص العلاج وفق خصائص كل مريض. لكن الاكتئاب ليس مجرد خلل كيميائي، بل حالة معقدة تتداخل فيها عوامل بيولوجية ونفسية واجتماعية، مثل التجارب الحياتية والعلاقات والضغوط اليومية - وهي عناصر يصعب قياسها بالكامل. لذلك؛ تظل النماذج التنبؤية محدودة بقدرتها على تمثيل هذا التعقيد الإنساني.

ما الذي يتغير فعلاً؟

التغيير الأهم ليس في دقة اختيار الدواء، بل في دور الطبيب. فلم يعد الطبيب المصدر الوحيد للقرار، بل أصبح مفسراً لتوصيات خوارزمية، ومقيّماً لمدى توافقها مع واقع المريض. وهذا يعيد تعريف دوره: من صانع قرار مباشر... إلى حارس للمعنى الإنساني داخل القرار. لكن هذا التحول يطرح سؤالاً أخلاقياً عميقاً: من يتحمل المسؤولية؟ الطبيب... أم النظام؟

الخلاصة: القرار ليس رقماً

قد تساعد الخوارزميات في توجيه القرار، لكنها لا تتحمل مسؤوليته. فالطب لم يكن يوماً مجرد اختيار الخيار الأكثر احتمالاً، بل كان دائماً تحملاً لنتائج هذا الاختيار في سياق إنساني معقد. ولهذا؛ قد لا يكون السؤال:

هل يستطيع الذكاء الاصطناعي اختيار الدواء؟ بل: هل يمكن اختزال القرار الطبي... في رقم؟


مرض وهمي ابتدعه العلماء... ينشر الذكاء الاصطناعي دراساته

صورة مولدة بالذكاء الاصطناعي لحالة مرض «بيكسونيمانيا» الوهمي
صورة مولدة بالذكاء الاصطناعي لحالة مرض «بيكسونيمانيا» الوهمي
TT

مرض وهمي ابتدعه العلماء... ينشر الذكاء الاصطناعي دراساته

صورة مولدة بالذكاء الاصطناعي لحالة مرض «بيكسونيمانيا» الوهمي
صورة مولدة بالذكاء الاصطناعي لحالة مرض «بيكسونيمانيا» الوهمي

ابتكر العلماء مرضاً وهمياً زعموا أنه ينتج من تأثيرات الضوء الأزرق – وهم يرصدون اليوم مدى انتشار الأخبار عنه في الأبحاث الطبية، كما كتبت لوسيا أورباخ (*).

حيلة علمية

انطلت حيلة مرض غير موجود على نظم الذكاء الاصطناعي، وانتشرت أخباره على أنه حقيقة طبية. ويشرح الباحثون الذين ابتدعوه كيف حدث ذلك، ولماذا يكشف فعلاً عن ثغرة خطيرة في النماذج الذكية الحالية.

مرض «بيكسونيمانيا»

سميت الحالة المبتدعة بمصطلح «بيكسونيمانيا» bixonimania، ووصفت بأنها حالة شائعة، ربما تعانيها إذا كنت تعاني احمراراً وتهيجاً في العينين نتيجة التعرض المفرط للضوء الأزرق المنبعث من الشاشات. لكن إليك معلومة طريفة: «بيكسونيمانيا» ليست مرضاً حقيقياً.

اختبار تفسيرات الذكاء الاصطناعي

ابتداءً من مطلع عام 2024، بدأ العلماء بنشر دراسات زائفة على الإنترنت حول هذا المرض الوهمي، بهدف اختبار كيفية تفسير الذكاء الاصطناعي لهذه المعلومات المضللة، وما إذا كان سينشرها على أنها نصائح صحية موثوقة.

قادت ألميرا عثمانوفيتش ثونستروم، الباحثة الطبية في جامعة غوتنبرغ بالسويد، هذه التجربة، إذ قامت هي وفريقها بابتكار حالة جلدية وهمية، ثم قام الفريق بتحميل دراستين وهميتين عنها إلى خادم ما قبل النشر في أوائل عام 2024.

وقالت أوسمانوفيتش ثونستروم: «أردتُ أن أرى ما إذا كان بإمكاني ابتكار حالة طبية غير موجودة في قاعدة البيانات».

وقد نجحت التجربة، ففي غضون أسابيع، بدأت كبرى شركات الأدوية في تقديم هذه الحالة بصفته تشخيصاً لمن يبحثون عن أعراضهم.

* نموذج «مايكروسوفت كوبايلوت» ذكر أن «هوس الانعكاسات» ليس تشخيصاً طبياً معترفاً به على نطاق واسع حتى الآن، ولكن الكثير من الأبحاث والتقارير الحديثة تناقشه بوصفه حالة حميدة يتم تشخيصها بشكل خاطئ، وترتبط بالتعرض المطول لمصادر الضوء الأزرق مثل الشاشات.

* نموذج «تشات جي بي تي» ذكر أن «هوس الانعكاسات» هو نوع فرعي جديد مقترح من التصبغ حول العينين (الهالات السوداء حول العينين) يُعتقد أنه مرتبط بالتعرض للضوء الأزرق المنبعث من الشاشات الرقمية.

أخبار مقلقة

ونشر الكاتب كريس ستوكل-ووكر تقريراً عن هذا التزييف في مجلة «نتشر». وفي مقابلة له علل متحدث باسم «أوبن إيه آي» هذا بالقول إن «النماذج التي تُشغّل الإصدار الحالي من (تشات جي بي تي) مثل (جي بي تي-5) أفضل الآن بكثير من النماذج السابقة، في توفير معلومات طبية آمنة ودقيقة».

والمشكلة الأكثر إثارة للقلق هي أن هذه الأبحاث المزيفة قد استُشهد بها الآن في أدبيات علمية مُحكّمة. وقد أخبرت أوسمانوفيتش ثونستروم ستوكل-ووكر أن هذا يُشير إلى أن الباحثين كانوا «يعتمدون على مراجع مُولّدة بواسطة الذكاء الاصطناعي دون قراءة الأبحاث الأصلية».

كيف نجحت هذه الخدعة؟

أطلقت أوسمانوفيتش ثونستروم على الحالة اسم «بيكسونيمانيا»، وقالت إن الاسم «يبدو سخيفاً... لأني أردت أن أوضح تماماً لأي طبيب أو أي فرد من الطاقم الطبي أن هذه حالة مُختلقة؛ لأنه لا يُمكن تسمية أي حالة عين، بالهوس mania - فهذا مصطلح نفسي».

إشارات خفية وصريحة لجمهور القراء

كما وُضعت عشرات الإشارات الخفية التي تُشير إلى أن الحالة مُختلقة، مثل أن الباحث الرئيسي، لازليف إزغوبليينوفيتش- وهو اسم مستعار- يعمل في جامعة وهمية تُدعى جامعة أستيريا هورايزون، في مدينة وهمية تُدعى نوفا سيتي، في كاليفورنيا.

وتوجهت الدراسة بالشكر، وهمياً، إلى «الأستاذة ماريا بوم من أكاديمية ستار فليت على لطفها وكرمها في المساهمة بمعرفتها ومختبرها على متن سفينة (يو إس إس إنتربرايز)». وذكرت أن التمويل جاء من «مؤسسة البروفسور سايدشو بوب لعملها في مجال الخدع المتقدمة».

لكن، حتى ولو لم يصل القراء إلى هذه الفقرة، فإنهم كانوا سيكتشفون زيف كل الحالة من خلال التصريحات الصريحة في المقدمة، مثل «هذه الدراسة بأكملها من نسج الخيال» و«تم اختيار خمسين شخصاً وهمياً تتراوح أعمارهم بين 20 و50 عاماً لمجموعة الدراسة».

ما هي تداعيات مشروع بيكسونيمانيا؟

منذ نشر مقال ستوكل-ووكر في 7 أبريل (نيسان) 2026، بدأت الكثير من أنظمة الذكاء الاصطناعي في إنتاج مخرجات مصححة. سابقاً، كانت مختبرات التعلم الآلي تعتمد على أربعة مصادر رئيسية للمعلومات: منشوران على مدونة Medium بتاريخ 15 مارس (آذار) 2024، وورقتان بحثيتان منشورتان مسبقاً على SciProfiles بتاريخ 26 أبريل و6 مايو (أيار) من العام نفسه.

تأثير متواصل

لكن تأثير التجربة لا يزال قائماً. إذ لم تُجرَ هذه الدراسة لمجرد المزاح. كان هدف عثمانوفيتش ثونستروم هو تحديد مشكلة جوهرية خطيرة في اعتماد المجتمع المتزايد على الذكاء الاصطناعي.

يقول أليكس رواني، باحث دكتوراه في المعلومات الصحية المضللة في «يونيفرسيتي كوليدج لندن»: «إذا كانت العملية العلمية نفسها والأنظمة الداعمة لها ماهرة، ولا تستطيع رصد وتصفية أجزاء كهذه، فنحن محكوم علينا بالفشل. هذه دورة متقدمة في كيفية عمل المعلومات المضللة والمغلوطة».

ذكاء اصطناعي بوتيرة سريعة

تتطور تقنية الذكاء الاصطناعي بوتيرة سريعة للغاية؛ ما يُعجِز الباحثين عن وضع ضمانات وبروتوكولات اختبار فعّالة. يقول محمود عمر، الطبيب والباحث المتخصص في تطبيقات الذكاء الاصطناعي في الرعاية الصحية بكلية الطب بجامعة هارفارد في بوسطن، ماساتشوستس، إن سرعة طرح النماذج الجديدة في السوق تجعل من الصعب التوصل إلى «إجماع أو منهجية لاختبار كل نموذج تلقائياً». عثمانوفيتش ثونستروم ليست أول من أشار إلى ذلك.

معلومات علمية مزيفة

لم تكن عثمانوفيتش ثونستروم أول من اختبر ما يمكن أن ينتجه الذكاء الاصطناعي من تغذية معلومات أكاديمية زائفة. فقد صرّحت إليزابيث بيك، عالمة الأحياء الدقيقة الهولندية ومستشارة النزاهة العلمية، بأن باحثين قاموا حتى بتأليف كتب وأوراق بحثية مزيفة لزيادة عدد الاستشهادات بها على «غوغل سكولار». ويكمن القلق الأكبر في تغذية نماذج الذكاء الاصطناعي بهذه المعلومات الزائفة، التي بدورها تعيد إنتاج هذه المعلومات المغلوطة، ما يُبعد المستخدمين أكثر فأكثر عن الواقع.

ويعمل العلماء وخبراء الأخلاقيات حالياً على قدم وساق لإيجاد حلول عملية لهذه النتائج. ومن المقلق أن تمر ادعاءات علمية ذات مصادر مشكوك فيها عبر منصات التعلم الإلكتروني دون أي رقابة. وقال رواني: «علينا حماية ثقتنا كما نحمي الذهب. الوضع فوضوي للغاية الآن».

* «إنك» - خدمات «تريبيون ميديا»


اختراق علمي: تحديد السبب الجيني لربع مرضى العصبون الحركي

العصبون الحركي هو مرض عصبي خطير
العصبون الحركي هو مرض عصبي خطير
TT

اختراق علمي: تحديد السبب الجيني لربع مرضى العصبون الحركي

العصبون الحركي هو مرض عصبي خطير
العصبون الحركي هو مرض عصبي خطير

في تطور علمي بارز كشف باحثون دوليون عن دور أكبر مما كان يُعتقد سابقاً للعوامل الجينية في الإصابة بمرض العصبون الحركي، وهو مرض عصبي خطير يسبب ضعفاً تدريجياً في العضلات، ويؤدي في النهاية إلى الشلل.

وتُعد الدراسة التي نُشرت في مجلة «Nature Genetics» في 31 مارس (آذار) 2026 هي الأكبر من نوعها حتى الآن، حيث أظهرت أن سبباً جينياً يمكن تحديده لدى نحو واحد من كل أربعة مرضى. وهذه النسبة تمثل ارتفاعاً ملحوظاً مقارنة بالتقديرات السابقة التي كانت تشير إلى حالة واحدة فقط من كل خمسة.

تعاون دولي واسع

أُجريت الدراسة ضمن مشروع Project MinE، وهو تحالف بحثي عالمي يهدف إلى فهم الأساس الجيني لمرض العصبون الحركي. وشارك في قيادة هذا الجهد باحثون من جامعة كينغز كوليدج لندن King's College London وإشراف مشترك من كيفن كينا ويان فيلدينك من قسم علم الأعصاب الانتقالي مركز الدماغ المركز الطبي الجامعي جامعة أوتريخت الهولندية.

قام الفريق بتحليل الحمض النووي «دي إن إيه» لأكثر من 18 ألف مريض، من بينهم نحو 2000 عينة من بنك الحمض النووي البريطاني الخاص بالمرض UK MND DNA Bank الذي يُدار بالتعاون مع مستشفى كينغز كوليدج التابع لهيئة الخدمات الصحية الوطنية البريطانية.

مرض سريع التقدم

يُعد مرض العصبون الحركي المعروف اختصاراً بـMND motor neuron disease من الأمراض التنكسية التي تصيب الخلايا العصبية المسؤولة عن التحكم في الحركة. ومع مرور الوقت يفقد المرضى القدرة على الحركة، والكلام، والتنفس، وغالباً ما يؤدي المرض إلى الوفاة خلال نحو عامين من التشخيص.

ورغم أن نحو 10 في المائه فقط من الحالات لديها تاريخ عائلي واضح، فإن النتائج الجديدة تشير إلى أن العوامل الجينية قد تكون أكثر انتشاراً مما كان يُعتقد.

اكتشاف طفرات نادرة

ما يميز هذه الدراسة هو حجمها الكبير الذي أتاح للباحثين اكتشاف طفرات جينية نادرة لم تكن معروفة سابقاً. ففي حين ركزت الدراسات السابقة على الطفرات الشائعة، أو الموروثة داخل العائلات، سمح هذا التحليل الواسع برصد تغيرات جينية نادرة عبر مجموعة كبيرة من المرضى.

وتُظهر النتائج أن 25 في المائه من المرضى يحملون تغيرات جينية مرتبطة بالمرض، سواء كان لديهم تاريخ عائلي أم لا، ما يعزز فكرة أن الجينات تلعب دوراً محورياً في تطور الحالة.

تأثير مباشر على العلاج

ولا تقتصر أهمية هذه الاكتشافات على الفهم العلمي فقط، بل تمتد إلى الممارسة الطبية، إذ إن معرفة الطفرات الجينية لدى المريض يمكن أن تساعد الأطباء في تحديد مسار المرض، والتنبؤ بتطوره، بل وقد تؤثر في اختيار العلاج. كما أن بعض هذه الطفرات قد تكون موروثة، ما يجعلها ذات أهمية لأفراد العائلة، إذ يمكن أن تساعد الفحوصات الجينية في الكشف المبكر عن خطر الإصابة.

وفي هذا السياق قال أحد المشاركين في الدراسة الدكتور عمار الجلبي من قسم العلوم العصبية الأساسية والسريرية معهد موريس وول للعلوم العصبية السريرية في كينغز كوليدج إن هذه الدراسة توسّع بشكل كبير فهمنا لأسباب المرض، وتُظهر أن للعوامل الجينية دوراً مهماً لدى نحو ربع المرضى، بغض النظر عن وجود تاريخ عائلي. وهذا يعني أنه ينبغي عرض الفحص الجيني على جميع المرضى.

أمل لعلاجات موجهة

ولا يزال علاج مرض العصبون الحركي حتى الآن محدوداً للغاية. ومع ذلك شهد عام 2022 تطوراً مهماً مع ظهور دواء يستهدف طفرة محددة في جين يُعرف باسم SOD1، وهو ما يُعد أول علاج موجه لسبب جيني محدد للمرض. لكن هذا العلاج لا يفيد سوى نسبة صغيرة من المرضى تُقدّر بنحو 2 في المائه في المملكة المتحدة.

وقد تغيّر الاكتشافات الجديدة هذا الواقع، إذ توفر أهدافاً جينية جديدة يمكن تطوير علاجات موجهة لها في المستقبل على غرار ما حدث مع جين SOD1.

أهمية الفحص الجيني

تعكس هذه النتائج تحولاً متزايداً نحو الطب الشخصي، حيث يتم تصميم العلاج بناءً على الخصائص الجينية لكل مريض. ومع تقدم الأبحاث قد يصبح من الممكن في المستقبل تطوير علاجات تستهدف الطفرات الجينية المحددة لكل حالة، ما يزيد من فعالية العلاج، ويحسن جودة الحياة.

وتشير الدراسة إلى أن توسيع نطاق الفحوصات الجينية قد يكون خطوة ضرورية في إدارة المرض. فمع توفر معلومات أكثر دقة عن الأسباب الجينية يمكن تحسين التشخيص، وتقديم استشارات وراثية للعائلات، وربما الوقاية في بعض الحالات.

وفي ظل غياب علاج شافٍ حتى الآن، تمثل هذه الدراسة خطوة مهمة نحو فهم أعمق لمرض العصبون الحركي. وبينما لا يزال الطريق طويلاً، فإن تحديد المزيد من الأسباب الجينية يفتح آفاقاً جديدة للأمل، لا للمرضى فحسب، بل أيضاً لعائلاتهم، وللعلماء الساعين إلى تحويل هذه الاكتشافات إلى علاجات تنقذ الأرواح.