مصر لتعميق وجودها بـ«القرن الأفريقي» عبر «شراكة استراتيجية» مع كينيا

السيسي وروتو بحثا التهديدات الأمنية بالبحر الأحمر والوضع في السودان

أجرى السيسي وروتو محادثات ثنائية في القاهرة لتعزيز التعاون (الرئاسة المصرية)
أجرى السيسي وروتو محادثات ثنائية في القاهرة لتعزيز التعاون (الرئاسة المصرية)
TT

مصر لتعميق وجودها بـ«القرن الأفريقي» عبر «شراكة استراتيجية» مع كينيا

أجرى السيسي وروتو محادثات ثنائية في القاهرة لتعزيز التعاون (الرئاسة المصرية)
أجرى السيسي وروتو محادثات ثنائية في القاهرة لتعزيز التعاون (الرئاسة المصرية)

ضمن مساعٍ مصرية لتعميق الحضور في منطقة «القرن الأفريقي»، وقع الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، ونظيره الكيني ويليام روتو، على إعلان مشترك، يقضي برفع العلاقات الثنائية إلى مستوى «الشراكة الاستراتيجية الشاملة».

وأجرى السيسي، وروتو محادثات ثنائية في القاهرة، الأربعاء، وقال خلال مؤتمر صحافي مشترك، إن «المشاورات أتاحت المجال لتعزيز وتطوير العلاقات الثنائية، لتصل إلى مستوى الشراكة الاستراتيجية الشاملة، بما يفتح المجال لمزيد من التعاون، لا سيما في مجالات الدفاع والأمن ومكافحة الإرهاب، والمياه».

وتأتي زيارة الرئيس الكيني للقاهرة بالتزامن مع مرور 60 عاماً على تدشين العلاقات الدبلوماسية بين البلدين، وفق السيسي، الذي أشار إلى أن «المحادثات ناقشت تطورات الأوضاع في القرن الأفريقي والسودان وقضية المياه».

وبدأت العلاقات الدبلوماسية بين مصر وكينيا عام 1964 بافتتاح سفارة لنيروبي في القاهرة، وفق «الهيئة العامة للاستعلامات المصرية».

والأسبوع الماضي، استقبل الرئيس المصري، نظيره الصومالي حسن شيخ محمود، ووقعا على إعلان سياسي يقضي بترفيع العلاقات الثنائية إلى «مستوى الشراكة الاستراتيجية الشاملة».

وقال السيسي، الأربعاء، إنه ناقش ونظيره الكيني «التطورات المرتبطة بمنطقة القرن الأفريقي والبحر الأحمر»، مشيراً إلى «خطورة التهديدات الأمنية بالبحر الأحمر؛ كونها تفتح المجال لتوسيع رقعة الصراع، وتؤثر على الدور الرئيسي والفاعل للدول المشاطئة في تناول شؤونها»، عاداً العدوان الإسرائيلي على غزة «السبب الرئيسي لهذه التهديدات الأمنية».

الرئيس المصري يستقبل نظيره الكيني في القاهرة (الرئاسة المصرية)

وأشار السيسي إلى أن «المحادثات تناولت سبل إنهاء الصراع الجاري في السودان»، وأكد «أهمية العمل المشترك بين بلاده وكينيا للتوصل لحلول جادة للأزمة، لوضع حد للمعاناة الإنسانية التي يمر بها السودانيون، مما يفتح المجال لحوار سياسي يلبي تطلعات تحقيق الأمن والاستقرار».

بدوره، أكد الرئيس الكيني استعداد بلاده للشراكة والعمل مع مصر «لإحلال السلام ودفع جهود الاستقرار بالمنطقة»، وقال في كلمته بالمؤتمر الصحافي إن «المحادثات تناولت سبل تحقيق السلام بالصومال وفي السودان وجنوب السودان»، مشيراً إلى أن «القاهرة ونيروبي ستعملان لضمان الاستقرار بالمنطقة، بالتعاون مع الاتحاد الأفريقي والمنظمات الأخرى».

وحذر روتو من تنامي خطر الإرهاب بأفريقيا، قائلاً إن «لم تكن هناك خطة واضحة وشاملة للتعامل مع الإرهاب والصراعات، ستستمر القارة في المعاناة من خطر الإرهاب».

وفيما يتعلق بملف مياه النيل، شدد الرئيس المصري على «وضعية بلاده الدقيقة التي تعاني من ندرة مائية حادة»، مشيراً إلى «دعم بلاده للاحتياجات التنموية المشروعة لدول حوض النيل»، معتبراً ذلك «يستدعي التنسيق الإيجابي مع هذه الدول لضمان عدم الإضرار بأي طرف».

وتعاني مصر عجزاً مائياً يبلغ 55 في المائة، وتعتمد على مورد مائي واحد هو نهر النيل بنسبة 98 في المائة، بواقع 55.5 مليار متر مكعب سنوياً، وتقع حالياً تحت خط الفقر المائي العالمي، بواقع 500 متر مكعب للفرد سنوياً، وفقاً للبيانات الرسمية لوزارة الري.

وعلى الصعيد الثنائي، تناولت المحادثات «توثيق الروابط الاقتصادية، وتنشيط التبادل التجاري، وتعزيز التعاون الاستثماري بين القاهرة ونيروبي»، وفق السيسي، الذي أشار إلى «أهمية دعم وجود الشركات المصرية في الأسواق الكينية، لا سيما في قطاعات البنية التحتية، والصحة، والزراعة، والري، التي تعد أولوية لدى الحكومة الكينية».

وبلغ حجم التبادل التجاري بين مصر وكينيا نحو 567 مليون دولار خلال عام 2024، في مقابل 638 مليون دولار خلال 2023، وفق «جهاز الإحصاء المصري». (الدولار يساوي 50.22 جنيه في البنوك المصرية).

الرئيس المصري ونظيره الكيني يوقعان على 12 اتفاقية تعاون (الرئاسة المصرية)

وحسب الرئيس الكيني «حققت المحادثات تقدماً في تقوية الروابط الدبلوماسية بين القاهرة ونيروبي»، مشيراً إلى أن «زيارته للقاهرة شهدت توسيع مجالات التعاون بتوقيع اتفاقيات مشتركة مع مصر في مجالات التدريب الدبلوماسي، والموانئ البحرية، وتمكين الشباب، والتكنولوجيا، والمياه»، واقترح «إقامة مجلس أعمال مشترك لتعزيز التعاون التجاري والاستثماري».

وشهد الرئيس المصري ونظيره الكيني التوقيع على 12 اتفاقية تعاون مشترك في مجالات الاستثمار والاتصالات وتكنولوجيا المعلومات، والفضاء، والتدريب الدبلوماسي، والإسكان، والتعليم وتمكين المرأة والشباب.

«هناك مصلحة مشتركة بين مصر وكينيا لدفع جهود الاستقرار والتهدئة في منطقة القرن الأفريقي»، وفق الأمين العام المساعد الأسبق لـ«منظمة الوحدة الأفريقية»، السفير أحمد حجاج، مشيراً إلى أن «القاهرة ونيروبي هما دولتا جوار لدول تواجه توترات ونزاعات مثل السودان والصومال، وتواجهان مخاطر بسبب هجرة اللاجئين من الصراعات من داخل تلك الدول».

الرئيس المصري ونظيره الكيني خلال المؤتمر الصحافي (الرئاسة المصرية)

وأوضح حجاج لـ«الشرق الأوسط» أن «كينيا تمتلك تأثيراً في منطقة شرق أفريقيا، ويمكن لمصر تنسيق المواقف معها بشأن تطورات المنطقة، خصوصاً الأوضاع في البحر الأحمر، والسودان»، لافتاً إلى «أهمية التعاون بين البلدين في ملف مياه النيل، وحماية المصالح المصرية في منطقة حوض النيل».

ودعماً لجهود التنمية في كينيا، ناقش وزير الري المصري، هاني سويلم، مع نظيره الكيني، إيريك موريثي، خلال زيارته لنيروبي في يناير (كانون الثاني) الجاري «تمويل بلاده لمشروعات مائية وتنموية في كينيا»، إلى جانب «مقترحات لتعزيز التعاون الثنائي في مجال المياه والتغيرات المناخية»، حسب «الري المصرية».

ويتوقف حجاج مع الثقل الاقتصادي لكينيا في منطقة شرق أفريقيا، موضحاً أنها «تستضيف العديد من الشركات متعددة الجنسيات، كما أن هناك شركات مصرية تتخذ مقرات لها في نيروبي للعمل بأفريقيا»، وقال إن «هناك فرصاً لرفع معدلات التبادل التجاري بين البلدين؛ كون القاهرة ونيروبي تشتركان في تجمع (الكوميسا) ومنطقة التجارة الحرة الأفريقية».


مقالات ذات صلة

خريطة نتنياهو للصومال تعيد مخاوف التقسيم

شمال افريقيا من العاصمة الصومالية مقديشو (رويترز)

خريطة نتنياهو للصومال تعيد مخاوف التقسيم

أثارت خريطة جديدة طرحها رئيس وزراء إسرائيل، بنيامين نتنياهو، استياء واسعاً في الصومال الذي قال إنها مست وحدته وسيادته.

محمد محمود (القاهرة)
شمال افريقيا الرئيس السيسي خلال مشاركته في «منتدى مصر» (الرئاسة المصرية)

«سد النهضة»: اتهامات مصرية متجددة وسط جمود المفاوضات

اتهامات مصرية تتواصل صوب «سد النهضة» الإثيوبي، والإجراءات التي تتخذها أديس أبابا في هذا المسار الذي تجمَّدت مفاوضاته منذ 2024.

محمد محمود (القاهرة)
العالم العربي رئيس الوزراء الإثيوبي آبي أحمد يستقبل الرئيس الإريتري أسياس أفورقي لدى وصوله إلى مطار بولي الدولي في أديس أبابا (رويترز)

«ندوة جماهيرية» إريترية في القاهرة لمناقشة «أوضاع المنطقة»

تتواصل التحركات الإريترية الرافضة للمساس بسيادتها من جانب إثيوبيا، وأعلنت سفارة إريتريا في القاهرة عقد اجتماع وصفته بـ«العاجل» للجالية الإريترية في مصر.

محمد محمود (القاهرة)
أفريقيا الرئيس الإريتري أسياس أفورقي ورئيس الوزراء الإثيوبي آبي أحمد خلال افتتاح السفارة الإريترية في أديس أبابا يوليو 2018 (رويترز)

تصعيد آبي أحمد ضد إريتريا... تهديد للردع أم بداية مواجهة طويلة؟

برزت لهجة تصعيد إثيوبية جديدة تجاه أسمرة، بعد نحو شهر من اتهامات البلدين بشأن المواجهات في إقليم تيغراي، تضمنت توعدها بـ«مخاطر جسيمة وعواقب وخيمة».

محمد محمود (القاهرة)
شؤون إقليمية عناصر من الشرطة الفيدرالية الإثيوبية في مدينة ميكيلي في 9 أكتوبر (أ.ف.ب)

توترات إثيوبيا وإريتريا... اختبار جديد للدور الأميركي في التهدئة

تحرك أميركي جديد تجاه التوترات بين إثيوبيا وإريتريا، مع تصاعد التحشيد على حدود كل منهما.

محمد محمود (القاهرة)

مصر تعزز جاهزيتها لحماية مخزون السلع من تداعيات التوترات الجيوسياسية

أكد مصطفى مدبولي الأربعاء «مواصلة حكومته العمل على توفر مستويات آمنة من المخزون الاستراتيجي للسلع» (صفحة مجلس الوزراء على «فيسبوك»)
أكد مصطفى مدبولي الأربعاء «مواصلة حكومته العمل على توفر مستويات آمنة من المخزون الاستراتيجي للسلع» (صفحة مجلس الوزراء على «فيسبوك»)
TT

مصر تعزز جاهزيتها لحماية مخزون السلع من تداعيات التوترات الجيوسياسية

أكد مصطفى مدبولي الأربعاء «مواصلة حكومته العمل على توفر مستويات آمنة من المخزون الاستراتيجي للسلع» (صفحة مجلس الوزراء على «فيسبوك»)
أكد مصطفى مدبولي الأربعاء «مواصلة حكومته العمل على توفر مستويات آمنة من المخزون الاستراتيجي للسلع» (صفحة مجلس الوزراء على «فيسبوك»)

تعزز مصر جاهزيتها لحماية مخزون السلع من تداعيات التوترات الجيوسياسية. وأكد رئيس الوزراء مصطفى مدبولي، الأربعاء، مواصلة حكومته «العمل على توفر مستويات آمنة من المخزون الاستراتيجي للسلع والمنتجات الأساسية».

كما شدد على«أهمية المتابعة المستمرة لتطورات الأسواق العالمية، وتأمين الاحتياجات الاستراتيجية للدولة، وتعزيز الجاهزية للتعامل مع أي مستجدات قد تؤثر في توفر السلع أو تكاليف الحصول عليها».

تأتي جهود الحكومة المصرية في ظل استمرار تراجع سعر الصرف الجنيه أمام العملة الأميركية، حيث تداول الدولار بنحو 56 جنيهاً في البنوك، الأربعاء.

وخلال اجتماع مجلس الوزراء المصري، لفت مدبولي إلى أنه تم عقد اجتماع «اللجنة المركزية لإدارة الأزمات» هذا الأسبوع لمتابعة تداعيات التطورات الجيوسياسية المتصاعدة في المنطقة، وانعكاساتها على الأسواق العالمية، في ضوء الضغوط الناجمة عن ارتفاع الأسعار واضطراب سلاسل الإمداد الدولية، وكذا متابعة موقف المخزون الاستراتيجي من السلع والمنتجات الأساسية والأدوية والمستلزمات الطبية والأسمدة.

وتشهد مصر موجات غلاء متتابعة وارتفاعاً متواصلاً في أسعار معظم السلع، زادت من حدته التوترات الإقليمية في المنطقة.

«سوق اليوم الواحد» بأحد الأحياء المصرية (صفحة وزارة التموين على «فيسبوك»)

وأكد وزير التموين والتجارة الداخلية، شريف فاروق، أن «مبادرة خفض الأسعار» التي أطلقت منذ سبتمبر (أيلول) الماضي، وتستمر لمدة 6 أشهر، «تستهدف إتاحة 30 سلعة أساسية بنسب خفض تصل إلى نحو 25 في المائة تنفيذاً للتكليف الرئاسي بتوفير منفذ واحد على الأقل بكل مركز في المحافظات».

كما أشار، الثلاثاء، إلى «التوسع في (أسواق اليوم الواحد) حيث تم افتتاح ما يقرب من 600 سوق على 3 مراحل، بالتوازي مع العمل على إقامة أسواق دائمة بالمحافظات، بما يتيح وصول المنتجات إلى المواطنين بصورة مباشرة، ويحدّ من تعدد الحلقات الوسيطة وتكاليف التداول». ووفق مراقبين، فإن «مبادرة خفض الأسعار» ستسهم مؤقتاً في توفر السلع، لكنها «لن تحتوي موجة الغلاء». وتحدثوا عن أن «المؤشرات تلفت إلى أن أسعار معظم السلع الغذائية تشهد ارتفاعاً عالمياً، وهو ما سينعكس بدوره على الأسواق المصرية».

وزارة التموين المصرية تعمل عبر مسارين لضبط الأسواق ومواجهة ارتفاع الأسعار (صفحة وزارة التموين على «فيسبوك»)

ضبط الأسواق

وبحسب إفادة لوزارة التموين المصرية أخيراً، فإنها تعمل عبر مسارين لضبط الأسواق ومواجهة ارتفاع الأسعار؛ زيادة المعروض وإتاحة السلع بأسعار مناسبة، وتعزيز الرقابة ومواجهة الممارسات المخالفة بما يدعم حماية المستهلك وتحقيق الانضباط في الأسواق.

وتحدث وزير التموين أمام الجلسة العامة لمجلس الشيوخ، الثلاثاء، عن توجه الوزارة نحو تطوير منظومة رقابية أكثر استهدافاً وفاعلية، تعتمد على البيانات وسرعة الاستجابة للمخالفات، بالتوازي مع تعزيز التنسيق بين الجهات المعنية.

وزير التموين المصري خلال جلسة «التحالف الزراعي الصناعي بين روسيا وأفريقيا» بموسكو الأربعاء (صفحة مجلس الوزراء على «فيسبوك»)

احتياطي آمن

وتؤكد الحكومة المصرية باستمرار، نجاحها في الحفاظ على مستويات آمنة من الاحتياطي الاستراتيجي للسلع الأساسية، بمتوسط يصل إلى نحو 6 أشهر، مع وجود أرصدة أعلى لبعض السلع، بما يوفر مزيداً من الأمان للتعامل مع الاضطرابات المفاجئة في الأسواق وسلاسل الإمداد.

في غضون ذلك، أكد وزير التموين خلال جلسة «التحالف الزراعي الصناعي بين روسيا وأفريقيا: مواجهة التحديات معاً» ضمن فعاليات المنتدى الاقتصادي والإنساني الروسي - الأفريقي بموسكو، الأربعاء، أن «المرحلة المقبلة تتطلب تعزيز الترابط بين التجارة والاستثمار من خلال مشروعات تدعم النقل والتصنيع والوصول إلى الأسواق، بما يسهم في انتظام الإمدادات الغذائية واستقرارها، ويحقق المصالح المشتركة للمنتجين والدول المستوردة والمستثمرين».

وأضاف أن مصر تدرس فرص تطوير مركز لوجستي للحبوب والزيوت، يجمع أنشطة التجارة والتخزين والتصنيع والتوزيع، بما يدعم تأمين الاحتياجات المحلية، ويتيح فرصاً للاستثمار والتشغيل وخدمة الأسواق الإقليمية، وذلك في ضوء نتائج الدراسات الفنية والاقتصادية للمشروع.


توحيد القضاء الليبي على طاولة التفاهمات السياسية في لندن

تيتيه مع وزير الدولة البريطاني لشؤون الشرق الأوسط الثلاثاء (البعثة الأممية)
تيتيه مع وزير الدولة البريطاني لشؤون الشرق الأوسط الثلاثاء (البعثة الأممية)
TT

توحيد القضاء الليبي على طاولة التفاهمات السياسية في لندن

تيتيه مع وزير الدولة البريطاني لشؤون الشرق الأوسط الثلاثاء (البعثة الأممية)
تيتيه مع وزير الدولة البريطاني لشؤون الشرق الأوسط الثلاثاء (البعثة الأممية)

يواجه المسار السياسي، الذي ترعاه الأمم المتحدة في ليبيا، اختباراً جديداً بعد اجتماع لجنة الحوار المصغرة، المعروفة باسم «4+4»، في لندن الأربعاء، لبحث مقترحات تتعلق بإعادة تشكيل المجلس الأعلى للقضاء، وتعديل الإطار القانوني المنظم له، وسط اعتراضات قضائية متزايدة.

وتثير هذه الخطوة تساؤلات حول الضمانات القانونية والدستورية لأي تغييرات محتملة، خصوصاً أن المناقشات تأتي في وقت تتزايد فيه التحذيرات داخل المؤسسة القضائية من تعديل القوانين المنظمة لعملها، عبر إجراءات استثنائية، أو تفاهمات سياسية قد تتجاوز المسارات القانونية المعمول بها.

وفي تصعيد لافت داخل المؤسسة القضائية، حذرت الجمعية العمومية لمحكمة استئناف طرابلس، مساء الثلاثاء، من المساس بالقوانين المنظمة للسلطة القضائية عبر إجراءات استثنائية، أو قرارات أحادية، مشددة على أن استقلال القضاء «ضمانة دستورية أصيلة، وليس امتيازاً».

كما حذرت الجمعية من محاولات الالتفاف على المسار الدستوري، سواء عبر لجنة «4+4»، أو غيرها من الآليات السياسية، في موقف يعكس حساسية التغييرات المقترحة على بنية المؤسسات القضائية، ويعيد طرح التساؤلات حول حدود تدخل الأطراف السياسية في معالجة الخلافات داخل السلطة القضائية.

اجتماع سابق للجنة «4+4» الليبية في تونس (البعثة الأممية)

في المقابل، أفادت مصادر مقربة من اللجنة لـ«الشرق الأوسط» بأن المناقشات تتناول مقترحات قدمتها لجنة الوساطة الأممية، وتشمل إعادة تشكيل المجلس الأعلى للقضاء تحت مسمى «المجلس الأعلى للهيئات القضائية»، إلى جانب إعادة تشكيل الدائرة الدستورية بالمحكمة العليا من تسعة أعضاء، وفق آلية تشاركية.

وتضع هذه المقترحات اللجنة أمام تساؤلات حول مدى توافق التغييرات مع الأطر الدستورية القائمة، والجهة المخولة بإقرارها، فضلاً عن انعكاساتها المحتملة على استقلال القضاء، وقدرته على الفصل في المنازعات القانونية والدستورية، بعيداً عن التجاذبات السياسية بين المؤسسات المتنافسة.

وفي هذا السياق، رأى الشريف الوافي، عضو المؤتمر الوطني السابق، أن معالجة هذا الملف كانت تقتضي دعوة رئيس مجلس الأعلى للقضاء في شرق وغرب ليبيا والمحاكم إلى الاجتماع، والتوصل إلى حل، إلى جانب تنصيب شخصية محايدة لا تحيط بها شبهات، بما قد يسهم في احتواء الخلاف، والاستفادة من التجارب السابقة، بحسب منشور عبر «فيسبوك».

من جلسة سابقة لمجلس النواب الليبي (المجلس)

ومن المقرر إحالة أي تفاهمات تتوصل إليها اللجنة إلى مجلسي النواب والدولة للنظر فيها، غير أن هذه الخطوة لا تضمن موافقة المؤسستين، ولا تحسم الاعتراضات القانونية المحتملة، خصوصاً في ظل الخلافات القائمة حول الاختصاصات، وآليات اتخاذ القرارات المتعلقة بالمرحلة الانتقالية.

ويأتي إدراج الملف القضائي ضمن مباحثات «4+4» بين ممثلين لـ«الجيش الوطني» في شرق البلاد، وحكومة «الوحدة الوطنية» المؤقتة في غربها، ضمن مساعٍ أممية أوسع لتقريب وجهات النظر بين الأطراف الليبية، ودفع التفاهمات بشأن المؤسسات المنقسمة، والترتيبات اللازمة لإجراء الانتخابات، لكن إدخال القضاء في هذه المباحثات يثير نقاشاً حول حدود الدور السياسي.

وتواجه اللجنة، في الأساس، خلافات بشأن طبيعة دورها، ومدى إلزامية مخرجاتها. ففي حين أبلغ مجلس النواب البعثة الأممية باعتماده الاتفاق، والإجراءات المرتبطة به، رفض مجلس الدولة المخرجات، والخطوات المترتبة عليها، معتبراً أنها تتجاوز الأطر الدستورية، والقانونية، والتوافقية، وتمس اختصاصات المؤسسات القائمة.

وجددت اللجنة السياسية بمجلس الدولة هذا الموقف في 21 أكتوبر (تشرين الأول)، في استمرار للخلاف بشأن شرعية التفاهمات التي تتوصل إليها اللجنة، ومدى قدرتها على إلزام المؤسسات المعنية، وسط تباين المواقف بشأن حدود صلاحياتها، وطبيعة المسار السياسي الذي تعمل ضمنه.

اجتماع سابق للمجلس الأعلى للدولة (المجلس)

وكانت المبعوثة الأممية هانا تيتيه قد أبلغت مجلس الأمن، خلال إحاطتها الأخيرة، بأن لجنة «4+4» ليست الآلية الوحيدة المتاحة لدفع العملية السياسية، مشيرة إلى أنها ستبحث إمكانات إطلاق آلية وطنية أوسع، بالتشاور مع الأطراف الليبية، ومجلس الأمن، لتوسيع المشاركة في جهود التسوية.

والتقت تيتيه، الثلاثاء، في لندن وزير الدولة البريطاني لشؤون الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، ستيفن دوتي، وشدد الجانبان على أهمية البناء على الزخم الذي حققته اللجنة لدفع عملية سياسية شاملة، وتوحيد المؤسسات، وتهيئة الظروف لإجراء الانتخابات، وفق ما أُعلن عن اللقاء.

وكانت اللجنة قد أحرزت تقدماً في مشاورات تتعلق بالقوانين الانتخابية، وإعادة تشكيل مجلس المفوضية العليا للانتخابات، من دون حسم الخلافات المتعلقة بشرعية مخرجاتها، وآليات تنفيذها.

ويتمثل الاختبار أمام المسار الأممي في إمكانية معالجة الانقسام القضائي، عبر ترتيبات تحظى بقبول قانوني ومؤسسي واسع، من دون نقل الخلاف السياسي إلى داخل القضاء، أو المساس باستقلاله، بما يحافظ على دوره في الفصل بين المؤسسات، وصون المسار الدستوري.


هل سعت بعض الدول لعرقلة مشروع مصر النووي؟

رئيس الوزراء المصري يتفقد في وقت سابق موقع إنشاء المحطة النووية بالضبعة (مجلس الوزراء المصري)
رئيس الوزراء المصري يتفقد في وقت سابق موقع إنشاء المحطة النووية بالضبعة (مجلس الوزراء المصري)
TT

هل سعت بعض الدول لعرقلة مشروع مصر النووي؟

رئيس الوزراء المصري يتفقد في وقت سابق موقع إنشاء المحطة النووية بالضبعة (مجلس الوزراء المصري)
رئيس الوزراء المصري يتفقد في وقت سابق موقع إنشاء المحطة النووية بالضبعة (مجلس الوزراء المصري)

أثارت التصريحات التي أطلقها المدير العام لمؤسسة «روساتوم» الروسية الحكومية، أليكسي ليخاتشوف، الأربعاء، بشأن التغلب على عقبات و«محاولات متعمدة من جانب بعض الدول» استهدفت عرقلة مشروع «محطة الضبعة النووية» في مصر، تساؤلات حول وجود مساعٍ لعرقلة المشروع النووي المصري.

وقال ليخاتشوف خلال مشاركته في جلسة «التكنولوجيا النووية في أفريقيا: تسريع الخطى نحو المستقبل» ضمن فعاليات منتدى «روسيا - أفريقيا»، الذي انطلق الأربعاء، إن تنفيذ الأعمال واجه تحديات عدة، من بينها جائحة كورونا والعقوبات خلال تنفيذ مشروع «محطة الضبعة»، فضلاً عن «محاولات متعمدة للعرقلة من جانب بعض الدول»، مؤكداً أنه تم تجاوز تلك العوائق بنجاح.

وأضاف أن «المؤسسة تمكنت من تجاوز تلك التحديات بفضل جهود الكوادر العاملة في موقع المشروع، إلى جانب دعم رئيسي البلدين، الروسي والمصري»، حسب ما نشرته وكالة «سبوتنيك» الروسية.

وحاولت «الشرق الأوسط» التواصل مع الشركة الروسية للتعليق على تصريحات ليخاتشوف، لكن لم تحصل على رد، في حين أكد سفير مصر السابق لدى روسيا، علاء الحديدي، أن إنشاء روسيا محطة نووية في مصر يثير حساسية تجاه بعض الأطراف الدولية بحكم التنافس الجيوسياسي مع موسكو، وكذلك في إطار المنافسة التجارية، مشيراً إلى أن هناك دولاً أخرى كانت تطمح لتنفيذ المشروع النووي المصري، مضيفاً: «ليس مستغرباً أن يكون هناك بعض الحملات التي من شأنها تشوية صورة روسيا ضمن حدود دورها في بناء المحطة، لكن لا يمكن الجزم بوجود عراقيل أو محاولات لتخريب المحطة النووية المصرية».

رئيس الوزراء يشهد توقيع أمر شراء الوقود النووي لمحطة الضبعة النووية (مجلس الوزراء المصري)

وأوضح الحديدي، في تصريح لـ«الشرق الأوسط»: «إن العرض الروسي لتنفيذ محطة الضبعة النووية لم يكن الوحيد أمام مصر، والمنافسة كانت قوية للغاية، ولكن جرى اختيار موسكو لتنفيذ المشروع، وقد يفسر ذلك حديث (روساتوم) عن وجود عراقيل أو تحديات».

وتمضي مصر وروسيا نحو استكمال المشروع، حيث من المتوقع أن يبدأ تشغيل مرحلته الأولى في منتصف عام 2028، حسب ما أعلن عنه وزير الكهرباء المصري محمود عصمت في وقت سابق، ومؤخراً أعلنت «هيئة المحطات النووية في مصر» أن «مشروع الضبعة» شهد بدء أعمال تركيب مثبت الضغط بالدائرة الأولية للمفاعل بالوحدة النووية الأولى داخل مبنى المفاعل، وذلك بعد أيام قليلة من الانتهاء من تركيب مولدات البخار الأربعة بالوحدة النووية الأولى.

وتوافقت مصر وروسيا على «توسيع المشروع النووي» في أغسطس (آب) الماضي، وفي ذلك الحين جرت الإشارة إلى بحث شركة «روساتوم» عبر بناء وحدتين إضافيتين بالمفاعل المصري بمنطقة الضبعة شمال غربي البلاد.

وقال رئيس هيئة المحطات النووية الأسبق في مصر، الدكتور علي عبد النبي: «إن المشروع النووي المصري قد يكون واجه محاولات لعرقلته من دول مثل إسرائيل، أو بعض الدول التي تنافس روسيا في تنفيذ المحطات النووية، وذلك بعد أن أصبحت موسكو المتحكم في تصدير المفاعلات النووية على مستوى العالم بعد أن أزاحت دولاً مثل الولايات المتحدة وفرنسا».

وأكد في تصريح لـ«الشرق الأوسط»، أن روسيا حسمت المنافسة مع الدول الغربية لصالحها وتقوم الآن ببناء 23 محطة نووية حول العالم، بينها في مصر، وبنغلادش، وتركيا والهند، وأخيراً المجر وهي دولة أوروبية؛ ما يجعل هناك محاولات لتشوية الشركة الروسية الحكومية والتقليل من قيمة الصناعات النووية التي تنفذها، وهو ما تعرضت له مصر عند نشر تقرير الصحيفة الأميركية، مشيراً إلى أن روسيا ومصر يعيان ذلك جيداً.

لقاء سابق بين وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي والرئيس الروسي فلاديمير بوتين (الخارجية المصرية)

وتتولى شُعبة الهندسة في شركة «روساتوم» الروسية التصميم العام والمقاولات العامة لـ«محطة الضبعة» للطاقة النووية. ويُعدّ هذا أول مشروع بناء لها في أفريقيا.

والأسبوع الماضي، قال وزير المالية المصري أحمد كجوك، إن «مشروع محطة الضبعة النووية لم يتوقف دقيقة واحدة ولم يتأخر يوماً واحداً رغم كل الظروف»، لافتاً إلى أن الهدف يتمثل في تأمين 5 غيغاوات من الطاقة المستقرة بحلول عامي 2029 و2030.