الذكاء الاصطناعي لتحديد الأنواع الفرعية لمرض السكري

ابتكار يعد بإمكانية تخصيص العلاج وتحسينه

يسعى العلماء إلى إعادة تعريف كيفية إدارة الحالات المزمنة مثل السكري مما يوفر أملاً لملايين الأشخاص حول العالم (أدوبي)
يسعى العلماء إلى إعادة تعريف كيفية إدارة الحالات المزمنة مثل السكري مما يوفر أملاً لملايين الأشخاص حول العالم (أدوبي)
TT

الذكاء الاصطناعي لتحديد الأنواع الفرعية لمرض السكري

يسعى العلماء إلى إعادة تعريف كيفية إدارة الحالات المزمنة مثل السكري مما يوفر أملاً لملايين الأشخاص حول العالم (أدوبي)
يسعى العلماء إلى إعادة تعريف كيفية إدارة الحالات المزمنة مثل السكري مما يوفر أملاً لملايين الأشخاص حول العالم (أدوبي)

لطالما تم تصنيف مرض السكري إلى نوعين رئيسيين. النوع الأول الذي يظهر غالباً في مرحلة الطفولة، والنوع الثاني الذي يرتبط بالسمنة ويتطور في وقت لاحق من الحياة. ومع ذلك، بدأ الباحثون يدركون أن النوع الثاني من السكري أكثر تعقيداً مما كان يعتقد سابقاً، مع وجود أنواع فرعية تختلف بناءً على العمر، والوزن، والعوامل الفسيولوجية.

في خطوة مبتكرة، طور باحثون من جامعة ستانفورد خوارزمية تعتمد على الذكاء الاصطناعي تستخدم بيانات من أجهزة مراقبة الغلوكوز المستمرة (CGMs) لتحديد 3 من أكثر الأنواع الفرعية شيوعاً للنمط الثاني من السكري. هذا التطور يعد بإمكانية تخصيص العلاج وتحسين الرعاية، بالإضافة إلى توسيع نطاق الوصول إلى التكنولوجيا الصحية.

إعادة التفكير في النمط الثاني من السكري

يمثل النمط الثاني من السكري نحو 95 في المائة من جميع حالات السكري. توضح الدكتورة تريسي مكلوغلين أستاذة الغدد الصماء بجامعة ستانفورد «أن الأمر أكثر تعقيداً من ذلك، وهناك فسيولوجيات مختلفة تؤدي إلى الحالة». وتضيف أن تصنيف الأنواع الفرعية للنمط الثاني يمكن أن يساعد في تحديد المخاطر المرتبطة بمضاعفات مثل أمراض القلب، أو الكلى، أو الكبد، وتخصيص العلاجات لتحسين النتائج. وتشرح: «كان هدفنا إيجاد طريقة أكثر وصولاً وفورية للناس لفهم صحتهم وتحسينها».

يقول الباحثون إن الدقة العالية للخوارزمية تصل إلى 90 % في تحديد الأنواع الفرعية (أدوبي)

كيف تعمل التكنولوجيا؟

تُستخدم اختبارات تشخيص السكري التقليدية لقياس مستويات الغلوكوز في الدم من خلال تحليل بسيط للدم، لكنها تقدم معلومات محدودة عن العمليات الفسيولوجية الأساسية. توفر أجهزة مراقبة الغلوكوز المستمرة (CGMs)، المتاحة دون وصفة طبية، صورة أكثر تفصيلاً من خلال تتبع مستويات السكر في الدم في الوقت الفعلي.

يشرح مايكل سنايدر، أستاذ علم الوراثة في جامعة ستانفورد وأحد قادة الدراسة، كيفية تحليل الخوارزمية لبيانات الغلوكوز. من خلال تحديد أنماط ارتفاع وانخفاض مستويات السكر في الدم بعد استهلاك الغلوكوز، يمكن للأداة الكشف بدقة تصل إلى 90 في المائة عن الأنواع الفرعية مثل مقاومة الإنسولين ونقص خلايا بيتا. ويشرح سنايدر أنه يمكن استخدام الأفراد للأداة من أجل اتخاذ تدابير وقائية، موضحاً كيف يمكن للتحذيرات المبكرة من مقدمات السكري أن تدفع لتغييرات في نمط الحياة مثل تحسين النظام الغذائي أو ممارسة الرياضة.

النتائج الرئيسية

شملت الدراسة 54 مشاركاً، منهم 21 لديهم مقدمات السكري و33 شخصاً أصحاء. قارن الباحثون بيانات «CGM» مع نتائج اختبارات تحمل الغلوكوز التقليدية التي تُجرى في العيادات. لم تطابق الخوارزمية هذه النتائج فقط، بل تجاوزتها من حيث الدقة. حددت الدراسة 3 أنواع فرعية رئيسية:

- مقاومة الإنسولين: عدم استجابة الخلايا بشكل فعال للإنسولين، مما يؤدي إلى تراكم الغلوكوز.

- نقص خلايا بيتا: عجز البنكرياس عن إنتاج كمية كافية من الإنسولين بسبب خلل في خلايا بيتا.

- نقص الإينكرتين: فشل هرمونات الأمعاء في تحفيز إفراز الإنسولين بشكل كافٍ بعد الوجبات.

تتطلب كل نوعية علاجاً مخصصاً، مما يجعل هذه التكنولوجيا نقطة تحول في رعاية السكري.

تمكن للأجهزة المحمولة المزودة بـ«CGM» والمدعومة بالذكاء الاصطناعي توفير رؤى في الوقت الفعلي لجعل الرعاية الشخصية أكثر سهولة وفعالية (أدوبي)

فوائد تتجاوز السكري

يمتد فهم هذه الأنواع الفرعية ليشمل فوائد تتجاوز إدارة السكري. أشارت مكلوغلين إلى أن مقاومة الإنسولين، حتى من دون التقدم إلى السكري، تمثل عامل خطر كبير لحالات مثل أمراض القلب والكبد الدهني.

علاوة على ذلك، تتيح سهولة استخدام «CGM» للأفراد مراقبة صحتهم من أي مكان. وأوضحت أن هذه التكنولوجيا تعد أداة قيّمة للأشخاص الذين يواجهون تحديات اقتصادية أو يعيشون في مناطق معزولة مؤكدة إمكانياتها في سد فجوات الوصول إلى الرعاية الصحية.

الصورة الأكبر

تمثل هذه الدراسة، التي نُشرت في مجلة «Nature Biomedical Engineering» خطوة كبيرة نحو الطب الدقيق. بدعم من مؤسسات مثل المعاهد الوطنية للصحة ومركز أبحاث السكري في جامعة ستانفورد. وتسلط الدراسة الضوء على أهمية دمج التكنولوجيا مع الرعاية الصحية لمعالجة الحالات المزمنة مثل السكري. ومع استمرار مكلوغلين وسنايدر في اختبار الخوارزمية على مرضى السكري من النوع الثاني، يتصور العالمان مستقبلاً تصبح فيه هذه الأدوات معياراً في رعاية السكري.


مقالات ذات صلة

مزاج أفضل قبل أول رشفة؟ سرّ قد يكون في رائحة القهوة

صحتك سيدة تحتسي فنجاناً من القهوة (بيكسلز)

مزاج أفضل قبل أول رشفة؟ سرّ قد يكون في رائحة القهوة

قد لا تكون القهوة الصباحية مجرد جرعة من الكافيين تساعدك على بدء يومك، إذ يبدو أن تأثيرها في مزاجك قد يبدأ حتى قبل أن ترتشفها.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
صحتك البطيخ يحتوي على نسبة أقل من الكربوهيدرات (بيكسباي)

الخوخ مقابل البطيخ: أيهما أفضل لسكر الدم؟

يُعدّ الخوخ والبطيخ من الفواكه الحلوة المذاق بشكل طبيعي، لكنهما يؤثران على نسبة السكر في الدم بشكل مختلف إلى حد ما.

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
صحتك تناول كميات كبيرة من البروتين يمنح شعوراً قوياً بالشبع (بيكسلز)

هل الإفراط في تناول البروتين يسبب الإمساك؟

مع تزايد الاهتمام بتناول البروتين، سواء بهدف بناء العضلات أو تعزيز الشعور بالشبع، أصبح هذا العنصر الغذائي حاضراً بقوة في الأنظمة الغذائية اليومية.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
صحتك ممارسة التمارين الرياضية بانتظام خلال منتصف العمر ترتبط بانخفاض خطر الإصابة بالخرف (بيكسلز)

لذاكرة أفضل... 6 عادات يومية طبيعية قد تساعدك على تعزيزها

الذاكرة من أهم القدرات التي يعتمد عليها الإنسان في حياته اليومية، فهي لا تقتصر على تذكّر المعلومات والبيانات، بل تدخل في تفاصيل كثيرة نمارسها بصورة تلقائية.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
صحتك الفلفل الحلو غني بمضادات الأكسدة (بيكسلز)

الفلفل الحلو... 4 فوائد صحية تجعله جديراً بمائدتك

قد لا يتجاوز دور الفلفل الحلو في بعض الأطباق كونه إضافة ملونة تمنح الوجبة نكهة مميزة ومظهراً أكثر جاذبية، إلا أن قيمته الغذائية تتجاوز ذلك بكثير.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)

قريباً... «آيفون» يتحول إلى جهاز نقاط بيع في السعودية مع خدمة «Tap to Pay»

خدمة «Tap to Pay» تصل إلى السعودية دون جهاز نقاط بيع إضافي (أبل)
خدمة «Tap to Pay» تصل إلى السعودية دون جهاز نقاط بيع إضافي (أبل)
TT

قريباً... «آيفون» يتحول إلى جهاز نقاط بيع في السعودية مع خدمة «Tap to Pay»

خدمة «Tap to Pay» تصل إلى السعودية دون جهاز نقاط بيع إضافي (أبل)
خدمة «Tap to Pay» تصل إلى السعودية دون جهاز نقاط بيع إضافي (أبل)

أعلن البنك المركزي السعودي «ساما» قرب إتاحة خدمة «Tap to Pay on iPhone» في المملكة، في خطوة تتيح للتجار قبول المدفوعات اللاتلامسية مباشرة عبر أجهزة آيفون، من دون الحاجة إلى جهاز نقاط بيع منفصل. وجاء الإعلان على هامش مؤتمر «Money20/20 Middle East» الذي عُقد في الرياض خلال الفترة من 14 إلى 16 سبتمبر (أيلول) 2026.

وتعتمد الخدمة على تقنية الاتصال قريب المدى (NFC)، إذ يستطيع العميل إتمام عملية الدفع بمجرد تقريب بطاقة «مدى»، أو بطاقة بنكية تدعم الدفع اللاتلامسي، أو هاتفه المزود بمحفظة رقمية، من جهاز آيفون المستخدم لدى التاجر.

وبذلك يتحول الآيفون عملياً إلى وسيلة لقبول المدفوعات لدى المتاجر، والمنشآت، بدلاً من اقتصار دوره على استخدام «Apple Pay» للدفع. وتوضح «أبل» أن الخدمة تعمل من خلال تطبيقات دفع معتمدة، ويمكن للتاجر بعد إعداد التطبيق قبول البطاقات والمحافظ الرقمية مباشرة على الآيفون من دون إضافة قارئ بطاقات، أو جهاز خارجي.

«ساما» تتيح قريباً قبول المدفوعات عبر الآيفون مباشرة (ساما)

كيف تعمل الخدمة؟

يُدخل التاجر قيمة العملية داخل تطبيق الدفع الداعم للخدمة، ثم يقرّب العميل بطاقته أو جهازه من «آيفون التاجر» لإتمام الدفع. وتظهر على الشاشة قيمة العملية، وبيانات التاجر، وإرشادات توضح مكان تقريب البطاقة، أو الجهاز.

وتقول «أبل» إن عمليات الدفع تتم بصورة مشفرة، وتُعالج باستخدام عنصر الأمان المدمج في الجهاز، كما لا تحصل الشركة على معلومات بشأن تفاصيل ما يشتريه العميل، أو هوية المشتري.

الآيفون يتحول إلى نقطة بيع تدعم «مدى» والمحافظ الرقمية (أبل)

دعم بطاقات «مدى»

يكتسب الإعلان أهمية خاصة في السوق السعودية مع تأكيد «ساما» أن الخدمة ستدعم شبكة المدفوعات الوطنية «مدى»، إلى جانب البطاقات الأخرى، والمحافظ الرقمية التي تدعم الدفع اللاتلامسي.

وأشار البنك المركزي إلى أن الخطوة تأتي ضمن جهود تطوير البنية التحتية للمدفوعات الرقمية في المملكة، امتداداً لنظام «مدى»، وخدمة نقاط البيع البرمجية «SoftPOS» التي أُطلقت في عام 2021.

ومن المتوقع أن تكون الخدمة مفيدة خصوصاً للمنشآت الصغيرة، والأعمال المتنقلة التي يمكنها قبول المدفوعات باستخدام الهاتف مباشرة، من دون الحاجة إلى حمل جهاز نقاط بيع إضافي.

ولم يحدد البنك المركزي السعودي حتى الآن موعد الإطلاق الفعلي للخدمة، أو أسماء البنوك وشركات الدفع التي ستدعمها عند البداية، مكتفياً بالإشارة إلى أنها ستتوفر «قريباً» في المملكة.


هل يمكن للذكاء الاصطناعي أن يقضي على البشرية؟

يحذّر باحثون من أن بلوغ الذكاء الاصطناعي مستوى يفوق القدرات البشرية قد يهدد مستقبل البشرية... صورة مولّدة بالذكاء الاصطناعي (الشرق الأوسط)
يحذّر باحثون من أن بلوغ الذكاء الاصطناعي مستوى يفوق القدرات البشرية قد يهدد مستقبل البشرية... صورة مولّدة بالذكاء الاصطناعي (الشرق الأوسط)
TT

هل يمكن للذكاء الاصطناعي أن يقضي على البشرية؟

يحذّر باحثون من أن بلوغ الذكاء الاصطناعي مستوى يفوق القدرات البشرية قد يهدد مستقبل البشرية... صورة مولّدة بالذكاء الاصطناعي (الشرق الأوسط)
يحذّر باحثون من أن بلوغ الذكاء الاصطناعي مستوى يفوق القدرات البشرية قد يهدد مستقبل البشرية... صورة مولّدة بالذكاء الاصطناعي (الشرق الأوسط)

تزداد التحذيرات داخل قطاع الذكاء الاصطناعي من احتمال أن يؤدي تطور هذه التكنولوجيا إلى تهديد وجود البشرية، لكن السؤال الذي يبقى موضع خلاف هو: كيف يمكن لبرمجيات، مهما بلغت قوتها، أن تتسبب فعلياً في موت مليارات البشر؟

عاد النقاش إلى الواجهة بعدما استقال الباحث في شركة «أنثروبيك» جاكوب كوكسون، محذّراً من مخاطر التكنولوجيا التي تعمل عليها الشركة. وقدّر زميله إيفان هوبينغر احتمال تسبب الذكاء الاصطناعي في انقراض البشر خلال عشر سنوات بأكثر من 10 في المائة، وفق تقرير لشبكة «سي إن إن» الأميركية.

ويذهب نيت سواريس، رئيس «معهد أبحاث ذكاء الآلة» (MIRI)، أبعد من ذلك، إذ يرى أن القضاء على البشرية هو النتيجة الأكثر ترجيحاً إذا ظهر ذكاء اصطناعي يتفوّق على البشر.

لكن منتقدي هذه التصوّرات يشيرون إلى أن السيناريوهات المطروحة تفتقر غالباً إلى سلسلة واضحة من الخطوات التي يمكن اختبارها علمياً. وتقول هايدي خلاف، كبيرة علماء الذكاء الاصطناعي في معهد «AI Now»، إن الادعاءات العلمية يجب أن تكون قابلة للإثبات أو الدحض.

يطرح باحثون احتمال استخدام أنظمة ذكاء اصطناعي متطورة مستقبلاً في تطوير أسلحة بيولوجية شديدة الخطورة... صورة مولّدة بالذكاء الاصطناعي (الشرق الأوسط)

وباء اصطناعي

أحد السيناريوهات المطروحة يفترض أن يتمكن ذكاء اصطناعي فائق من المساعدة في تطوير سلاح بيولوجي شديد الخطورة. ويرى الباحث توماس لارسن أن نظاماً متطوراً قد يوجّه شخصاً يعمل في مختبر إلى إجراء تجارب تؤدي إلى إنتاج فيروس قاتل ونشره، من دون أن يدرك هذا الشخص بالضرورة الهدف الحقيقي للنظام. أما سواريس فيطرح احتمالاً أبعد، يتمثل في أن يتمكن ذكاء اصطناعي شديد التطور مستقبلاً من التحكم في مختبر آلي وإجراء التجارب البيولوجية بنفسه، من دون الحاجة إلى مساعدة بشرية مباشرة.

غير أن إريك شينغ، أستاذ تعلم الآلة في جامعة كارنيغي ميلون الأميركية والمتخصص أيضاً في علم الأحياء الدقيقة، يشدد على التعقيدات الهائلة لهذه العملية. فتطوير الفيروسات يتطلب ترتيباً دقيقاً للخطوات والحرارة والبيئة والمواد، ويمكن لخطأ واحد أن يُفشل العملية.

كما أن الحصول على المعدات والمواد اللازمة يخضع لقوانين وضوابط وسلاسل توريد تجعل الانتقال من تصميم رقمي إلى سلاح فعلي أكثر صعوبة.

يرى باحثون أن الذكاء الاصطناعي فائق التطور قد يشكل خطراً على البشر حتى من دون أن تكون لديه نية لإيذائهم... صورة مولّدة بالذكاء الاصطناعي (الشرق الأوسط)

روبوتات قاتلة

يتمثل سيناريو آخر في ظهور أعداد هائلة من الروبوتات المستقلة القادرة على تصنيع المزيد من الروبوتات وإدارة المصانع والبنية التحتية للطاقة.

ويرى سواريس أن الوصول إلى هذه المرحلة قد يسمح للآلات بالاستمرار من دون البشر، وبالتالي مقاومة أي محاولة لإيقافها.

لكن هذا السيناريو لا يزال بعيداً عن القدرات المتاحة حالياً؛ فالروبوتات البشرية لم تصل بعد إلى الانتشار الواسع، كما أنها لا تمتلك القدرة على إنشاء سلسلة تصنيع تتيح لها إنتاج مزيد من الروبوتات ذاتياً.

السيطرة على الأسلحة النووية

ويُطرح أيضاً احتمال استيلاء الذكاء الاصطناعي على الأسلحة النووية. إلا أن خلاف تشير إلى أن المنشآت النووية الحساسة تكون عادةً معزولةً عن الإنترنت العام وتخضع لمعايير هندسية وأمنية صارمة.

ويرى هربرت لين، الباحث في جامعة ستانفورد الأميركية، أن الذكاء الاصطناعي قد يزيد بعض المخاطر المرتبطة بالحرب النووية، لكن الخطر المادي الأساسي يبقى في الأسلحة نفسها.

يرى باحثون أن أنظمة الذكاء الاصطناعي قد تصبح قادرة مستقبلاً على العمل واتخاذ خطوات بصورة أكثر استقلالية عن البشر... صورة مولّدة بالذكاء الاصطناعي (الشرق الأوسط)

خطر يصعب إثباته

يرى المتشائمون أن التركيز على سيناريو محدد قد يغفل الخطر الأساسي: فإذا أصبح الذكاء الاصطناعي قادراً على تحسين نفسه بصورة متكررة ومن دون تدخل بشري، فقد يطوّر وسائل لا يستطيع البشر توقعها لتحقيق أهدافه.

ويقول سواريس إن النظام لا يحتاج بالضرورة إلى أن يكون «شريراً»؛ فقد يسعى ببساطة إلى تحقيق أهداف لا تراعي بقاء البشر، فيعيد تشكيل البيئة أو الموارد بطريقة تجعل الحياة البشرية مستحيلة.

لكن شينغ يرى أن الحديث عن ذكاء اصطناعي فائق قادر على ابتكار وسائل غير متوقعة للقضاء على البشر لا يكفي وحده لتقدير حجم الخطر. ويقول إن وضع سياسات وقوانين لمواجهة هذه المخاطر يتطلب تحديد سيناريوهات واضحة يمكن دراسة احتمال حدوثها وقياس نتائجها.

وفي الوقت الحالي، لا توجد أدلة على أن أنظمة الذكاء الاصطناعي قادرة على تنفيذ أي من سيناريوهات القضاء على البشرية المطروحة، من تطوير وباء قاتل بصورة مستقلة إلى السيطرة على الأسلحة النووية أو إنشاء جيوش من الروبوتات. ولذلك تظل هذه السيناريوهات توقعات بشأن ما قد يصبح ممكناً إذا تطورت قدرات الذكاء الاصطناعي مستقبلاً إلى مستويات تتجاوز بكثير قدراته الحالية.


السيادة على البيانات والأمن يوجهان قرارات المؤسسات السعودية في تشغيل الذكاء الاصطناعي

تنتقل المؤسسات السعودية من تجربة الذكاء الاصطناعي إلى تشغيله الفعلي ومراقبة وكلائه (أدوبي)
تنتقل المؤسسات السعودية من تجربة الذكاء الاصطناعي إلى تشغيله الفعلي ومراقبة وكلائه (أدوبي)
TT

السيادة على البيانات والأمن يوجهان قرارات المؤسسات السعودية في تشغيل الذكاء الاصطناعي

تنتقل المؤسسات السعودية من تجربة الذكاء الاصطناعي إلى تشغيله الفعلي ومراقبة وكلائه (أدوبي)
تنتقل المؤسسات السعودية من تجربة الذكاء الاصطناعي إلى تشغيله الفعلي ومراقبة وكلائه (أدوبي)

قبل عامين، كانت معظم المحادثات مع المؤسسات السعودية تدور حول تجربة الذكاء الاصطناعي وفهم ما يمكن أن يقدمه. لكن اليوم تغيّر السؤال.

العملاء يريدون معرفة كيف يراقبون وكلاء الذكاء الاصطناعي، وكيف يحدّدون صلاحياتهم، وأين يجب أن تعمل هذه الأنظمة، وما البيانات التي ينبغي أن تبقى داخل المملكة.

تعد بيترا جينر، نائبة الرئيس الأولى والمديرة العامة لـ«سبلانك» في أوروبا والشرق الأوسط وأفريقيا، أن هذا التحول أصبح من أكثر ملامح السوق السعودية وضوحاً، مع انتقال الاستخدام من مرحلة الاستكشاف إلى حالات تشغيل أكثر نضجاً داخل المؤسسات.

وتقول جينر في لقاء حصري مع «الشرق الأوسط» على هامش مؤتمر «سبلانك» في مدينة دنفر الأميركية، إن النقاش حول الذكاء الاصطناعي الوكيلي أصبح واسعاً جداً في المملكة، وإن الطلبات الواردة من العملاء تركز بصورة متزايدة على كيفية مراقبة الوكلاء، واكتشاف المخاطر المرتبطة بهم، ومحاولة الحد منها قبل أن تتحول إلى مشكلة تشغيلية أو أمنية.

وترى جينر أن ما تغيّر ليس مجرد مستوى الاهتمام، بل طبيعة الاستخدام نفسه. ففي المرحلة الأولى، كانت المؤسسات تختبر التقنية وتحاول معرفة أين يمكن استخدامها، أما الآن فأصبحت بعض حالات الاستخدام أوضح، بالتوازي مع تطور الأدوات نفسها. وتصف وكلاء الذكاء الاصطناعي بأنهم جزء من «قوة العمل الجديدة»، بما يعني أن المؤسسة تحتاج إلى مراقبتهم والتحكم فيهم وفهم ما يقومون به، كما تفعل مع أي عنصر آخر يؤدي دوراً داخل بيئة العمل.

بيترا جينر نائبة الرئيس الأولى والمديرة العامة لـ«سبلانك» في أوروبا والشرق الأوسط وأفريقيا (الشرق الأوسط)

قاعدة العملاء تتوسع

تفيد جينر بأن هذا التحول يتزامن مع توسع حضور «سبلانك» في السوق السعودية، وبأن قاعدة عملاء الشركة «نمت بشكل ملحوظ» خلال السنوات الماضية، من دون أن تكشف عن عدد العملاء أو معدل النمو.

وتشير إلى أن الخدمات المالية والقطاع الحكومي والطاقة تقف بين أبرز القطاعات التي تشهد نشاطاً، مع انتشار الطلب عبر أكثر من مجال وعدم وجود قطاع واحد يهيمن وحده على النمو. وتضيف أن النقاش حول المراقبة والذكاء الاصطناعي أصبح «مكثفاً جداً» لدى العملاء الحاليين وكذلك لدى مؤسسات جديدة، خصوصاً مع دخول المزيد من الأنظمة الوكيلية إلى بيئات العمل.

وبالنسبة إلى «سبلانك»، فإن اتساع السوق السعودية لا يرتبط فقط بزيادة الطلب على الأمن السيبراني أو مراقبة الأنظمة التقليدية، بل بتغير طريقة تعامل المؤسسات مع البيانات والذكاء الاصطناعي معاً. فكلما توسع استخدام الوكلاء، أصبح السؤال أقل ارتباطاً بقدرتهم على إنجاز المهمة، وأكثر ارتباطاً بإمكانية رؤية سلوكهم وفهم ما إذا كانوا يعملون بالطريقة المطلوبة.

السحابة ليست قراراً واحداً للجميع

لا ترى المؤسسات السعودية قرار الانتقال إلى السحابة على أنه خطوة أحادية يمكن تطبيقها على جميع الأنظمة بالطريقة نفسها. وتصرح جينر بأن هدف «سبلانك» كان إعطاء العملاء حرية اختيار مكان تشغيل كل عبء عمل، سواء في السحابة أو داخل البنية التحتية الخاصة بالمؤسسة. وتوضح أن عدداً من الشركات طلب إتاحة الخدمة السحابية داخل المملكة بسبب الحاجة إلى قابلية توسع أكبر واقتصاديات تشغيل مختلفة، وهو ما دفع الشركة إلى الاستثمار في «Splunk Cloud» محلياً.

ووفقاً لها، هذا لا يعني أن السوق تتجه بالكامل نحو السحابة. فعندما سألتها «الشرق الأوسط» عن العوامل التي تحدد قرار المؤسسة، رتبت الأولويات على نحو واضح: «الأمن أولاً»، ثم اقتصاديات الحجم، ثم التكلفة وطبيعة التطبيق. وقد يكون أحد التطبيقات مناسباً للسحابة لأنه يحتاج إلى قدرة حوسبية كبيرة ولا يتعامل مع بيانات شديدة الحساسية، في حين قد تفضل المؤسسة إبقاء تطبيق آخر داخل بنيتها الخاصة. ولهذا، ترى جينر أن كثيراً من الشركات تنتهي عملياً إلى بيئات هجينة تجمع بين النموذجين.

الجغرافيا السياسية تعيد قيمة «الخيار»

أضافت جينر عاملاً آخر إلى هذا القرار، هو السياق الجيوسياسي، معتبرة أن عدداً متزايداً من العملاء يريد ببساطة الاحتفاظ بخيارات متعددة حول مكان تشغيل الأنظمة ومكان وجود البيانات. وتعتبر أن إتاحة المنتجات في السحابة أو على البنية المحلية لا تغير جوهر التقنية بقدر ما تمنح المؤسسة حرية أكبر في اتخاذ القرار وفق متطلبات الأمن والتنظيم وطبيعة السوق. وتكتسب هذه المرونة أهمية خاصة في السعودية، حيث تتزامن الاستثمارات الكبيرة في الذكاء الاصطناعي والحوسبة السحابية مع اهتمام متزايد بمكان إقامة البيانات وكيفية التحكم فيها.

الأمن والسيادة على البيانات أصبحا من أبرز عوامل تحديد مكان تشغيل تطبيقات الذكاء الاصطناعي (أدوبي)

هل يمكن أن تبقى البيانات داخل المملكة؟

عند سؤالها عما إذا كان من الممكن أن يبقى سير العمل والبيانات بالكامل داخل بنية خاضعة للتحكم في السعودية، قالت جينر إن ذلك ممكن، لكن الإجابة تعتمد على طبيعة المؤسسة نفسها.

فشركة تعمل داخل المملكة فقط يمكنها الاحتفاظ بالبيانات محلياً، بينما قد تحتاج مؤسسة سعودية عالمية إلى التعامل مع بيانات موزعة في أسواق أخرى وربطها معاً لأغراض التحليل.

وأوضحت أن هذا لا يفرض بالضرورة نقل جميع البيانات ذهاباً وإياباً إلى المملكة، بل يمكن أن تبقى البيانات حيث توجد بينما تتم عمليات التحليل والربط بطريقة تسمح للمؤسسة بالحصول على صورة موحدة. وتقول إن تصميم الحلول يهدف إلى إعطاء العميل «أفضل حرية اختيار» ممكنة. وهذه النقطة تصبح أكثر أهمية مع اتساع استخدام الذكاء الاصطناعي، لأن المؤسسات قد تحتاج إلى تشغيل نماذج أو وكلاء في أكثر من بيئة، مع اختلاف قواعد الأمن والامتثال بين عبء عمل وآخر.

وكلاء الذكاء الاصطناعي... منطقة النمو التالية

من بين جميع التقنيات التي عرضتها «سبلانك» خلال مؤتمرها في دنفر، ترى جينر أن «مراقبة الوكلاء» ستكون من أكثر المجالات أهمية للسوق السعودية خلال المرحلة المقبلة. وتقول إن السبب يعود إلى حجم التطوير الجاري في مجال الذكاء الاصطناعي داخل المؤسسات السعودية، وإلى اتساع استخدام الأنظمة الوكيلية التي لا تكتفي بتقديم توصية أو إجابة، بل يمكن أن تنفذ خطوات داخل الأنظمة.

وأضافت أن كل ما يتعلق بالذكاء الاصطناعي الوكيلي، ومراقبة هؤلاء الوكلاء، وضمان أمنهم، والتأكد من أنهم يعملون بالطريقة المطلوبة، يمثل في رأيها أحد المجالات التي ستشهد أكبر نمو في المملكة. ويتوافق هذا مع التوجه الأوسع لـ«سبلانك» في مؤتمر «.conf26»، حيث ركزت الشركة على أدوات تراقب سلوك الوكلاء وتقيّم أفعالهم أثناء التشغيل، وليس فقط أداء التطبيقات والبنية التحتية.

البيانات كانت الأساس قبل الذكاء الاصطناعي

ورغم أن الذكاء الاصطناعي يهيمن اليوم على النقاش، تقول جينر إن الطلب على تقنيات «سبلانك» في السعودية سبق هذه الموجة بسنوات. وتفسر أن منتجات الشركة كانت مستخدمةً في المملكة قبل أن تبني «سبلانك» حضورها المحلي المباشر، خصوصاً بسبب الطلب على تحليل بيانات الأنظمة واستخدامها لاكتشاف التهديدات الأمنية. وتضيف أن رؤية «سبلانك» لنفسها كمنصة تجمع بيانات الآلات وتحللها «لاقت صدى في المملكة أسرع من كثير من الأسواق الأخرى»، بحسب وصفها، وهو ما تعتبره أحد الأسباب التي منحت الشركة قاعدة يمكن البناء عليها مع صعود الذكاء الاصطناعي.

هذه المقارنة مهمة لأنها تشير إلى أن السوق السعودية لم تبدأ علاقتها مع «سبلانك» من باب الذكاء الاصطناعي فقط، بل من الحاجة الأوسع إلى إدارة البيانات التشغيلية والأمنية، وهي الحاجة نفسها التي تتوسع الآن لتشمل الوكلاء والنماذج.

تتجه مؤسسات كثيرة إلى نماذج هجينة تجمع بين السحابة والبنية المحلية بحسب حساسية البيانات واحتياجات الحوسبة (أدوبي)

من التكنولوجيا إلى المهارات

تشدد جينر على رغبة الشركة في الاستفادة بصورة أكبر من شبكة «Cisco Networking Academy» لتوسيع جهود التدريب وبناء المهارات المرتبطة بالذكاء الاصطناعي في المملكة. وتقول إن فريقها يريد الاستثمار في مهارات الذكاء الاصطناعي وتدريب الأجيال الشابة، مستفيداً من البنية والشراكات التعليمية التي تمتلكها «سيسكو» بالفعل. وتوضح أن هذا المسار أصبح أسهل بعد انضمام «سبلانك» إلى «سيسكو»، لأن بناء العلاقات في السوق عند الدخول إليها بصورة مستقلة كان يحتاج إلى وقت وجهد أكبر، بينما يوفر وجود «سيسكو» شبكة أوسع يمكن توظيفها في دعم مبادرات التعليم والتأهيل. ووصفت هذا الجانب بأنه «واحد من أهم المحاور الاستراتيجية» للشركة في السعودية.

سوق استراتيجية لـ«سبلانك» و«سيسكو»

تكرر جينر أكثر من مرة وصف السعودية بأنها سوق «استراتيجية» لكل من «سبلانك» و«سيسكو»، مشيرة إلى أن الالتزام بالسوق والاستثمارات التي جرى ضخها فيهما كانا جزءاً مهماً من بناء العلاقة مع العملاء المحليين. كما ربطت ذلك بالحضور الأوسع لـ«سيسكو» في المملكة، وبالشراكات والاستثمارات المرتبطة بالبنية التحتية والذكاء الاصطناعي، معتبرة أن هذا الوجود يمنح «سبلانك» مساحة أكبر للتوسع في مجالات مثل المهارات، والشراكات، والأمن، ومراقبة الأنظمة.

وبحسب جينر، ما يبرز ليس حجم الاستثمار وحده، بل تغير نوع الأسئلة التي تطرحها المؤسسات السعودية. فبدلاً من الاكتفاء بالسؤال عن كيفية تجربة الذكاء الاصطناعي، أصبحت المؤسسات تبحث في مكان تشغيله، ومكان بقاء البيانات، وكيفية مراقبة الوكلاء، وما الذي يجب أن يبقى داخل البنية المحلية وما الذي يمكن نقله إلى السحابة.