السيادة على البيانات والأمن يوجهان قرارات المؤسسات السعودية في تشغيل الذكاء الاصطناعي

«سبلانك» لـ«الشرق الأوسط»: الوكلاء الأذكياء جزء من «قوة العمل الجديدة» في الشركات

تنتقل المؤسسات السعودية من تجربة الذكاء الاصطناعي إلى تشغيله الفعلي ومراقبة وكلائه (أدوبي)
تنتقل المؤسسات السعودية من تجربة الذكاء الاصطناعي إلى تشغيله الفعلي ومراقبة وكلائه (أدوبي)
TT

السيادة على البيانات والأمن يوجهان قرارات المؤسسات السعودية في تشغيل الذكاء الاصطناعي

تنتقل المؤسسات السعودية من تجربة الذكاء الاصطناعي إلى تشغيله الفعلي ومراقبة وكلائه (أدوبي)
تنتقل المؤسسات السعودية من تجربة الذكاء الاصطناعي إلى تشغيله الفعلي ومراقبة وكلائه (أدوبي)

قبل عامين، كانت معظم المحادثات مع المؤسسات السعودية تدور حول تجربة الذكاء الاصطناعي وفهم ما يمكن أن يقدمه. لكن اليوم تغيّر السؤال.

العملاء يريدون معرفة كيف يراقبون وكلاء الذكاء الاصطناعي، وكيف يحدّدون صلاحياتهم، وأين يجب أن تعمل هذه الأنظمة، وما البيانات التي ينبغي أن تبقى داخل المملكة.

تعد بيترا جينر، نائبة الرئيس الأولى والمديرة العامة لـ«سبلانك» في أوروبا والشرق الأوسط وأفريقيا، أن هذا التحول أصبح من أكثر ملامح السوق السعودية وضوحاً، مع انتقال الاستخدام من مرحلة الاستكشاف إلى حالات تشغيل أكثر نضجاً داخل المؤسسات.

وتقول جينر في لقاء حصري مع «الشرق الأوسط» على هامش مؤتمر «سبلانك» في مدينة دنفر الأميركية، إن النقاش حول الذكاء الاصطناعي الوكيلي أصبح واسعاً جداً في المملكة، وإن الطلبات الواردة من العملاء تركز بصورة متزايدة على كيفية مراقبة الوكلاء، واكتشاف المخاطر المرتبطة بهم، ومحاولة الحد منها قبل أن تتحول إلى مشكلة تشغيلية أو أمنية.

وترى جينر أن ما تغيّر ليس مجرد مستوى الاهتمام، بل طبيعة الاستخدام نفسه. ففي المرحلة الأولى، كانت المؤسسات تختبر التقنية وتحاول معرفة أين يمكن استخدامها، أما الآن فأصبحت بعض حالات الاستخدام أوضح، بالتوازي مع تطور الأدوات نفسها. وتصف وكلاء الذكاء الاصطناعي بأنهم جزء من «قوة العمل الجديدة»، بما يعني أن المؤسسة تحتاج إلى مراقبتهم والتحكم فيهم وفهم ما يقومون به، كما تفعل مع أي عنصر آخر يؤدي دوراً داخل بيئة العمل.

بيترا جينر نائبة الرئيس الأولى والمديرة العامة لـ«سبلانك» في أوروبا والشرق الأوسط وأفريقيا (الشرق الأوسط)

قاعدة العملاء تتوسع

تفيد جينر بأن هذا التحول يتزامن مع توسع حضور «سبلانك» في السوق السعودية، وبأن قاعدة عملاء الشركة «نمت بشكل ملحوظ» خلال السنوات الماضية، من دون أن تكشف عن عدد العملاء أو معدل النمو.

وتشير إلى أن الخدمات المالية والقطاع الحكومي والطاقة تقف بين أبرز القطاعات التي تشهد نشاطاً، مع انتشار الطلب عبر أكثر من مجال وعدم وجود قطاع واحد يهيمن وحده على النمو. وتضيف أن النقاش حول المراقبة والذكاء الاصطناعي أصبح «مكثفاً جداً» لدى العملاء الحاليين وكذلك لدى مؤسسات جديدة، خصوصاً مع دخول المزيد من الأنظمة الوكيلية إلى بيئات العمل.

وبالنسبة إلى «سبلانك»، فإن اتساع السوق السعودية لا يرتبط فقط بزيادة الطلب على الأمن السيبراني أو مراقبة الأنظمة التقليدية، بل بتغير طريقة تعامل المؤسسات مع البيانات والذكاء الاصطناعي معاً. فكلما توسع استخدام الوكلاء، أصبح السؤال أقل ارتباطاً بقدرتهم على إنجاز المهمة، وأكثر ارتباطاً بإمكانية رؤية سلوكهم وفهم ما إذا كانوا يعملون بالطريقة المطلوبة.

السحابة ليست قراراً واحداً للجميع

لا ترى المؤسسات السعودية قرار الانتقال إلى السحابة على أنه خطوة أحادية يمكن تطبيقها على جميع الأنظمة بالطريقة نفسها. وتصرح جينر بأن هدف «سبلانك» كان إعطاء العملاء حرية اختيار مكان تشغيل كل عبء عمل، سواء في السحابة أو داخل البنية التحتية الخاصة بالمؤسسة. وتوضح أن عدداً من الشركات طلب إتاحة الخدمة السحابية داخل المملكة بسبب الحاجة إلى قابلية توسع أكبر واقتصاديات تشغيل مختلفة، وهو ما دفع الشركة إلى الاستثمار في «Splunk Cloud» محلياً.

ووفقاً لها، هذا لا يعني أن السوق تتجه بالكامل نحو السحابة. فعندما سألتها «الشرق الأوسط» عن العوامل التي تحدد قرار المؤسسة، رتبت الأولويات على نحو واضح: «الأمن أولاً»، ثم اقتصاديات الحجم، ثم التكلفة وطبيعة التطبيق. وقد يكون أحد التطبيقات مناسباً للسحابة لأنه يحتاج إلى قدرة حوسبية كبيرة ولا يتعامل مع بيانات شديدة الحساسية، في حين قد تفضل المؤسسة إبقاء تطبيق آخر داخل بنيتها الخاصة. ولهذا، ترى جينر أن كثيراً من الشركات تنتهي عملياً إلى بيئات هجينة تجمع بين النموذجين.

الجغرافيا السياسية تعيد قيمة «الخيار»

أضافت جينر عاملاً آخر إلى هذا القرار، هو السياق الجيوسياسي، معتبرة أن عدداً متزايداً من العملاء يريد ببساطة الاحتفاظ بخيارات متعددة حول مكان تشغيل الأنظمة ومكان وجود البيانات. وتعتبر أن إتاحة المنتجات في السحابة أو على البنية المحلية لا تغير جوهر التقنية بقدر ما تمنح المؤسسة حرية أكبر في اتخاذ القرار وفق متطلبات الأمن والتنظيم وطبيعة السوق. وتكتسب هذه المرونة أهمية خاصة في السعودية، حيث تتزامن الاستثمارات الكبيرة في الذكاء الاصطناعي والحوسبة السحابية مع اهتمام متزايد بمكان إقامة البيانات وكيفية التحكم فيها.

الأمن والسيادة على البيانات أصبحا من أبرز عوامل تحديد مكان تشغيل تطبيقات الذكاء الاصطناعي (أدوبي)

هل يمكن أن تبقى البيانات داخل المملكة؟

عند سؤالها عما إذا كان من الممكن أن يبقى سير العمل والبيانات بالكامل داخل بنية خاضعة للتحكم في السعودية، قالت جينر إن ذلك ممكن، لكن الإجابة تعتمد على طبيعة المؤسسة نفسها.

فشركة تعمل داخل المملكة فقط يمكنها الاحتفاظ بالبيانات محلياً، بينما قد تحتاج مؤسسة سعودية عالمية إلى التعامل مع بيانات موزعة في أسواق أخرى وربطها معاً لأغراض التحليل.

وأوضحت أن هذا لا يفرض بالضرورة نقل جميع البيانات ذهاباً وإياباً إلى المملكة، بل يمكن أن تبقى البيانات حيث توجد بينما تتم عمليات التحليل والربط بطريقة تسمح للمؤسسة بالحصول على صورة موحدة. وتقول إن تصميم الحلول يهدف إلى إعطاء العميل «أفضل حرية اختيار» ممكنة. وهذه النقطة تصبح أكثر أهمية مع اتساع استخدام الذكاء الاصطناعي، لأن المؤسسات قد تحتاج إلى تشغيل نماذج أو وكلاء في أكثر من بيئة، مع اختلاف قواعد الأمن والامتثال بين عبء عمل وآخر.

وكلاء الذكاء الاصطناعي... منطقة النمو التالية

من بين جميع التقنيات التي عرضتها «سبلانك» خلال مؤتمرها في دنفر، ترى جينر أن «مراقبة الوكلاء» ستكون من أكثر المجالات أهمية للسوق السعودية خلال المرحلة المقبلة. وتقول إن السبب يعود إلى حجم التطوير الجاري في مجال الذكاء الاصطناعي داخل المؤسسات السعودية، وإلى اتساع استخدام الأنظمة الوكيلية التي لا تكتفي بتقديم توصية أو إجابة، بل يمكن أن تنفذ خطوات داخل الأنظمة.

وأضافت أن كل ما يتعلق بالذكاء الاصطناعي الوكيلي، ومراقبة هؤلاء الوكلاء، وضمان أمنهم، والتأكد من أنهم يعملون بالطريقة المطلوبة، يمثل في رأيها أحد المجالات التي ستشهد أكبر نمو في المملكة. ويتوافق هذا مع التوجه الأوسع لـ«سبلانك» في مؤتمر «.conf26»، حيث ركزت الشركة على أدوات تراقب سلوك الوكلاء وتقيّم أفعالهم أثناء التشغيل، وليس فقط أداء التطبيقات والبنية التحتية.

البيانات كانت الأساس قبل الذكاء الاصطناعي

ورغم أن الذكاء الاصطناعي يهيمن اليوم على النقاش، تقول جينر إن الطلب على تقنيات «سبلانك» في السعودية سبق هذه الموجة بسنوات. وتفسر أن منتجات الشركة كانت مستخدمةً في المملكة قبل أن تبني «سبلانك» حضورها المحلي المباشر، خصوصاً بسبب الطلب على تحليل بيانات الأنظمة واستخدامها لاكتشاف التهديدات الأمنية. وتضيف أن رؤية «سبلانك» لنفسها كمنصة تجمع بيانات الآلات وتحللها «لاقت صدى في المملكة أسرع من كثير من الأسواق الأخرى»، بحسب وصفها، وهو ما تعتبره أحد الأسباب التي منحت الشركة قاعدة يمكن البناء عليها مع صعود الذكاء الاصطناعي.

هذه المقارنة مهمة لأنها تشير إلى أن السوق السعودية لم تبدأ علاقتها مع «سبلانك» من باب الذكاء الاصطناعي فقط، بل من الحاجة الأوسع إلى إدارة البيانات التشغيلية والأمنية، وهي الحاجة نفسها التي تتوسع الآن لتشمل الوكلاء والنماذج.

تتجه مؤسسات كثيرة إلى نماذج هجينة تجمع بين السحابة والبنية المحلية بحسب حساسية البيانات واحتياجات الحوسبة (أدوبي)

من التكنولوجيا إلى المهارات

تشدد جينر على رغبة الشركة في الاستفادة بصورة أكبر من شبكة «Cisco Networking Academy» لتوسيع جهود التدريب وبناء المهارات المرتبطة بالذكاء الاصطناعي في المملكة. وتقول إن فريقها يريد الاستثمار في مهارات الذكاء الاصطناعي وتدريب الأجيال الشابة، مستفيداً من البنية والشراكات التعليمية التي تمتلكها «سيسكو» بالفعل. وتوضح أن هذا المسار أصبح أسهل بعد انضمام «سبلانك» إلى «سيسكو»، لأن بناء العلاقات في السوق عند الدخول إليها بصورة مستقلة كان يحتاج إلى وقت وجهد أكبر، بينما يوفر وجود «سيسكو» شبكة أوسع يمكن توظيفها في دعم مبادرات التعليم والتأهيل. ووصفت هذا الجانب بأنه «واحد من أهم المحاور الاستراتيجية» للشركة في السعودية.

سوق استراتيجية لـ«سبلانك» و«سيسكو»

تكرر جينر أكثر من مرة وصف السعودية بأنها سوق «استراتيجية» لكل من «سبلانك» و«سيسكو»، مشيرة إلى أن الالتزام بالسوق والاستثمارات التي جرى ضخها فيهما كانا جزءاً مهماً من بناء العلاقة مع العملاء المحليين. كما ربطت ذلك بالحضور الأوسع لـ«سيسكو» في المملكة، وبالشراكات والاستثمارات المرتبطة بالبنية التحتية والذكاء الاصطناعي، معتبرة أن هذا الوجود يمنح «سبلانك» مساحة أكبر للتوسع في مجالات مثل المهارات، والشراكات، والأمن، ومراقبة الأنظمة.

وبحسب جينر، ما يبرز ليس حجم الاستثمار وحده، بل تغير نوع الأسئلة التي تطرحها المؤسسات السعودية. فبدلاً من الاكتفاء بالسؤال عن كيفية تجربة الذكاء الاصطناعي، أصبحت المؤسسات تبحث في مكان تشغيله، ومكان بقاء البيانات، وكيفية مراقبة الوكلاء، وما الذي يجب أن يبقى داخل البنية المحلية وما الذي يمكن نقله إلى السحابة.


مقالات ذات صلة

عمالقة الذكاء الاصطناعي يتعهدون بآلية موحدة لمنع استخراج محتوى المواقع الإلكترونية

تكنولوجيا شعار «أوبن إيه آي» (رويترز)

عمالقة الذكاء الاصطناعي يتعهدون بآلية موحدة لمنع استخراج محتوى المواقع الإلكترونية

تعهَّدت شركات تكنولوجية رائدة بتوفير آلية موحَّدة لوسائل الإعلام والمواقع الإلكترونية الأخرى لمنع استخراج محتواها بهدف تدريب نماذج الذكاء الاصطناعي.

«الشرق الأوسط» (سان فرانسيسكو)
تكنولوجيا تشير التحقيقات الأولية إلى أن اختراق جهاز موظف ربما فتح مساراً للوصول إلى أنظمة داخلية حساسة في «بينانس» (رويترز)

اختراق «بينانس»... كيف قاد وصول داخلي إلى معاملات موقّعة عبر شبكات متعددة؟

يكشف اختراق «بينانس» كيف قد يتحول وصول داخلي إلى معاملات موقعة عبر محافظ متعددة مع تجميد أصول بمليارات الدولارات.

نسيم رمضان (لندن)
خاص تعتمد استراتيجية «احصد الآن وفكّ التشفير لاحقاً» على تخزين البيانات المشفّرة انتظاراً لقدرات حوسبة أقوى مستقبلاً (أدوبي)

خاص خطر مؤجّل: الحوسبة الكمومية قد تفكّ تشفير بيانات مسروقة بعد سنوات

يحذّر خبراء من سرقة بيانات حساسة اليوم والاحتفاظ بها انتظاراً لقدرات كمومية مستقبلية قد تتمكن من فك تشفيرها بعد سنوات.

نسيم رمضان (بالي (إندونيسيا))
صحتك العملية التي تعتمد على الذكاء الاصطناعي قد تستغرق في المستقبل بضعة أيام فقط (رويترز)

لأول مرة... حقن مريض بفيروس صممه الذكاء الاصطناعي لمكافحة عدوى خطيرة

نجح علماء، للمرة الأولى، في إعطاء مريض بشري فيروساً صُمم باستخدام الذكاء الاصطناعي، في محاولة لمكافحة عدوى بكتيرية لم تعد تستجيب للمضادات الحيوية.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
تكنولوجيا يمكن للجهاز التقاط الصور ورش الأدوية وأخذ عينات من الأنسجة وإزالة بعض السلائل الصغيرة أثناء الفحص (الجامعة)

مستوحاة من الأفاعي... روبوت مرن قد يسهّل فحص الأمعاء الدقيقة وعلاجها

طوّر باحثون في «MIT» روبوتاً مرناً مستوحى من الأفاعي قد يسهّل فحص الأمعاء الدقيقة وتشخيص اضطراباتها وتنفيذ بعض الإجراءات العلاجية

نسيم رمضان (لندن)

جيش إلكتروني عابر للحدود... ما سر قوة قراصنة كوريا الشمالية؟

خبراء يشيرون إلى أن نهج كوريا الشمالية في شن الهجمات الإلكترونية شهد تحولاً جذرياً خلال العقد الماضي (رويترز)
خبراء يشيرون إلى أن نهج كوريا الشمالية في شن الهجمات الإلكترونية شهد تحولاً جذرياً خلال العقد الماضي (رويترز)
TT

جيش إلكتروني عابر للحدود... ما سر قوة قراصنة كوريا الشمالية؟

خبراء يشيرون إلى أن نهج كوريا الشمالية في شن الهجمات الإلكترونية شهد تحولاً جذرياً خلال العقد الماضي (رويترز)
خبراء يشيرون إلى أن نهج كوريا الشمالية في شن الهجمات الإلكترونية شهد تحولاً جذرياً خلال العقد الماضي (رويترز)

خلصت ثلاث شركات متخصصة في تحليل بيانات سلاسل الكتل (البلوك تشين) إلى أن عملية الاختراق الأخيرة التي استهدفت منصة «باينانس» كانت من تنفيذ قراصنة مدعومين من الدولة الكورية الشمالية، في وقت لا تزال فيه التحقيقات الرسمية في الحادثة جارية، وفقاً لصحيفة «إندبندنت».

وشهد يوم الخميس سرقة ما لا يقل عن ملياري دولار أميركي من محافظ منصة «باينانس»، في عملية يُعتقد أنها أكبر هجوم إلكتروني يستهدف منصة لتداول العملات الرقمية في العالم.

ورغم أن منصة «باينانس» والجهات الحكومية لم تستكملا تحقيقاتهما بعد، فإن ثلاث جهات متخصصة في أمن سلاسل الكتل، هي «تي آر إم لابس» (TRM Labs) و«تشيناليسيس» (Chainalysis) و«زاك إكس بي تي» (ZachXBT)، أشارت إلى تورط قراصنة مرتبطين ببيونغ يانغ في تنفيذ الهجوم.

وكشفت التحقيقات الأولية أن أحد المخترقين تمكن من إجراء معاملات غير مصرح بها، بعدما وصل إلى حاسوب محمول تعرض للاختراق، ويعود إلى أحد مهندسي منصة «باينانس» (Binance).

وتأتي هذه الحادثة بعد عملية اختراق استهدفت منصة «باي بيت» (Bybit) عام 2025، وتمكن خلالها قراصنة من كوريا الشمالية من سرقة مبلغ قياسي بلغ 1.5 مليار دولار.

ويرى خبراء أن أحد أبرز أسباب نجاح كوريا الشمالية في تنفيذ هجماتها السيبرانية يتمثل في اعتماد بيونغ يانغ، إلى حد كبير، على عناصر تعمل من خارج البلاد.

وذكرت شركة «تي آر إم لابس» في تقرير أصدرته يوم الجمعة أنه يمكن القول «بدرجة عالية من الثقة» إن الهجوم الأخير على منصة «باينانس» نفذته وحدة القرصنة الكورية الشمالية «تريدر ترايتر» (TraderTraitor)، المرتبطة بمجموعة «لازاروس» (Lazarus Group) المعروفة بهجماتها الإلكترونية.

وأوضحت الشركة أن تقييمها يستند إلى «معلومات استخباراتية قوية»، تشمل بيانات مستمدة من المعاملات المسجلة على سلاسل الكتل (On-chain)، إلى جانب معلومات من مصادر خارج هذه السلاسل (Off-chain).

بدوره، قال جوني ليفين، المسؤول في شركة «تشيناليسيس» المتخصصة في أمن سلاسل الكتل، إن عملية الاختراق «على الأرجح من تنفيذ المجموعة الكورية الشمالية (تريدر ترايتر)».

من الهجمات التخريبية إلى سرقة المليارات

يشير خبراء الأمن السيبراني إلى أن نهج كوريا الشمالية في شن الهجمات الإلكترونية شهد تحولاً جذرياً خلال العقد الماضي.

فبعدما كانت عملياتها تركز على التعطيل وإحداث الاضطرابات، كما حدث في الهجوم على شركة «سوني بيكتشرز» عام 2014، تحولت إلى استهداف محافظ العملات المشفرة والبنوك المركزية بهدف سرقة مبالغ مالية ضخمة.

وأظهر القراصنة الكوريون الشماليون قدرات متزايدة على اختراق الأنظمة المالية خارج البلاد، وتحويل الأموال المسروقة لتمويل برنامج بيونغ يانغ للأسلحة النووية.

وحذّرت وزارة الخارجية اليابانية، في تقرير صدر العام الماضي، من أن القدرات السيبرانية لبيونغ يانغ توسعت في ظل حكم الزعيم الكوري الشمالي كيم جونغ أون، لتتحول إلى «برنامج وطني متكامل» يتمتع بمستوى عالٍ من التطور، «يقترب من البرامج السيبرانية لكل من الصين وروسيا».

لماذا يعمل قراصنة كوريا الشمالية من الخارج؟

نظراً إلى القيود الشديدة المفروضة على الوصول إلى شبكة الإنترنت العالمية داخل كوريا الشمالية، فإن عمل قراصنتها انطلاقاً من دول مثل الصين وروسيا يتيح لهم الاستفادة من بنية تحتية رقمية أكثر تطوراً.

كما يوفر لهم استخدام عناوين بروتوكول إنترنت (IP) أجنبية غطاءً يساعد على إخفاء مواقعهم الحقيقية، ويجعل تعقب مصدر الهجمات السيبرانية أكثر صعوبة.

وذكرت وزارة الخارجية اليابانية، في أحد تقاريرها، أن عمليات القرصنة التي تنفذها كوريا الشمالية على مستوى العالم غالباً ما تُسهَّل عبر «شبكات تضم مواطنين كوريين شماليين في الخارج ومتواطئين أجانب».

ولا تقتصر أهمية وجود هؤلاء القراصنة خارج البلاد على تسهيل تنفيذ الهجمات وإخفاء مصادرها، بل تمتد إلى تمكينهم من التعاون مع شبكات مالية أجنبية لتحويل العملات المشفرة المسروقة إلى أموال نقدية تقليدية.

شعار منصة «باينانس» (رويترز)

جنوب شرق آسيا... هدف وقاعدة للعمليات السيبرانية

يحذر خبراء من أن منطقة جنوب شرق آسيا أصبحت ركيزة أساسية في الشبكة السيبرانية التابعة لنظام كيم جونغ أون، إذ تؤدي دوراً مزدوجاً، بوصفها هدفاً للهجمات وقاعدة تنطلق منها عمليات بيونغ يانغ الإلكترونية.

ووفقاً لتقرير صادر عن «مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية» (CSIS)، نشرت كوريا الشمالية برمجيات خبيثة وأدوات تتيح الوصول غير المصرح به إلى البنية التحتية الرقمية لدول من بينها كمبوديا وتايلاند وإندونيسيا.

وقد أتاح لها ذلك مواصلة إخفاء عملياتها السيبرانية التي تنفذها على نطاق عالمي.

آلاف العملاء السيبرانيين بهويات زائفة

أشار تقرير صدر عام 2020 عن «مركز الأمن الأميركي الجديد» (Centre for a New American Security)، تناول الشبكة السيبرانية الخارجية لكوريا الشمالية، إلى أن الهند كانت من بين الدول التي ينشط فيها عملاء سيبرانيون كوريون شماليون.

وتفيد تقارير بأن العدد الإجمالي لهؤلاء العملاء المنتشرين حول العالم قد يصل إلى 6 آلاف عميل، يعملون في دول من بينها الصين والهند وروسيا وبيلاروسيا وماليزيا.

ويلجأ هؤلاء الأفراد إلى انتحال هويات مزيفة، مدّعين أنهم مواطنون من دول أخرى، بهدف الحصول على وظائف داخل شركات أجنبية.

ويخضع هؤلاء العملاء لبرامج إعداد وتدريب تبدأ منذ سن مبكرة، بإشراف من بيونغ يانغ، بهدف تأهيلهم للمشاركة في أجندة الحرب السيبرانية التي تتبناها كوريا الشمالية.


عمالقة الذكاء الاصطناعي يتعهدون بآلية موحدة لمنع استخراج محتوى المواقع الإلكترونية

شعار «أوبن إيه آي» (رويترز)
شعار «أوبن إيه آي» (رويترز)
TT

عمالقة الذكاء الاصطناعي يتعهدون بآلية موحدة لمنع استخراج محتوى المواقع الإلكترونية

شعار «أوبن إيه آي» (رويترز)
شعار «أوبن إيه آي» (رويترز)

تعهَّدت شركات «أوبن إيه آي» و«غوغل» و«مايكروسوفت» و«أنثروبيك» أمس (الجمعة)، بتوفير آلية موحَّدة لوسائل الإعلام والمواقع الإلكترونية الأخرى لمنع استخراج محتواها بهدف تدريب نماذج الذكاء الاصطناعي، وذلك وسط ازدياد الانتقادات والمعارك القانونية من جانب ناشري المواقع الإخبارية.

ويتعيَّن على الناشرين حالياً تطبيق أوامر حظر متعددة لكل روبوت جمع بيانات ينشط على الإنترنت على حدة، لكن الحلَّ المقترح الجديد سيسمح لهم بإدخال تعليمات موحَّدة معترف بها ومعتمدة من قبل أي شركة ذكاء اصطناعي تتبنى البروتوكول. مع ذلك، لن يدخل الحلُّ حيزَ التنفيذ الكامل إلا بعد أشهر، وفق تقرير لـ«وكالة الصحافة الفرنسية».

وستبدأ «مايكروسوفت» بتطبيقه اعتباراً من 1 فبراير (شباط) 2027، و«غوغل» في وقت ما من عام 2027. وقالت «أوبن إيه آي» مطورة «تشات جي بي تي» إنها ستطرحه «في الأشهر المقبلة»، بينما صرَّحت «أنثروبيك»، مطورة «كلود» بأنها «بدأت بالفعل» في طرحه.

ويأتي هذا الإعلان في وقت يواجه فيه الناشرون طفرةً في الروبوتات التي تنسخ منشوراتهم لتغذية نماذج الذكاء الاصطناعي وتدريبها. وقد لجأت بعض الجهات مثل صحيفة «نيويورك تايمز»، إلى القضاء في هذا الشأن.

ففي ديسمبر (كانون الأول) عام 2023، رفعت «نيويورك تايمز» دعوى قضائية ضد شركتَي «أوبن إيه آي» و«مايكروسوفت» بتهمة استخدام ملايين المقالات من دون إذن أو مقابل مادي لتدريب نموذج «تشات جي بي تي».

في غضون ذلك، حظرت شركة «كلاودفلير» المزودة لخدمات الإنترنت، بشكل تلقائي، البرمجيات التي تعمل بالذكاء الاصطناعي على مواقع عملائها الجدد منذ يوليو (تموز) 2025، كما أنَّ هناك برنامجاً يحمل اسم «ترخيص بسيط للغاية» يسمح للناشرين بفرض رسوم على الروبوتات التي تزوِّر صفحاتهم وتنسخها.

وأوضحت «مايكروسوفت»، في منشور على مدونتها، أنَّ الإعداد الجديد سيُطبَّق فقط على التدريب المستقبلي للنماذج، ولكنه بخلاف ذلك لا يمنع الروبوتات من الزحف على الإنترنت، وسيُسمح باستخراج المحتوى إلى حين تغيير الناشر لهذا الإعداد.

وأعرب المتحدث باسم شركة «ميتا»، آندي ستون، على منصة «إكس» عن دعمه لهذا الجهد، حيث كتب: «نعتقد أن إنشاء إشارة مشتركة تنقل هذه التفضيلات إلى كثير من مزودي الخدمات في آن واحد خطوة مهمة»، مضيفاً: «نتطلع إلى العمل مع شركات الذكاء الاصطناعي الأخرى على هذه المعايير وتطبيقها في جميع أنحاء القطاع».


اختراق «بينانس»... كيف قاد وصول داخلي إلى معاملات موقّعة عبر شبكات متعددة؟

تشير التحقيقات الأولية إلى أن اختراق جهاز موظف ربما فتح مساراً للوصول إلى أنظمة داخلية حساسة في «بينانس» (رويترز)
تشير التحقيقات الأولية إلى أن اختراق جهاز موظف ربما فتح مساراً للوصول إلى أنظمة داخلية حساسة في «بينانس» (رويترز)
TT

اختراق «بينانس»... كيف قاد وصول داخلي إلى معاملات موقّعة عبر شبكات متعددة؟

تشير التحقيقات الأولية إلى أن اختراق جهاز موظف ربما فتح مساراً للوصول إلى أنظمة داخلية حساسة في «بينانس» (رويترز)
تشير التحقيقات الأولية إلى أن اختراق جهاز موظف ربما فتح مساراً للوصول إلى أنظمة داخلية حساسة في «بينانس» (رويترز)

لم يبدأ أخطر ما في حادثة «بينانس» بإعلان سرقة مفتاح خاص لمحفظة عملات مشفرة، بل من مسار أكثر تعقيداً داخل البنية التقنية للمنصة. فالتحقيق الأولي للشركة يشير إلى أن اختراق حاسوب محمول يعود إلى مهندس عمليات التطوير والتشغيل (DevOps) ربما منح المهاجم وصولاً إلى «حاوية خدمة» (Service Container) داخلية، ومن هناك أصبح بالإمكان إرسال معاملات سحب غير مصرح بها. وتؤكد «بينانس» حتى الآن أنها لم تعثر على دليل يثبت تسرب المفاتيح الخاصة بالمحافظ.

وتقدر المنصة حجم الأثر الإجمالي للحادث بنحو 6.3 مليار دولار، فيما قالت الجمعة إنها تمكنت، بالتعاون مع جهات في منظومة البلوك تشين، من تجميد أصول بقيمة تقارب 3 مليارات دولار على الشبكات. كما تعهدت بتغطية الخسائر من صندوق الأصول الآمنة للمستخدمين وأموال الشركة، مؤكدة أن أموال العملاء آمنة.

لكن البيانات المسجلة على شبكات البلوك تشين ترسم صورة أوسع للهجوم؛ إذ تشير إلى أن المشكلة لم تقتصر على محفظة واحدة أو شبكة واحدة، بل امتدت إلى «محافظ ساخنة» (Hot Wallets) تابعة لـ«بينانس» عبر عدد من شبكات العملات المشفرة خلال ساعات قليلة.

امتد الهجوم إلى محافظ ساخنة عبر عدة شبكات ما يرجح أن المشكلة تجاوزت سرقة مفتاح خاص واحد (رويترز)

تواصل التحقيقات

تقول «بينانس» إن التحقيق لا يزال أولياً، وإنها ستنشر تقريراً تقنياً كاملاً بعد التحقق من المسار الكامل للهجوم. وقد أوضح ريتشارد تنغ، الرئيس التنفيذي المشارك للشركة، أن الحادث لم يكن ببساطة نتيجة استخدام صلاحيات مهندس واحد أو عملية «بنقرة واحدة»، بل تضمن مساراً أكثر تعقيداً، مع اكتشاف نقاط اختراق إضافية لا تزال قيد التحقيق.

وتكمن أهمية هذه النقطة في أن المحافظ الساخنة لدى منصات التداول تبقى متصلة بالإنترنت وتستخدم بصورة مستمرة لمعالجة عمليات السحب، ولذلك تحتاج إلى أنظمة داخلية قادرة على إنشاء المعاملات والموافقة عليها وتوقيعها بسرعة.

وتظهر بيانات التحليل أن الأموال خرجت من 17 محفظة ساخنة مرتبطة بـ«بينانس» على تسع شبكات بين الساعة 20:04 و23:56 بالتوقيت العالمي في 29 أكتوبر (تشرين الأول)، في حين توصلت تحليلات أخرى إلى تتبع أصول عبر عشر شبكات، وهو اختلاف يعكس نطاق الرصد والتصنيف بين جهات التحليل في الساعات الأولى للحادث. وتشمل الشبكات التي رُصدت «إيثيريوم» و«بيتكوين» و«ترون» و«دفتر XRP» و«سولانا» و«أربيتروم» و«أفالانش» و«أوبتيميزم» و«بيس» و«بوليغون».

معاملات صحيحة... لكن غير مصرح بها

من الناحية التقنية، تحمل هذه النقطة دلالة مهمة، وهي أن شبكة البلوك تشين لم ترفض المعاملات، لأنها ظهرت على الشبكات بتوقيعات صالحة صادرة من محافظ «بينانس». ويشير أحد التحليلات إلى أن 16 من أصل 17 محفظة أرسلت تحويلات عادية موقعة إلى عناوين المهاجم، رغم أن أنماط بعضها اختلفت عن عمليات السحب المعتادة للمنصة.

وهذا يتوافق مع تقييم تقني بأن المهاجم قد يكون حصل على قدرة تجعل بنية توقيع المحافظ (Wallet Signing Infrastructure) الساخنة في «بينانس» توافق على معاملات يحددها هو، بدلاً من أن تكون المشكلة مجرد الحصول على مفتاح خاص واحد. وتبقى هذه فرضية فنية من جهات تحليل خارجية وليست نتيجة نهائية أعلنتها «بينانس».

وتزداد أهمية هذا الاحتمال لأن المحافظ المتضررة تعمل على شبكات تستخدم أنواع مفاتيح وآليات توقيع مختلفة، ومع ذلك ظهرت معاملات صحيحة عبر عدة شبكات خلال فترة زمنية متقاربة.

بدأت التحضيرات للهجوم قبل التنفيذ الفعلي بساعات مع اختبارات وتحويلات صغيرة سبقت عملية السحب الرئيسية (أ.ف.ب)

طبقة جديدة للهجوم

على شبكة «إيثيريوم»، اتخذ الهجوم مساراً أكثر تعقيداً باستخدام ميزة تعرف باسم اقتراح تحسين إيثيريوم رقم «7702 (EIP-7702)»، أضيفت إلى الشبكة ضمن تحديث «بيكترا». وتسمح هذه الميزة للمحفظة التقليدية بتفويض تنفيذ سلوكها إلى عقد ذكي (Smart Contract) بعد توقيع تفويض مناسب.

وحسب التحليلات، أرسل المهاجم معاملة تضمنت 50 تفويضاً موقعاً مسبقاً، تغطي أرقاماً متتابعة لما يعرف بالرقم التسلسلي للمعاملة (Nonce)، بهدف ضمان أن يكون واحد منها صالحاً عند تنفيذ العملية الفعلية. وقد تطابق أحد هذه التفويضات مع الحالة الحية لمحفظة «بينانس»، ما سمح بتوجيه سلوكها نحو عقد برمجي يتحكم فيه المهاجم.

وبعد ثلاث دقائق و24 ثانية، جرى تحويل 167 ألفاً و464 وحدة من عملة «إيثر» (ETH) إضافة إلى 63 رمزاً آخر من المحفظة في معاملة واحدة، شملت 1.615 مليار وحدة من عملة «تيثر» (USDT) المستقرة.

ولم ينته الخطر مع خروج الرصيد الأول؛ لأن التفويض ظل فعالاً، ما مكّن المهاجم من سحب أموال جديدة وصلت لاحقاً إلى المحفظة في عمليات متكررة خلال الساعات التالية.

وتشير التحليلات الأمنية إلى أن هذه الخاصية تغيّر طبيعة الخطر في المحافظ الساخنة، لأن التفويض الناجح يمكن أن يمنح المهاجم سيطرة برمجية مستمرة على العنوان إلى أن يتم إلغاء التفويض بصورة صريحة.

هجوم تم التحضير له مسبقاً

تشير تحليلات تتبع البلوك تشين إلى أن التحضير بدأ قبل السرقة بنحو 36 ساعة على الأقل، مع تحويلات صغيرة وتجارب على محافظ يسيطر عليها المهاجم قبل تنفيذ العملية ضد «بينانس».

وتفيد هذه التحليلات بأن المهاجم اختبر تسلسل التفويض والسحب أكثر من مرة قبل نشر العقد الذي استُخدم لاحقاً، ثم نفذ الهجوم الرئيسي مساء 29 أكتوبر.

كما تنسب «TRM Labs» العملية، بدرجة ثقة مرتفعة وفق تقييمها، إلى مجموعة «TraderTraitor» المرتبطة بكوريا الشمالية، استناداً إلى مؤشرات على السلسلة وخارجها وتشابهات مع عمليات سابقة. ولم تعلن «Binance» حتى الآن مسؤولية جهة محددة عن الهجوم؛ لذلك يبقى هذا إسناداً من شركة تحليل بلوك تشين وليس استنتاجاً رسمياً من المنصة.

تمكنت جهات في منظومة البلوك تشين من تجميد مليارات الدولارات فيما لا يزال السبب الجذري الكامل قيد التحقيق (د.ب.أ)

سباق لتجميد مليارات الدولارات

بعد بدء التحويلات، تحركت جهات مصدرة للعملات المستقرة وشبكات بلوك تشين لتجميد أجزاء من الأموال المسروقة. وتقول «بينانس» إن القيمة المجمدة على الشبكات وصلت إلى نحو 3 مليارات دولار في أحدث تحديث رسمي، وهو رقم أعلى من بعض التقديرات المبكرة التي تراوحت حول 2.7 مليار دولار.

وتشير بيانات تتبع الأموال إلى أن «تيثر» و«سيركل» ومجلس أمن «أربيتروم» وجهات أخرى تمكنت من منع حركة أجزاء كبيرة من العملات المستقرة والأصول، فيما سارع المهاجم إلى تحويل مئات الملايين من «USDT» إلى أصول أخرى قبل تنفيذ التجميد.

وامتد أثر الحادث إلى بروتوكولات التمويل اللامركزي (DeFi)؛ إذ قالت «LlamaRisk» إن إحدى المحافظ المرتبطة بالمهاجم أودعت 60 مليون «USDT» في الإصدار الثالث من بروتوكول «آفي» (Aave V3) واقترضت مقابلها 19 ألفاً و762 وحدة من «إيثر المغلف» (WETH) بقيمة تقارب 44.6 مليون دولار آنذاك.

وردت منظومة «Aave» بتجميد إمكانية فتح مراكز إيداع واقتراض جديدة في مئات الأسواق على شبكات متعددة كإجراء احترازي، مع إبقاء السداد والسحب والتصفية متاحة.

لماذا تتجاوز الحادثة «سرقة مفتاح»؟

لا تزال «بينانس» تجمع الأدلة؛ ولذلك لا يمكن اعتبار أي تحليل خارجي وصفاً نهائياً للسبب الجذري قبل صدور التقرير التقني الرسمي. لكن البيانات المتاحة حتى الآن تجعل السؤال الأمني أوسع من مجرد حماية المفتاح الخاص للمحفظة.

فإذا تمكن المهاجم من الوصول إلى مسار داخلي يستطيع طلب توقيع معاملات تبدو صحيحة على الشبكة، تصبح الضوابط التي تسبق التوقيع، وعزل أنظمة الموافقة، ومراقبة ما يُطلب من المحافظ توقيعه، عناصر أساسية بقدر أهمية حماية المفتاح نفسه.

وتقول «بينانس» إنها أوقفت عمليات السحب مؤقتاً، وألغت تفويض العنوان المتأثر، وتعمل مع جهات إنفاذ القانون وشركات تحليل البلوك تشين لتتبع الأموال، على أن تنشر تقريراً فنياً كاملاً وإثبات احتياطيات محدثاً بعد انتهاء المعالجة.

وحتى صدور ذلك التقرير، تبقى النقطة التقنية الأهم غير محسومة بالكامل: كيف انتقل المهاجم من اختراق جهاز داخل بيئة العمل إلى القدرة على الحصول على معاملات صالحة وموقعة عبر عدد كبير من المحافظ والشبكات؟

والإجابة عن هذا السؤال ستحدد ما إذا كان الحادث سيبقى حالة استثنائية في «بينانس»، أم نموذجاً جديداً لتهديد يستهدف البنية التي تقرر ما الذي يسمح للمحفظة بتوقيعه قبل أن تصل المعاملة أصلاً إلى البلوك تشين.