«متحف سرسق» ينفض عنه غبار الحرب ويحتفل

أُضيئت واجهته بعرض ثلاثي الأبعاد من 8 لوحات

واجهة «متحف سرسق» يوم الافتتاح
واجهة «متحف سرسق» يوم الافتتاح
TT

«متحف سرسق» ينفض عنه غبار الحرب ويحتفل

واجهة «متحف سرسق» يوم الافتتاح
واجهة «متحف سرسق» يوم الافتتاح

احتفال «متحف سرسق» في بيروت، الجمعة، بعودته إلى جمهوره ومحبيه، له طعم آخر هذه المرة. إذ أصرّت إدارة المتحف، على ألا تفتح أبوابها بعد الحرب المدمرة التي شنَّتها إسرائيل على لبنان، من دون أن يجتمع لهذه المناسبة عشاق الفن وأصدقاء المتحف، في ما يشبه تدشيناً جديداً لمؤسسة فنية، عاشت تقلبات الحروب، وعانت إغلاقاً وعودة لمرات عدة.

فإثر انفجار المرفأ عام 2020 تعرَّض المتحف لأضرار بالغة، فقد نسف العصف نوافذه الملونة الجميلة، وأصيب المبنى إضافة إلى تلف لوحات وتحف. واحتاج الأمر، إلى جهد كبير، وتبرعات وفيرة؛ كي يتم ترمم ما تأذّى. وكان «متحف سرسق» في مايو (أيار) من العام الماضي، قد احتفى، بعودته إلى الحياة، بعد غياب ثلاث سنوات. لكن شاءت الظروف أن تعيش بيروت أخطاراً جديدة؛ لذا لجأ المتحف لإجراءات سريعة خشية أن يتعرض لنكسة أخرى، قبل أن ينسى تجربته المريرة السابقة. وباشتداد القصف الإسرائيلي على بيروت في أكتوبر (تشرين الأول) الماضي، ومع صعوبات التنقل للموظفين، قرر إغلاق أبوابه. وحفاظاً على الأعمال الفنية الثمينة تم توضيبها بعناية ووضعت في المستودعات. وأعلن المتحف على صفحته على «إنستغرام»: «مرة أخرى، نجد أنفسنا نزيل الأعمال الفنية التي تملأ جدراننا، ليس بهدف الترميم أو الاحتفال، بل للحماية. هذه ليست المرة الأولى، وللأسف قد لا تكون الأخيرة».

قصر سرسق من الداخل

وتقول مديرة «متحف سرسق» كارينا الحلو لـ«الشرق الأوسط»: «عاش فريق العمل، ضغطاً كبيراً. بعضهم لم يكن قادراً على الوصول إلى مكان عمله. لم نرد تعريضهم للخطر، كما أننا لا نزال تحت صدمة انفجار المرفأ، وما تسبب به من كوارث للمتحف. رغبنا في حماية المقتنيات؛ لأننا لم نكن نعلم إلى أين يمكن أن تتجه الأمور».

تم الافتتاح الجديد، بحضور حشد من المحبين، وعُرضت على واجهات المتحف بالأبعاد الثلاثية ثماني لوحات، من مجموعته الدائمة، لوحتان لإيتل عدنان، وثلاث لولي عرقتنجي، وأخرى لجوليانا سيرافيم، وشفيق عبود وسامي عسيران. ونظمت إدارة المتحف جولة للزوار على المعروضات التي عادت إلى مكانها. كما كان حفل موسيقي أحيته الموسيقية يارا أسمر في الساحة الخارجية. ونظّم بهذه المناسبة متجر المتحف سوقاً ميلادية بمناسبة الأعياد يستمر لثلاثة أيام.

جوليانا سيرافيم... بورتريه هيلين بدارو (من مجموعة المتحف الجديدة)

وترى الحلو أن الاحتفال الجامع بعودة العمل إلى المتحف، «هو بمثابة إعلان عن عودة الفن إلى أصحابه، وملاقاة الناس له. أردنا أن نؤكد على الصلة الوثيقة بين المتحف والمدينة، لهذا؛ نحن نعمل على تنظيم ورش عمل للأطفال في المدارس لتعريف تلامذتنا بالفن والفنانين اللبنانيين» وتضيف: «نحن حريصون أيضاً، من خلال هذا الاحتفال، أن نرفّه عن نفوس الناس، الذين مرّوا بظروف صعبة من خلال الفن والموسيقى».

وتمكن الزوار خلال هذه الاحتفالية من زيارة ثلاثة معارض أعيدت إلى الصالات.

هناك معرض «أنا جاهل»، الذي يلقي الضوء على أهمية صالون الخريف الذي كان له دور رئيس في إطلاق الكثير من الأسماء الفنية والمواهب، والقيّمان عليه هما: ناتاشا كسبريان وزياد قبلاوي. والمعرض الثاني الذي شاهده الزوار هو «موجات الزمن»، القيّمة عليه مديرة المتحف كارينا الحلو. وهو عبارة عن إعادة تأريخ للمراحل التي مرّ بها المتحف من حين كان منزلاً أنيقاً لصاحبه محب الفن والجمال نقولا سرسق، وصولاً إلى ما حدث بعد انفجار المرفأ، مروراً بخطوات الترميم التي خضع لها ليعود لجمهوره.

ويتضح للزائر من خلال هذا المعرض أن المتحف مرّ بإغلاقات قسرية عدة، غير تلك التي تعرض لها في السنوات الأخيرة، كان أولها بين عامي 1952 و1961، أي أنه دام تسع سنوات، إثر معركة قانونية لتحويل دارة إبراهيم نقولا سرسق إلى متحف للعموم.

مصطفى فروخ... عرزال في ضهور الشوير (من المجموعة الجديدة للمتحف)

المعرض الثالث «رؤى بيروت»، وهو مجموعة من الصور الفوتوغرافية القديمة والنادرة لمدينة بيروت تعكس التحولات التي عاشتها المدينة، والأحداث الجسام التي تعرضت لها، وتعود الصور إلى «مجموعة فؤاد درباس».

ومن خلال فيديو يضم ما يقارب 20 ألف صورة، بطريقة رقمية، نذهب إلى ما يشبه جولة افتراضية على المباني التراثية الجميلة التي نسفها انفجار المرفأ، وقد أعيد تصورها مع الأحياء المحيطة، وكأنها خرجت من كل أزماتها وذهبت إلى المستقبل.

جدير بالذكر أن «متحف سرسق» في جعبته مجموعة فنية ثمينة، مكونة من 1600 عمل فني، ولوحات لما يقارب 150 فناناً لبنانياً يمثلون مراحل ومدارس مختلفة، وفي حوزته أيضاً 12 ألف مادة مؤرشفة، و30 ألف صورة تعود لفؤاد درباس. وكذلك مئات الأعمال المستعارة، أو التي تم التبرع بها، وبعض آخر يوجد بسبب التبادل مع متاحف أخرى.

وتحدثنا الحلو عن إعادة جدولة للبرامج التي خطط لها قبل الإغلاق: «كان ثمة معارض متفق عليها، وارتباط مع فنانين، ومواعيد لمحاضرات. منها ما تم تأجيله، لكن هناك من بين من اتفقنا معهم من غادر، ومن تغيرت ظروفه. لهذا؛ فنحن في طور إعادة الاتصال مع الفنانين، لترتيب برنامجنا وفقاً للمعطيات التي استجدت. فكل إغلاق نعيشه يتبعه جهد لترتيب الأنشطة من جديد».

مصطفى فروخ... عمل من دون عنوان (من مجموعة المتحف الجديدة)

يعود بناء «متحف سرسق» أو ما يعرف بـ«قصر سرسق» إلى عام 1912. وقد أوصى صاحبه، الرجل المحب للفن نقولا سرسق، قبل وفاته، بأن يُوهب قصره لبلدية بيروت، وأن يقام فيه متحف يشرف عليه رئيس البلدية، وتديره نخبة بيروتية. لكن القصر تحول مكاناً لاستضافة الملوك والرؤساء، قبل أن يُحوّل بالفعل متحفاً عام 1961، وكان في البدء بعرض القطع التي كانت موجودة فيه.

«متحف قصر سرسق» (الشرق الأوسط)

تعرَّض المتحف للإقفال القسري أكثر من مرة. فقد علّق عمله عام 2008 لتجديده وتوسعته، حيث ازدادت مساحته أكثر من 5 مرات، وأضيفت إليه طوابق سفلية مع الحفاظ على مهابته وطرازه القوطي المطعم بالعثماني، كما أُضيفت قاعات عدة ومطعم. أما الإقفال القسري الرابع وقبل الأخير فكان بسبب انفجار مرفأ بيروت.

وقد خرج المتحف كلياً من الخدمة بعد إصابته البالغة في انفجار بيروت يوم 4 أغسطس (آب) 2020، حيث لا يبعد عن موقع المرفأ سوى 800 متر؛ مما دمر 70 في المائة من المتحف.

وهو في حلته الحالية متحف، ومركز ثقافي، وموقع لاستقبال المعارض، وتُنظَّم فيه الأنشطة وتعرض الأفلام، وتعقد المحاضرات.


مقالات ذات صلة

نيويورك في قبو المنزل

يوميات الشرق يظهر حي مانهاتن السفلي بما يضمه من مبنى «وان وورلد تريد» وبرجي مركز التجارة العالمي (البرجين التوأمين) - في نموذج كبير لمدينة نيويورك صنعه جو ماكين وذلك في متحف مدينة نيويورك (أ.ب)

نيويورك في قبو المنزل

سائق شاحنة يبني نيويورك مصغّرة تضم أكثر من 800 ألف مبنى، في مشروع بدأ كهواية وانتهى به المطاف داخل متحف المدينة.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
يوميات الشرق لوحة بعنوان «يونغ وومان أت ذي ويل» للفنان الفرنسي بيار أوغست رينوار التي سُرقت من متحف رينوار في كاني سور مير بفرنسا - 8 سبتمبر 2026 (رويترز)

لصّان يسرقان لوحتين للرسام رينوار من متحف فرنسي

ذكرت السلطات المحلية أن لصّين سرقا لوحتين للرسام رينوار من متحف في كاني سور مير على الريفيرا الفرنسية، اليوم الثلاثاء.

«الشرق الأوسط» (باريس)
يوميات الشرق يقوم ضباط الشرطة بدوريات أمام مدخل متحف رينوار بعد السرقة في مدينة كاني سور مير (أ.ف.ب)

بعد اللوفر... سرقة لوحات قيمتها تسعة ملايين يورو من متحف فرنسي

قال بريان ماسون رئيس بلدية مدينة كاني سور مير، حيث متحف رينوار على الريفيرا الفرنسية، في بيان على «فيسبوك» إن لصين سرقا ثلاث لوحات من المتحف.

«الشرق الأوسط» (باريس)
يوميات الشرق الرئيس الصيني يستمع لشرح أمام قناع الملك توت (رئاسة الجمهورية المصرية)

قناع توت الذهبي يأسر قلب الرئيس الصيني

أسر القناع الذهبي للملك «توت عنخ آمون» الرئيس الصيني شي جينبينغ، ليتوقف طويلاً أمام الفرعون الذهبي خلال جولته بالمتحف المصري الكبير.

فتحية الدخاخني (القاهرة)
ثقافة وفنون تُظهر هذه الصورة التي التُقطت في 18 سبتمبر 2019 نسيج بايو الذي يعود إلى القرن الحادي عشر والذي يؤرخ للغزو النورماندي لإنجلترا في بايو في نورماندي بفرنسا (أ.ب)

الملك تشارلز وماكرون يتفقدان نسيج بايو التاريخي في المتحف البريطاني

سيزور الملك تشارلز ملك بريطانيا والرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، اليوم الأربعاء، المعرض الذي يضم نسيج بايو التاريخي في المتحف البريطاني.

«الشرق الأوسط» (لندن)

«سرديات الأرض السوداء»... لوحات تقتفي أثر المصريين القدماء

لوحة بالمعرض تدمج الواقع بالأسطورة (قطاع الفنون التشكيلية)
لوحة بالمعرض تدمج الواقع بالأسطورة (قطاع الفنون التشكيلية)
TT

«سرديات الأرض السوداء»... لوحات تقتفي أثر المصريين القدماء

لوحة بالمعرض تدمج الواقع بالأسطورة (قطاع الفنون التشكيلية)
لوحة بالمعرض تدمج الواقع بالأسطورة (قطاع الفنون التشكيلية)

تنطوي التجربة التي يقدمها الفنان التشكيلي المصري محمد عيد في معرضه الأحدث «سرديات الأرض السوداء» على ملامح شيقة من الحضارة المصرية القديمة، حيث كانت تُعرَف مصر قديماً باسم «كمت» أي «الأرض السوداء»، مستدعياً انعكاساتها على الواقع والمشهد اليومي والشخوص المعاصرين.

وفي المعرض الذي تستضيفه قاعة «الباب سليم» بمتحف الفن الحديث حتى 26 سبتمبر (أيلول) الحالي، يجدِّد الفنان محمد قراءة مفهوم «كِمِت» بوصفه أكثر من مجرد تسمية تاريخية لمصر القديمة؛ فهو بالنسبة له «نقطة انطلاق للتأمل في العلاقة بين الإنسان والأرض والزمن، وبين ما يبقى من الحضارات في الذاكرة الإنسانية».

جانب من المعرض (قطاع الفنون التشكيلية)

تنطلق تجربة الفنان من تفكيك المنظومة الفكرية والرمزية للشكل المصري القديم بصورته الاعتيادية المباشرة، ويرصد فلسفته وما وراءه وحدود ملامسته واشتباكه مع الواقع المعاصر، يقول عيد: «الفن المصري القديم لم يكن مجرد تسجيل للمشهد أو زخرفة بصرية، وإنما كان لغة متكاملة تحمل مفاهيم الخلود، والعبور، والهوية، ودورة الحياة والموت والبعث».

ومن هذا المنطلق، تتحول الرموز والعناصر المستلهمة من الجداريات المصرية القديمة إلى طاقات بصرية معاصرة، يعاد من خلالها طرح أسئلة حول الزمن والوجود والذاكرة. فالجسد في الأعمال لا يظهر بوصفه هيئة خارجية فقط، بل يصبح حاملاً للمعنى، والخط ليس مجرد حدود شكلية، بل يتحول إلى أثر للذاكرة ومسار بصري يعبر بين الماضي والحاضر.

يضيف عيد لـ«الشرق الأوسط»: «تعتمد التجربة على مفهوم التهجين البصري، حيث تتداخل مفردات الفن المصري القديم مع صياغات تشكيلية معاصرة، لتكوين فضاء بصري تتجاور داخله طبقات زمنية متعددة؛ زمن الحضارة القديمة، وزمن العمل الفني، وزمن التجربة الشعورية للمبدع والمتلقي».

الأعمال استخدمت أسلوباً خاصاً في قراءة الأساطير (قطاع الفنون التشكيلية)

تعتمد اللوحات على تكوينات متباينة ضمن أكثر من بعد بصري، بعضها يمثل الحاضر بشخوصه ومفرداته العادية، وبعضها يستدعي رموز الأساطير المصرية القديمة، والبعض الآخر يضفي جواً نفسياً حميماً يربط الزمان بالمكان بالشخوص في مشهد جمالي يتبنى مفردات الحداثة عبر اللون والخط والتعبير والتجريد.

ووفق الفنان: «يلعب اللون دوراً محورياً في بناء هذه الرؤية؛ فاللون لا يُستخدَم بوصفه عنصراً جمالياً فقط، بل بوصفه حاملاً دلالياً وفلسفياً. يكون الأسود فيه جوهر التجربة، فهو ليس لوناً للعتمة، وإنما بوصفه رمزاً للأرض الخصبة (الأرض السوداء)، والرحم الذي تنبثق منه الحياة، والمساحة التي تختزن أسرار الوجود والتجدد».

ويستند الفنان إلى التوثيق الرقمي للجداريات المصرية القديمة بوصفه ذاكرة حية؛ حيث تتحول الخطوط المستعادة من النقوش القديمة إلى طبقات شفافة داخل العمل، تستحضر الحضور والغياب، وتربط بين الأثر التاريخي والرؤية المعاصرة.

إحدى لوحات المعرض (قطاع الفنون التشكيلية)

و«تضم التجربة مجموعة من الأعمال المُنفَّذة بتقنيات الأقلام الخشبية الملونة والأكريليك، تتناول موضوعات مستوحاة من مفردات الحضارة المصرية القديمة، مثل الشجرة المقدسة، والطائر، والطقوس، والجسد الإنساني، لكنها تعيد تقديمها داخل سياق بصري جديد يبحث عن المعنى الكامن خلف الرمز»، وفق الفنان.

ويعد معرض «سرديات الأرض السوداء» دعوة لإعادة اكتشاف الماضي؛ فالأرض هنا لا تنطوي على المكان فقط، بل تمتد لتحمل حكايات الإنسان عبر الذاكرة البشرية التي تختزن طاقة الزمن، وتفتح حواراً بين ما كان وما هو آتٍ، في رحلة تأملية من رحم الأرض نحو الأبدية.

الفنان محمد عيد بجوار إحدى لوحاته (قطاع الفنون التشكيلية)

من جهته أكد الدكتور محمود حامد، رئيس قطاع الفنون التشكيلية بوزارة الثقافة المصرية خلال افتتاح المعرض أن «أعمال الفنان محمد عيد لا تقتصر على مجرد التوثيق التاريخي أو استعادة التراث، بل تتجاوز ذلك لتصنع أسطورة جديدة تخص الحاضر، وتنسج حواراً عميقاً بين الأبعاد الروحية والزمنية للوجود الإنساني».

يُشار إلى أنّ الفنان محمد عيد سبق أن قدَّم في عام 2021 معرض «خريف المحب» كما شارك في أكثر من 30 معرضاً جماعياً، وحاز جائزة «صالون الشباب» بمصر عام 2017، وجائزة الحفر بمعرض الطلائع الـ52 الذي تنظمه «جمعية محبي الفنون الجميلة».


عظام بشرية تحت مطبخ زوجين... وسرّ عمره 1000 عام!

مِعوَل يوقظ موتى التاريخ («إنستغرام» روس سليدجر)
مِعوَل يوقظ موتى التاريخ («إنستغرام» روس سليدجر)
TT

عظام بشرية تحت مطبخ زوجين... وسرّ عمره 1000 عام!

مِعوَل يوقظ موتى التاريخ («إنستغرام» روس سليدجر)
مِعوَل يوقظ موتى التاريخ («إنستغرام» روس سليدجر)

صادف عامل بناء، خلال عمله في مشروع روتيني بأحد المنازل، اكتشافاً مرعباً تمثّل في رفات بشرية قديمة، حوّلت أعمال التجديد إلى تحقيق جنائي، قبل أن تجد الرفات طريقها أخيراً إلى مثواها الأخير.

وكان روس سليدجر (49 عاماً) يباشر أعمال تجديد منزله في ربيع عام 2019، حين عثر عامل بناء، كان يُنجز إضافة مطبخ إلى المنزل، على ما بدت أنها عظام بشرية، وفق ما نقلته «فوكس نيوز» عن وكالة «إس دبليو إن إس» الإخبارية.

وأُعيد دفن الرفات رسمياً في أغسطس (آب) الماضي، خلال مراسم أُقيمت في كنيسة قريبة من منزل سليدجر، في منطقة واي بمقاطعة كنت، جنوب شرقي إنجلترا.

وأفاد سليدجر بأنه لم يُبالِ بالاكتشاف في البداية، ظناً منه أن العظام تعود إلى حيوان مزرعة أو حيوان أليف. وقال: «أخبرني عامل البناء: (لقد وجدتُ بعض العظام)، فأجبته: (رائع)، ظناً مني أنها تعود إلى حيوان مزرعة أو حيوانات أليفة».

وأضاف سليدجر أنه أُصيب بالذهول حين علم بأنّ الرفات قد تكون بشرية. واستذكر قائلاً: «كما يمكنك أن تتخيّل، انفلتت مني ألفاظ كثيرة. كنت أفكّر: لا بد أنك تمزح، هذه مجرّد مزحة، لكنه ردَّ: (أنا جاد جداً)».

وأثارت العظام، التي تبيّن لاحقاً أنها رفات تعود إلى العصر الأنغلوساكسوني، ويبلغ عمرها نحو 1000 عام، ضجة واسعة، وأطلقت تحقيقاً للشرطة. وتوجَّه نحو 10 ضباط إلى المنزل للتنقيب في الفناء الخلفي، فعثروا في نهاية المطاف على رفات جثة ثانية.

وشمل الاكتشاف المروّع في مجمله عظمة فخذ، وجمجمتين، وأضلاعاً، وجزءاً من الحوض، وشظايا من عظمة العضد وعظام الأصابع.

وقال سليدجر: «اعتقدوا أنه مسرح جريمة. كان عليهم إبقاء ضابط طوال الليل، وكان عليه الخروج من سيارته كلّ نصف ساعة».

وأضاف: «كانت تلك الحركة تُشغّل كشافات الإضاءة القوية لدى الجيران، مما كان يُثير نباح كلبي. وكما يمكنك أن تتخيّل، لم أنم كثيراً تلك الليلة».

وبعد نحو 48 ساعة من الاكتشاف الأول، أكّد المتخصّصون أنّ الرفات قديمة، ولا صلة لها بجريمة حديثة.

وإنما الاكتشافات لم تتوقّف عند هذا الحد؛ فقد عثر سليدجر لاحقاً على ما وصفها بـ«مفاصل وأصابع»، خلال تركيب العشب الاصطناعي في فنائه الخلفي، ممّا أثار قلقه من احتمال تأخّر أعمال التجديد.

وقال سليدجر: «كنت أفكّر: يا إلهي، هذا سيؤخّر الأمور. لديّ عمال بناء قادمون الأسبوع المقبل».

وأضاف: «كنتُ أظن أنّ الأمر قد يستغرق شهوراً، لكن لحُسن الحظّ، انتهى كلّ شيء بحلول نهاية عطلة الأسبوع، وهو أمر جيد».

وأوضح أنه بعد انتهاء تحقيق الشرطة، نُقلت الرفات إلى جمعية تاريخية، ثم إلى قسيس محلّي، وإنما ترتيب دفنها في مثواها الأخير استغرق بعض الوقت.

وأعرب سليدجر عن اعتقاده بأنّ «الأمر كان يتعلَّق بالحصول على إذن، وتحديد ما إذا كان مسموحاً بدفنها هناك». وتابع: «أظنّ أنها كانت مجرّد إجراءات بيروقراطية أكثر من أي شيء آخر».

ولم يكن فناء سليدجر الخلفي المكان الوحيد في المملكة المتحدة الذي كشف عن قطعة غير متوقَّعة من التاريخ؛ فقد توصَّل زوجان بريطانيان آخران إلى اكتشاف ذي قيمة تاريخية، وإن كان أقل قتامة بكثير، في فنائهما الخلفي مؤخراً.

وعثر الزوجان، من مقاطعة هامبشاير، على كنز يضم 70 عملة إنجليزية تاريخية، خلال تعديل سياج قرب حديقة الزهور عام 2020.

وبيعت هذه العملات في مزاد علني في نوفمبر (تشرين الثاني) 2025، بأكثر من 380 ألف جنيه إسترليني، أي ما يعادل نحو 500 ألف دولار أميركي.


قردة مدغشقر تُجيد «السوبرانو» وتُسمِع أغنياتها عبر الغابات

في مدغشقر... للأوبرا مقاعد بين الأغصان (رويترز)
في مدغشقر... للأوبرا مقاعد بين الأغصان (رويترز)
TT

قردة مدغشقر تُجيد «السوبرانو» وتُسمِع أغنياتها عبر الغابات

في مدغشقر... للأوبرا مقاعد بين الأغصان (رويترز)
في مدغشقر... للأوبرا مقاعد بين الأغصان (رويترز)

حين يفتح مغنّي الأوبرا فمه عن آخره لبلوغ نغمة عالية، يُحدث تغييراً خفياً في شكل فمه وحنجرته ليصل صوته إلى مدى أبعد. وتكشف بحوث حديثة عن أنّ أحد أكثر حيوانات مدغشقر غرابةً، وهو قرد الليمور المُغرّد، قد يفعل شيئاً مماثلاً في أعالي أشجار الغابات المطيرة.

في الغابات الداكنة شمال شرقي مدغشقر، حيث تحجب الأشجار الكثيفة التواصل البصري لمسافة تتجاوز بضعة أمتار، تعتمد قرود الليمور المعروفة باسم «الإندري» على أغنياتها الشجية للتواصل. وخلص العلماء إلى أنّ هذه الرئيسيات تفتح أفواهها على نحو أوسع حين تُصدر نغمات أعلى طبقة، وهو نمط يتّسق مع تقنية صوتية تُعرف بـ«ضبط الفورمانت».

وقال الباحث فيليبو كاروغاتي، من جامعة تورينو الإيطالية، المؤلف الرئيسي للدراسة التي نقلتها «رويترز» عن دورية «بلوس كومبيوتيشنال بيولوجي»: «تخيّل شكل فمك وحنجرتك على هيئة أنبوب. حين تفتح فمك على نحو أوسع، يتغيّر شكل ذلك الأنبوب، وهذا بدوره يُغيّر التردّدات التي يتردّد صداها بصورة طبيعية، وهو أشبه بما يحدث حين تُطيل أنبوب آلة موسيقية هوائية أو تُقصّره، فتتغيّر النغمة الصادرة عنها».

ويُعزّز هذا التعديل، الذي تلجأ إليه قرود الإندري عند بلوغ نغمات عالية، قوة أصواتها ومداها، تماماً كما يفعل مغنّو الأوبرا المحترفون.

وتأمل الباحثة كيارا دي غريغوريو، من جامعة وارويك في إنجلترا، والمؤلفة المشاركة في الدراسة، أن يلفت البحث الأنظار إلى هذه القدرة الصوتية، وإلى الحيوان المهدّد بشدة بالانقراض. فقرد الليمور ليس موجوداً في البرّية إلا في مدغشقر، والإندري هو النوع الوحيد المعروف منه بقدرته على الغناء.

وقالت دي غريغوريو: «بينما قد نظنّ أننا البشر الوحيدون الذين يمتلكون أصوات سوبرانو قادرة على أداء أغنيات بهذا التعقيد، ثمة مغنٍّ استثنائي آخر في الغابة، يُغنّي ويتواصل ويحاول ببساطة البقاء على قيد الحياة».

مزيج بين العويل والصفير

وحلّل الباحثون 83 تسجيلاً مصوّراً لـ19 قرداً من الإندري في البرّية، في غابة «ماروميزاها» ومحميّة «ميتسينجو» بمدغشقر. وتتبّعوا ملامح الوجه إطاراً بإطار، وربطوها بالصوت المتزامن معها، لاختبار ما إذا كان اتساع فتحة الفم يتنبّأ بحدّة النغمة.

وقال كاروغاتي: «لقد فعل ذلك بدرجة كبيرة جداً».

وأوضح أنّ أغنيات الإندري «كثيراً ما تُوصف بأنها مزيج من العويل والصفير، بنغمات طويلة وعالية، تصعد وتهبط، وتبعث الرهبة في النفس، وتكاد تبدو حزينة للأذن البشرية، لكنها في الوقت عينه منظَّمة بدقة، وتُؤدّى في ثنائيات تتشابك فيها عبارات الذكر والأنثى، عوضاً عن أن تتداخل وتتزامن فحسب».

وتؤدي هذه الأغنيات دوراً جوهرياً في علاقة مجموعات الإندري العائلية بمحيطها، وتضطلع بأكثر من وظيفة اجتماعية.

وقال كاروغاتي: «تتمثّل وظيفتها الرئيسية في إعلان الوجود، وكأنها تقول: نحن هنا، عبر بيئة طبيعية لا تستطيع فيها غالباً رؤية جيرانك وسط الغابات الكثيفة. والمثير للاهتمام أنّ هذه الأغنيات المرتبطة بتحديد المجال تميل إلى الإطالة تحديداً حين تلمح المجموعة مجموعة أخرى مجاورة، وكأن الرؤية المباشرة تُعزّز الأغنية».