اختيار الناقد لأفضل أفلام العام

أفلام عربية وأجنبية في الميزان

«إلى أرض مجهولة» (إنسايد آوت فيلمز)
«إلى أرض مجهولة» (إنسايد آوت فيلمز)
TT

اختيار الناقد لأفضل أفلام العام

«إلى أرض مجهولة» (إنسايد آوت فيلمز)
«إلى أرض مجهولة» (إنسايد آوت فيلمز)

أعلنت أكاديمية العلوم والفنون السينمائية قبل يومين قائمتها القصيرة لترشيحات «أوسكار» أفضل فيلم روائي ناقلةً البهجة والأمل لبعض المخرجين والخيبة لبعضهم الآخر.

من المتفائلين خيراً، المخرج الفلسطيني رشيد مشهراوي الذي كان تقدّم بفيلمٍ من إنتاجه بعنوان «من المسافة صفر»، وهو مشروع توثيقي سينمائي يضم 22 فيلماً قصيراً من إخراج عددٍ كبير من المواهب الفلسطينية الجديدة، جمعها مشهراوي في فيلم طويل واحد يدور حول معاناة أهل غزّة خلال الأشهر الأولى من الاعتداءات الإسرائيلية على القطاع.

بعض الأفلام الأخرى في قائمة يوم الأربعاء الماضي، كانت متوقعة مثل: «أنا ما زلت هنا» (البرازيل)، و«الفتاة ذات الإبرة» (الدنمارك)، و«إيميليا بيريز» (فرنسا)، و«بذرة التين المقدّسة» (ألمانيا للمخرج الإيراني اللاجئ محمد رسولاف)، و«سانتوش» (بريطانيا).

«نوكس يغادر» (بروكستريت بيكتشرز)

من التقليدي أيضاً اختلاف قائمة «الأوسكار» ليس فقط عمّا يفضّله الجمهور عادة، (قائمة «توب تِن» للعام الحالي يتقدمها فيلم «Inside Out 2» الذي جمع ملياراً و689 مليوناً و641 ألف دولارٍ)، بل عن اختيار غالبية النقاد أيضاً. اختلافٌ يكبر ويصغر حسب اختيارات الفريقين (الأكاديمية والنقاد) للأفلام.

من الطبيعي أيضاً اختلاف قوائم النقاد فيما بينهم، ولو أن غالبية الأفلام المُنتقاة غرباً تتشابه في إجماعٍ لا يستثني الجانب الترفيهي. فمنذ سنوات بات معتاداً قراءة آيات الإعجاب بأفلام تَسُرّ الجمهور، على الرغم من تواضعها الفني. أما بالنسبة للنقاد العرب فيتوقف ذلك على قُدرة كلٍّ منهم على حضور ما يكفي من المهرجانات ليتمتع بالكم الكافي لتكوين قائمته.

قائمة هذا الناقد لأفضل الأفلام العربية وأفضل تلك الأجنبية التالية هي من بين 247 فيلماً روائياً وتسجيلياً/ وثائقياً طويلاً شاهدها ما بين مطلع السنة وحتى كتابة هذا الموضوع قبل أسبوعين من نهاية العام. وهي مبنيّةٌ على تقييمٍ فني في الدرجة الأولى وقبل أي عنصر آخر، منها الموضوع أو مصدر الإنتاج.

العنوان (أبجدياً) متبوعاً باسم المخرج والبلد، ومن ثَمّ نبذةٌ مختصرة عن سبب اختياره.

«صف ثانِ» (نَن فيلمز)

* أفضل الأفلام الناطقة بالعربية •

1- «إلى أرض مجهولة» | مهدي فليفل (بريطانيا، اليونان، السعودية)

مُهاجران عربيان في اليونان يعيشان وضعاً صعباً وحُلماً بهجرة أخرى لن يتحقق.

2- «أما بعد» | مها الحاج (فلسطين)

حياة زوجين فلسطينيين وديعة وجميلة إلى أن تكشف المخرجة عن مفاجأة أحاطتها بعناية.

3- «المرجة الزرقاء» | داوود ولاد سيّد (المغرب)

ينطلق من فكرة رائعة ويزداد إجادة عن صبي يعشق التّصوير، وهو أعمى في رحلة صوب مرجة يصوّرها ولا يراها.

4- «ثالث» | كريم قاسم (لبنان)

في قرية لبنانية نائية شخصيات تعيش حاضراً مشتّتاً يُهيمن عليه واقعُ العوز والعزلة.

5- «ثقوب» | عبد الله الضبعان (السعودية)

دراما عائلية تُتابع خلافاً بين شقيقين وتتميّز بمعالجةٍ فنية مختلفة تعبّر عن موهبة تَنشُد التميّز.

6- «سلمى» | جود سعيد (سوريا)

أفضل أفلام المخرج في السنوات الأخيرة. جميلٌ وواقعيٌ في تناوله حياةً قروية ناقدة للوضع المجتمعي.

7- «في حدا عايش؟»| عمر العماوي (فلسطين)

فيلم قصير مبهر عن أبٍ تحت الرّكام يُنادي ابنه المدفون بدوره. الجو مطبق والفيلم له دلالاته.

8- «مندوف» | كريم قاسم (لبنان)

فيلم آخر للمخرج نفسه يقصّ فيه حكاية أخرى عن شخصيات معزولة يُعايش متاعبها بدقّة وإيقاعِ حياةٍ واقعي.

«إنسايد آوت 2» (ديزني)

* أفضل 10 أفلام أجنبية •

1- All We Imagine as Light | باڤال كاباديا (بريطانيا)

مومباي كما لم نرَها من قبل على هذا النحو الشعري المتوّج بموضوعٍ مجتمعي لافتٍ تدفعه للصدارة عناية المخرجة بتقديم شخصياتها النسائية في بيئة من الأزمات والمصاعب.

2- The Brutalist | برادي كوربت (الولايات المتحدة/ بريطانيا)

قصّة نصف حقيقية لمهاجر يهودي حطّ في أميركا خلال الأربعينات، مسلحاً بأحلامِ تصميمٍ معماريٍ غير معهود رغم تباين الثقافات.

‫3- Conclave | إدوارد برغر (الولايات المتحدة)‬

دراما كاشفة لمجتمع الڤاتيكان إثر وفاةٍ غير متوقعة للبابا. تمثيل راف فاينس، وإخراج برغر، يضمنان نوعيةَ تشويق مختلفة.

4- Dune: Part Two | دنيس ڤيلنوڤ (الولايات المتحدة)

لدى هذا المخرج عينٌ على الجماليات البصرية حتى في المشاهد الموحشة. يكاد الفيلم أن يوازي سلسلة «Lord of the Rings»

5- The Great Yawn of History عليار راستي (إيران)

فيلمُ طريقٍ عن كنز مدفون يقوم به اثنان مُتناقضا الرؤية في كل شيء. في طيّات ذلك نقدٌ منفّذٌ بإجادة لوضع مجتمعي صعب.

6- Juror 2| كلينت إيستوود (الولايات المتحدة)

دراما محاكم من أستاذ السينما إيستوود (94 عاماً). عضو في هيئة محلّفين ارتكب الجريمة التي يُحاكم بريءٌ فيها. لغزي ومشوّق.

7- Limonov: The Ballad of Eddie| كيريل سيريبرينيكوف (إيطاليا، فرنسا، أسبانيا)

سيرة حياة الشاعر الروسي ليمونوف الذي عانى في بلاده، وأكثر في أميركا التي هاجر إليها بحثاً عن المجد.

8- Megalopolis | فرانسيس فورد كوبولا (الولايات المتحدة)

نافذة واسعة على ملحمة مستقبلية ممزوجة بأحلامٍ صعبة التحقيق تتمتع برؤية وفن كوبولا الذي لا يشيخ.

9- Second Line | حميد بن عمرة (الولايات المتحدة/ فرنسا/ سوريا)

فيلمٌ آخر ممتاز من المخرج بن عمرة الذي يمزج بمهارته المعهودة الفن والشعر والسياسة وجماليات الحياة بأسلوبه الفريد.

10- Story of Souleymane | بوريس لويكينو (فرنسا)

أحد أفضل الأفلام التي تحدّثت عن الهجرة. سليمان أفريقي يحاول الحصول على إقامة شرعية وسط بيئة صعبة.

«ليمونوف، أنشودة إدي» (وايلد سايد)

* أفلام الجوائز •

من معايير المهرجانات الثلاثة الأولى، التنافس على عرض أفلامٍ قد تتوجّه بعد ذلك لحفل «الأوسكار». السبب في ذلك هو أن الفيلم الذي سيصل الترشيحات الرسمية سيكون إعلاناً للمهرجان الذي عُرض الفيلم فيه عرضاً عالمياً أولاً، ما يدفع صانعي الأفلام لاختياره على أساس أنه السبيل الأفضل للوصول إلى «الأوسكار» و«الغولدن غلوبز» و«البافتا» بعد ذلك.

جوائز المهرجانات الرئيسة الثلاثة، وهي حسب تواريخها، «برلين» (فبراير/ شباط)، و«كان» (مايو/ أيار)، و«ڤينيسيا» (سبتمبر/ أيلول) توزّعت هذا العام على النحو التالي:

- «برلين»: «Dahomey» وهو فيلم تسجيليٌّ فرنسي للمخرجة السنغالية أصلاً ماتي ديوب.

- «كان»: «Anora» كوميديا عاطفية عن شاب روسي ينوي الزواج من أميركية لمصلحته. الفيلم إنتاج بريطاني/ أميركي.

- «ڤينيسيا»: «The Room Next Door» للإسباني بيدرو ألمودوڤار. دراما عن امرأتين إحداهما مصابة بالسرطان والثانية صديقة كاتبة ترضى بأن تكون إلى جانبها في أيامها الأخيرة.

في غير مكان (ولا يمكن تعداد نتائج أكثر من 3 آلاف مهرجانٍ يستحق التّسمية) منحت المهرجانات العربية الرئيسة جوائزها على النحو التالي:

- «مهرجان البحر الأحمر»: «الذراري الحمر» للطفي عاشور (تونس)، نال ذهبية الفيلم الروائي، في حين نال «فقس» لرضا كاظمي وبانتا مصلح ذهبية الفيلم التسجيلي.

- «مهرجان الجونة»: «Ghost Trail» لجوناثان ميليه، نال ذهبية الفيلم الروائي، وذهبت الجائزة الأولى في نطاق الفيلم التسجيلي إلى «نحن في الداخل» فيلم لبناني/ قطري/ دنماركي من إخراج فرح قاسم.

- «مهرجان القاهرة»: حصد الفيلم المصري «أبو زعبل» لبسام مرتضى ونال الفيلم الروماني «The Year Never Came» لبوغدان موريشانو جائزة موازية في مسابقة الفيلم الروائي.

- «مهرجان مراكش»: نال الفيلم الفلسطيني/ الإسرائيلي «Happy Holidays» لإسكندر قبطي الجائزة الأولى في دورة المهرجان الـ21.

«المحلّف 2» (وورنر)

* الأفضل حسب النوع •

كعادتها، شهدت الإنتاجات السينمائية مئات الأفلام، عددٌ منها توزّع بين أنواع مختلفة. التالي جردة حول بعض الأفضل تبعاً لأنواعها الحكائية أو الإنتاجية.

تاريخي:

Bonzo | مارغريتا كوردوسو (البرتغال):

طبيبٌ في جزيرة أفريقية يبحث في معاناة العبيد التي تدفعهم للانتحار. إضافة إلى ذلك، هناك بحثه عن هويّته الخاصة.

تسجيلي:

Riefenstahl | أندرس ڤييَل (ألمانيا)

عن المخرجة الألمانية ليني ريفنستال التي حقّقت أهم فيلمين تسجيليين عن النشاطات النازية في الثلاثينات.

بوليسي:

Knos Goes Away | مايكل كيتون (الولايات المتحدة)

قاتلٌ محترف يبدأ بفقدان ذاكرته لكن عليه إنقاذ مستقبل صبي كان من المفترض قتله قبل فوات الأوان

دراما عاطفية:

Rude to Love | يوكيهيرو موريغاكي (اليابان)

مواقف آسرة عن حياة امرأة تحاول عبثاً الحفاظ على عائلتها عندما يقرّر زوجها طلاقها.

دراما مجتمعية:

I‪’‬m Still Here| وولتر سايلس (البرازيل)

وضع زوجة اعتقل الأمن البرازيلي في السبعينات زوجها وقتله. يتناول الفيلم مراحلَ ما قبل الاعتقال وخلاله وبعده.

حربي:

Civil War | أليكس غارلاند

خلال حرب أهلية أميركية يحاول فريق إعلامي مقابلة الرئيس الأميركي قبل اجتياح القصر الرئاسي.

رسوم:

Flow | غينتس زيلبالوديس (لاتفيا. بلجيكا)

قطٌ هاربٌ يلجأ إلى قارب محمّلٍ بحيوانات أخرى خلال فيضان جامح. جيدٌ في تحريكه وألوانه، وسَلسٌ في إيقاعه، وحيواناته ليست من صنع «ديزني».

رعب: A Quiet Place‪:‬ Day One | مايكل سارنوسكي (الولايات المتحدة)

يتبع سلسلة «مكان هادئ» مع اختلاف أن إطار الخطر يتّسع ليشمل المدينة. بطلة الفيلم وقطّتها اثنان من الباحثين عن طَوقِ نجاة صعب.

سيرة حياة

Maria | بابلو لاراين (إيطاليا)

حياة المغنية ماريا كالاس كما يراها المخرج التشيلي بفنِّها ومتاعبها في الأيام العشرة الأخيرة من حياتها.

ميوزيكال:

Joker‪:‬ Folie à Deux| تود فيليبس (الولايات المتحدة)

مفاجأة الجزء الثاني هو أنه موسيقي. مشاهدٌ بديعة لجوكر ولليدي غاغا يغنيان في السجن وخارجه.

وسترن:

Horizon‪:‬ An American Saga‪-‬ Chapter Two

بصرف النظر عن إخفاق الفيلم تجارياً، الجزء الثاني أفضل من الأول في سبرِ غور الحياة في الغرب الأميركي البعيد.

«كل ما نتخيله ضوءاً» (لوكسبوكس)

* أنجح أفلام 2024 •

الجمهور السائد، وليس جمهور المهرجانات ولجان تحكيمها أو حتى النقاد، هو الذي يوجّه السينما ويدفع بالإنتاجات العالمية لاتّباع منهج التفكير الاقتصادي الصرف.

حالتان تقعان تبعاً لذلك، الأولى أن المنهج المادي يعني الإكثار من إنتاج الأفلام نفسها بعناوين مختلفة أو عبر أجزاء من سلسلة. يكفي نجاح فيلم واحد إلى حدٍ كبير، أو أعلى من المتوسط حتى يُنسخ أو يُطلِق سلسلةً متواصلة حتى الرّمق الأخير منها.

الحالة الثانية هي حالة الحصار الإنتاجي والتوزيعي التي يفرضها هذا الوضع على السينما المستقلة أو سينما المؤلف. التّوجه الطبيعي لهذه الأفلام هي المهرجانات السينمائية، بيد أن جمهور هذه المهرجانات محدودٌ ولا يصل إلى جيوب المنتجين، كما أن نجاح الفيلم إعلامياً في مهرجان ما، قد يُفيد انتقاله إلى المواقع بكثرة، وإلى مهرجانات أخرى وربما حتى إلى جوائز، لكنه لا يضمن له النجاح التجاري.

رغم هذا كانت هناك نجاحات تجارية في الدول الأوروبية ولو محدودة في نهاية الأمر.

الأفلام العشرة الأولى لعام 2024 حسب نجاحاتها الدولية (أي في شتّى الأسواق العالمية التي وصلتها) تؤكد ما سبق. كلّها معتدلة القيمة فنياً، باستثناء «Dune 2» الذي احتل المركز الخامس بإيراد دولي وصل إلى 714 مليوناً و444 ألفاً و358 دولاراً.

أما الفيلم الأول على القائمة فهو رسوم من ديزني عنوانه «Inside Out 2» جلب إيراداً عملاقاً جعله أكبر نجاحٍ للشركة في مجال أفلام الأنيميشن. الرقم النهائي لإيراداته هو مليار و698 مليوناً و641 ألفاً و117 دولاراً.

الفيلم الثاني هو أيضاً من إنتاج «ديزني» لكنه حيّ (ليس رسوماً)، «deadpool and wolverine» في حقيقته من أسوأ ما ظهر في 2024 من أفلام. وقد جلب ملياراً و338 مليوناً و073 ألفاً و645 دولاراً.

في المركز الثالث، فيلم رسومٍ آخرَ هو الجزء الرابع من «Despcable Me»، وهو من إنتاج يونيڤيرسال. لم يبلغ المليار لكنه اقترب منه: 969،459،798 دولاراً.

يتبعه في المركز الرابع «Moana 2» وهو بدوره رسوماً لديزني، أنجز نحو 700 مليونَ دولارٍ إلى الآن ولا يزال معروضاً بنجاح ما قد يرفعه إلى مركز أعلى.


مقالات ذات صلة

نجومية لا تنقذ الأفلام... لماذا أدار الجمهور ظهره لبراد بِت وتوم كروز؟

سينما مايكي ماديسون وجيريمي ألن وايت في «سوشال ريكونينغ» (ألكون إنترتينمنت)

نجومية لا تنقذ الأفلام... لماذا أدار الجمهور ظهره لبراد بِت وتوم كروز؟

شهد الأسبوعان الماضيان سقوط 3 أفلام بنسب متفاوتة. هذا لا يحدث للمرّة الأولى، لكن اللافت أنّ اثنين منها بقيادة ممثلين من رتبة نجوم. الفيلم الثالث لا يحمل نجوماً،

محمد رُضا (لندن)
سينما «القصص»: مشهد من الفيلم (سينينوفو)

شاشة الناقد: ملحمتان من مصر واليابان ترصدان تحوّلات المجتمع والسياسة

هناك كثير ممّا يمكن الحديث عنه في هذا الفيلم الخامس لمخرجه، وهذا كثير يفصح عن عمل ذي طروحات عدّة، تمتزج فيه حسنات كثيرة وبعض السلبيات.

محمد رُضا
يوميات الشرق اعتمد الفيلم على فكرة من دون سيناريو متكامل (الشركة المنتجة)

ركان ميّاسي: حكاية جدتي قادتني إلى «البارح العين ما نامت»

قال المخرج الفلسطيني ركان ميّاسي إن فيلمه الطويل الأول «البارح العين ما نامت» انطلق من حكاية جدته، التي تزوجت في الرابعة عشرة من عمرها.

أحمد عدلي (الجونة (مصر))
يوميات الشرق حلمي يراهن مجدداً على العودة للمسار الصحيح (الشركة المنتجة)

أحمد حلمي يُعَول على «حدوتة» للعودة إلى «المسار الصحيح»

بعد 4 سنوات من الغياب يعود الفنان المصري أحمد حلمي إلى السينما مجدداً عبر أحدث أفلامه «حدوتة».

انتصار دردير (القاهرة )
الولايات المتحدة​ صورة مركبة للجندي الأميركي جون بينيت (يميناً) والمجند الأميركي إيدي دونالد سلوفيك (يساراً)

تاريخ الإعدام العسكري في أميركا... من سلوفيك وبينيت إلى الرائد نضال حسن

من رصاص سلوفيك ومشنقة بينيت إلى زنزانة نضال حسن، تسلسل تاريخي لقرارات الإعدام العسكري السيادية التي وقعها رؤساء أميركا.

كوثر وكيل (لندن)

نجومية لا تنقذ الأفلام... لماذا أدار الجمهور ظهره لبراد بِت وتوم كروز؟

مايكي ماديسون وجيريمي ألن وايت في «سوشال ريكونينغ» (ألكون إنترتينمنت)
مايكي ماديسون وجيريمي ألن وايت في «سوشال ريكونينغ» (ألكون إنترتينمنت)
TT

نجومية لا تنقذ الأفلام... لماذا أدار الجمهور ظهره لبراد بِت وتوم كروز؟

مايكي ماديسون وجيريمي ألن وايت في «سوشال ريكونينغ» (ألكون إنترتينمنت)
مايكي ماديسون وجيريمي ألن وايت في «سوشال ريكونينغ» (ألكون إنترتينمنت)

شهد الأسبوعان الماضيان سقوط 3 أفلام بنسب متفاوتة. هذا لا يحدث للمرّة الأولى، لكن اللافت أنّ اثنين منها بقيادة ممثلين من رتبة نجوم. الفيلم الثالث لا يحمل نجوماً، وإنما يحارب بسيف مضمونه.

في البداية، تقدّم إلى حقل الألغام فيلم «قلب الوحش» من بطولة براد بِت وإخراج ديفيد آير. استند هذا الفيلم إلى حكاية عاطفية إنسانية تربط بين كلب وصاحبه. كلّ منهما يحتاج إلى الآخر لينقذه من مخاطر المنطقة الموحشة التي وجدا نفسيهما فيها. تكلَّف الفيلم 82 مليون دولار، وحقَّق نحو 134 مليون دولار عالمياً، علماً بأن الإيرادات الإجمالية لا تمثّل أرباحاً صافية بعد اقتطاع حصة دور العرض وتكاليف التسويق.

الثاني هو فيلم «ديغر» الذي يحمل اسمين مهمّين؛ أحدهما تجاري هو توم كروز، والآخر فنّي هو المخرج أليخاندرو غونزاليز إيناريتو. بلغت ميزانيته الإنتاجية، وفق تقديرات منشورة، ما بين 160 و180 مليون دولار، وحقَّق نحو 35 مليون دولار عالمياً خلال أيامه العشرة الأولى.

توم كروز في «ديغر» (وورنر برذرز)

الفيلم الثالث، «سوشال ريكونينغ»، انطلق هذا الأسبوع بميزانية محدودة لا تتجاوز 30 مليون دولار، وحقَّق افتتاحاً متواضعاً بلغ 5.5 مليون دولار في أميركا الشمالية. هو الوحيد بين الثلاثة الذي لا يحمل أسماء ممهورة بالشهرة التجارية نفسها. مخرجه آرون سوركين معروف لمتابعي الأفلام وهُواتها، وبطلاه جيريمي ألن وايت ومايكي ماديسون معروفان خصوصاً لدى متابعي السينما. على ذلك، فإن سقوطه في «شباك التذاكر» له أهمية تتساوى مع أهمية الفيلمين الآخرين.

إقبال وعزوف

«قلب الوحش» يحمل مواصفات تجارية أكثر ممّا يحمل عناصر فنية. هو فيلم مغامرات تقع أحداثه في مناطق غير مأهولة في ولاية ألاسكا، بطلها ضابط من القوات الخاصة نجا من تحطّم طائرته. معه في الطائرة كلبه الوفي. كلاهما يتعرَّض على الأرض لمآزق تكاد تودي بحياته. بطل الفيلم (براد بِت) ينقذ الكلب أحياناً، والكلب ينقذه أحياناً أخرى.

حبكة جيّدة، بصرف النظر عن أنّ الحكاية تعرض خيطاً من الوقائع المتوقعة، وأداء بِت يبقي الفيلم دون مستوى الإثارة رغم نجاح مَشاهد الخطر. إلى ذلك، لا معنى وراء مشهد نرى فيه دباً ضخماً يُغيّر رأيه بعد تحديق طويل في الطيّار ويتركه وشأنه (ربما تذكّر الدب أن السيناريو لا ينصّ على مهاجمة البطل). ثم تبرد أجواء الفيلم بكاملها مع مشهد النهاية، حيث أحدهما سيقضي والثاني سيعيش.

نقدياً، وُوجه الفيلم بنسبة عالية من غير المعجبين، لكن سقوطه يبقى غريباً، كون الجمهور السائد لا يقرأ النقد، وإذا فعل فلا يمتثل له. إلى ذلك، فإن وجود براد بِت في الواجهة كان يُفترض أن يسهم في تحقيق إيراد أعلى.

بالنسبة إلى فيلم «ديغر»، فإن المشكلة أكبر حجماً. هذا فيلم رسالة سياسية على غرار «معركة تلو أخرى» قبل عام، أو «أوبنهايمر» قبل 3 أعوام. لماذا نجح هذان الفيلمان وسقط هذا الفيلم تحديداً؟

فيلم بول توماس أندرسن «معركة تلو أخرى» هو فيلم أكشن. تكلّف نحو 140 مليون دولار، وحقَّق نحو 213 مليون دولار. لا تكفي هذه الأرقام وحدها للجزم بأرباحه أو خسائره، لكنه حقّق إيرادات تفوق ميزانيته الإنتاجية.

أما «أوبنهايمر» لكريستوفر نولان، فإنّ تكلفته بلغت نحو 100 مليون دولار، لكنه وثب عالياً، محقّقاً نحو مليار دولار (975 مليوناً و811 ألفاً و333 دولاراً وفق بيانات «IMDb»). هذا ما دفع الشركة المنتجة «يونيفرسال» إلى رصد ميزانية ضخمة لفيلم نولان التالي «الأوديسة»، الذي حقّق إيرادات تجاوزت 1.7 مليار دولار عالمياً. الفيلم ليس جماهيرياً بالمعنى التقليدي، لكنه يحمل عناصر تجارية وفكرية متوازية.

«ديغر» موضوع جاد أيضاً حول تهديد البيئة ومسؤولية ذلك الملياردير «ديغر» (توم كروز) عن تعريض البيئة والعالم للخطر. هذه الرسالة لم تُثر الجمهور مطلقاً، ولم يرغب في مشاهدة توم كروز بكرش، ولو صغير، وشعر خفيف، رغم أنّ تمثيله يستحق «الأوسكار» المقبل، وربما سيكسبه.

براد بِت في «قلب الوحش» (باراماونت)

رسالة لا تصل

إيضاحاً، يُضاف إلى الكلفة الإنتاجية المعلنة لفيلم «ديغر» (160 مليون دولار وفق أحد التقديرات) نحو 100 مليون دولار للدعاية والإعلام، ممّا يرفع مجموع الكلفة المقدّرة إلى 260 مليون دولار، لا قيمة الخسارة الصافية. هذا شأن كل فيلم آخر، وهو ما يوضح لماذا أخفق «قلب الوحش» تجارياً.

يلتقي «سوشال ريكونينغ» لآرون سوركين مع «ديغر» في أن كليهما فيلم رسالة. الأول يكشف عن سلطة «فيسبوك» ورئيسها مارك زوكربيرغ، في أحداث تشمل فضح التأثيرات السلبية للمنصة وطغيان الثروة، والثاني يهاجم جنوح رأس المال نحو نهب الثروات وضمّها إلى حسابه الخاص.

كلاهما فيلم برسالة متشابهة في موقفه ضد سطوة تقنيات القرن الحالي. يجمعهما كذلك مصير واحد: كلاهما حاول إيضاح الحقيقة عارية أمام المشاهد، لكن هذا كان قد قرّر منذ مدّة بعيدة أنه لا يكترث لما قد يقع للبيئة، ولا لمَن يؤثّر باسم التقنيات العصرية.

إنه موقف لم يتوقّعه أيّ من المخرجين إيناريتو وسوركين (ولا شركتا الإنتاج «وورنر برذرز» و«سوني بيكتشرز»). إيناريتو استند إلى نجاحاته السابقة، والآخر استند إلى نجاح فيلم كان سوركين قد كتبه ونال عنه «أوسكار» أفضل سيناريو مقتبس، هو «سوشال نتوورك»، الذي أخرجه قبل 16 سنة ديفيد فينشر. ليس أن سوركين أقل موهبة من فينشر فقط، بل وصل متأخّراً نحو هدفه.


شاشة الناقد: ملحمتان من مصر واليابان ترصدان تحوّلات المجتمع والسياسة

«القصص»: مشهد من الفيلم (سينينوفو)
«القصص»: مشهد من الفيلم (سينينوفو)
TT

شاشة الناقد: ملحمتان من مصر واليابان ترصدان تحوّلات المجتمع والسياسة

«القصص»: مشهد من الفيلم (سينينوفو)
«القصص»: مشهد من الفيلم (سينينوفو)

القصص

(جيد)

• إخراج: أبو بكر شوقي

• مصر، فرنسا (2026) | ملحمة عن عائلة ووطن

هناك كثير ممّا يمكن الحديث عنه في هذا الفيلم الخامس لمخرجه، وهذا كثير يفصح عن عمل ذي طروحات عدّة، تمتزج فيه حسنات كثيرة وبعض السلبيات.

إنه ميلودراما عن عائلة محورها «أحمد» (أمير المصري جيّد في كلّ مشاهده). لديه شقيقان، هما «شرف»، خالد مختار، و«حسن»، أحمد الأزعر. هذا الأخير يُجنَّد في الجيش قبيل حرب 1973 ويستشهد فيها، ممّا يترك تأثيراً نفسياً كبيراً في «أحمد»، فيترك فيينا، حيث كان قد حصل على منحة لدراسة الموسيقى، ويعود إلى القاهرة. عائلة «أحمد» كبيرة، وهي منصرفة إلى متابعة مباريات كرة القدم وما يدور من أوضاع في مصر قبيل هزيمة 1967 وبعدها، مروراً بحرب 1973، وصولاً إلى عام 1984. يمرّ الفيلم بذلك على مراحل جمال عبد الناصر، ثم أنور السادات وحسني مبارك، مبيّناً ما كان يعيشه الشارع بوصفه محيطاً عاماً، والعائلة بوصفها مثالاً.

كان «أحمد» قد التقى في فيينا صديقة المراسلة «إليزابيث»، ڤاليري باشنر، التي تأتي إلى القاهرة ويتزوّجان. لاحقاً، نراهما يُرزقان بولد. عند ذلك، تنتهي الصورة المرسومة والمزدحمة بمعالم الألم، ومن دون حنين. هذا ليس فيلم نوستالجيا، لأن لا شيء يدعو إلى الحبور في مراحل يبدو فيها الوطن موزّع الاتجاهات، ومواطنوه يدفعون الثمن في كلّ مرحلة. الدمج بين النموذج الشخصي المتوافر عبر «أحمد» وعائلته، وبين الشارع والأجواء السياسية وانعكاساتها، ناجح.

ما هو أقل نجاحاً أن المخرج نقل التعبير من فرد إلى آخر على نحو متكرّر. لم يعد الفيلم عن رؤية «أحمد» وحده، وإنما عن رؤى الأب والأم وباقي أفراد العائلة، يستدرجها المخرج لعكس آراء وحالات. أيضاً، هناك مَشاهد متكرّرة في مفادها. أحدها أن اشتغال المخرج على عبارة «السمكة بلا أجنحة والطير لا يسبح في الماء» تكرّر، مرّة مع شخصية يهودية التقاها «أحمد» في فيينا، ومرّة أخرى (بعد دقائق يسيرة) في مشهد من «Fiddler on the Roof» بطولة توبول. أيضاً، هناك رغبة لدى المخرج في خلق «ترند» شعبي لحكايته. بهذا، تتحوّل الدراما إلى ميلودراما، مع ما يلزمها من جدّية هنا وكوميديا هناك، وحتى مشهد احتفال راقص.

إلى كلّ ذلك، يعمد المخرج في عدد من المَشاهد الداخلية (منزل العائلة وخارجها) إلى التذكير بأنّ للكاميرا دوراً. نراها تنتقل من وجه إلى آخر بحركة أفقية سريعة، عوض اعتماد تأسيس المشاهد بأسلوب رصين يناسب جدّية الموضوع.

«أطفال غير معروفين»: آمي كوياي في مشهد من الفيلم (بنكر هِل)

CHILDREN UNKNOWN

(ممتاز)

• إخراج: ميوا نيشيكاوا

• اليابان (2026) | دراما | عروض «مهرجان تورنتو»

بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية وإلقاء القنبلتين النوويتين على هيروشيما وناغازاكي، أفاقت اليابان على مشكلات جيل من الأطفال فقدوا ذويهم في هاتين المدينتين، أو وجدوا أنفسهم ضحايا البطالة والظروف الاجتماعية في بلد يحاول الوقوف على قدميه من جديد.

بطلة الفيلم فتاة تُدعى «كوتوكو»، آمي كوياي، في الـ12 من عمرها، وابنة عائلة شجّعتها على عزف البيانو، لكنها الآن مشرَّدة ومعرّضة لخطر الاعتداءات والجوع. نتيجة ذلك، تقصّ شعرها وتتنكّر في زيِّ صبي، ممّا يتيح لها الانضمام إلى صبيان يعيشون في مثل حالتها، وتحت وطأة الظروف القاسية نفسها. عصابة من «الياكوزا» تؤويهم وتدرّبهم على النشل والسرقة. هذا هو نصف الحبكة وجزء بسيط من الحكاية (لضيق المجال). النصف الآخر يتناول مدرّسة الموسيقى «فوميكو»، (فومي نيكايدو)، التي تبحث عن «كوتوكو». تكنّ «فوميكو» للفتاة تقديراً إنسانياً وفنياً كبيراً، وتريد إنقاذها ودفعها إلى العودة للعزف. والفيلم ينتقل من الحبكة الأولى (التي تستغرق معظم الوقت) إلى الحبكة الثانية بسلاسة ومن دون افتعال.

إلى جانب ما توفّره المخرجة نيشيكاوا من إدارة للأحداث بحرفية تنفيذية مثيرة للإعجاب، هناك قدرتها على أن تبقى دائماً فوق الحكاية التي تسردها، قريبة من شخصياتها وذات رؤية شاملة في الوقت ذاته. يخلق ذلك عملاً مثيراً جداً للإعجاب على أكثر من مستوى؛ أوّلها إنساني يتعلّق بالوضع الذي تعيشه «كوتوكو»، والذي يهدّدها باستمرار، وثانيها القالب التاريخي الذي تدور الحكاية في أرجائه. كلّه ضمن نسيج فنّي لا يخلو من الرموز والمجازات، من دون التخلّي عن وضوح رؤيته وموضوعه. فيلم آسر لا يجب تفويته.


«ديغر» صرخة ضد العبث بالبيئة يطلقها إيناريتو وكروز

 المخرج إيناريتو وراء ممثليه  (وورنر برذرز)
المخرج إيناريتو وراء ممثليه (وورنر برذرز)
TT

«ديغر» صرخة ضد العبث بالبيئة يطلقها إيناريتو وكروز

 المخرج إيناريتو وراء ممثليه  (وورنر برذرز)
المخرج إيناريتو وراء ممثليه (وورنر برذرز)

أول ما يسترعي الاهتمام حتى من قبل أن يبدأ فيلم «ديغر» في استعراض خطابه السياسي، ذلك القدر الكبير من الخيال الكامن في كتابته ثم ما يوازي ذلك الخيال حجماً من تنفيذ فني وإنتاجي. وهو في هذا يشترك مع عدد من أبرز أفلام السنوات الأخيرة، مثل «ميغالوبوليس» لفرنسيس فورد كوبولا و«فرانكنشتاين» لغييرمو دل تورو و«معركة بعد أخرى» لبول توماس أندرسن و«الأوديسا» لكريستوفر نولان.

إنها هذه الأفلام ومثيلاتها التي توعز بأن هوليوود لا تكتفي بتحقيق أفلام سهلة القبول لدى الجمهور السائد، بل، وبفضل مخرجين لهم الكلمة الأخيرة، تدفع باتجاه سينما ذات فن وكلمة.

توم كروز وريز أحمد في «ديغر» (وورنر برذرز)

جبل من الجليد

يلتقي فيلم «ديغر» لأليخاندرو غونزاليس إيناريتو مع «ميغالوبوليس» لفرنسيس فورد كوبولا في تصوّره عالماً غارقاً في اللهو والانشغال بذاته، إلى حد إهمال الأسئلة الجوهرية المتعلقة بسبب وجوده ومسار مستقبله.

لكن «ديغر» لا يتحدّث عن مستقبل بعيد، بل يضع ذلك المستقبل في قلب الحاضر، وكأنه واقع قائم بالفعل. بطله ديغر روكويل (توم كروز) أحد أكبر أصحاب القرار والنفوذ في العالم. ورث إمبراطورية النفط والغاز عن آبائه وأجداده، ثم وسّعها واستثمرها حتى بات يمتلك من السلطة والتأثير ما يجعل رئيس الولايات المتحدة (جون غودمان) يعقد اجتماعاته مع الوزراء والمستشارين في منزل ديغر، لا في البيت الأبيض.

يطير الرئيس إلى مقر ديغر ليبحث مستقبل الأرض بعدما تسبب الاحتباس الحراري في انفصال كتلة جليدية من القطب الشمالي، أخذت في الانجراف باتجاه أوروبا مهددة أجزاء واسعة منها. خلال اللقاء يتبادل الرجلان الاتهامات: الرئيس غاضب ولا يعرف كيف يتصرّف، وديغر يذكّره بأنه هو من وافق سابقاً على مشاريعه الاستثمارية. في هذه الأثناء كانت موجات التسوماني التي أحدثها انهيار جبل الجليد ابتلعت غرينلاند وهولندا وتواصلت في مسارها المدمر صوب ولاية ألاسكا وما بعدها.

يرسم إيناريتو صورة ساخرة وحقيقية محذّراً مما يفترض وقوعه إذا ما استمر العبث بالبيئة. إنه ليس افتراضاً بعيد الاحتمال، والسيناريو الذي كتبه المخرج بنفسه يروي حكاية مستندة إلى الواقع أكثر مما هي خيالية. الخيال والواقع هنا مدمجان بسهولة مثل ورقة ذات وجهين لا يمكن فصلهما.

ديغر أمام المجلس (وورنر برذرز)

معجزة في البال

يبدو ديغر، في مستهل الفيلم، شخصية لا تُطاق. لا يكترث بالآخرين ويكره آراءهم. معتد بنفسه ولا يقبل أن يقترح عليه أحد ما عليه فعله لأنه لا يطيق وجهة نظر مخالفة لما يراه.

عندما تقع الكارثة ويجتاح البحر أجزاء واسعة من أوروبا، يجد ديغر نفسه في مواجهة مجلس حاشد من الغاضبين المطالبين بمحاكمته. وكان مستشاره لشؤون البيئة، الدكتور غانش (ريز أحمد في أحد الأدوار الرئيسية)، قد واجهه منذ البداية بالحقيقة متهماً إياه بالمسؤولية المباشرة عما آلت إليه الأمور. غانش يدرك حجم الكارثة ولا يتردد في المجاهرة بها، حتى حين يرفض ديغر الاستماع إليه.

بعد معارضة يعترف ديغر أمام المجلس بمسؤوليته عن جزء مما حدث، لكنه يقلب الطاولة على الحاضرين، مذكّراً إياهم بأن الذنب ليس ذنبه وحده. فالقادة الذين منحوا التراخيص، ورجال الأعمال الذين سعوا وراء الأرباح، وحتى المستهلكون العاديون الذين طالبوا بالمزيد من الطاقة وما توفره من رفاهية وتقنيات حديثة، جميعهم شركاء في المسؤولية. وبذلك يحوّل إيناريتو الاتهام من فرد واحد إلى مجتمع بأسره، جعل من الاستهلاك المتزايد شرطاً للحياة المعاصرة، ثم فوجئ بالثمن البيئي الذي ترتب على ذلك.

يبدأ الفيلم بستارة مرسومة ترتفع كما لو أننا على وشك مشاهدة عرض مسرحي، وينتهي بتحويل العالم كله إلى خشبة مسرح. ففي المشهد الختامي، يقف الجمهور في الصالة مصفقاً لما شاهده من أحداث، أي للأحداث نفسها التي تابعناها نحن طوال الفيلم، وذلك بعد أن يلقي ديغر بنفسه في البحر.

وقبيل هذه النهاية، يقدّم الفيلم أحد أكثر مشاهده دلالة. فديغر، الذي بات يعيش على متن باخرة بعد الكارثة، يواجه مع مرافقيه أزمة نفاد الطعام. عندها يلجأ إلى الصلاة معتقداً أن معجزة ستنقذهم. يأمر الجميع بالركوع، ثم يقف ويرفع رأسه مبتسماً: لقد تحققت المعجزة وها هي الغرفة مليئة بالطعام. لكن هذا في خياله الجانح وحده. الباقون يدركون أن المعجزة لم تتحقق.

صوب الأوسكار

البداية بستارة مسرحية والنهاية المماثلة تعيداننا إلى فيلم إيناريتو «بيردمان‪:‬ الفضيلة غير المتوقعة للجهل» (Birdman or the Unexpected Virtue of Ignorance) الذي أخرجه سنة 2014 والذي دارت أحداثه داخل المسرح (ما عدا مشاهد قليلة). لكن هذا ليس اللقاء الوحيد بين الفيلمين. هناك أيضاً إدارة الكاميرا في مشاهد يتحرك فيها الممثل والكاميرا في ممرات ضيّقة بين الغرف. المصوّر في كلا الفيلمين واحد هو إيمانويل لوبيزكي.

ما هو مختلف هنا هو قيام المخرج بالاتفاق مع مدير التصوير باعتماد إضاءة باهتة خصوصاً في الساعة الأولى من الفيلم الممتد لنحو ساعتين وعشر دقائق. الضوء يفتقد الحدة والصفاء، إذ تغشاه مسحة باهتة تبدو جزءاً من رؤية الفيلم لعالم ديغر؛ عالم أقرب إلى حلم مضطرب أو كابوس مغبّش تذوب فيه الحدود بين الواقع والوهم. في مشاهد أخرى يميل الاختيار للون البنّي المشابه، حسب الفيلم، للعقلية التقليدية التي يتبناها ديغر والمسؤولين السياسيين والعسكريين.

لا يشبه أداء كروز في هذا الفيلم أي أداء سابق له. خطابه أمام المجلس يشبه خطاب ند بيتي في فيلم سيدني لومت «نتوورك» (1976) وروبرت دوڤال في «الحواريّ» (The Apostle) في 1997. يبدو كروز كما لو أنه أعاد اختراع نفسه وقد وصل إلى سن تسمح له بذلك.

السياسة في «ديغر» هي رداء يرتديه الفيلم بكامله. الرئيس الأميركي قُصد به أن يكون كاريكاتورياً، كذلك المحيطون به. مشكلته أنه آخر من يعلم في كل شيء. لا يستطيع أن يجد حلاً لشيء (ويعترف بذلك) لذا فإن القرار السهل هو لوم الصين وروسيا وشن حرب نووية عليهما، أي مواجهة كارثة بأخرى.

لكن الفيلم يقع في فخ صعب، إذ يطرح الأزمة بقوة ثم يعمد لتمييعها. كما في مشهد المحاكمة التي يخرج ديغر منها منتصراً بعدما وزع المسؤولية على الآخرين.

وفي النهاية يقرر إيناريتو إحالة كل ما سبق إلى عرض مسرحي داخل الفيلم. كان مارتن سكورسيزي خسر قضيّته في «قتلة فلاور مون» (2023) عندما حوّل الفيلم في نهايته إلى برنامج إذاعي. إيناريتو يكرر هذا النوع من النهايات الذي يكاد يُلغي المضامين السابقة ومفاداتها المهمّة.

لن يقف هذا المأخذ حائلاً دون نجاح الفيلم على صعيد الجوائز. فـ«ديغر» يمتلك كل المقومات التي تدفعه بقوة نحو موسم الأوسكار من ناحية الإخراج والتمثيل. إنه من تلك الأفلام التي تخاطب المزاج السائد في المرحلة الراهنة، حيث يتصاعد النقد الموجه إلى أصحاب القرار السياسي والاقتصادي، وإلى السياسات القصيرة النظر التي تهدد مستقبل العالم.