محمد عفيف... صوت «حزب الله» وحائك سياسته الإعلامية

من جيل المؤسسين للحزب

TT

محمد عفيف... صوت «حزب الله» وحائك سياسته الإعلامية

المسؤول الإعلامي في «حزب الله» محمد عفيف خلال مؤتمر صحافي بالضاحية الجنوبية لبيروت (أ.ف.ب)
المسؤول الإعلامي في «حزب الله» محمد عفيف خلال مؤتمر صحافي بالضاحية الجنوبية لبيروت (أ.ف.ب)

باغتيال مسؤول العلاقات الإعلامية في «حزب الله» محمد عفيف، في بيروت، الأحد، تكون إسرائيل انتقلت من اغتيال القادة والمسؤولين العسكريين في الحزب إلى المسؤولين والقياديين السياسيين والإعلاميين.

فعفيف، المعروف جداً في أوساط الإعلاميين اللبنانيين، كما السياسيين، والمتعارف على تسميته بـ«الحاج»، يتبوأ المركز الاستشاري الإعلامي الأول في «حزب الله» والعلاقات الإعلامية فيه منذ عام 2014.

نسج علاقات

وبخلاف من سبقوه في هذا الموقع، نجح في توسيع علاقاته بالإعلام، بحيث لم تعد محصورة بوسائل الإعلام المحسوبة على «حزب الله» والمقربة منه، فنسج علاقات مع وسائل إعلام وإعلاميين غير محسوبين على المحور الذي ينتمي إليه الحزب، باعتبار أنه بذلك يخلق مساحة أوسع لإيصال وجهة نظر الحزب لخصومه.

مقر حزب البعث في رأس النبع ببيروت حيث قُتل محمد عفيف بغارة إسرائيلية (الشرق الأوسط)

وكان عفيف مقرباً من الأمينين العامّين السابقين للحزب عباس الموسوي وحسن نصر الله، حتى يُعتقد أنه كان مستشاراً إعلامياً لنصر الله قبل مقتله.

ويُصنّف «الحاج» بأنه من «جيل المؤسسين» في الحزب، وبدأ عمله منذ انطلاقة المقاومة في عام 1983، وواكب كل مراحلها التاريخية والمفصلية منذ 40 عاماً ولغاية اليوم.

إدارة «المنار»

وتولى عفيف إدارة الأخبار والبرامج السياسية في قناة «المنار»، حيث كان له دور كبير في التغطية المباشرة والمستمرة طوال حرب يوليو (تموز) 2006. وهو لعب في الحرب الحالية دوراً أكبر خاصة بعد اغتيال شخصيات بارزة كانت تُطل على جمهور الحزب، فبات هو مؤخراً الناطق باسمه، وعقد أكثر من مؤتمر صحافي بُعيد اغتيال نصر الله، كان آخرها في مناسبة «يوم الشهيد» في الحزب في الحادي عشر من الشهر الجاري.

وُوصف «الحاج» في الأسابيع الماضية من قبل عدد من الإعلاميين بـ«الاستشهادي» نتيجة إصراره على عقد مؤتمرات صحافية في الضاحية الجنوبية لبيروت وفي الهواء الطلق، تحت «أعين» المسيّرات الإسرائيلية.

مقر حزب البعث في رأس النبع ببيروت حيث قُتل محمد عفيف بغارة إسرائيلية (الشرق الأوسط)

وعقد آخر مؤتمر في «مجمع سيد الشهداء» في الضاحية الذي هو شبه مدمر. وأكد خلاله أن «المقاومة ومخزونها الاستراتيجي بخير»، داعياً لعدم استعجال «النتائج السياسية».

«الصحّاف»

ودفعت مواقف عفيف الأخيرة بعض الإعلاميين لوصفه بـ«الصحّاف»؛ أي وزير الإعلام العراقي محمد سعيد الصحّاف، لاعتبارهم أنه يوهم الناس وجمهور الحزب بـ«بطولات وهمية»، وأن ما يقوله «يجافي الواقع».

مستشار نصر الله

ويقول الكاتب والباحث السياسي الدكتور قاسم قصير عن عفيف إنه «تولى المسؤوليات الإعلامية في الحزب منذ أكثر من ثلاثين سنة، وكان مستشاراً إعلامياً لنصر الله، وكان على علاقات إعلامية مع العديد من الصحافيين اللبنانيين والعرب، وهو طوّر العمل الإعلامي في الحزب، وتولى في مرحلة إدارة تلفزيون (المنار)». وقال في تصريح لـ«الشرق الأوسط»: «باغتياله نكون أمام تصعيد إسرائيلي كبير للضغط على الحكومة وعلى لبنان والمقاومة».


مقالات ذات صلة

الجيش الإسرائيلي يهاجم بنى تحتية لقوة نخبة «حزب الله» شرق لبنان

المشرق العربي صورة تظهر أضراراً ناجمة عن قصف إسرائيلي على قرية الخيام قرب الحدود مع إسرائيل... جنوب لبنان 19 فبراير 2026 (رويترز)

الجيش الإسرائيلي يهاجم بنى تحتية لقوة نخبة «حزب الله» شرق لبنان

أعلن الجيش الإسرائيلي، مساء الخميس، أنه هاجم بنى تحتية تابعة لوحدة قوة الرضوان - قوة النخبة التابعة لجماعة «حزب الله» - بمنطقة بعلبك في شرق لبنان.

«الشرق الأوسط» (بيروت)
المشرق العربي جندي إيطالي من قوات حفظ السلام التابعة للأمم المتحدة يقف حارساً على طريق يؤدي إلى قاعدة تابعة لقوة الأمم المتحدة المؤقتة بلبنان (أ.ب)

«يونيفيل» تعلن سحب معظم عناصرها من جنوب لبنان منتصف 2027

تعتزم قوة الأمم المتحدة المؤقتة العاملة في جنوب لبنان «يونيفيل» سحب معظم قواتها من لبنان بحلول منتصف عام 2027.

«الشرق الأوسط» (بيروت)
المشرق العربي جانب من جولة نواف سلام على جنوب لبنان (حساب رئاسة مجلس الوزراء على «إكس»)

سلام يجول على القرى الحدودية جنوب لبنان: نعمل على توفير شروط التعافي

أعلن رئيس الحكومة اللبنانية نواف سلام، اليوم (السبت)، عن العمل على إعادة إعمار البنى التحية واستمرار الإغاثة وتوفير شروط التعافي في جنوب لبنان.

«الشرق الأوسط» (بيروت)
المشرق العربي جنود يتبعون قوة «يونيفيل» يفحصون مبنى فجرته القوات الإسرائيلية في بلدة الخيام بجنوب لبنان (أ.ف.ب) p-circle

قتيل في غارة إسرائيلية على جنوب لبنان

قتل شخص في غارة إسرائيلية على جنوب لبنان، وفق ما أعلنت وزارة الصحة، في حين قال الجيش الإسرائيلي إنه استهدف عنصراً في «حزب الله».

«الشرق الأوسط» (بيروت)
المشرق العربي جنود من الجيش اللبناني يتفقدون موقع غارة جوية إسرائيلية استهدفت مبنى في قرية كفردونين بجنوب لبنان يوم 25 يناير 2026 (أ.ف.ب)

مقتل عنصرين من «حزب الله» بغارة جوية إسرائيلية في جنوب لبنان

أعلن الجيش الإسرائيلي، اليوم (الثلاثاء)، مقتل عنصرين من «حزب الله» كانا يحاولان إعادة تأهيل منشأة تحت الأرض تابعة للجماعة في جنوب لبنان.

«الشرق الأوسط» (تل أبيب)

تأكيد لبناني على أن «قرار الحرب والسلم بيد الدولة» ومؤشرات «إيجابية» من «حزب الله»

المجلس الأعلى للدفاع مجتمعاً برئاسة رئيس الجمهورية جوزيف عون (الرئاسة اللبنانية)
المجلس الأعلى للدفاع مجتمعاً برئاسة رئيس الجمهورية جوزيف عون (الرئاسة اللبنانية)
TT

تأكيد لبناني على أن «قرار الحرب والسلم بيد الدولة» ومؤشرات «إيجابية» من «حزب الله»

المجلس الأعلى للدفاع مجتمعاً برئاسة رئيس الجمهورية جوزيف عون (الرئاسة اللبنانية)
المجلس الأعلى للدفاع مجتمعاً برئاسة رئيس الجمهورية جوزيف عون (الرئاسة اللبنانية)

جدّد لبنان تأكيده أن «قرار الحرب والسلم هو حصراً بيد الدولة ومؤسساتها الدستورية»، فيما تنشط الاتصالات الداخلية والخارجية لحماية الاستقرار ومنع انزلاق البلاد إلى أي مواجهة، بحيث لا تزال المعطيات «إيجابية» لناحية عدم إقدام «حزب الله» على أي خطوة قد تنعكس سلباً على لبنان، حسب ما أكدت مصادر وزارية مقربة من الرئاسة لـ«الشرق الأوسط».

عون يؤكد الإجماع الوطني

وشكّل الموقف اللبناني محور الاجتماع الطارئ الذي عقده المجلس الأعلى للدفاع، الأحد، بدعوة من رئيس الجمهورية جوزيف عون في القصر الرئاسي، حيث جرى التأكيد على وحدة الموقف الداخلي في مواجهة التحديات، وعلى أولوية حماية الاستقرار الوطني وصون السلم الأهلي.

واستهل الرئيس عون الاجتماع بعرض للأوضاع الإقليمية في ضوء التطورات الخطيرة المستجدة، ولا سيما مقتل المرشد الأعلى للجمهورية الإسلامية في إيران علي خامنئي في غارة إسرائيلية، وتوجه بالتعزية إلى «البلدان التي طالتها هذه الأحداث»، مؤكداً التضامن مع الدول العربية الشقيقة، والشجب الكامل لاستهداف المدنيين والمنشآت المدنية.

وشدّد الرئيس اللبناني على أن ما يجري «يُظهر مجدداً الإجماع الوطني على أن قرار الحرب والسلم هو في عهدة الدولة اللبنانية وحدها، تمارسه حصراً عبر مؤسساتها الدستورية»، مذكّراً بأن هذا الموقف ورد بوضوح في خطاب القسم الرئاسي والبيان الوزاري للحكومة الحالية.

وأجرى الرئيس عون اتصالات مع عدد من قادة الدول العربية التي استهدفها القصف، معرباً عن استنكار لبنان، رئيساً وشعباً، للاعتداءات التي استهدفت سيادة دولهم واستقرارها وأمنها.

سلام: مصلحة اللبنانيين فوق كل اعتبار

من جهته، شدد رئيس الحكومة نواف سلام خلال اجتماع المجلس الأعلى للدفاع، الأحد، على «ضرورة وضع مصلحة اللبنانيين فوق أي اعتبار، وضبط الوضع الأمني والميداني جنوباً وشرقاً وعدم السماح بأي خلل»، مؤكداً أهمية ضبط الأسعار والكميات للسلع والمواد الغذائية والمحروقات، ومتابعة تنفيذ ما أُقرّ في الاجتماعات مع الوزارات والمؤسسات المعنية، ولا سيما لجنة إدارة الكوارث والهيئة العليا للإغاثة، مشيراً إلى أن الحكومة اتخذت جميع التدابير اللازمة تحسّباً لأي تطورات.

اتصالات داخلية وخارجية ومؤشرات «إيجابية» من «حزب الله»

بالتوازي، أكدت المصادر الوزارية أنّ الاتصالات مستمرة على خطين: داخلي وخارجي، لمواكبة التطورات ومنع أي انعكاسات أمنية. وأوضحت المصادر أنّ المشاورات الداخلية تشمل رئيس مجلس النواب نبيه بري، و«بشكل أو بآخر» «حزب الله»، فيما تتواصل الاتصالات الخارجية مع فرنسا والولايات المتحدة الأميركية، في ضوء الرسالة الأميركية التي تلقاها الرئيس عون من السفير الأميركي لدى لبنان ميشال عيسى، مؤكداً أن «الجانب الإسرائيلي ليس بصدد القيام بأي تصعيد ضد لبنان، طالما لا أعمال عدائية من الجهة اللبنانية».

وشددت المصادر على أنّ «التركيز ينصبّ على عدم حصول أي رد فعل من شأنه الإخلال بالاستقرار، والمحافظة على الأمن»، مشيرة إلى أنّ «المناخ العام لا يزال ضمن التوجّه الإيجابي من قِبَل (حزب الله) حتى الساعة لجهة عدم تدخله عسكرياً في الحرب».

وفيما يتصل بموقف «حزب الله»، لفتت المصادر إلى أنّ بيان الأمين العام للحزب، الشيخ نعيم قاسم، «لم يتضمّن أي إشارة إلى كيفية التصدي أو المواجهة العسكرية»، مرجحة أن «تبقى مواقف (حزب الله) في إطار البيانات أو التحركات المحدودة».

توصيات المجلس الأعلى للدفاع

وعلى المستوى التنفيذي، أصدر المجلس الأعلى للدفاع، في بيان له، سلسلة توصيات تتصل بالأوضاع الأمنية والعسكرية، فقرّر إبقاء جلساته مفتوحة لمواكبة المستجدات بصورة مستمرة، على أن تبقى مقرراته سرية وفقاً للقانون.

وأهاب المجلس باللبنانيين جميعاً، مسؤولين ومواطنين، التشبث بالتزامهم بحس المسؤولية الوطنية العليا، في هذه الظروف الدقيقة حفاظاً على الاستقرار العام، والأمن الوطني الشامل، عسكرياً ومعيشياً واجتماعياً.

‏وثمّن المجلس في هذا السياق، «روح الانضباط العام الذي ساد في البلاد، وأهمية خطاب العيش معاً، وهو ما يؤكد مجدداً إجماع اللبنانيين كافة على ثوابت ميثاقية باتت مسلمات نهائية، أهمها الولاء للبنان، واعتبار مصالح اللبنانيين العليا هي وحدها غايتنا ومرجعيتنا، وأن الدولة وحدها هي صاحبة قرار السلم والحرب».

كما كلّف وزارة الخارجية والمغتربين متابعة الاتصالات مع البعثات الدبلوماسية اللبنانية في الخارج للاطمئنان إلى أوضاع اللبنانيين المنتشرين في ظل التوترات.

وطلب المجلس من وزارة الأشغال العامة والنقل العمل على ضمان إبقاء الأجواء اللبنانية مفتوحة مع الحرص على سلامة المسافرين، وتأمين الرحلات الجوية ذهاباً وإياباً، ومتابعة التطورات بشكل دوري وإبلاغ المواطنين بكل جديد.

وفي الشأن المعيشي، طمأن المجلس اللبنانيين إلى توافر المواد الأساسية والإمكانات اللازمة لضمان أمنهم الحياتي، مؤكداً أن احتياجات المواطنين من غذاء ودواء وطاقة ونقل واتصالات مؤمّنة.

واختتم البيان بالتأكيد على أن لبنان سيواصل اتخاذ جميع التدابير اللازمة لضمان أمنه واستقراره في مواجهة التطورات الإقليمية والدولية المتسارعة، مع الإبقاء على التنسيق الدائم بين مختلف المؤسسات الأمنية والحكومية، في إطار تثبيت معادلة أن قرار الحرب والسلم يبقى حصراً بيد الدولة اللبنانية».


«فقدان جاذبية» في العراق ليلة مقتل خامنئي

قوات أمن عراقية تغلق الجسر المعلق المؤدي إلى المنطقة الخضراء (الشرق الأوسط)
قوات أمن عراقية تغلق الجسر المعلق المؤدي إلى المنطقة الخضراء (الشرق الأوسط)
TT

«فقدان جاذبية» في العراق ليلة مقتل خامنئي

قوات أمن عراقية تغلق الجسر المعلق المؤدي إلى المنطقة الخضراء (الشرق الأوسط)
قوات أمن عراقية تغلق الجسر المعلق المؤدي إلى المنطقة الخضراء (الشرق الأوسط)

كانت الأخبار عن مهاجمة طهران تتدفَّق إلى هواتف سياسيين وصحافيين عراقيين يحضرون ندوة مسائية في بغداد لعمَّار الحكيم، أحد قادة تحالف «الإطار التنسيقي».

الأسئلة عن مصير المرشد الإيراني علي خامنئي بالكاد تُسمع، بعد هجمات كانت الولايات المتحدة وإسرائيل تقاسمتا الأدوار فيها، في وقت مبكر نهار الأحد.

بحلول الساعة الخامسة بالتوقيت المحلي لمدينة بغداد كانت شخصيات شيعية في بغداد والنجف على علم كامل بأن خامنئي قد قُتل. بعضهم أحيط بصور لجثته، ومكان العثور عليها.

عمار الحكيم خلال ندوة سياسية في بغداد مساء 28 فبراير 2026 (موقع تيار الحكمة)

في الساعة العاشرة بالتوقيت المحلي، كان الحكيم يحاول الحفاظ على نبرة وصفها هو بـ«التفاؤل غير المفرط». لم يتجنب سؤالاً مباشراً من محاوره الصحافي عمر الشاهر عن حالة خامنئي: «هل استُهدف؟ هل هو على قيد الحياة؟ ما دقة تقارير تتحدث عن تصفيته؟».

كأنه لم يمت

لم تحمل كلمات الحكيم جواباً محدداً، قال إن خبراً بهذا الحجم «لا يمكن التستر عليه» وإن ما «سمعه من مسؤولين إيرانيين يفيد بأن المرشد بخير»، ثم أخذ النقاش سريعاً نحو مأزق ترشيح نوري المالكي لمنصب رئيس الحكومة. كأن مرشداً تاريخياً بالنسبة لكثيرين في العراق لم يمت من الأساس.

قوات أمن عراقية تغلق الجسر المعلق المؤدي إلى المنطقة الخضراء (الشرق الأوسط)

الحال، أن الجميع كان قد تأكَّد له الخبر. تقول مصادر مطلعة إن غالبية قادة الأحزاب الشيعية، وقبل وقت قصير من موعد الإفطار مساء الأحد، تلقت تأكيدات حاسمة بمقتل خامنئي. بعضهم «من شدة القلق أجرى اتصالات عديدة ليسأل عما يمكن أن يجري». ولم يكن للإيرانيين أدنى فكرة يمكن تمريرها لحلفائهم العراقيين.

النجف

في النجف، قالت المصادر إن المرجع الشيعي علي السيستاني كانت قد وصلت إلى مكتبه تأكيدات حاسمة أفادت بمقتل خامنئي، وبما يقوم به الإيرانيون من إجراءات من شأنها معالجة الصدمة قدر الإمكان. كما حصل زعيم التيار الصدري مقتدى الصدر على إحاطة خاصة عن محاولات العثور على جثة خامنئي في موقع الهجوم بطهران، ثم تأكَّد له الخبر.

لكن المصادر تحدثت في وقت لاحق، عن أن قادة في الإطار التنسيقي مثل عمار الحكيم ونوري المالكي وآخرين اطلعوا على صور لجثة المرشد الإيراني.

غيمة بغداد

بحلول الحادية عشرة مساءً، انفض مجلس عمار الحكيم. بدا أن العاصمة بغداد تحت غيمة ثقيلة. عند مقتربات المنطقة الخضراء كان العشرات من أنصار إيران يحتشدون عند مداخلها، لا سيما المؤدية إلى السفارة الأميركية، حاملين أعلام إيران وفصائل مسلحة. كانوا غاضبين يهتفون للثأر.

بعد ساعة انتشرت صورة «عاجل» من محطات فضائية نقلاً عن الرئيس الأميركي دونالد ترمب: «قُتل خامنئي». وسرت شائعات عن ساعة صفر لقصف السفارة الأميركية بعد الثانية عشرة، ولم يحدث ذلك.

المنطقة الخضراء

احتشد عناصر الأمن عند الجسور مع تجهيزات تكفي لفض مظاهرات وأكثر من ذلك. عند الصباح كان دخان القنابل المسيلة للدموع يغطي محيط المنطقة الخضراء، ووجوه الناس بين الحيرة والصدمة والقلق.

في التاسعة صباحاً يوم الاثنين، قاد متظاهر جرَّافة بسرعة نحو بوابة كبيرة محصَّنة بالفولاذ تغلق الجسر المعلق. فشلت المحاولة التي كانت تبدو أنها تستهدف اقتحام السفارة الأميركية.

قوات أمن عراقية تغلق الجسر المعلق المؤدي إلى المنطقة الخضراء (الشرق الأوسط)

أحبطت الجرَّافة حتى قبل وصولها إلى البوابة، وسط هتافات الثأر «الموت لأميركا». في المحيط الأبعد عن مقتربات المنطقة الخضراء كانت أحياء بغداد حائرة بين طقوس رمضان الاعتيادية، واستثنائية الخبر. يسأل كثيرون عما إذا تندرج المدينة على لائحة الأهداف السريعة، بل السريعة جداً. كثيرون لم يرسلوا أولادهم إلى مدارسهم. في الحقيقة، لم تكن منشآت التربية والتعليم مفتوحة يوم الاثنين.

الحداد الرسمي

لاحقاً، خلال النهار، أعلنت السلطات الحداد، ومحافظات عطلة رسمية.

بالنسبة لزعامات القوى الشيعية في بغداد، فإنهم نشأوا وكبروا وصاروا قادة وصناع قرار في ظلال عباءة المرشد. لا يمكن في اليوم الأول بعد مقتله وصف كيف يشعر كل واحد منهم، والأهم كيف يتخيل حياته السياسية المقبلة من دونه.

ما البديل؟

سمعت «الشرق الأوسط» من سياسي شيعي بارز كان مطلعاً على تقارير خاصة عن مصير المرشد منذ نهار الأحد، أن الأمر بالنسبة لهم يشبه «طائرة ركاب تحلق بسرعة عالية فوق السحاب، ثم يتحطم فجأة محركها (...) كيف نسقط؟ ما المحرك البديل؟ نحن الآن بعد خامنئي في حالة فقدان الجاذبية».

مع اقتراب موعد الإفطار يوم الاثنين، يزداد عدد المتظاهرين الغاضبين عند مداخل المنطقة الخضراء. والسفارة الأميركية «تحذر من الاقتراب». كأن الجسر فوق نهر دجلة فاصل أخير بين «منتقم» و«متربص».

خلال الساعات الماضية، كانت بغداد تزدحم بالأسئلة؛ هل يبقى الشيعة الموالون بلا مرشد؟ هل ننتظر إيران تداوي أكبر وأخطر جراحها؟ وإن عادت متعافية، هل تبقى تمد ظلال العباءات فوق رؤوس حلفائها؟ كل شيء في بغداد مفتوح على كل شيء، في لحظة مؤهلة للصدام والانفجار وربما فرصة غير منظورة الآن لمعادلة جديدة.


ردّاً على مقتل خامنئي: «حزب الله» يعبئ شعبياً ويتريّث ميدانياً

مناصرون لـ«حزب الله» يرفعون أعلامه في إحياء الذكرى السنوية الأولى لاغتيال أمينه العام السابق حسن نصر الله (أرشيفية - د.ب.أ)
مناصرون لـ«حزب الله» يرفعون أعلامه في إحياء الذكرى السنوية الأولى لاغتيال أمينه العام السابق حسن نصر الله (أرشيفية - د.ب.أ)
TT

ردّاً على مقتل خامنئي: «حزب الله» يعبئ شعبياً ويتريّث ميدانياً

مناصرون لـ«حزب الله» يرفعون أعلامه في إحياء الذكرى السنوية الأولى لاغتيال أمينه العام السابق حسن نصر الله (أرشيفية - د.ب.أ)
مناصرون لـ«حزب الله» يرفعون أعلامه في إحياء الذكرى السنوية الأولى لاغتيال أمينه العام السابق حسن نصر الله (أرشيفية - د.ب.أ)

أبقى «حزب الله» في لبنان على غموضه حيال الحرب الأميركية الإسرائيلية على إيران، واغتيال مرشدها الأعلى علي خامنئي. وعقب إعلان طهران عن مقتل خامنئي التزم الحزب الصمت تجاه أي تحرك قد يقوم به، واكتفى بالدعوة إلى تحرك شعبي في الضاحية الجنوبية لبيروت، عند الساعة الرابعة من عصر الأحد في باحة عاشوراء «وفاء لحامل راية المستضعفين». وخاطب جمهوره قائلاً: «اخرجوا إلى الساحات، ارفعوا الرايات والقبضات، اصرخوا بوجه أميركا وإسرائيل، لن نترك الساحات، لن تخمد الأصوات، لن تمحوا ذكرنا، لن تميتوا وحينا».

زياد نخالة رئيس حركة «الجهاد الإسلامي» الفلسطينية (الجالس يميناً) وإلى جانبه نعيم قاسم نائب أمين عام «حزب الله» اللبناني وعسكريون إيرانيون بارزون خلال تشييع قائد «حماس» الراحل إسماعيل هنية في طهران... أغسطس 2024 (رويترز)

أما الأمين العام لـ«حزب الله» الشيخ نعيم قاسم، فنعى خامنئي، معتبراً أن اغتياله يمثّل «قمة الإجرام»، ومؤكداً أن الحزب «سيواصل الطريق بعزم وثبات وروحية استشهادية، وسيقوم بواجبه في التصدي للعدوان». وشدّد على أن «التضحيات مهما بلغت لن تثني الحزب عن ميدان الشرف والمقاومة». وقال: «مهما بلغت التضحيات لن نترك ميدان الشرف والمقاومة ومواجهة الطاغوت الأميركي والإجرام الصهيوني للدفاع عن أرضنا وكرامتنا وخياراتنا المستقلة». غير أنّ بيان قاسم لم يحمل تفسيراً لطبيعة «واجب التصدي للعدوان» أو توقيته، ما عزّز منسوب الترقّب إزاء موقف الحزب الفعلي.

الوضع مفتوح على كل الاحتمالات

في قراءة أولية لهذا الموقف، يؤكد الباحث السياسي قاسم قصير، المقرّب من الحزب، أنّ «الأوضاع مفتوحة على كل الاحتمالات»، موضحاً أن «أي تحرك عسكري مرتبط بالتطورات الميدانية، لأن الحرب لا تزال في بدايتها». ويتحدث قصير لـ«الشرق الأوسط»، عن «وجود مخاوف جدية من قيام إسرائيل بعدوان واسع على لبنان»، ما يعني أن الحزب، بحسب تقديره، «يستعدّ لكافة السيناريوهات من دون استعجال إعلان موقف حاسم».

الدخان يتصاعد جراء غارات إسرائيلية استهدفت بلدة القطراني في جنوب لبنان السبت (د.ب.أ)

«الحزب» أمام مفترق حساس

هذا التريّث لا يبدو منفصلاً عن معطيات داخلية وإقليمية معقّدة، فالحزب وضع نفسه أمام مفترق حساس، أي بين التزامه السياسي والعقائدي بمحور تقوده طهران، ومن جهة أخرى حسابات الداخل اللبناني الهشّ، والمخاوف من حرب مدمّرة في ظل أزمة اقتصادية غير مسبوقة. ويعتبر الوزير السابق رشيد درباس أن الحزب «قرأ الرسالة الأميركية للبنان عبر السفير الأميركي ميشال عيسى، ومفادها أن الهدوء يقابله هدوء». ويؤكد في تصريح لـ«الشرق الأوسط»، أن «واقع الحزب اليوم يختلف عن مرحلة إسناد غزة، حين كان قادراً على فتح جبهة واسعة في الجنوب والوصول إلى إسرائيل، أما الآن، فيرى أن إسرائيل باتت تبادر إلى استهداف أي تحرك للحزب داخل لبنان بشكل مباشر، ما يفرض معادلات مختلفة».

مسافرون ينتظرون في مطار رفيق الحريري الدولي في بيروت بعد تعديل في مواعيد الرحلات إثر الضربات الإسرائيلية الأميركية على إيران (إ.ب.أ)

يترقب لبنان الرسمي والشعبي ما إذا كان «حزب الله» سيكتفي بالدعم السياسي والمعنوي لإيران، أم أن تطورات الميدان ستدفعه إلى تجاوز عتبة التريّث، وهنا يذكّر الوزير رشيد درباس بأن هناك «اختلالاً فادحاً في ميزان القوّة، في ظلّ التطور التكنولوجي واستخدام الذكاء الاصطناعي في العمليات العسكرية من قبل الولايات المتحدة وإسرائيل، ما يجعل أدوات المواجهة التقليدية أقل فاعلية». ويشدّد على أن «الأولوية ينبغي أن تكون للوحدة الوطنية والوقوف خلف الدولة اللبنانية لمواجهة أي تهديد واسع، بدلاً من جرّ البلاد إلى حرب جديدة لا تبقي ولا تذر».

سليمان: لتجنب الانخراط بأي تصعيد

وفي موقف مؤيد لتجنّب انخراط الحزب في «حرب إسناد» جديدة مع إيران، قال الرئيس اللبناني السابق ميشال سليمان «إنّ عدم دخول (حزب الله) في معمعة الإسناد ومهما كانت دوافعه، لا يُعدّ فقط بداية الطريق لانخراطه في مسار سيادة الدولة عبر تنفيذ قرارها وإرادة شريحة واسعة من المواطنين، بل ينسجم أيضاً مع مشاعر اللبنانيين الذين تربطهم علاقة أخوة مع دول الخليج العربي وحرصاً على سلامة اللبنانيين المقيمين». وشدد على أنّ «تجنّب الانخراط في أي تصعيد يخفّف من احتمالات توتّر العلاقات أو تعريض مصالح اللبنانيين ومنشآت تلك الدول ومواطنيها لأي تداعيات غير مبرّرة، ويؤكّد في الوقت نفسه أولوية الاستقرار الداخلي وحماية المصلحة الوطنية بعيداً عن منطق الحقد أو الانتقام».