«خطة ترمب» للسلام تُربك أوكرانيا

تقارير رجّحت تضمّنها إقامة منطقة عازلة وتجميد الحدود وضمان حياد كييف

دونالد ترمب مستقبلاً زيلينسكي بنيويورك في 27 سبتمبر (رويترز)
دونالد ترمب مستقبلاً زيلينسكي بنيويورك في 27 سبتمبر (رويترز)
TT

«خطة ترمب» للسلام تُربك أوكرانيا

دونالد ترمب مستقبلاً زيلينسكي بنيويورك في 27 سبتمبر (رويترز)
دونالد ترمب مستقبلاً زيلينسكي بنيويورك في 27 سبتمبر (رويترز)

من الآن وحتى 20 يناير (كانون الثاني) 2025، موعد تسلُّم الرئيس الأميركي المنتخب، دونالد ترمب، السلطة، تتجه الأنظار إلى حرب أوكرانيا، وما تحمله خطّة ترمب لوقف حربها مع روسيا.

لم يصدر ترمب حتى الساعة تعليقات جديدة حول رؤيته لمستقبل تلك الحرب، لكن ما أُشيع حول تفاصيل خطّته المحتملة لإحلال السلام أربك كييف.

وفي قمّة بودابست، وجّه الرئيس الأوكراني، فولوديمير زيلينسكي، نقداً لاذعاً لمن يضغطون عليه للرضوخ لبعض شروط موسكو «القاسية». وقال، حسب نسخة من خطابه نقلتها «وكالة الصحافة الفرنسية»: «دار كثير من الكلام حول الحاجة إلى التنازل لـ(الرئيس الروسي فلاديمير) بوتين، والتراجع والقيام ببعض المساومات. لكن ذلك غير مقبول بالنسبة إلى أوكرانيا، وغير مقبول بالنسبة إلى أوروبا».

وقال ترمب مراراً إنه يتمتع بعلاقة جيدة مع الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، وسخر من الرئيس الأوكراني بوصفه «أعظم بائع في التاريخ». ومع ذلك، فقد زعم أيضاً أنه أخبر بوتين بأن الولايات المتحدة ستقصف موسكو إذا حاولت مهاجمة أوكرانيا، وقال إنه يريد مساعدة زيلينسكي.

لكن «إحساس النصر» الذي أبداه بوتين، وتصريحات رئيس الوزراء المجري، فيكتور أوربان، الذي تربطه علاقة قوية بالرجلين، بأن أوكرانيا خسرت بالفعل الحرب ضد روسيا، طرحت تساؤلات عن الخيارات المتاحة أمام كييف للتعامل مع الواقع الجديد، وعمّا إذا كان ترمب سيواصل تمسكه برؤيته.

ونقلت صحيفة «بوليتيكو» عن مشرّعين أوكرانيين، قولهم إنهم «لا يعرفون على وجه اليقين ما هي سياسة الإدارة الأميركية الجديدة فيما يتعلق بالحرب، وعما إذا كانت ستتوافق تماماً مع تصريحات ترمب خلال الحملة الانتخابية، رغم اقتناعهم بأن ما يتم الإعلان عنه أثناء الانتخابات لا يتوافق دائماً مع ما سيتم تنفيذه بعدها».

«شجاعة» ترمب

هنّأ الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، الخميس، ترمب على فوزه في الانتخابات، وأشاد به لإظهاره الشجاعة حين حاول مسلح اغتياله. كما أكّد استعداد موسكو للحوار مع الرئيس الجمهوري المنتخب.

وقال بوتين في أول تصريحات علنية بعد فوز ترمب، إن الأخير تصرّف بصفته رجلاً حقيقياً أثناء محاولة اغتياله حين كان يلقي كلمة في تجمع انتخابي في بنسلفانيا في يوليو (تموز).

وأضاف بوتين، في منتدى فالداي للحوار بمنتجع سوتشي على البحر الأسود: «تصرف، في رأيي، بطريقة صحيحة جداً، وبشجاعة، بصفته رجلاً حقيقياً... أغتنم هذه الفرصة لتهنئته على انتخابه».

وقال بوتين إن التصريحات التي أدلى بها ترمب أثناء الحملة الانتخابية عن أوكرانيا، وإصلاح العلاقات مع روسيا «تستحق الاهتمام». وتابع: «ما قيل عن الرغبة في إصلاح العلاقات مع روسيا لإنهاء الأزمة الأوكرانية، في رأيي، يستحق الاهتمام على الأقل».

منطقة عازلة

لم يشرح ترمب حتى الآن بالتفصيل نوع الصفقة التي يعتقد أنها يمكن أن تنهي الحرب، رغم أن الحلفاء قدّموا خططاً مختلفة تنطلق من فكرة تجميد خط المواجهة الحالي. لكن صحيفة «وول ستريت جورنال» نقلت عن 3 من أعضاء فريق ترمب، أن خطته تقترح إقامة منطقة عازلة بعمق 1300 كيلومتر، بين روسيا وأوكرانيا، تُشرف عليها بريطانيا وكذلك الأوروبيون من دون مساهمة الولايات المتحدة فيها أو تمويلها. كما تقترح تجميد خط المواجهة الحالي حيث هو الآن، وموافقة أوكرانيا على تأجيل طموحها للانضمام إلى حلف شمال الأطلسي لمدة 20 عاماً.

في المقابل، ستضخّ الولايات المتحدة في أوكرانيا أسلحة لردع روسيا عن إعادة بدء الحرب. وقال أحد أعضاء الفريق: «يمكننا القيام بالتدريب وغير ذلك من الدعم، ولكن فوهة البندقية ستكون أوروبية». وأضاف: «نحن لا نرسل رجالاً ونساء أميركيين للحفاظ على السلام في أوكرانيا. ونحن لا ندفع ثمن ذلك. على البولنديين والألمان والبريطانيين والفرنسيين فعل ذلك».

واقترح جيه دي فانس، نائب الرئيس الأميركي المنتخب، في سبتمبر (أيلول) أن روسيا يجب أن تتمسك بمكاسبها الحالية شرطاً للسلام. وقال إن بقية أوكرانيا ستظل دولة مستقلة ذات سيادة، وسيتم تحصين جانبها من الخط بشكل كبير لمنع هجوم روسي ثانٍ. وفي المقابل، ستحصل روسيا على وعد بالحياد الأوكراني.

وقال فانس: «إنها لن تنضم إلى حلف شمال الأطلسي، ولن تنضم إلى بعض هذه المؤسسات المتحالفة. أعتقد أن هذا هو الشكل النهائي لهذا الأمر».

صفقة مربحة للطرفين

حاول زيلينسكي لأشهر استكشاف سبل إجراء مفاوضات من موقع القوة. وبعد ضغطه المتواصل للحصول على موافقة أميركية وغربية لاستخدام صواريخ بعيدة المدى في العمق الروسي، ومهاجمة قواته كورسك الروسية واحتلالها، كان واضحاً أن الهدف هو العودة إلى التفاوض.

وهو ما أشارت إليه تحليلات عدة، منذ أشهر، بأن «خطة النصر»، التي عرضها زيلينسكي على واشنطن، ودار بها على العواصم الأوروبية، كانت للتفاوض من «موقع القوة»، لا من موقع النصر المستحيل على روسيا.

ويدرك الرئيس الأوكراني أن إدارة ترمب الجديدة، قد تتبنى نهجاً مختلفاً، يقوم على تحقيق صفقة ذات منفعة مشتركة؛ لذلك سيحاول مقايضة الدعم الذي تتلقاه بلاده بصفقة مجدية للطرفين. هذا ما أكده المتحدث باسم الخارجية الأوكرانية، هيورهي تيخي، الخميس، حين قال إن المساعدات المقدمة لأوكرانيا ليست صدقة.

وقال: «نعتقد أن ضمان السلام العادل والعادل لأوكرانيا هو في مصلحة أميركا... هذه الحرب أكبر بكثير من مجرد أوكرانيا. إن دعم أوكرانيا ليس صدقة، بل هو استثمار مربح للغاية في الأمن لشركائنا».

وفي حين أن «خطة النصر» تريد رفع القيود ومزيد من المساعدات وانضمام أوكرانيا إلى حلف «الناتو»، فإن ما تقدمه أوكرانيا في المقابل هو استعدادها لتقديم مواردها الطبيعية الكبيرة، وجيشها الأكثر تدريباً لتأمين الحماية للقارة الأوروبية، الذي شبهه البعض بوضع إسرائيل في منطقة الشرق الأوسط.

لا تنازل عن الأرض مقابل السلام

ورغم اعتراف المتحدث باسم الخارجية الأوكرانية بأن قطع الغرب المساعدات عن أوكرانيا سيُجبرها على السعي إلى السلام بأي ثمن، لكنه قال إن خفض المساعدات في الواقع لن يؤدي إلا إلى توسيع الحرب وزيادة الفظائع الروسية، ما يُجبر حلفاء أوكرانيا لاحقاً على استئناف المساعدات على أي حال.

وقال: «كنا عقلانيين للغاية منذ البداية. نريد تحقيق النتائج والصفقات. أتوقع التعاون مع إدارة ترمب حقاً عندما يتولى منصبه». غير أنه أكد أن أي صفقات لن تشمل مبادلة الأرض بالسلام، لأن هذا من شأنه أن يزيد من شهية بوتين.

وقال تيخي: «يحافظ الرئيس الأوكراني على اتصالات مكثفة مع ترمب وفريقه، وعقد الرئيسان اجتماعاً جيداً في نيويورك؛ إذ كان من المهم وضع رؤية أوكرانيا». وأضاف، «يحتاج كثير من شركائنا إلى التذكير بما سبق العدوان الروسي الكامل؛ إنذار نهائي لحلف شمال الأطلسي للعودة إلى حدوده لعام 1997. لقد رأينا في الماضي شركاء يتجاهلون تحذيرات أوكرانيا مرات كثيرة. وفي النهاية أثبتنا أننا كنا على حق».

ازدهار أوكرانيا وإشراك الصين

صحيفة «واشنطن بوست» قالت في مقالة رأي إنه إذا أراد ترمب أن يظهر قوياً -وليس في جيب بوتين- فسوف يطالب بالأمن لأوكرانيا حتى تتمكن من الازدهار بعد أي تسوية. لقد قدّمت كوريا الجنوبية وألمانيا الغربية وفنلندا والنمسا تنازلات لإرضاء جيرانها المتحاربين، واستمرت في تحقيق ازدهار مذهل. يجب أن يكون هدف ترمب ضمانات أمنية تسمح لأوكرانيا بعد الحرب بالنجاح بصفتها عضواً في الاتحاد الأوروبي. وأضافت الصحيفة، إذا أراد ترمب تجربة شيء إبداعي، فسوف يشرك الصين في هذا المسعى.

فالرئيس الأوكراني يريد بشدة مشاركة الصين بوصفها ضابطاً للإجراءات الروسية المستقبلية. وهو ما تحدثت عنه إدارة بايدن، لكنها لم تُحقق تقدماً يذكر.

وتذكر الصحيفة أن دعوة ترمب للتفاوض لإنهاء الحرب في أوكرانيا لا تعدو كونها صدى لما دعا إليه الجنرال مارك ميلي، رئيس هيئة الأركان المشتركة السابق، حين قال في نوفمبر (تشرين الثاني) 2022، وسط ذهول البيت الأبيض: «عندما تكون هناك فرصة للتفاوض، وعندما يمكن تحقيق السلام، اغتنمها».


مقالات ذات صلة

ترمب مازحاً: ميريام أديلسون عرضت عليّ «250 مليون دولار» للترشح لولاية ثالثة

الولايات المتحدة​ دونالد ترمب وميريام أديلسون (إ.ب.أ) p-circle 02:35

ترمب مازحاً: ميريام أديلسون عرضت عليّ «250 مليون دولار» للترشح لولاية ثالثة

قالت مجلة فوربس الأميركية إن الرئيس دونالد ترمب قال مازحاً إن المليارديرة ميريام أديلسون عرضت عليه 250 مليون دولار للترشح لولاية ثالثة.

«الشرق الأوسط» (واشنطن )
الولايات المتحدة​ السيدة الأولى السابقة ميشيل أوباما تتحدث عن كتابها «النظرة» في واشنطن (أ.ب)

ميشيل أوباما: الولايات المتحدة «غير مستعدة» لانتخاب رئيسة

صرحت السيدة الأولى السابقة ميشيل أوباما بأن الأميركيين ليسوا مستعدين لانتخاب رئيسة، مشيرةً إلى هزيمة نائبة الرئيس السابقة كامالا هاريس أمام الرئيس دونالد ترمب.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
يوميات الشرق الممثل جورج كلوني وكامالا هاريس (أ.ف.ب)

جورج كلوني: اختيار كامالا هاريس بديلاً لبايدن «كان خطأ»

قال الممثل الأميركي الشهير جورج كلوني إنه يشعر بأن اختيار كامالا هاريس بديلاً لجو بايدن في الانتخابات الرئاسية الأميركية لعام 2024 كان «خطأً».

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
الولايات المتحدة​ نائبة الرئيس الأميركي السابقة كامالا هاريس (رويترز) p-circle

«الأكثر تأهيلاً على الإطلاق»... كامالا هاريس تلمّح لإمكانية ترشحها للرئاسة عام 2028

لمّحت نائبة الرئيس الأميركي السابقة، كامالا هاريس، إلى احتمال ترشحها للرئاسة عام 2028، وأكدت أن البعض وصفها بأنها «المرشحة الأكثر تأهيلاً على الإطلاق».

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
تحليل إخباري الرئيس الأميركي دونالد ترمب وعقيلته في أثناء مشاركتهما باحتفال في ذكرى 11 سبتمبر (أ.ب)

تحليل إخباري فوز كاسح لمرشح ديمقراطي في فرجينيا يلوّح بتحول سياسي أوسع

فوز كاسح لمرشح ديمقراطي في فرجينيا يلوّح بتحول سياسي أوسع ويسلط الأضواء على انتخابات 2026 النصفية.

إيلي يوسف (واشنطن)

حرب إيران تمنح بكين مكاسب دبلوماسية وتُكبِّلها بأزمة طاقة

ناقلة نفط ترسو في ميناء تشينغداو يوم 7 مارس (أ.ف.ب)
ناقلة نفط ترسو في ميناء تشينغداو يوم 7 مارس (أ.ف.ب)
TT

حرب إيران تمنح بكين مكاسب دبلوماسية وتُكبِّلها بأزمة طاقة

ناقلة نفط ترسو في ميناء تشينغداو يوم 7 مارس (أ.ف.ب)
ناقلة نفط ترسو في ميناء تشينغداو يوم 7 مارس (أ.ف.ب)

في الظاهر، تبدو بكين من أكبر المستفيدين من الحرب على إيران. فالولايات المتحدة تعود للتورط عسكرياً ومالياً في الشرق الأوسط، وتعيد تحويل حاملات وصواريخ ومنظومات دفاع جوي من آسيا إلى جبهة أخرى، بينما تزداد شكوك الحلفاء الآسيويين في صدقية التعهد الأميركي بأن يبقى «المحيطين الهندي والهادئ» أولوية استراتيجية.

هذا وحده يُقدِّم للصين هدية سياسية ثمينة؛ لأنه يُخفّف الضغط النسبي عنها في جوارها البحري، ويمنحها مادة دعائية جاهزة عن «تراجع» واشنطن وتشتت مواردها. ولكن هذه الصورة ليست مكتملة. فالصين، رغم استعدادها الأفضل مقارنة بكثير من الاقتصادات الآسيوية، تبقى أكبر مستورد للطاقة في العالم، وما يمر عبر مضيق هرمز يمسّ قلب أمنها الاقتصادي والصناعي. لذلك، فإن السؤال الأهم ليس ما إذا كانت بكين تربح فقط؛ بل ما إذا كانت مكاسبها السياسية يمكن أن تصمد أمام كلفة طاقة أعلى، واضطراب سلاسل الإمداد، وحدود قدرتها على ترجمة التعثر الأميركي إلى تفوق استراتيجي حاسم.

ميزان الردع

المكسب الصيني الأول سياسي واستراتيجي. فالحرب دفعت واشنطن إلى نقل أصول دفاعية مُتقدّمة من آسيا إلى الشرق الأوسط، وبينها منظومة «ثاد» في كوريا الجنوبية، كما زادت المخاوف من تأخير تسليم أسلحة وذخائر لحلفاء آسيويين، مثل اليابان وتايوان.

هذا التحوّل يضرب الرسالة التي كررتها الإدارات الأميركية منذ سنوات عن أولوية مواجهة الصين في آسيا، ويُعزّز سردية بكين بأن الولايات المتحدة قوة مُثقلة بأزمات متعددة وغير قادرة على التركيز طويل الأمد في مسرح واحد. كما أن التكلفة الأميركية نفسها تتضخّم بسرعة؛ إذ تجاوزت -حسب تقديرات أُبلغ بها الكونغرس- 11.3 مليار دولار في الأيام الستة الأولى فقط، ما يُضيف إلى الشّكوك بشأن استدامة هذا الانخراط.

ومن زاوية صينية بحتة، فإن أي استنزاف للترسانة الأميركية، وخصوصاً الدفاعات الجوية والاعتراضات الصاروخية مرتفعة التكلفة، يُعدّ خبراً جيداً لبكين. فالولايات المتحدة أنتجت نحو 600 صاروخ «باتريوت» اعتراضي فقط في 2025، بينما أشارت تقديرات تداولتها وسائل إعلام أميركية إلى استخدام مئات الصواريخ خلال أقل من أسبوعين من الحرب، ما يُسلّط الضوء على فجوة بين وتيرة الاستهلاك العسكري والطاقة الصناعية في التعويض. وهذا تحديداً هو النوع من المؤشرات الذي تراقبه الصين وهي تفكر في ميزان الردع حول تايوان وبحر الصين الجنوبي.

ولا يقتصر الأمر على تآكل المخزون الأميركي. فهناك أيضاً فسحة مناورة رمزية وميدانية. فقد أشار تقرير نشرته صحيفة «واشنطن بوست» إلى تكثيف أعمال الردم والبناء الصينية في مواقع متنازع عليها في بحر الصين الجنوبي، بينما تبدو القوى الإقليمية أكثر توتراً وأقل ثقة بأن واشنطن قادرة على تغطية جميع الجبهات في وقت واحد. ولكن هذه الفسحة ليست تفويضاً مفتوحاً؛ فهي تمنح بكين مجال ضغط أكبر، لا نصراً جاهزاً.

اعتبارات اقتصادية

المسار الثاني أكثر تعقيداً؛ لأنه اقتصادي. فقد استثمرت الصين خلال الأعوام الماضية بكثافة في بناء مخزونات استراتيجية من النفط وسلع حيوية أخرى، انسجاماً مع تحذيرات شي جينبينغ المتكررة من «أسوأ السيناريوهات».

تُقدِّر صحيفة «فايننشال تايمز» أن احتياطيات بكين النفطية تراوح الآن بين 1.1 و1.4 مليار برميل، بينما تذهب تقديرات أخرى إلى أكثر من ملياري برميل. بعض هذه التقديرات يعني أن لدى الصين ما يكفي لتغطية أكثر من مائة يوم من الواردات، وهو ما يجعلها أفضل استعداداً من معظم الاقتصادات الآسيوية لمواجهة صدمة مؤقتة في الإمدادات.

الرئيس الصيني شي جينبينغ يستقبل نظيره الإيراني مسعود بزشكيان في «قاعة الشعب» ببكين خلال سبتمبر 2025 (الرئاسة الإيرانية)

والواقع أن بكين لم تكتف بتكديس الاحتياطيات؛ بل بدأت بالفعل استخدام أدوات إدارة الأزمة. فقد أمرت بوقف صادرات الوقود المكرر في مارس (آذار) لحماية السوق المحلية، وبدأت الإفراج مبكراً عن احتياطيات الأسمدة لاحتواء نقص الإمدادات وارتفاع الأسعار، بينما تتحرك شركات التكرير الكبرى لتقليص المعالجة وإعادة توجيه الإنتاج نحو الوقود المحلي، بدلاً من المنتجات البتروكيماوية الأقل ربحية. هذه الخطوات تكشف أن الصين ليست متفرجة؛ بل تدير الأزمة بمنطق دفاعي مبكر يهدف إلى منع انتقال الصدمة الخارجية إلى الداخل الاجتماعي والصناعي.

مندوب الصين لدى الأمم المتَّحدة يصوِّت ضد فرض عقوبات على إيران في مجلس الأمن يوم 12 مارس (رويترز)

لكن هذه الحماية ليست مطلقة، فثُلث واردات الصين النفطية تقريباً، ونحو ربع وارداتها من الغاز وفق التقديرات المتداولة، يمُرّ عبر هرمز، بينما قالت «رويترز» إن نحو نصف إمدادات الصين النفطية يأتي من منطقة الخليج، وإن آسيا عموماً تعتمد على الشرق الأوسط في نحو 60 في المائة من نفطها. ومع أن جزءاً من الشحنات الصينية أو الإيرانية ما زال يمر من المضيق، فإن أي إغلاق طويل أو شبه كامل للمضيق يرفع تكلفة النقل والتأمين، ويضغط على هوامش المصافي، ويربك سلاسل المواد الأولية من الغاز إلى الأسمدة والكبريت والميثانول. وقد وصفت وكالة الطاقة الدولية ما يجري بأنه أكبر اضطراب نفطي في التاريخ، مع توقع تراجع الإمدادات العالمية هذا الشهر بنحو 8 ملايين برميل يومياً، ما يوضح أن المسألة لم تعد مجرد تقلب سعري عابر.

اختلال القوة مع أميركا

هنا تظهر حدود الربح الصيني، فبكين قادرة على استثمار الحرب دبلوماسياً، وقد تستفيد من اندفاع بعض دول آسيا إلى مزيد من «الاعتماد على الذات» بدل الاعتماد الكامل على المظلة الأميركية. كما أن الأزمة قد تدفع الصين إلى تعميق روابط الطاقة مع روسيا التي ارتفعت صادراتها عبر خط «سيبيريا 1» إلى الصين العام الماضي إلى 38.8 مليار متر مكعب، بينما يظل مشروع «سيبيريا 2» مطروحاً رغم خلافات التسعير. كذلك، كانت المصافي الصينية قد راكمت بالفعل كميات كبيرة من الخامين الإيراني والروسي رخيصي السعر، ما وفر لها وسادة قصيرة الأجل، حسب «رويترز».

شي لدى استقباله الرئيس الإيراني الأسبق إبراهيم رئيسي في بكين يوم 14 فبراير (أ.ب)

غير أن تحويل هذا كله إلى مكسب استراتيجي كبير يصطدم بثلاثة قيود: أولها أن الصين -بعكس الولايات المتحدة- لا تملك حرية حركة بحرية وجيوعسكرية عالمية تكفي لتأمين طرق الطاقة إذا طال النزاع. ثانيها أن استفادتها من انشغال واشنطن لا تُلغي فجوة القوة الشاملة، سواء في الانتشار العسكري أو شبكات التحالف، أو السيطرة على التكنولوجيا المالية والبحرية. وثالثها أن بكين نفسها حذرة من الانزلاق إلى مجابهة مباشرة؛ لأن اقتصادها المتباطئ أصلاً أقل قدرة على تحمل صدمة طاقة طويلة ومكلفة.

ولهذا بدت الصين -حتى الآن- أقرب إلى إدارة المخاطر منها إلى استثمار الحرب هجوميّاً. فهي تتفاوض لضمان مرور بعض الشحنات، وتحبس الوقود داخل السوق المحلية، وتستخدم الاحتياطيات بحذر، من دون أن تتصرف كقوة واثقة بأنها قلبت موازين القوة العالمية.

الخلاصة أن الصين تستفيد فعلاً من حرب إيران، ولكن استفادتها ليست مباشرة ولا مجانية. فهي تربح من تشتت أميركا، ومن تصدُّع الثقة الآسيوية بواشنطن، ومن الفراغ النسبي الذي يفتحه الاستنزاف الأميركي. ولكنها -في الوقت نفسه- تواجه اختباراً قاسياً لأمنها الطاقي ولقدرتها على تحويل المخزون والمرونة الصناعية إلى حصانة حقيقية.

لذلك، تبدو بكين اليوم في موقع «المستفيد القَلِق»: أقوى دبلوماسياً، ولكنها ليست مطلقة اليد اقتصادياً أو استراتيجياً؛ ومُحصّنة نسبياً ضد الصدمة، ولكنها ليست بمنأى عنها.


مشاة البحرية الأميركية تدخل على خط الحرب مع إيران

قوات من مشاة البحرية يشاركون في تدريب عسكري في أوكيناوا يوم 31 يناير 2025 (نيويورك تايمز)
قوات من مشاة البحرية يشاركون في تدريب عسكري في أوكيناوا يوم 31 يناير 2025 (نيويورك تايمز)
TT

مشاة البحرية الأميركية تدخل على خط الحرب مع إيران

قوات من مشاة البحرية يشاركون في تدريب عسكري في أوكيناوا يوم 31 يناير 2025 (نيويورك تايمز)
قوات من مشاة البحرية يشاركون في تدريب عسكري في أوكيناوا يوم 31 يناير 2025 (نيويورك تايمز)

يُمثّل نشر ما يقارب ألفين وخمسمائة عنصر من مشاة البحرية الأميركية في منطقة الشرق الأوسط مرحلةً جديدة في حرب إيران التي اندلعت منذ أسبوعين، وذلك في خضم تصاعد الهجمات الإيرانية على مضيق هرمز. والوحدة المعنية بهذا النشر هي الوحدة الحادية والثلاثون للبحرية الأميركية، وفقاً لمصدرَين في وزارة الحرب الأميركية (البنتاغون)، وستجد نفسها أمام تحدٍّ استثنائي يُقلق البنتاغون، يتمثّل في القدرة الإيرانية على زرع الألغام في هذا الممر المائي الضيّق الذي تعبره نحو خُمس صادرات النفط العالمية.

تأمين هرمز

أجبرت الغارات الجوية الأميركية القوات الإيرانية على التخلي عن سفنها الحربية الكبيرة، والاستعاضة عنها بزوارق سريعة محمّلة بالألغام يصعُب على الطائرات تتبّعها. ويُرجَّح أن تنطلق هذه الزوارق من مجموعة جُزر قريبة من المضيق. وأفاد مسؤول دفاعي متقاعد رفيع المستوى بأن وصول الوحدة الحادية والثلاثين إلى الشرق الأوسط من منطقة المحيط الهندي-الهادئ خلال الأيام المقبلة سيُتيح للبنتاغون شنّ إغارات سريعة على تلك الجزر، بقوات مشاة بحرية مدعومة بالإمداد والدعم الجوي. وهذا ما يرفع حدّة مخاطر التصعيد.

والرئيس دونالد ترمب معروف بإجازته للعمليات العسكرية الخاطفة ومحدودة النطاق، كالغارة التي نُفّذت في يناير (كانون الثاني) الماضي لاعتقال الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو، وهي عمليات قد تحقق مكاسب آنية، لكنها قد تتحول إلى كارثة إذا جاءت نتائجها عكسية.

وقد أعلن ترمب عبر وسائل التواصل الاجتماعي، الجمعة، أن الجيش الأميركي نفّذ غارة جوية واسعة النطاق على جزيرة خرج، الميناء الرئيسي في إيران ومركز تصدير غالبية نفطها. وأكد ترمب أن الغارة أسفرت عن تدمير كامل للقوات العسكرية الإيرانية على الجزيرة، مشيراً إلى أنه أصدر توجيهاته للبنتاغون بعدم المساس بالبنية التحتية النفطية، وذلك، على حد قوله، «لدواعٍ إنسانية».

وارتفعت أسعار النفط العالمية بنسبة 40 في المائة منذ أن شنّت الولايات المتحدة وإسرائيل حربهما على إيران في نهاية الشهر الماضي. وعلى الرغم من محدودية أعداد مشاة البحرية قياساً بالخمسين ألف جندي أميركي الموجودين أصلاً في المنطقة، فإن وحدات مشاة البحرية المتنقلة تحظى بتقدير القادة العسكريين لقدرتها على النشر السريع لمفارز من القوات والمركبات على الأرض. فضلاً عن ذلك، أضاف المسؤول الدفاعي المتقاعد أن مشاة البحرية باستطاعتهم القيام

بعمليات مكافحة الطائرات المسيّرة عبر تشغيل مركبات التشويش على متن سفنهم، إلى جانب توفير الحماية للناقلات وسفن الشحن التجاري.

فراغ استراتيجي في المحيط الهادئ

تُنشر وحدات مشاة البحرية المتنقلة عادةً مع أسطول من السفن، يشمل سفينة إنزال برمائية ذات سطح قصير قادرة على حمل طائرات «MV-22 أوسبري»، وطائرات نقل عمودية، ومقاتلات هجومية من طراز «F-35». كما تحمل السفن الأخرى قوات مشاة مع مدفعيتها الداعمة ومركبات هجومها البرمائي المخصصة للإنزال من السفينة إلى الشاطئ.

وكشف المسؤول الدفاعي السابق أن انتشار وحدة مشاة البحرية الشرقية دعماً للعمليات في فنزويلا، ونشر الوحدة الحادية والثلاثين في الشرق الأوسط — وهي وحدة مرابطة في العادة في أوكيناوا باليابان — سيُفضي إلى غياب قوة تدخل سريع قادرة على دعم العمليات في منطقة المحيط الهادئ، بما في ذلك كوريا الجنوبية وتايوان. ويُضاف هذا الفراغ الجديد إلى ثغرة أخرى خلّفها نقل منظومات الدفاع الجوي الحيوية من كوريا الجنوبية إلى الشرق الأوسط. وقد كان لوحدات مشاة البحرية المتنقلة، المعروفة بـ«قوة الطوارئ الأميركية»، تاريخ حافل في مناطق النزاعات؛ إذ اضطلعت بمهام إجلاء السفارات ومكافحة القرصنة البحرية. وكانت عناصر من الوحدة الخامسة عشرة من بين أوائل القوات الأميركية النظامية التي وطأت أقدامها الأرضَ الأفغانية إبّان الغزو الأميركي لأفغانستان عام 2001.

* خدمة صحيفة «نيويورك تايمز»


الجيش الأميركي يكشف هويات ستة جنود قُتلوا بحادث تحطم طائرة في العراق

فريق من الجيش الأميركي أمام صناديق نقل رفات الجنود المغطاة بالأعلام خلال مراسم رسمية في ديلاوير (أ.ف.ب)
فريق من الجيش الأميركي أمام صناديق نقل رفات الجنود المغطاة بالأعلام خلال مراسم رسمية في ديلاوير (أ.ف.ب)
TT

الجيش الأميركي يكشف هويات ستة جنود قُتلوا بحادث تحطم طائرة في العراق

فريق من الجيش الأميركي أمام صناديق نقل رفات الجنود المغطاة بالأعلام خلال مراسم رسمية في ديلاوير (أ.ف.ب)
فريق من الجيش الأميركي أمام صناديق نقل رفات الجنود المغطاة بالأعلام خلال مراسم رسمية في ديلاوير (أ.ف.ب)

أعلن البنتاغون السبت هويات ستة جنود أميركيين لقوا حتفهم خلال تحطم طائرة للتزود بالوقود في غرب العراق في وقت سابق من هذا الأسبوع، في حادث قالت السلطات إنه لم يكن ناجما عن «نيران معادية».

وتحطمت طائرة للتزود بالوقود من طراز كيه سي-135 في غرب العراق الخميس، ما رفع عدد الجنود الأميركيين الذين قتلوا في العمليات ضد إيران إلى 13 على الأقل. وهبطت طائرة ثانية شاركت في العملية بسلام.

ترمب يستقبل رفات الجنود الذين قُتلوا في حرب إيران في قاعدة دوفر بديلاوير يوم 7 مارس 2026 (أ.ب)

وقال البنتاغون إن الأفراد الستة الذين لقوا حتفهم في الحادث هم جون كلينر (33 عاماً) من أوبورن في ألاباما، وأريانا سافينو (31 عاما) من كوفينغتون في واشنطن، وآشلي برويت (34 عاما) من باردستاون في كنتاكي، وسيث كوفال (38 عاما) من موريسفيل في إنديانا، وكورتيس أنغست (30 عاما) من ويلمنغتون في أوهايو، وتايلر سيمونز (28 عاما) من كولومبوس في أوهايو.

وكان الثلاثة الأوائل أعضاء في القوات الجوية الأميركية، بينما الثلاثة الأخيرون كانوا يتمركزون مع الحرس الوطني الجوي الأميركي.

وأكّدت القيادة المركزية الأميركية (سنتكوم) أن تحطم الطائرة «لم يكن بسبب نيران معادية أو نيران صديقة»، وأن ملابسات الحادث ما زالت «قيد التحقيق».

وقالت فصائل عراقية مسلحة موالية لإيران منضوية ضمن ما يُعرف بـ«المقاومة الإسلامية في العراق»، إنها استهدفت طائرتَين «من نوع كاي سي-135 تابعة للاحتلال الأميركي في غرب العراق»، مضيفة أنّ طاقم الطائرة الثانية استطاع «الهرب بها بعد إصابتها، وهبطت اضطراريا في أحد مطارات العدو».

ومنذ بدء الحرب التي شنتها الولايات المتحدة وإسرائيل على إيران في 28 فبراير (شباط)، تتبنى هذه الفصائل يوميا هجمات بالمسيّرات والصواريخ على «قواعد العدو» في العراق والمنطقة، من دون أن تحدد طبيعة أهدافها في معظم الأحيان.

وهذه رابع طائرة عسكرية أميركية على الأقل تتحطّم منذ بدء الحرب الأميركية الإسرائيلية على إيران، بعد إسقاط ثلاث طائرات من طراز «إف-15» بنيران كويتية من طريق الخطأ.

وفي بداية الحرب، أسقط الجيش الكويتي من طريق الخطأ ثلاث طائرات مقاتلة أميركية من طراز«إف-15إي»، وتمكن جميع أفراد الطاقم الستة من القفز بالمظلات، وفق «سنتكوم».

وذكرت سنتكوم وقتها أن الحادث وقع خلال قتال تضمن «هجمات بطائرات إيرانية وصواريخ بالستية ومسيّرات».