جورج كلوني: اختيار كامالا هاريس بديلاً لبايدن «كان خطأ»

الممثل جورج كلوني وكامالا هاريس (أ.ف.ب)
الممثل جورج كلوني وكامالا هاريس (أ.ف.ب)
TT

جورج كلوني: اختيار كامالا هاريس بديلاً لبايدن «كان خطأ»

الممثل جورج كلوني وكامالا هاريس (أ.ف.ب)
الممثل جورج كلوني وكامالا هاريس (أ.ف.ب)

قال الممثل الأميركي الشهير جورج كلوني إنه يشعر بأن اختيار كامالا هاريس بديلاً لجو بايدن في الانتخابات الرئاسية الأميركية لعام 2024 كان «خطأً»، مضيفاً أنه غير نادم على مقال الرأي الذي كتبه في صحيفة «نيويورك تايمز» ودعا فيه الديمقراطيين إلى البحث عن مرشح رئاسي جديد.

وفي حديثه لبرنامج «صنداي مورنينغ» على قناة «سي بي إس»، قال الممثل والناشط، الذي يُعد من المانحين الماليين البارزين للحزب الديمقراطي، إنه، إذا أتيحت له الفرصة، فسيكتب المقال مرة أخرى، معرباً عن أسفه لأن الديمقراطيين لم يعقدوا انتخابات تمهيدية جديدة لاختيار مرشح رئاسي. وبدلاً من ذلك، تم ترشيح هاريس عبر تصويت افتراضي من قبل مندوبي الحزب.

وأشار كلوني إلى أنه يعتقد أن ترشح هاريس بدلاً من بايدن جعلها مضطرة للدفاع عن سجلها السياسي. بمعنى آخر، كانت هاريس تحاول إقناع الناس بأنها ليست مثل جو بايدن أو أنها لا تتبع نفس سياساته، وهذا كان أمراً صعباً جداً، لأن الناس قد يرونها مرتبطة به وبسياسته، نظراً لطبيعة عملها كنائبة له. وبالتالي كانت مهمتها أصعب مما لو كانت قد ترشحت في ظروف مختلفة.

وكان مقال كلوني، بعنوان «أحب جو بايدن. لكننا بحاجة إلى مرشح جديد»، مثالاً بارزاً عن تزايد رفض الناخبين الديمقراطيين لخوض بايدن الانتخابات، بعد أدائه الضعيف خلال مناظرته الرئاسية الأولى مع دونالد ترمب.

وكتب كلوني آنذاك: «لن نفوز في نوفمبر (تشرين الثاني) مع هذا الرئيس. علاوة على ذلك، لن نفوز بمجلس النواب، وسنخسر مجلس الشيوخ. هذا ليس رأيي وحدي؛ هذا رأي كل عضو في مجلس الشيوخ وعضو في الكونغرس وحاكم تحدثت معه على انفراد. كل واحد منهم، بغض النظر عما يقوله علناً».

كلوني مع الرئيس الأميركي السابق جو بايدن (أ.ب)

وفي يوليو (تموز)، أجرى نجل بايدن، هانتر، مقابلةً تلفزيونية هاجم خلالها مقال كلوني ووجه له شتائم نابية.

وتساءل هانتر عن سبب استماع أي شخص لكلوني، قائلاً: «ما شأنك بأي شيء؟ بأي حق تهاجم رجلٍ كرّس حياته لخدمة هذا البلد وتقرر أنت، جورج كلوني، أن تنشر هذا الكلام في صفحة كاملة في صحيفة نيويورك تايمز اللعينة».

وعندما سألت «سي بي إس» كلوني عما إذا كان قد رأى رد فعل هانتر بايدن، ضحك ساخراً وقال: «نعم، رأيته». وحين سُئل عن رأيه في الأمر، قال: «أستطيع أن أقضي وقتاً طويلاً في تفنيد العديد من الأشياء التي قالها... لكن الحقيقة هي أنني لا أعتقد أن النظر إلى الوراء بهذا الشكل مفيد لأي شخص، وخاصةً له. لا أعتقد أنه مفيد للحزب الديمقراطي. لذا أتمنى له كل التوفيق في تعافيه المستمر، وآمل أن يكون بخير».

ومنذ فشل حملتها الرئاسية، انتقدت هاريس قرار بايدن الأولي بالترشح لولاية ثانية. وفي كتابها «107 أيام»، الصادر في سبتمبر (أيلول)، كتبت أنها «كانت في أسوأ موقف لأنها كانت تعرف أنها إذا نصحته بعدم الترشح سيعتبر ذلك موقفاً انتهازياً منها بشكل كبير. وكان سيراه كطموح مكشوف، وربما خيانة له، حتى لو كانت رسالتي الوحيدة هي: لا تدع الطرف الآخر يفوز».

وقبل أيام، ألمحت هاريس، في مقابلة مع قناة «بي بي سي»، إلى أنها قد تترشح مجدداً للانتخابات الرئاسية.


مقالات ذات صلة

ترمب ينقض قرارات أوباما المناخية بعدّها «عملية احتيال»

الولايات المتحدة​ باراك أوباما مع ترمب خلال جنازة الرئيس جيمي كارتر (أ.ف.ب)

ترمب ينقض قرارات أوباما المناخية بعدّها «عملية احتيال»

نقض الرئيس الأميركي دونالد ترمب قرارات اتخذها سلفه باراك أوباما عام 2009 كأساس لجهود الولايات المتحدة في تنظيم انبعاثات غازات الاحتباس الحراري.

علي بردى (واشنطن)
يوميات الشرق بيل ستيفنسون طليق السيدة الأميركية السابقة جيل بايدن (شرطة مقاطعة نيو كاسل- فيسبوك)

في قضية وفاة زوجته... توجيه تهمة القتل إلى طليق جيل بايدن

أعلنت السلطات الأميركية توجيه تهمة القتل العمد إلى طليق السيدة الأولى الأميركية السابقة جيل بايدن، على خلفية وفاة زوجته عقب شجار عائلي.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
المشرق العربي منازل فلسطينية متضررة بشدة خلال العملية العسكرية الإسرائيلية في قطاع غزة في بيت لاهيا شمال القطاع 18 ديسمبر 2024 (رويترز) p-circle

سفارة أميركا لدى إسرائيل عرقلت رسائل حذّرت من «أرض خراب كارثية» في غزة

حذّر موظفو الوكالة الأميركية للتنمية الدولية في أوائل 2024 المسؤولين الكبار في إدارة الرئيس السابق جو بايدن من أن شمال غزة مهدد بالتحول إلى أرض خراب كارثية.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
شؤون إقليمية بايدن ونتنياهو خلال زيارة الرئيس الأميركي لتل أبيب في 18 أكتوبر 2023 (أ.ب) p-circle

«نكران الجميل» عند نتنياهو يصدم بايدن ورجاله

أراد رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو الإطراء لنفسه والنفاق للرئيس الأميركي دونالد ترمب، فوجد نفسه يدخل في صدام مع مستشاري الرئيس السابق جو بايدن.

نظير مجلي (تل أبيب)
الولايات المتحدة​ رئيس هيئة الأركان المشتركة للقوات الجوية الأميركية الجنرال دان كين يشرح نتائج الضربات على المنشآت الإيرانية خلال مؤتمر صحافي في البنتاغون يوم 26 يونيو الماضي (أ.ف.ب)

ترمب نفّذ ضربات في عامه الأول تعادل ما نفذه بايدن في كامل ولايته

مجموع الضربات التي نفّذت منذ تولي ترمب ولايته الثانية في 20 يناير (كانون الثاني) 2025، إلى 672 ضربة جوية أو بطائرات مسيرة مقارنة بـ694 خلال كامل ولاية جو بايدن.

«الشرق الأوسط» (باريس)

القلق من الحروب... كيف نحمي صحتنا النفسية في زمن الصراعات؟

سيدة تشاهد الأخبار (أرشيفية - رويترز)
سيدة تشاهد الأخبار (أرشيفية - رويترز)
TT

القلق من الحروب... كيف نحمي صحتنا النفسية في زمن الصراعات؟

سيدة تشاهد الأخبار (أرشيفية - رويترز)
سيدة تشاهد الأخبار (أرشيفية - رويترز)

تثير أخبار الحرب في الشرق الأوسط وعدم الاستقرار الاقتصادي الناجم عنها، قلقاً اجتماعياً متزايداً يؤثر على الصحة النفسية للكثيرين.

وينصح الخبراء بالاهتمام بالعلاقات الاجتماعية، والحفاظ على الروتين اليومي، وتجنّب التعرّض المفرط لهذه القضايا.

كما تُلقي تبعات الحرب في إيران بظلالها على الصحة النفسية، حيث يُثير عدم الاستقرار الاقتصادي القلق، وفقاً للطبيب النفسي كازوهيرو تاجيما لشبكة «يورونيوز».

ويحذّر الطبيب النفسي: «من المنطقي أن نشعر، في ظل هذه الظروف الاقتصادية غير المستقرة، بفقدان السيطرة، مما قد يؤدي إلى مشكلات القلق».

وللتغلب على هذا الوضع، ينصح بالحصول على أكبر قدر ممكن من المعلومات حول الأزمة، وتعزيز العلاقات الاجتماعية التي تُعدّ أساسية لحماية الصحة النفسية في أوقات عدم الاستقرار.

الحفاظ على الروتين اليومي

كما يُنصح بالحفاظ على العادات والتقاليد. وأضاف: «لا ينبغي لنا التخلي عن روتيننا اليومي فيما يتعلق بالترفيه أو الرياضة أو غيرها من الأنشطة. للأسف -في رأيه- في حالات الطوارئ أو عدم الاستقرار الاقتصادي، يكون هذا أول ما يفعله الكثيرون، مما يُسهم في زيادة القلق».

ويعتقد تاجيما أن الاهتمام ببيئتنا الاجتماعية أمر أساسي. وقال: «إنّ التفاعل الاجتماعي سيساعدنا على التخفيف من جميع الآثار التي قد تُؤثّر سلباً على صحتنا النفسية. يجب علينا تعزيز علاقاتنا الاجتماعية لتجنّب العزلة في ظلّ هذه الظروف الاقتصادية غير المستقرة».

وأوضح: «عندما نفتقر إلى الروتين أو لا نتفاعل اجتماعياً، نميل إلى التفكير باستمرار في المشكلات. وإذا ما رافق ذلك قلق اقتصادي، ينتهي بنا المطاف بالتفكير في عدم القدرة على تلبية احتياجاتنا الأساسية».

الأنشطة الترفيهية والرياضية مهمة

في أوقات الأزمات، يتخلى الكثيرون عن الترفيه والرياضة لتوفير النفقات. لكن تاجيما ينصح بالعكس.

يقول: «التخلي عن الأنشطة الترفيهية أو الرياضية خطأ، لأنها تساعدنا على التخلص من همومنا. من الضروري الاستمرار فيها، بل التشجيع عليها، لإعادة شحن طاقتنا الذهنية».

كما ينصحنا الطبيب النفسي بالشعور بأن لحياتنا معنى. «لا شيء أسوأ من الشعور بانعدام الجدوى»، ولذلك يوصي «باللجوء إلى جميع أنواع الأنشطة الترفيهية أو العملية التي تُشعرنا بالرضا».

وفي ظل هذه الظروف غير المستقرة، أشار تاجيما إلى أن ازدهار الاقتصاد التشاركي يعود بقوة.

وأكد قائلاً: «نشهد نهضة في المقايضة، الرقمية في هذه الحالة، التي يمكن أن تساعدنا كمجتمع على الشعور بأننا جميعاً ذوو قيمة».

في ظلّ سيناريو يتسم بالتوترات الجيوسياسية وارتفاع تكاليف المعيشة، بات من الضروري أكثر من أي وقت مضى حماية الصحة النفسية ومواجهة التحديات الاقتصادية لتعزيز القدرة الجماعية على الصمود في أوقات الأزمات.


دراسة: العمل من المنزل يرفع معدلات الخصوبة

سيدة تعمل من المنزل خلال جائحة كورونا في إسبانيا (أرشيفية - رويترز)
سيدة تعمل من المنزل خلال جائحة كورونا في إسبانيا (أرشيفية - رويترز)
TT

دراسة: العمل من المنزل يرفع معدلات الخصوبة

سيدة تعمل من المنزل خلال جائحة كورونا في إسبانيا (أرشيفية - رويترز)
سيدة تعمل من المنزل خلال جائحة كورونا في إسبانيا (أرشيفية - رويترز)

أظهرت دراسة حديثة شملت 38 دولة حول العالم، أن معدل الخصوبة الفعلي والمخطط له يرتفع بمقدار 0.32 طفل لكل امرأة عندما يعمل كلا الزوجين من المنزل يوماً واحداً على الأقل أسبوعياً، مقارنةً بمن يعملون في مواقع عملهم أو لدى العملاء.

ووجدت الدراسة أن العمل من المنزل يرتبط بارتفاع معدل الخصوبة. بعبارة أخرى، بين العاملين، يعني قضاء وقت أطول في المنزل زيادة في عدد المواليد.

في العينة، يبلغ متوسط ​​عدد الأطفال لكل امرأة 2.26 طفل عندما لا يعمل أي من الزوجين من المنزل. ويشمل ذلك الأشخاص الذين عملوا بأجر خلال الأسبوع الماضي، أي إنهم ليسوا عاطلين عن العمل، بل يعملون في مواقع عملهم أو لدى عملائهم، حسبما أورد موقع «يورونيوز».

وأفادت الدراسة بأنه إذا عملت المرأة من المنزل يوماً واحداً على الأقل أسبوعياً، يرتفع متوسط ​​عدد الأطفال طوال حياتها إلى 2.48 طفل. وإذا عمل كلا الزوجين من المنزل، يرتفع هذا المتوسط ​​إلى 2.58 طفل.

أما إذا عمل الرجل من المنزل يوماً واحداً على الأقل أسبوعياً، فإن الزيادة تكون أقل، حيث يبلغ متوسط ​​عدد الأطفال 2.36 طفل.

ما الذي يفسر هذا الارتفاع؟

يُلاحظ ارتفاع ملحوظ في معدلات الخصوبة عندما يعمل الوالدان يوماً واحداً على الأقل من المنزل. فكيف يحدث ذلك؟ ما الآليات التي تُفسر العلاقة بين العمل من المنزل وارتفاع معدلات الخصوبة في الأسر؟

تشير الأبحاث إلى ثلاثة احتمالات أساسية:

1) من خلال تسهيل الجمع بين رعاية الأطفال والعمل بأجر، تُشجع وظائف العمل من المنزل النساء وشركائهن على اختيار إنجاب مزيد من الأطفال.

2) تختار الأسر التي لديها أطفال، وظائف تُتيح خيارات العمل من المنزل، لكنّ معدلات الخصوبة لا تتأثر بشكل مباشر بوضع العمل من المنزل.

3) يُسهم توفر وظائف العمل من المنزل في رفع معدلات الخصوبة من خلال توسيع الفرص الحالية والمستقبلية لاختيار وظائف تُراعي ظروف الوالدين.

ويُشير التقرير إلى أن «الاحتمالات الثلاثة تتفق جميعها مع فكرة أن وظائف العمل من المنزل تُسهل على الوالدين الجمع بين تربية الأطفال والعمل».

وجد الباحثون «أدلة واضحة» على ارتفاع معدلات الخصوبة مع توفر فرص العمل من المنزل. وقد استمر هذا النمط بعد الجائحة (2023-2025) وقبلها (2017-2019).

وتعتمد النتائج على مستوى الدول على معدل العمل من المنزل. وتختلف آثار ذلك على معدلات الخصوبة الوطنية بين الدول، ويعود ذلك أساساً إلى التفاوت الكبير في معدلات العمل من المنزل.

بين العاملين الذين تتراوح أعمارهم بين 20 و45 عاماً، تتراوح نسبة من يعملون من المنزل يوماً واحداً على الأقل أسبوعياً بين 21 في المائة في اليابان و60 في المائة في فيتنام. وهذا يعني أن كل دولة تضم عدداً كبيراً من الأشخاص الذين يعملون من المنزل أحياناً، وعدداً كبيراً لا يعملون منه أبداً.

يُعد العمل من المنزل أمراً غير شائع نسبياً في عديد من الدول الأوروبية، بينما تحتل المملكة المتحدة المرتبة الثالثة عالمياً، وتتصدر أوروبا بنسبة 54 في المائة.

ويشير التقرير إلى أن «رفع معدلات العمل من المنزل إلى المستويات السائدة حالياً في الولايات المتحدة والمملكة المتحدة وكندا من شأنه أن يعزز الخصوبة بشكل ملحوظ في عديد من الدول الأخرى».

يُقدِّر التقرير أنه إذا تم تفسيره على أساس السببية، فإن العمل من المنزل يُسهم بنسبة 8.1 في المائة من معدل الخصوبة في الولايات المتحدة. وهذا يُعادل حوالي 291 ألف ولادة سنوياً بحلول عام 2024. ويُشير البحث إلى أنه على الرغم من أن هذه المساهمة قد تبدو متواضعة، إلا أنها أكبر من تأثير الإنفاق الحكومي على رعاية الطفولة المبكرة والتعليم في الولايات المتحدة.


«ماراثون بيروت» بين النازحين: الرياضة تُهوِّن مرارة الحرب

على أطراف الملعب... تقف لحظات لا تُقاس بطولها (الشرق الأوسط)
على أطراف الملعب... تقف لحظات لا تُقاس بطولها (الشرق الأوسط)
TT

«ماراثون بيروت» بين النازحين: الرياضة تُهوِّن مرارة الحرب

على أطراف الملعب... تقف لحظات لا تُقاس بطولها (الشرق الأوسط)
على أطراف الملعب... تقف لحظات لا تُقاس بطولها (الشرق الأوسط)

تتبدَّل وظيفة الأشياء الصغيرة في أزمنة الحرب. يصير النهار الذي يتسلَّل إليه بعض الضوء مختلفاً عن نهار آخر يمرّ ثقيلاً، مُكتفياً بكونه يوماً إضافياً في سجلّ التعب. في مراكز الإيواء حيث تتقلَّص الحياة إلى ضروراتها القصوى، ويمضي اليوم على إيقاع القلق وأخبار القصف والتدبير الشحيح للطعام والنوم والانتظار، تكتسب أيّ لفتة إنسانية معنى يتخطّى حجمها المباشر. هناك، يمكن لنشاط رياضي أو «تي شيرت» أو ميدالية تُعلَّق على عنق طفل، أن يترك أثراً يتجاوز لحظته.

أحذية قطعت طرقاً مختلفة لتلتقي هنا (ماراثون بيروت)

يمكن قراءة ما تقوم به جمعية «ماراثون بيروت» خلال الحرب، عبر تنقُّل رئيستها مي الخليل وفريق العمل بين مراكز الإيواء في المناطق، وتنظيم نشاطات رياضية للأطفال النازحين، من هذا الباب. في المدينة الرياضية، بدا المشهد تحت الشمس وفي اتّساع الملعب، أقرب إلى استعادة مؤقتة لفكرة الحياة الطبيعية. أولاد يركضون في فضاء مفتوح، يضحكون، ويتنافسون، ويرتدون القمصان الصفراء التي يرتديها العدّاؤون في سباقات الماراثون، وينالون ميداليات قد تكون الأولى في حياتهم. في التفاصيل ما يكفي لفَهْم الفكرة كلّها. فالطفل يشعر ولو لساعات بأنه خرج من ضيق النزوح إلى فسحة أوسع. يومه لا يمرّ مثل الأيام العادية.

ما يلفت في هذه المبادرات أنها ليست استجابة ظرفية وطارئة فقط. مي الخليل تقول لـ«الشرق الأوسط» إنّ مبادرة التبرُّع بالأحذية مثلاً تنتمي إلى نهج إنساني اعتمدته الجمعية منذ سنوات، في موازاة مبادرات أخرى مثل «حقي أركض» وتنظيم نشاطات رياضية في مناطق ذات دخل محدود. هذا البُعد مهم، لأنه يضع ما يجري اليوم في سياق تطلُّع أوسع يرى في الرياضة حقاً عاماً ومساحة يمكن أن تفتح في الإنسان منافذ قوّة وتماسُك، خصوصاً في لحظات الانكسار الجماعي.

أقدامٌ صغيرة تختبر أرضاً لا تضيق بها (الشرق الأوسط)

في حديثها عن الأحذية المُتبرَّع بها، تتوقَّف مي الخليل عند ما تُسمّيه «الاستمرارية»؛ فالحذاء في نظرها لا يُختَزل في شيء يُعاد استخدامه. ترى فيه فرصة لأن «يُكمِل الرحلة مع شخص آخر»، ويُعبّر عن قدرة المبادرات المتواضعة على إحداث فرق معنوي لدى مَن يتلقّاها. تحت وطأة اللجوء، تتغيَّر نظرتنا إلى المواد المحيطة بنا. ما كان عادياً في أيام السلم، قد يصير اليوم عنصراً من عناصر العناية، وإشارة إلى أنّ أحداً في مكان ما فكَّر في إنسان لا يعرفه وترك له ما يُساعده على الوقوف والركض والمُشاركة.

في العيون شيءٌ يقول إنّ هذا اليوم ليس عادياً (الشرق الأوسط)

الأهم من الحذاء هو ما يحدث عندما يبدأ النشاط. مي الخليل تستعيد أكثر من مشهد من زياراتها لمراكز الإيواء، لكنَّ اللحظة التي تبقى معها بعد المغادرة هي «لحظة الانطلاق». عندها، كما تقول، يتبدَّل شيء في ملامح الطفل... من ثقل النزوح إلى فرح اللحظة. وتتذكَّر صبياً «كان يركض وكأنه يهرب من كلّ شيء خلفه، ثم توقَّف وابتسم». في هذه الصورة ما يشرح كثيراً من الكلام عن أثر الحركة في النَّفس. الركض لا يمحو الصدمة والخليل واضحة في ذلك، لكنه «يفتح نافذة للتنفُّس». يُعيد وصل الإنسان بجسده ويمنحه مسافة عن الضغط الداخلي. ومع التكرار، قد يصير هذا المُتنفَّس جزءاً من مسار أهدأ نحو التعافي.

أقدامٌ صغيرة تختبر أرضاً لا تضيق بها (الشرق الأوسط)

يبدو الأطفال صغاراً أمام اتّساع مدرَّجات المدينة الرياضية والسماء. ومع ذلك، فإنّ هذا الاتساع قد يكون جزءاً من العلاج الصامت. النازح الذي اعتاد سقف الخيمة أو ضيق الصفّ أو قسوة المكان المؤقت، يجد أمامه مساحة تسمح له بأن يركض من دون أن يصطدم بشيء. ومَن يدري، ربما عاد هؤلاء الأولاد إلى الخيم التي صاروا فيها جيراناً، وتبادلوا الكلام عن ذلك النهار. عن السباق والميدالية والـ«تي شيرت» الأصفر، وعن مي الخليل التي غنَّت معهم النشيد الوطني وأعطتهم الميكروفون ليرفعوا أصواتهم قليلاً. هذه اللحظات لا تُنهي الحرب. يكفي أن تترك في الوجدان مادةً لتحمُّل القسوة اليومية.

بين يدٍ أعطت وقدمٍ ارتدت ثمة مسافة تختصر الكثير (الشرق الأوسط)

وربما اكتشف بعض هؤلاء الأطفال في ذلك النهار قدرةً لم ينتبهوا إليها من قبل. ربما شَعَر واحد منهم أنه سريع على نحو لافت، أو أنه يُحبّ المنافسة، أو أنّ جسده يستجيب للركض بفرح غامض كان ينتظر فرصة مناسبة ليظهر. المواهب كثيراً ما تُولد في ظروف عادية، لكنَّ بعضها يحتاج فقط إلى نافذة تُتيح له أن يخرج إلى العلن. وفي حياة يُهدّدها الانقطاع الدائم، يصبح العثور على مَيْل شخصي أو قدرة ما حدثاً له قيمة نفسية مُضاعفة، لأنه يعيد إلى الطفل إحساسه بنفسه ويوقظ في داخله إمكانات ورغبات ومستقبلاً ممكناً.

بين الضحك والركض يمرّ وقتٌ لا يُشبه سواه (الشرق الأوسط)

ما يجعل هذه المبادرات مؤثّرة هو أنها تلامس جوهر ما يساعد البشر على احتمال المرارة. الإنسان لا يعيش على الطعام والمأوى وحدهما، خصوصاً الطفل. هناك حاجة إلى اللعب والشعور بالإنجاز. إلى مَن يمرّ في يومه ويترك علامة. قد تبدأ هذه العلامة بابتسامة، ثم تتحوَّل إلى معنى في الداخل. وإلى قدر من الطمأنينة أو ذكرى تُستعاد عندما يشتدّ الخوف. في الحرب، لا تكون الأفعال الصغيرة صغيرة فعلاً. تُمثّل الحياة التي رغم كلّ شيء لا تزال قادرة على إرسال إشاراتها. وهذا أحياناً يكفي كي يُحتَمل يوم آخر.

Your Premium trial has endedYour Premium trial has endedYour Premium trial has ended