كيف وقع «حزب الله» في فخ أجهزة «البيجر»؟

بقايا جهاز اتصال «بيجر» بعد انفجاره في الضاحية الجنوبية لبيروت (أ.ف.ب)
بقايا جهاز اتصال «بيجر» بعد انفجاره في الضاحية الجنوبية لبيروت (أ.ف.ب)
TT

كيف وقع «حزب الله» في فخ أجهزة «البيجر»؟

بقايا جهاز اتصال «بيجر» بعد انفجاره في الضاحية الجنوبية لبيروت (أ.ف.ب)
بقايا جهاز اتصال «بيجر» بعد انفجاره في الضاحية الجنوبية لبيروت (أ.ف.ب)

كانت بطاريات أجهزة الاتصال (بيجر) المفخخة التي وصلت إلى لبنان في بداية هذا العام جزءاً من مخطط إسرائيلي لتدمير «حزب الله» اللبناني، عبر سماتها الخادعة رغم نقطة ضعف واحدة، وفق ما أورده تقرير نشرته وكالة «رويترز».

ووفقاً لمصدر لبناني لديه معرفة مباشرة بأجهزة «البيجر» وصور لتحليل مفصل للبطاريات اطلعت عليه الوكالة، صمم العملاء الذين صنعوا الأجهزة غلافاً للبطارية يخفي كمية صغيرة، لكنها قوية من المتفجرات البلاستيكية وأداة تفجير جديدة لا تكشفها الأشعة السينية.

وللتغلب على نقطة الضعف التي تتمثل في عدم وجود معلومات متوفرة عن المنتج الجديد، فقد أنشأوا متاجر إلكترونية وصفحات وهمية وكتبوا منشورات مضللة على الإنترنت لخداع «حزب الله» عندما يحاول التحقق من الأجهزة، وفقاً لمراجعة أجرتها الوكالة لصفحات أرشيفية على الإنترنت.

ويكشف هذا التقرير للمرة الأولى عن التلاعب بتصميم أجهزة «البيجر» المفخخة والقصة التي تم نسجها بعناية للتمويه على خصائص البطارية؛ بغية تنفيذ عملية استغرق إعدادها سنوات وجهت ضربات غير مسبوقة للحزب اللبناني المدعوم من إيران ودفعت الشرق الأوسط نحو شفا حرب إقليمية.

ووفقاً للمصدر اللبناني والصور، تم زرع ورقة مربعة رقيقة تحتوي على ستة غرامات من مادة بلاستيكية متفجرة بيضاء بين خليتين مستطيلتين في البطارية.

وأضاف المصدر أن المساحة المتبقية بين خلايا البطارية لم تظهر في الصور، بل كانت مملوءة بشريط من مادة شديدة الاشتعال تؤدي دور المفجر.

وأظهرت الصور أن هذه الشطيرة ذات الطبقات الثلاث تم إدخالها في غلاف بلاستيكي أسود، وزرعها داخل غلاف معدني بحجم علبة الثقاب تقريباً.

وقال المصدر واثنان من خبراء المتفجرات إن عملية التجميع كانت غير عادية؛ لأنها لم تعتمد على جهاز التفجير الصغير المعتاد، والذي يكون عادة أسطوانة معدنية. وتحدث الثلاثة شريطة عدم الكشف عن هوياتهم.

وبسبب عدم وجود أي مكونات معدنية، كانت المادة المستخدمة في إحداث التفجير ذات ميزة. فمثلها مثل المتفجرات البلاستيكية، لم يتم اكتشافها بالأشعة السينية.

وقال مصدران مطلعان إن «حزب الله» أجرى عمليات تفتيش لكشف أي متفجرات عند استلام أجهزة البيجر في فبراير (شباط)؛ إذ تم تمريرها عبر أجهزة المسح الأمني بالمطارات لرؤية ما إذا كانت ستطلق الإنذارات. ولم يتم تسجيل أي شيء مريب.

وقال خبيرا المتفجرات - اللذان أطلعتهما الوكالة على تصميم أجهزة «البيجر» المفخخة - إن الأجهزة كانت مُعدّة على الأرجح لتوليد شرارة داخل غلاف البطارية كافية لإشعال المادة المتفجرة.

وذكر خبيران في البطاريات أن المتفجرات والتغليف شكَّلا نحو ثلث الحجم، وبالتالي فإن البطارية كانت تحمل جزءاً ضئيلاً من الطاقة بما يتفق مع وزنها الذي يبلغ 35 غراماً.

وقال خبير بطاريات الليثيوم بجامعة نيوكاسل البريطانية بول كريستنسن: «هناك جزء كبير من الكتلة غير محسوب».

وذكر المصدر اللبناني أن «حزب الله» لاحظ في مرحلة ما أن البطارية تنفد بشكل أسرع من المتوقع. ومع ذلك، لم يثر هذا مخاوف أمنية كبيرة على ما يبدو، وظل الحزب يسلّم أعضاءه أجهزة البيجر حتى قبل ساعات من الانفجار.

وفي 17 سبتمبر (أيلول) انفجرت الآلاف من أجهزة «البيجر» في وقت واحد في الضاحية الجنوبية لبيروت ومعاقل أخرى للحزب، وسبق الانفجار في معظم الحالات صوت ينبه إلى رسالة واردة.

وكان كثير من المصابين الذين تم نقلهم إلى المستشفى يعانون إصابات في العين أو البطن أو بترت أصابعهم؛ مما يشير إلى أنهم كانوا قرب الأجهزة وقت التفجير، وفقاً لشهود من الوكالة.

وأدى الهجوم إلى جانب هجوم ثانٍ في اليوم التالي شمل تفجير أجهزة اتصال لاسلكية (ووكي توكي) إلى مقتل 39 شخصاً وإصابة أكثر من 3400.

وقال مصدران أمنيان غربيان إن جهاز المخابرات الإسرائيلي (الموساد) يقف وراء الهجومين.

ولم يتسن للوكالة تحديد مكان تصنيع هذه الأجهزة. ولم يرد مكتب رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، الذي يشرف على «الموساد»، على طلب للتعليق.

وأحجمت وزارة الإعلام اللبنانية والمتحدث باسم «حزب الله» عن التعليق على هذا التقرير.

ولم تنفِ إسرائيل أو تؤكد وقوفها وراء الهجومين. وبعد وقوعهما بيوم واحد أشاد وزير الدفاع الإسرائيلي يوآف غالانت بالنتائج «المذهلة للغاية» التي حققها الموساد في تعليقات تم تفسيرها على نطاق واسع في إسرائيل على أنها اعتراف ضمني بضلوع الجهاز في الهجومين. وقال مسؤولون أميركيون إنه لم يتم إبلاغهم بالعملية مسبقاً.

الحلقة الضعيفة

ظاهرياً، بدا أن مصدر الطاقة لجهاز «البيجر» هو بطارية ليثيوم أيون عادية تستخدم في آلاف السلع الإلكترونية الاستهلاكية.

ومع ذلك، عانت البطارية، التي تحمل رمز «إل.آي-بي.تي783»، من مشكلة: مثل «البيجر»، لم تكن موجودة في السوق. لذا؛ اختلق عملاء إسرائيل معلومات عن المنتج من الصفر.

وقال ضابط مخابرات إسرائيلي سابق، لم يكن مشاركاً في عملية «البيجر»، إن «حزب الله» يتبع إجراءات صارمة للتحقق مما يشتريه.

وأوضح الضابط السابق، الذي طلب عدم نشر اسمه: «يجب التأكد من أنهم إذا بحثوا، فسيجدون شيئاً... عدم العثور على أي شيء (عن المنتج) ليس بالأمر الجيد».

واختلاق قصص التمويه أو «الأساطير»، مهارة أساسية يتمتع بها العملاء السريون لأجهزة المخابرات. لكن ما جعل مخطط «البيجر» أمراً غير عادي هو أن هذه المهارات يبدو أنها استخدمت مع منتجات إلكترونية واسعة الانتشار.

وبالنسبة لأجهزة البيجر، خدع العملاء «حزب الله» ببيع النموذج المصمم خصيصاً، «إيه.آر-924»، تحت علامة تجارية تايوانية موجودة ومشهورة هي «غولد أبوللو».

وقال رئيس شركة «غولد أبوللو»، هسو تشينغ كوانغ، للصحافيين بعد يوم من هجوم «البيجر» إنه جرى التواصل معه قبل نحو ثلاث سنوات من قبل تيريزا وو، وهي موظفة سابقة و«رئيسها الكبير واسمه توم» لمناقشة الحصول على ترخيص.

رئيس شركة «غولد أبوللو» هسو تشينغ كوانغ متحدثاً للصحافيين بعد يوم من هجوم «البيجر» (أ.ف.ب)

وذكر هسو أنه كان لديه معلومات ضئيلة عن رئيس وو، لكنه منحهم الحق في تصميم منتجاتهم الخاصة وتسويقها تحت العلامة التجارية «غولد أبوللو» واسعة الانتشار.

ولم تتمكن الوكالة من تحديد هوية المدير، ولا ما إذا كان هو أو وو يعمل أي منهما مع المخابرات الإسرائيلية.

وقال هسو إنه لم ينبهر بجهاز «إيه.آر-924» عندما رآه، لكنه أضاف صوراً ووصفاً للمنتج إلى موقع شركته على الإنترنت؛ مما ساعد في منحه مساحة للعرض ومصداقية. لم تكن هناك طريقة لشراء «إيه.آر-924» مباشرة من موقعه على الإنترنت.

وأضاف هسو أنه لا يعرف شيئاً عن القدرات القاتلة لـ«البيجر» أو العملية الأوسع لمهاجمة «حزب الله». ووصف شركته بأنها ضحية للمؤامرة.

وأحجمت شركة «غولد أبوللو» عن تقديم المزيد من التفاصيل. ولم تتلق «رويترز» رداً على المكالمات والرسائل المرسلة إلى وو. ولم تدل بتصريحات لوسائل الإعلام منذ الهجمات.

«أعرف هذا المنتج»

في سبتمبر 2023، تمت إضافة صفحات وصور على الإنترنت تظهر أجهزة البيجر «إيه آر-924» وبطاريتها إلى موقع «أبوللوسيستمز إتش.كيه دوت كوم»، وهو موقع إلكتروني قال إن لديه ترخيصاً لتوزيع منتجات شركة «غولد أبوللو»، إضافة إلى جهاز البيجر وجهاز شحنه الضخم، بحسب مراجعة الوكالة لسجلات الإنترنت وبيانات وصفية.

وذكر الموقع عنواناً في هونغ كونغ لشركة تسمى «أبوللو سيستمز إتش.كيه». ولا توجد شركة بهذا الاسم في العنوان أو في سجلات الشركات بهونغ كونغ.

ومع ذلك، أدرجت سيدة الأعمال التايوانية وو الموقع على صفحتها على «فيسبوك»، وكذلك في سجلات التأسيس عندما سجلت شركة تسمى «أبوللو سيستمز» في تايبيه في وقت سابق من هذا العام.

ويركز قسم من موقع «أبوللوسيستمز إتش.كيه دوت كوم» على الأداء المتميز للبطارية. فعلى عكس البطاريات التي تُستخدم في تشغيل أجهزة الجيل الأقدم، تباهت الشركة بأن بطاريتها تعمل 85 يوماً وتمكن إعادة شحنها عبر كابل «يو إس بي»، وفقاً لموقع الشركة وفيديو ترويجي مدته 90 ثانية على «يوتيوب».

ووجدت الوكالة أنه في أواخر عام 2023، ظهر متجران للبطاريات على الإنترنت يبيعان تلك البطاريات الجديدة. وفي منتديين عبر الإنترنت مخصصين للبطاريات، ناقش المشاركون مصدر الطاقة، وعلى الرغم من أنه غير متاح تجارياً، كتب مستخدم باسم لميكيفوج في أبريل (نيسان) 2023: «أعرف هذا المنتج... لديه قائمة بيانات رائعة وأداء رائع».

ولم تتمكن الوكالة من تحديد هوية لميكيفوج.

وقال ضابط المخابرات الإسرائيلي السابق وضابطا أمن غربيان للوكالة إن الموقع والمتجرين الإلكترونيين ومناقشات المنتديين تحمل السمة المميزة لمحاولات الخداع. وتم حذف المواقع من شبكة الإنترنت منذ تفجير أجهزة «البيجر» في لبنان، لكن لا يزال من الممكن مطالعة النسخ المحفوظة والمؤرشفة.

وقال قادة «حزب الله»، في أعقاب تفجير أجهزة «البيجر»، إنهم بدأوا تحقيقات داخلية لفهم كيف حدث الخرق الأمني وما إذا كان هناك جواسيس.

وكان الحزب قد تحول إلى استخدام أجهزة «البيجر» في بداية العام بعد أن أدرك أن اتصالات الهاتف المحمول عرضة للخطر بسبب التنصت الإسرائيلي، حسبما ذكرت الوكالة في وقت سابق.

وقال أحد المطلعين على الأمر إن تحقيقات «حزب الله» ساعدت في كشف كيف استخدم عملاء إسرائيليون تكتيكات مبيعات قوية للتأكد من اختيار مدير المشتريات في «حزب الله» لأجهزة «إيه.آر-924».

وأضاف الشخص المطلع أن مندوب المبيعات الذي نقل العرض قدَّم سعراً منخفضاً للغاية لأجهزة «البيجر»، «واستمر في خفض السعر حتى تم قبوله».

وأدانت السلطات اللبنانية الهجمات ووصفتها بأنها انتهاك خطير لسيادة لبنان. وفي 19 سبتمبر، في آخر خطاب علني له قبل أن تقتله إسرائيل، قال الأمين العام لـ«حزب الله»، حسن نصر الله، إن تفجير الأجهزة «إعلان حرب» وتعهد بمعاقبة إسرائيل.

ويتبادل «حزب الله» وإسرائيل إطلاق النار منذ الثامن من أكتوبر (تشرين الأول) 2023، عندما بدأت الجماعة المسلحة في إطلاق صواريخ على مواقع عسكرية إسرائيلية تضامناً مع حليفتها حركة «حماس».

وفي أعقاب هجمات أجهزة «البيجر»، شنَّت إسرائيل حرباً شاملة على «حزب الله»، بما في ذلك غزو بري لجنوب لبنان وضربات جوية قتلت معظم القيادات العليا للجماعة.

وتعرض التحقيق الداخلي لـ«حزب الله» في هجوم أجهزة «البيجر»، والذي لا يزال جارياً، لانتكاسة في 28 سبتمبر بعد 11 يوماً من انفجار الأجهزة؛ إذ قُتل المسؤول الكبير في الجماعة المكلف رئاسة تحقيق المشتريات، نبيل قاووق، في غارة جوية إسرائيلية.


مقالات ذات صلة

جنوب لبنان أمام مفترق عسكري والعين على إقليم التفاح

المشرق العربي الدخان يتصاعد من موقع تفجير إسرائيلي مُتحكم به في قرية المنصوري (أ.ف.ب)

جنوب لبنان أمام مفترق عسكري والعين على إقليم التفاح

على وقع الحديث الإسرائيلي بالانتقال إلى «مرحلة جديدة» في جنوب لبنان، اتخذت العمليات العسكرية خلال الساعات الأخيرة منحى تصعيدياً.

كارولين عاكوم (بيروت)
المشرق العربي رئيس الحكومة اللبنانية نواف سلام ووزير الخارجية يوسف رجي ومندوب لبنان الدائم لدى الأمم المتحدة السفير أحمد عرفة يشاركون في افتتاح أعمال المناقشة العامة للدورة الـ81 للجمعية العامة للأمم المتحدة في نيويورك (رئاسة الحكومة)

هل يبدّد لقاء سلام - روبيو المخاوف اللبنانية من توسعة إسرائيل للمنطقة الأمنية؟

يولي الفريق اللبناني المؤيد لـ«اتفاق الإطار» أهمية خاصة للقاء المرتقب بين رئيس الحكومة نواف سلام ووزير الخارجية الأميركية ماركو روبيو، الاثنين، في واشنطن.

محمد شقير (بيروت)
شؤون إقليمية رئيس أركان الجيش الإسرائيلي السابق غادي آيزنكوت يُعَدُّ المنافس الرئيسي لرئيس الوزراء بنيامين نتنياهو (أ.ف.ب)

آيزنكوت يستبعد ضم حزب «القائمة العربية» إلى الحكومة الإسرائيلية المرتقبة

قال رئيس أركان الجيش الإسرائيلي السابق، غادي آيزنكوت، إنّه لن يضم حزب «القائمة العربية الموحدة (رعام)» إلى حكومة قد يتولى تشكيلها.

«الشرق الأوسط» (تل أبيب)
المشرق العربي جندي في الجيش اللبناني يستخدم هاتفه لتصوير دخان يتصاعد من مبنى في زوطر الشرقية تعرض لضربة إسرائيلية (رويترز)

إسرائيل تستحدث منطقة عازلة خارج «الخط الأصفر» بجنوب لبنان

كثّف الجيش الإسرائيلي إجراءاته العسكرية الهادفة إلى تحويل شريط القرى المحاذي لـ«الخط الأصفر» في جنوب لبنان إلى منطقة عازلة خارج الخط.

نذير رضا (بيروت)
المشرق العربي مناصرة لـ«حزب الله» تحمل صورة أمينه العام السابق حسن نصر الله خلال حراك وسط بيروت ضد المفاوضات اللبنانية مع إسرائيل برعاية أميركية (أرشيفية - إ.ب.أ)

أزمة قيادة في «حزب الله» بعد اغتيال نصر الله

في الذكرى الثانية لاغتيال الأمين العام السابق لـ«حزب الله» حسن نصر الله، لم ينجح الحزب في أن يتجاوز بالكامل غياب الرجل الذي أمسك بقيادته لأكثر من ثلاثة عقود.

بولا أسطيح (بيروت)

جنوب لبنان أمام مفترق عسكري والعين على إقليم التفاح

الدخان يتصاعد من موقع تفجير إسرائيلي مُتحكم به في قرية المنصوري (أ.ف.ب)
الدخان يتصاعد من موقع تفجير إسرائيلي مُتحكم به في قرية المنصوري (أ.ف.ب)
TT

جنوب لبنان أمام مفترق عسكري والعين على إقليم التفاح

الدخان يتصاعد من موقع تفجير إسرائيلي مُتحكم به في قرية المنصوري (أ.ف.ب)
الدخان يتصاعد من موقع تفجير إسرائيلي مُتحكم به في قرية المنصوري (أ.ف.ب)

على وقع الحديث الإسرائيلي عن الانتقال إلى «مرحلة جديدة» من الاحتلال في جنوب لبنان، اتخذت العمليات العسكرية خلال الساعات الأخيرة منحى تصعيدياً، مع إدخال المروحيات الهجومية والدبابات مجدداً إلى جانب الطيران الحربي والمدفعية والتمشيط بالأسلحة الثقيلة.

وبين الغارات وعمليات النسف والتحركات على الأرض، يطرح في لبنان السؤال الآتي: هل التصعيد الإسرائيلي يقتصر على رفع مستوى الضغط العسكري، أم أنه يمهّد لتغيير في طبيعة العمليات والاحتلال في الجنوب؟

الرئيس جوزيف عون مستقبلاً رئيس الوفد المفاوض السفير السابق سيمون كرم في وقت سابق (الرئاسة اللبنانية)

وفيما لم يحدد حتى الآن الموعد الجديد لجلسة المفاوضات اللبنانية-الإسرائيلية، من المتوقع أن يزور رئيس الوفد المفاوض اللبناني سيمون كرم الفاتيكان، حيث يلتقي أمين سر الدولة الكاردينال بيترو بارولين، ووزير الخارجية بول ريتشارد غالاغر، لبحث ملف المفاوضات والدور الذي يمكن أن يؤديه الفاتيكان في دعم هذا المسار، حسب ما قالت مصادر مطلعة لـ«الشرق الأوسط».

وتأتي الزيارة متابعةً لما بحثه رئيس الجمهورية جوزيف عون خلال زيارته الأخيرة إلى روما، لا سيما فيما يتعلق بالجهود الرامية إلى دعم لبنان ودفع مسار المفاوضات.

قذائف وحرائق ونسف منازل

مدانياً، وتواصلت الأحد الاعتداءات الإسرائيلية في الجنوب حيث أغارت مروحية أباتشي على مركز تجاري على طريق شوكين – ميفدون في منطقة النبطية، فيما طاول تمشيط بالرشاشات الثقيلة بلدات بيت ياحون وصربين ووادي زبقين.

ونجا فريق الإسعاف من غارة استهدفت المبنى وذلك أثناء وجود العناصر في المنطقة لإجراء كشف ميداني بعد غارة سابقة، ما أدى إلى أضرار في المحال التجارية وشقق سكنية في المبنى المستهدف.

كذلك استهدفت دبابة «ميركافا» إسرائيلية بلدة حداثا بأربع قذائف، قبل أن تتحرك القوات الإسرائيلية باتجاه أحد المراكز في البلدة، حيث أقدمت على إشعال حريق في المكان، كما أقدم الجيش الإسرائيلي فجر الأحد على نسف عدد من المنازل في بلدة المنصوري جنوب لبنان.

وأعلن الجيش الإسرائيلي أنه هاجم أهدافاً لـ«حزب الله» في جنوب لبنان، وقال إن ذلك جاء رداً على إطلاق مسيّرة مفخخة باتجاه قواته خلال الليلة الماضية.

تلاميذ في اليوم الأول للمدرسة حيث سيتابعون دروسهم في قسم شُيِّد حديثاً -لكنه لم يكتمل بناؤه- من مدرسة «برج قلاويه» المتوسطة التي كانت قد تضررت سابقاً جراء غارات إسرائيلية (أ.ف.ب)

وكان الطيران الحربي الإسرائيلي قد شن، بعيد منتصف ليل السبت – الأحد، سلسلة غارات استهدفت بلدة النبطية الفوقا بغارتين، وأطراف كفرتبنيت، وبلدة ميفدون حيث دُمّر منزل بالكامل.

كما تعرضت دوحة كفررمان لقصف مدفعي مركّز، طال أيضاً وادي زبقين وأطراف مزرعة الشومرية وبلدة القصير، فيما نفذ الجيش الإسرائيلي تمشيطاً بالرشاشات الثقيلة باتجاه بلدات بيت ياحون وصربين ووادي زبقين.

والبارز في هذه التطورات استخدام إسرائيل مروحيات هجومية، وفي مقدمتها الأباتشي، بالتزامن مع دبابات وقصف مدفعي وغارات من طيران حربي، إضافة إلى تحركات على الأرض وعمليات نسف المنازل، ما يعكس استخداماً متنوعاً لوسائل النيران في أكثر من محور، في ظل الحديث الإسرائيلي عن تغيير في طبيعة العمليات.

مرحلة جديدة أم تثبيت مواقع؟

وفي قراءته لما يحصل في الساعات الماضية، يرى العميد المتقاعد والخبير العسكري حسن جوني أن العمليات الإسرائيلية الأخيرة في جنوب لبنان، التي استخدمت فيها دبابات «الميركافا» والمروحيات، قد تكون في سياق العمليات الروتينية التي كانت تُنفّذ سابقاً، أو في إطار استكمال وإنهاء العمليات المرتبطة بمنطقة المنصوري، خصوصاً أن الجيش الإسرائيلي أعلن أنه أوشك على إنهاء المرحلة التي كان عنوانها تدمير البنى التحتية لـ«حزب الله» في المنطقة.

جندي في الجيش اللبناني يستخدم هاتفه لتصوير دخان يتصاعد من مبنى في زوطر الشرقية تعرض لضربة إسرائيلية (رويترز)

وبالتالي، فإن السؤال الأساسي بعد انتهاء هذه المرحلة يتمحور حول طبيعة الخطوة الإسرائيلية التالية، وفق ما يراه جوني في حديث لـ«الشرق الأوسط».

ويقول: «وفقاً للمعلومات والمواقف الإسرائيلية، هناك حديث عن إعادة تموضع للجيش الإسرائيلي في مراكز ومواقع ثابتة يجري إعدادها، بما يشير إلى توجه نحو تثبيت الوجود العسكري الإسرائيلي ومواقعه الدفاعية في المنطقة العازلة وعلى تخوم الخط الأصفر، بما قد يؤدي إلى نوع من الاستقرار في شكل الانتشار الإسرائيلي في المنطقة».

ويتابع جوني: «إلا أن الأداء العملياتي للجيش الإسرائيلي، ولا سيما ما حصل يوم السبت مع التركيز على مناطق جبل الريحان ومحيطه، وجبل صافي وسجد، يثير مؤشرات مقلقة حول احتمال بدء عمل عسكري في منطقة إقليم التفاح، التي تقع جغرافياً شمال علي الطاهر».

ألسنة اللهب تتصاعد من جراء تفجير إسرائيلي لمنشآت «حزب الله» في مرتفعات «علي الطاهر» في 10 سبتمبر (أ.ف.ب)

إقليم التفاح آخر مناطق «حزب الله» اللوجستية

ويشير جوني إلى أن «إقليم التفاح يُعد تاريخياً من آخر المناطق في جنوب لبنان التي تضم قواعد لوجستية لـ(حزب الله)، ما يطرح تساؤلاً حول ما إذا كان هناك قرار إسرائيلي بمواصلة العمليات والتوسع باتجاه هذه المنطقة، وما إذا كانت تحركات الأمس تشكل مؤشرات أولية على التحضير لهذا التوجه، أم أنها تندرج في إطار إعادة التموضع وتثبيت المواقع الدفاعية».

من هنا يؤكد جوني أن الأيام القليلة المقبلة ستكون كفيلة بتوضيح المسار الذي ستتخذه العمليات الإسرائيلية في جنوب لبنان.

وكان قد سجل السبت قصف مدفعي منطقة وادي السلوقي -محيط بلدة شقرا، وأطراف زوطر الشرقية، كما استهدفت سلسلة غارات عنيفة الجبل الرفيع والريحان بين إقليم التفاح وقضاء جزين ورصدت 3 غارات على أطراف بلدة سجد نُفذت بصواريخ ارتجاجية وصل صداها إلى الزهراني.


كردستان العراق: تصاعد المخاوف من الانسحاب الوشيك لـ«التحالف الدولي»

مركبة تابعة لقافلة عسكرية أميركية تسير في أربيل عاصمة إقليم كردستان العراق (أرشيفية - أ.ف.ب)
مركبة تابعة لقافلة عسكرية أميركية تسير في أربيل عاصمة إقليم كردستان العراق (أرشيفية - أ.ف.ب)
TT

كردستان العراق: تصاعد المخاوف من الانسحاب الوشيك لـ«التحالف الدولي»

مركبة تابعة لقافلة عسكرية أميركية تسير في أربيل عاصمة إقليم كردستان العراق (أرشيفية - أ.ف.ب)
مركبة تابعة لقافلة عسكرية أميركية تسير في أربيل عاصمة إقليم كردستان العراق (أرشيفية - أ.ف.ب)

في حين تستعد الحكومة الاتحادية في بغداد للاحتفال الأربعاء المقبل، بما تصفه «يوم السيادة» الذي يصادف خروج قوات «التحالف الدولي» من العراق، تبدي غالبية الزعامات الكردية، وبخاصة في أربيل عاصمة الإقليم، مخاوف شديدة من هذا الانسحاب.

وأصدر المكتب الإعلامي لرئيس حكومة إقليم كردستان مسرور بارزاني، الأحد، بياناً توضيحياً بشأن التقرير المنشور في صحيفة «فاينانشال تايمز»، الذي تضمن عبارات منسوبة للبرزاني وصف فيها الانسحاب الأميركي بـ«المخجل»، وأنه «سيترك حلفاء واشنطن من الكرد بلا حماية».

رئيس وزراء إقليم كردستان العراق مسرور بارزاني (رويترز)

ورغم اللهجة المختلفة التي وردت في البيان بالمقارنة مع ما ورد في الصحيفة، فإنها لم تتجاوز حالة المخاوف من انسحاب الولايات المتحدة الأميركية التي تقود «التحالف الدولي» من العراق بحلول يوم 30 سبتمبر (أيلول) الجاري.

وقال بيان مكتب بارزاني إن «التقرير المنشور، لم يتوخَّ الدقة المهنية والموضوعية في نقل تصريحاته كما وردت نصاً، بل عمد كاتب التقرير إلى إقحام استنتاجات وتفسيرات شخصية طغت على حقيقة المضامين المصرّح بها».

وحول موقف الإقليم ورئيس وزرائه ذكر البيان أن «انسحاب القوات الأميركية وقوات التحالف الدولي من العراق يأتي في توقيت شديد الحساسية، حيث تعرض إقليم كردستان لأكثر من ألف هجوم صاروخي واعتداء بالطائرات المسيّرة»؛ في إشارة إلى الهجمات التي شنتها إيران وفصائلها المسلحة في العراق على الإقليم خلال الأشهر الماضية.

ويرى بارزاني أن «ترك إقليم كردستان مكشوفاً دون توفير أي منظومات دفاعية تحميه، أمرٌ يبعث على القلق».

وأضاف أن «استمرار حالة عدم الاستقرار الأمني في العراق، يُشكل تهديداً صريحاً لأسس النظام الاتحادي».

وعبر البيان، عن «اعتزاز الإقليم بعلاقاته الوثيقة مع الولايات المتحدة، وأنه يجري حوارات واتصالات مستمرة مع المسؤولين في الجمهورية الإسلامية الإيرانية، وقد جددنا التأكيد مراراً وتكراراً، على أن إقليم كردستان ليس طرفاً في أي حرب أو صراع».

مروحية أميركية تحلِّق بالقرب من قاعدة حرير في أربيل بكردستان العراق (أرشيفية - رووداو)

وأشار إلى أن «وجود قوى المعارضة الإيرانية في العراق وإقليم كردستان ليس وليد اللحظة، بل هو امتداد لسنوات طوال تعود جذورها إلى حقبة النظام السابق».

وهي الذريعة التي تتخذها إيران لشن هجماتها على الإقليم.

وخلافاً للاحتفالات التي تجريها بغداد بيوم الانسحاب وقد قامت بتعطيل الدوام الرسمي أربعة أيام في هذه المناسبة، لم ترد في بيان بارزاني أي عبارة ترحيب بذلك الانسحاب، لكنه أكد دعمه لمساعي رئيس الوزراء علي الزيدي «الرامية لمكافحة الفساد، ونزع سلاح الميليشيات، وتسوية الملفات العالقة بين أربيل وبغداد استناداً إلى الأطر الدستورية».

مخاوف مبررة

ويرى الباحث والمستشار كفاح محمود، أن المخاوف التي يعبر عنها الزعماء الكرد «مبررة» بالنظر لمجموعة المخاطر المرتبطة بعملية انسحاب أميركا والتحالف الدولي من العراق، وضمن تلك المخاوف، أن «تنظيم (داعش) لم ينته، حيث لا تزال لديه خلايا نائمة في مناطق حساسة جداً، سواء في محيط إقليم كردستان أو بغداد، وكذلك في الأنبار والموصل وتكريت. وهذه الخلايا تتحرك بين حين وآخر، وتنفذ بعض العمليات التي تعلن عنها بغداد أو قوات (البيشمركة)».

تصاعد دخان بعد انفجارات قرب مطار أربيل في كردستان العراق يوم 24 يوليو 2026 (أ.ف.ب)

ويعتقد محمود في حديث لـ«الشرق الأوسط»، أن «الانسحاب الأميركي سيشجع هذه الخلايا على التحرك، وسيمنحها مساحة أكبر للنشاط. خاصة أن منظومة الدفاع الجوي العراقية لم تكتمل حتى الآن، كما أن منظومة الرصد والاستطلاع لا تزال بحاجة إلى استكمال. ولا ينبغي أن ننسى أن الولايات المتحدة كانت تعتمد على الأقمار الصناعية وطائرات التجسس وغيرهما من وسائل الاستطلاع، لمراقبة تحركات الإرهابيين في العراق وتوفير المعلومات اللازمة للقوات العراقية».

إلى جانب ذلك، يرى محمود، أن «المنظومة العسكرية العراقية لم تصل بعد إلى المستوى الذي يؤهلها لحماية البلاد بصورة كاملة. فلا تزال هناك نواقص على مستوى التسليح والتجهيز وتكامل الصفوف العسكرية، والدليل على ذلك حالة التشرذم ووجود الفصائل المسلحة والميليشيات المتعددة».


العراق بين مطرقة العقوبات الأميركية المحتملة وسندان النفوذ الإيراني

واجهة «مطار بغداد الدولي» (أرشيفية - رويترز)
واجهة «مطار بغداد الدولي» (أرشيفية - رويترز)
TT

العراق بين مطرقة العقوبات الأميركية المحتملة وسندان النفوذ الإيراني

واجهة «مطار بغداد الدولي» (أرشيفية - رويترز)
واجهة «مطار بغداد الدولي» (أرشيفية - رويترز)

بقي قرارُ الحكومة العراقية تطبيق قرار وزارة الخزانة الأميركية؛ بشأن حظر الطيران الإيراني، موضعَ جدل كبير في ضوء رفض أطراف من قوى «الإطار التنسيقي» التزامه، مقابل الموقف الرسمي المعلن بالالتزام.

وطبقاً لمصدر حكومي، فإن بغداد تلقت تحذيراً أميركياً جدّياً من مغبة استقبال أي شركة طيران إيرانية في المطارات العراقية، علماً بأن حكومة رئيس الوزراء، علي الزيدي، كانت طلبت من واشنطن منح استثناء لبعض المطارات من قرار حظر الطيران؛ منها «مطار النجف» لأسباب إنسانية.

«مطار النجف» (متداولة)

وطبقاً لمصدر سياسي مطلع، فإن «العراق الآن بين المطرقة الأميركية والسندان الإيراني». وأضاف لـ«الشرق الأوسط» أن «الأمر يبدو في الواقع في غاية الصعوبة، حيث إن المضي مع ما تريده طهران بعدم الالتزام التام قرار حظر الطيران يمكن أن تترتب عليه عقوبات لم يعد بالإمكان تحملها عراقياً، لا سيما أن شحنة من الدولار الأميركي سوف تصل إلى بغداد قريباً في جزء من المباحثات الناجحة التي أجراها رئيس الوزراء، علي الزيدي، مع الإدارة الأميركية، خصوصاً الرئيس دونالد ترمب، خلال مشاركته في اجتماعات الجمعية العمومية للأمم المتحدة».

رئيس الحكومة العراقية علي الزيدي يلتقي الرئيس الأميركي دونالد ترمب في نيويورك يوم 23 سبتمبر 2026 (إعلام حكومي)

وكانت أسعار صرف الدولار شهدت في الآونة الأخيرة ارتفاعاً حاداً في الأسواق العراقية؛ مما انعكس سلباً على الحياة اليومية للمواطن العراقي في ظل عدم قدرة العراق على تصدير كامل نفطه من «مضيق هرمز»؛ بسبب رفض طهران منحه استثناء؛ مما أدى إلى تأخير دفع رواتب نحو 8 ملايين موظف ومتقاعد يعتمدون على الميزانية العامة للدولة.

المصدر السياسي المطلع قال إن «قادة (الإطار التنسيقي)، (الشيعي)، يحاولون مسك العصا من الوسط خلال نقاشهم الأمر بحضور الزيدي ومعه، لجهة عدم الذهاب بعيداً في تحدي القرار الأميركي، والإعلان في الوقت نفسه عن تأييدهم المحاولات التي يبذلها رئيس الوزراء من أجل الحصول على استثناء واحد ولو لمطار النجف فقط».

من داخل «مطار النجف الدولي» (واع)

وكان مصدر حكومي مسؤول أكد، الأحد، أن بغداد «تلقت تحذيراً أميركياً جدياً ومباشراً بأن استمرار استقبال أي شركة طيران إيرانية في المطارات العراقية يعرّض المطار والجهات والشركات التي تقدم خدمات لهذه الرحلات لعقوبات أميركية».

وقال المصدر في تصريح صحافي إن «الجانب الأميركي أوضح للحكومة العراقية أن الإجراءات العقابية لن تقتصر فقط على شركات الطيران الإيرانية المشمولة بالعقوبات، وإنما قد تطول أي جهة أو مطار يقدم خدمات أو يسهّل تشغيل رحلات تلك الشركات، بما في ذلك خدمات الهبوط والمناولة الأرضية والتزود بالوقود... وغيرها من الخدمات المرتبطة بالرحلات».

وأضاف المصدر الحكومي نفسه أن «هذا التحذير وضع الحكومة العراقية أمام خيار وحيد؛ هو تحاشي تعريض المطارات العراقية والقطاع الجوي والجهات العاملة فيه لعقوبات أميركية، وبالتالي الاستمرار في وقف استقبال الرحلات التابعة لشركات الطيران الإيرانية في المطارات العراقية».

وأشار المصدر إلى أن «القرار لم يكن مرتبطاً بموقف سياسي عراقي تجاه حركة الطيران مع إيران، وإنما جاء نتيجة المخاطر القانونية والاقتصادية المترتبة على العقوبات الأميركية، خصوصاً أن استمرار تقديم الخدمات للطائرات الإيرانية يعرّض الجهات العراقية المتعاملة معها لإجراءات عقابية».

من أحد اجتماعات «الإطار التنسيقي» بحضور رئيس الوزراء علي الزيدي (واع)

إلى ذلك، وفي وقت يقترب فيه موعد الانسحاب الأميركي من العراق نهائياً في 30 سبتمبر (أيلول) الحالي، فإن عملية «حصر السلاح بيد الدولة» بدأت تشهد تراجعاً واضحاً، بعد رفض فصائل عدّة التزام المهلة المقررة لذلك، في موازاة تصاعد الضغوط الأميركية لدفع بغداد إلى التزام تعهداتها في هذا الشأن.

ويقول أستاذ العلوم السياسية، الدكتور طالب محمد كريم، لـ«الشرق الأوسط»، إن «الحكومة العراقية تبدو عازمة بوضوح على إنجاز مبدأ احتكار الدولة القوة، ليس بوصفه ملفاً أمنياً فقط، وإنما بِعدّه جزءاً من إعادة بناء الدولة وترتيب علاقاتها السياسية والدولية وشراكاتها الاقتصادية». ويضيف أن «قواعد اللعبة نفسها بدأت تتغير؛ من منطق التوازن بين قوى مسلحة متعددة، إلى منطق دمج القوة ضمن مؤسسات الدولة، وبالتوازي مع ذلك؛ إعادة تعريف علاقات العراق بالولايات المتحدة و(الاتحاد الأوروبي) ودول الإقليم».

ولايتي

وفي السياق العام نفسه، كان لافتاً لمراقبين كثر في بغداد أن الهجوم العنيف الذي شنّه علي أكبر ولايتي، مستشار المرشد الإيراني مجتبى خامنئي، على «الإطار التنسيقي» ووصفه له بـ«الفارغ»، لم يحظ بأي رد من ذلك «الإطار» الذي يضم أبرز القادة الشيعة؛ بمن فيهم 4 رؤساء وزراء؛ 3 منهم سابقون، هم: نوري المالكي، وحيدر العبادي، ومحمد شياع السوداني، ورابع حالي هو علي الزيدي.