الوطن في التجارب السردية السعودية

في ثلاثة نماذج من القصة القصيرة

الوطن في التجارب السردية السعودية
TT

الوطن في التجارب السردية السعودية

الوطن في التجارب السردية السعودية

حكاية الإنسان على الأرض ومسيرته في الحياةِ تتعددُ باختلافِ الألسنِ وتباينِ الثقافاتِ، وتتحدُ بالمقابلِ في لغةٍ كونيةٍ جامعةٍ عندَ تعبيرها عنْ مفهومِ الأوطانِ. فالوطنُ حقيقةٌ فطريةٌ، ونزعةُ ذاتية اليقينِ، تتماهى فيها الأنا بموضوعها بما يشكلُ هويتها ويرسمُ مسارها، فيصبحُ الوطنُ هوَ جسد الإنسانِ الكبيرِ الممتدِ باتساعِ حدودهِ. وللسردِ تقنيتهُ الخاصة وطرقه المختلفة في التعبير عن مشاعر القاص الحميمية وقيمه النبيلة التي يرفعها عالياً ويحتفي بها كما هو نهجه اتجاه وطنه. فتارة، تُبرق العواطف على شكل غنائية تنتشي بها حروفه وتتضوع بها جمله وتتشرب بها حكاياته. وأخرى، تنكشف العواطف مسرودة بكثير من التفاصيل في نسيج من الحكايات التي هيضها الحنين إلى زمن ماضٍ في بقعة كانت مسرحاً لتلك العواطف وحاضنة لها.

من جانب آخر، نلحظ أن السرد، خصوصاً في جنس القصة القصيرة، وعند تناوله لموضوع الوطن، يفضل أن يختار - في الغالب - بين ثلاث طرق عند استعراضه لعواطفه: الوطن مختزلاً في مكان، أو الوطن من خلال أحد رموزه وشعاراته، والثالث عندما يوظف القاص تقنية «التجريد» ليتناوله من زاوية الوجدان. وفي جميع طرق التناول، نجد أن السرد بتعدد أساليبه، يستعير من الشعر بعض أدواته مثل الكناية والمجاز وأحياناً الاستعارة، ليخلق من ذلك صوراً شعريةً يتقارب فيها مع جنس القصيدة بصيغتها النثرية.

قبضة من تراب، نثار الذهب:

في النموذج الأول «الوطن برمزية المكان» يطالعنا تركي الرويثي في قصته «طمية»، بإحدى تقنيات السرد بتدوير الزوايا لخلق منظور مختلف لرؤية الموضوع. ففي قصته، يتأنسن المكان، ويكتسب صفة الأنثى، ويصبح الجبل كائناً أسطورياً، واعياً متكلماً: «أنا جبل، أنثى جبل، هل قلت لكم هذا من قبل، ذاكرتي أكلتها الأيام والليالي، هل قرأتم قصتي؟». بل يمتلك الجبل المقدرة على الحركة والترحال في مساحة شاسعة من الجغرافيا: «حدث أن جبلاً يقال لها (طمية)، تمردت وسارت في ليلة ظلماء... فرأت جبلاً أبيض يقال له (قطن) يختلف عن جبال منطقتها السوداء». يبوح الجبل بعواطفه متحدثاً عن نفسه وعن مشاعر من سكن بجواره بصيغة سردية مبتكرة: «إني أنتظركم، فتعالوا بسرعة، عن أي سرعة أتحدث، من مضى على مكوثها قرون، بأي قياس تقاس السرعة عندها؟ هذه الأمور نسبية، السرعة والحقيقة وكل المحسوسات والمعارف، اسألوني فأنا التي أعرف، لا يهم، المهم أن تأتوا وتحيوني، لا تنسوا».

ما يحاول القاص إثارته من خلال أسطرة المكان، أن يعبر عما يجيش في وجدان الجماعة ومخيالها إزاء نظرتها وحفاوتها بعظمة الطبيعة الحاضنة للإنسان والمترفقة به، وباعتبار أن ذلك اللاوعي الجماعي، بمثابة المستودع الذي تتوارثه الأجيال، ويشتمل على صور مترابطة وزخارف رمزية كثيرة تكمن لا شعورياً في أنفسهم، كما يراه عالم النفس يونغ.

سليل النخلة، حفيد الوطن:

أما ناصر الحسن في قصته «تباريح الصرام» - كنموذج لتوظيف الرمز الوطني - فهو يتناول مفهوم عشق الوطن من خلال أحد رموزه التي شكلت جزءاً من علامته وشعاره، أي النخلة، باعتبارها رمزاً وطنياً بامتياز، وذلك من خلال توظيفه لها في حكاية. لون من التذكير بالماضي الذي هو إحدى مهمات الكاتب «للتذكير بمجد الماضي من أجل الإبحار نحو المستقبل»، كما يقول ويليام فوكنر.

ناصر الحسن يصف العلاقة بالنخلة بصيغة سردية - شاعرية في نصه: «جذبه حفيف السعف وهو يختلط مع أصوات البلابل كمقطوعة كونية، شنفت أسماعه وهو يلف (كرّ) النخل حول خصره النحيل، استعداداً لصعوده، رفع رأسه مبتسماً ينظر إلى هام النخلة كمن يستأذن سيدة نبيلة للرقص، يتأكد من ربط الحبل جيداً، يقبض عليه بسواعد قروية جافة كتربة قبر منسي، ثم يضع رجله على جذعها المموج الدافئ بحكايا الأجداد، أخذ في الصعود وهو يستذكر موطئ قدم أبيه وجده، وفي كل مرة يباعد (الكر) عن جذع النخلة، يلتحم معها كمن يريد ضم معشوقته لأول مرة، يتنشق عبق تمرها يخطو في مدارجها وصوته يبح عن همهمة خفيضة، يبتعد عن الأرض فيصغر الحقل في عينيه كطائر مسافر، يقترب من نصفها فتهرب العصافير من سعفاتها، يتردد صدى الذكريات في رأسه: النخلة أمنا يا ولدي، تغذينا وتطعمنا صيفاً وشتاءً، وإن كنت باراً بها، فاحرص على رعايتها كحرصك على عينيك».

الهوية... المجرد والحسي:

قد لا يكون الإيحاء بالمعنى ميزة سردية بشكل مطلق، لكن عندما يستعير السرد هذه الأداة من الشعر، فهو في حقيقة منزعه محاولةً لاستطالة أفق انتظار القارئ للمعنى المراد إيصاله. ففي القصة القصيرة بشكل خاص، تقوم هذه التقنية أو الأداة بمناورة المتلقي ولا تمنحه المعنى بسهولة؛ كحبل طويل في نفق مظلم يمسك به القارئ حتى نهايته للوصول إلى المحطة التي استدرج فيها القاص قارئه. بينما تقنية الإيحاء بالمعنى في القصيدة الكلاسيكية لا تتعدى نطاق البيتين حتى تتضح قصدية الشاعر.

فمحمد الراشدي في قصته «بطاقة هوية» - كنموذج ثالث - يوظف هذه التقنية بمهارة شديدة، وينوع على مفهوم «الهوية الوطنية» باصطناع مفارقات لفظية وحبكات درامية مختلفة. يستعرض فيها مدلولات المعنى وفق أحداث يمتزج فيها الخيالي بالواقعي، مشكلاً مشاهد فانتازية. فالقاص، يستعرض في سرده عمق وتجذر الهوية الوطنية في الوجدان، وينزلها من مفهومها «التجريدي» إلى الحسي الملموس.

الحكاية تبتدأ بهذا المشهد: «اكتشفت ذلك أول مرة مصادفة؛ حين ناولني موظف الأحوال المدنية بطاقة الهوية الجديدة. كانت أنيقة وصقيله وبياناتها مخطوطة بحروف وأرقام واضحة. راجعت البيانات على عجل وحين تأكدت من صحة المكتوب فيها، قمت أحاول إدخالها في الجيب المخصص لها من المحفظة. كان مقاسها أكبر قليلاً من مقاس جيب المحفظة، وعندما حاولت أن أضغط طرفها قليلاً لأسلكها عنوة في الجيب؛ انغرس الطرف المرهف في إبهامي حتى نضحت قطرة دم صغيرة على حافة البطاقة. عرفت لحظتها أن بطاقة الهوية الجديدة تلك لا تشبه بقية البطاقات في محفظتي؛ فهي إلى جانب أنها لامعة جداً، وأنيقة جداً؛ هي كذلك مرهفة الحواف جداً إلى الحد الذي يمكن معه أن تجرح وتنهر الدم...».

إذن، هذا هو مشهد التهيئة والمدخل إلى المفهوم العميق للهوية باعتبارها عاطفة فطرية سامية غالباً، ولها جانبها الآيديولوجي الذي يجب التعاطي معه بحذر. ولعل ذلك المعنى يتضح بتقدمنا في قراءة النص: «كان استخدامي لتلك (الْهَوَيَةْ) كما ينطق الناس اسمها مختصراً هنا - في مواضع القطع والبتر والجرح أكثر بكثير من استخدامها فيما أعدت لأجله، وفي المرات القليلة التي كان فيها شرطة نقاط التفتيش يطلبون فيها أوراقي الرسمية؛ كنت أضحك في نفسي حين أتخيل أنهم سيعتقلونني بتهمة حيازة سلاح أبيض وإشهاره أمام رجال الأمن».

وفي الجزء الأخير من الحكاية، يعود الخطاب السردي إلى التجريد في المفهوم مجدداً؛ ويكون فضاؤه هذه المرة هو الحلم، حيث المساحة التي تمهر فيها المخيلة وتنشط للبوح: «وفي المساء كنت أراني في المنامات دائماً في حشود من البشر تحتدم بينهم طبول مجنونة الإيقاع. وهويتي في المنام تستحيل خنجراً طويلاً معقوفاً وفاخراً... كنت أشق الجموع... أرقص بينهم العرضة وخنجري يبرق كالشهاب فوق هامتي. وفي المنام أيضاً كنت أنازل بخنجري غرباء أراهم في الحلم أشراراً تتمزق أوصالهم بحد هويتي».

رؤية قيد الاختبار

بهذه النماذج الثلاث، يمكننا الوصول إلى استنتاج واضح فيما يخص الأسلوب السردي في القصص القصيرة عند تناوله لموضوع الوطن؛ فهو يصبح عاطفياً، شاعرياً، تجمح فيه العواطف بمحرضات الحنين إلى زمان «طوباوي»، وتتقاطع مع أمكنة أثيرة مكونة حدثاً ورؤية متخيلة؛ لوصف مشاعر الذات إزاء موضوع تُعلي من شأنه ويسكن عميقاً في حناياها؛ فتترجمه في جنس أدبي يمتزج فيه السردي بالشعري. فالتناول بوحي الحنين «نوستالجيا» كان مدلوله في السابق «مرضاً منغمساً في الماضي»، بينما ينظر إليه اليوم «باعتباره عاطفة مبهجة تعيد صياغة المستقبل»، كما ترى ذلك المؤرخة في تاريخ الطب أغنس أرنولد فوستر.

وفيما عدا النماذج السابقة، يتم تناول الموضوع الوطني في القصص القصيرة السعودية بطريقة غير مباشرة، وعلى شكل إشارات تبرز التحولات الجذرية في حياة الفرد السعودي، وحقبة دخوله في العصرنة والحداثة بفعل خطط التنمية والإنجازات الكبرى المتحققة، وهو تعبير عن الامتنان والشعور بالعرفان، وتطلعات لاستشراف المستقبل. وبهذا، يكون القاص، كما هو الشاعر في نظمه، قد عبر عن مجتمعه بأسره؛ لأن القصة لا تكتفي بسرد مغامرات أفراد فحسب، إنما سرد «المجموع الذي ندعوه (مجتمعاً)، وهو لا يتألف من أناس، بل من كل ما هو مادي وثقافي»، كما يقول ميشيل بوتور.

كاتب سعودي



تهافت الكتابة والنشر والتوقيع على الفراغ

عراقيون يعاينون كتباً معروضة بشارع أبو نواس وسط بغداد ضمن فعالية «أنا عراقي أنا أقرأ» حيث وزع 30 ألف كتاب مجاناً (أ.ف.ب)
عراقيون يعاينون كتباً معروضة بشارع أبو نواس وسط بغداد ضمن فعالية «أنا عراقي أنا أقرأ» حيث وزع 30 ألف كتاب مجاناً (أ.ف.ب)
TT

تهافت الكتابة والنشر والتوقيع على الفراغ

عراقيون يعاينون كتباً معروضة بشارع أبو نواس وسط بغداد ضمن فعالية «أنا عراقي أنا أقرأ» حيث وزع 30 ألف كتاب مجاناً (أ.ف.ب)
عراقيون يعاينون كتباً معروضة بشارع أبو نواس وسط بغداد ضمن فعالية «أنا عراقي أنا أقرأ» حيث وزع 30 ألف كتاب مجاناً (أ.ف.ب)

تكتسب الكتابة أهميتها البالغة من كونها خروجاً بالكلام من مستوى المشافهة والارتجال إلى مستوى التأليف والتركيب والمزاوجة غير العادية بين الألفاظ، إضافة إلى أنها تتصدى على نحو دائم للامتحان القاسي للزمن، خلافاً للكلام المنطوق والمتلاشي مع الهواء. والقرآن الكريم نفسه لم يكتمل إلا بالكتابة والتدوين، بعد أن كان كلاماً منقولاً على لسان الوحي. وحين اكتمل سُمّي «الكتاب»، باعتباره كمال الكتابة الجامعة ومطلقها ومعجزها الإلهي. وحين يضع الكاتب إشاراته وعلاماته على الورقة البيضاء، فهو يضع ما يختزله ويعرّف به، كأنه يقدم المحاولة الوحيدة والأهم التي تتيح له الحياة خارج الجسد وبمعزل عنه.

وقد تعددت معاني الكتابة ودلالاتها عند العرب. فاللحياني يعتبر أن الكتاب يعني الاسم، وهو تفسير يستند إلى الكتب السماوية التي تعادل أسماء العلَم لشدة شهرتها وتأثيرها. هكذا تصبح الكتابة في أعلى مراتبها، تسمية للأشياء وإعادة خلق لها من جديد. فأنت حين تسمي الشيء تسمية جديدة تبدو وكأنك تبدعه وتمنحه ولادة أخرى. وإذ يقوم الكاتب المبدع بهذه المهمة، فهو يترك في نفس قارئه حالة من الدهشة والذهول، شبيهة بتلك التي يتركها السحر في نفسه؛ الأمر الذي يؤكده الحديث الشريف: «إن من البيان لسحراً».

وحيث يذهب ابن الأعرابي إلى أن الكاتب هو العالِم؛ فهو يستند في تفسيره إلى الآية الكريمة «أَمْ عِندَهُمُ الْغَيْبُ فَهُمْ يَكْتُبُونَ»، بما يجعل من الكتابة معرفة بحقائق الكون وأسراره المحتجبة. وهو تفسير يبتعد بالكتابة عن التأليف الجمالي البحت ليجعلها أداةً لاكتشاف الحقيقة وسبر المجهول. فالكاتب الحقيقي هو راءٍ ومستشرف وسابر أغوار، وليس مجرد لاعب ماهر في «سيرك» الكلمات، أو مهرج على موائد اللغة. إنه الأمين على الحقيقة والمؤتمن على المعرفة والمنوط بتجديد مياه العالم، ومنع النهر المجازي الذي تسهم المخيلات العظيمة في تشكّل، من أن يتحول مستنقعاً لمياه الكلمات الآسنة.

لذلك كله؛ فإن هناك فوارق كبيرة بين الكتّاب والكتبة. ففي حين يشير الجمع الأول إلى أولئك المعنيين بتغيير العالم وتظهيره على صورة النص ومثاله، يشير الآخر إلى الذين يكتفون من الكتابة بجانبها التقني المتعلق بالصياغة وصحة التأليف وسلامة التركيب النحوي، بما يؤهلهم لتسنم الوظائف المختلفة وتحرير العقود وتدبيج المدائح والأهاجي، أو تحرير خطب الزعماء والقادة السياسيين. وقد يكون الفارق بين الطرفين هو نفسه الفارق بين الشعراء والنظامين، حيث لا يكتفي الشاعر بموهبته الخام وحدها، بل يضيف إليها فرادة اللغة وقوة الحدس وخلخلة العلاقة المألوفة بين الدال والمدلول، في حين يكتفي النظّام بالنوم الهانئ على حرير الإلمام بالأوزان والقوافي والصياغات المستهلكة.

وإذا كنا نجد في حقب التاريخ المختلفة ما نحتاج إليه من الشواهد الدالة على الفارق بين مستويي الكتابة المتباعدين، فقد يكون العصر العباسي أحد أكثر العصور ازدحاماً بالكتاب والشعراء الكبار من جهة، وبالكتبة والمتشاعرين، من جهة أخرى. وفي حين عُرف ذلك العصر الزاخر بالتناقضات، أسماء عديدة نهضت بالنثر العربي إلى مستوياته الأرفع، كما هو حال ابن المقفع والجاحظ وأبي حيان التوحيدي وبعض كبار الصوفيين، عرف بالمقابل كتائب لا تحصى من كتّاب الدواوين، وأهل الكدية والشطار والعيارين الذين كانوا يبيعون مهاراتهم اللغوية في سوق النخاسة الأدبي. ولم يكن حال الشعر بعيداً عن حال النثر، حيث شهدنا إلى جانب القامات العالية لأبي تمام وأبي نواس وابن الرومي والمتنبي والمعري، جحافل مقابلة من النظامين والقوالين الصغار، الذين وصفهم أبو الطيب بقوله:

«أَفي كُلِّ يَومٍ تَحتَ ضِبني شُوَيعِرٌ

ضَعيفٌ يُقاويني قَصيرٌ يُطاوِلُ؟»والأرجح، أن افتتان العرب بالشعر والشعراء في مختلف العصور هو واحد من الأسباب التي جعلت الكثير من شحيحي المواهب، يندفعون بحماس بالغ للحصول على لقب شاعر، ويستميتون لانتزاع الاعتراف بهم كشعراء «شرعيين». إلا أن ما كان يسود الساحات الأدبية القديمة من انتحالات المنتحلين واقتحامات الدخلاء لا تمكن مقارنته بالفوضى العارمة التي حولت ساحاتنا الثقافية الراهنة برج بابل هائلاً من الرداءة والعقم والانتحال، مضيفة إلى تهافت الشعر تهافتاً مماثلاً في الرواية والقصة والفنون المختلفة.

ومع أن التهافت المشار إليه لا يعود إلى عامل واحد، بل يجد بعض أسبابه في تراجع الحركة النقدية الجادة، والتراجع المماثل للصحافة الثقافية التي كانت قبل سنوات محل خشية الكثير من المتطفلين على الكتابة، وتحول مواقع التواصل الاجتماعي منصات مفتوحة لتفريخ الآلاف من المتشاعرين والمتشاعرات، عدا استثناءات قليلة لا تلغي القاعدة. ولم يكن ينقص المشهد المضحك المبكي سوى دخول الذكاء الاصطناعي على خط التأليف السريع، لكي نحصل على جيوش جرارة من الكتاب المعلبين، والجاهزين للاستخدام الفوري.

عبارة «الذكاء الاصطناعي» ولوحة مفاتيح ويد آلية (رويترز)

ولا يمكن في هذا المجال إغفال الدور السلبي الذي يلعبه الكثير من الناشرين في تسويق الرداءة وتسويغها والترويج لها. ذلك أن معظم هؤلاء لا يهمهم من الكتب التي ينشرونها سوى ما تدر عليهم من الأرباح، والمبالغ الفورية التي يتقاضونها من المؤلفين. أما الالتزام بما يوفر لمنشوراتهم الشروط الفنية والإبداعية المطلوبة، كالاستعانة بلجان للقراءة والمصححين ومحرري النصوص، فهي أمور لم تخطر إلا على بال القلة القليلة من الناشرين الأوفياء للثقافة وأهلها.

وإذا كان من موجبات الإنصاف التنويه بالجهود المضنية التي بذلها القيّمون على معرض بيروت الأخير للكتاب، سواء من حيث الإدارة والتنظيم وتوفير مساحات إضافية لحركة الزائرين، أو من حيث استضافة المعرض عدداً من المبدعين العرب وازدحام قاعاته بالندوات الفكرية والأدبية وأمسيات الشعر، فإن ذلك لا يمنع من الملاحظة بأن نسبة قليلة من هذه الندوات كانت تتسم بالعمق والغنى الفكري والمعرفي، في حين بدا جانبها الأوفر والأكثر هزالاً، وكأنه قد لُفق بين الناشرين والكتاب لأسباب تجارية وإعلانية محضة.

إلا أن الكارثة الحقيقية تمثلت في التفاقم غير المسبوق لحفلات التوقيع، حيث غصت أجنحة المعرض وأروقته بالمئات من الكتبة والمستكتبين والساردين والمستسردين والشعارير والمتشاعرين، الذين جلسوا متراصفين للتوقيع على مؤلفات فارغة، إلا من الضحالة وخواء الأفكار والهزال الأسلوبي والمعرفي. أما الناشرون، من جهتهم، فلم يتوانوا عن مضاعفة أسعار الكتب والمنشورات التي تم تلفيقها على عجل؛ لأنهم كانوا يدركون تماماً بأن الوافدين إلى المناسبة هم بغالبيتهم من عائلة المؤلف أو حزبه أو طائفته، أو أصدقائه ومناصريه، ممن لن يبخلوا عليه وعلى كتابه بالغالي والنفيس من العطاءات.

ولست أملك أخيراً، وأنا أعرض على نحو مرير لبعض ما يحكم حياتنا الثقافية من أعراض الضحالة المستشرية سوى تذكّر الشاعر اللبناني خليل حاوي الذي تتلمذت عليه مع زملاء كُثر في الجامعة اللبنانية، والذي كان إلى تجربته الشعرية المميزة، مفرطاً في عصبيته وتقلب مزاجه وتبرمه الدائم بالانهيارات المتسارعة التي آلت إليها أوضاع الوطن والأمة في تلك الحقبة من الزمن. وقد حدث أن التقيته صدفة في شارع الحمراء، حيث تبادلنا بعض الأحاديث المتعلقة بشؤون البلاد قبيل الاجتياح الإسرائيلي لبيروت عام 1982، وحين سألته عن سبب انقطاعه عن الكتابة لسنوات عدة سابقة، دخل للحظات في حالة من الكمد الصامت؛ ثم تغيرت ملامحه على نحو مفاجئ، وتدافعت كلماته كالسيل، وهو يتحدث متبرماً عن فوضى الكتابة والنشر، وعن غياب المعايير النقدية التي تمنع جحافل الطفيليين من الاستيلاء على الحياة الثقافية ومصادرتها.

وقد وجّه حاوي القسم الأكبر من سخطه باتجاه الشعر الذي استباح ساحته - وفق رأيه - عدد لا يحصى من النظامين والأدعياء وعديمي المواهب، ثم أنهى خطبته الغاضبة بالقول: «كيف يمكنني ألا ألوذ بالصمت وقد أصبح لقب (شاعر) أمراً باعثاً على الخجل؟». وإذ أتذكر هذا اللقاء مع خليل حاوي الذي جرت وقائعه في أوائل ثمانينات القرن الماضي، فإنني أتساءل على الدوام عما كان سيقوله صاحب «نهر الرماد»، لو امتد به العمر إلى أيامنا هذه؟!

لا يمكن إغفال الدور السلبي الذي يلعبه الكثير من الناشرين في تسويق الرداءة وتسويغها والترويج لها


مجسمات أنثوية أموية من بوادي الشام

مجسمات أنثوية أموية من بوادي الشام
TT

مجسمات أنثوية أموية من بوادي الشام

مجسمات أنثوية أموية من بوادي الشام

شيّد خلفاء بني أمية سلسلة من المنشآت المعمارية في نواحٍ متفرقة من بوادي بلاد الشام، خربت مع مرور الزمن، وتحوّلت إلى أطلال منسية بدت مجهولة الهويّة، إلى أن بدأ استكشافها في نهاية القرن التاسع عشر. تطور هذا الاستكشاف بشكل كبير خلال العقود الأولى من القرن العشرين، إثر قيام العديد من البعثات الأجنبية المختصة بحملات مسح وتنقيب موسّعة، أسفرت عن ظهور مواقع احتلت مكانة رفيعة في هذا الميدان. هكذا برزت المنشآت المعمارية المدنية في موازاة المنشآت الدينية التي اشتهر بها الأمويون، وبدت بأحجامها الضخمة قصوراً، عُرفت منذ تلك الحقبة باسم «قصور البادية». تميّز عدد من هذه القصور بحلله المنقوشة التي مزجت بين الحفر والنحت، وجمعت بين العناصر التصويرية والشبكات الزخرفية في قوالب مبتكرة. تعدّدت هذه العناصر التصويرية وتنوّعت بشكل كبير، واتخذت شكل مجسّمات شابهت في تكوينها التماثيل المنحوتة. احتلّت المجسّمات الأنثوية مقاماً رفيعاً في هذا الحقل، وشكّلت مجموعات متفرّقة، أكبرها وأهمّها تلك التي خرجت من قصر في قرية خربة المفجر، شمال أريحا.

يُعرف هذا القصر اليوم باسم «قصر هشام»، نسبة إلى هشام بن عبد الملك، عاشر خلفاء الدولة الأموية، وقد استخدمه من بعده كما يبدو الخليفة الوليد بن يزيد، على ما تؤكّد الدراسات الميدانية، وهو مؤلّف من طبقتَين وفناء أمامي، ويجاوره حمام يقع على بُعد أربعين متراً، إلى الشمال من القصر. في الركن الشمالي الغربي من قاعة الاستقبال الخاصة بهذا الحمّام، نقع على مقصورة صغيرة خاصة بالخليفة تُوصف بغرفة الديوان التي حوت مجموعة من الألواح الجصية المنقوشة زيّنت في الأساس جدرانها وقبّتها، كما حوت مجموعة من التماثيل، ضمّت عدداً من المجسّمات الأنثوية. كشفت عن «قصر هشام» بعثة بريطانية قامت بأعمال التنقيب فيه في ثلاثينات القرن الماضي، ونقلت مكتشفاته إلى متحف أنشأته في القدس الشرقية وأطلقت عليه اسم «متحف فلسطين للآثار»، الذي يُعرف باسم «متحف روكفلر» في ظل الحكم الإسرائيلي. تحضر مجسّمات «قصر هشام» الأنثوية في هذا المتحف، وتظهر مراجعة التقارير التوثيقية بأن القسم الأكبر منها وصل بشكل مجتزأ، وتمّ ترميمه لاحقاً.

تأخذ هذه المنحوتات شكل قامات منتصبة، وتحاكي من حيث الحجم المثال الطبيعي، إذ يبلغ طولها نحو 1.5 متر. لا يزال تحديد هوّية هذه الأنصاب موضع بحث، والشائع أنها تمثّل جاريات الديوان الملكي، وتتبع من حيث التكوين العام طرازاً واحداً جامعاً، وقوامه امرأة تقف بثبات على قدميها، وترفع ذراعيها نحو الأعلى. كانت هذه التماثيل الأنثوية ملوّنة، كما تشهد بعض الآثار اللونية التي توشّحها، وأغلبها بالأحمر النبيذي والأسود الفحمي. اللباس واحد وقوامه إزار بسيط يلتف حول الخصر، وينسدل حتى أسفل الركبتين. تعلو هذا الإزار شبكة من الخطوط الملتوية تحاكي ثناياه، ويزيّنه شريط ينعقد حول الحوض على شكل حزام، وشريط آخر يحدّ طرف قماشته، مشكّلاً بطانة عريضة يستقر أعلاها وسط الساقين المتلاحمتين.

في قراءة سريعة، تبدو هذه التماثيل كأنها تتبع تكويناً أنثوياً واحداً وجامعاً، يتمثّل في جسد مكتنز وممتلئ، يميل إلى شيء من البدانة. كذلك تبدو تسريحة الشعر واحدة، وهي على شكل كتلة ضخمة، تنعقد خصلاتها الطويلة إلى الخلف. سمات الوجوه واحدة، وهي في وضعية المواجهة، مع عينَين ضخمتَين تحدّقان في الفراغ، يعلوهما حاجبان عريضان مقوّسان. في المقابل، تظهر القراءة المتأنيّة أن هذه التماثيل تتشابه في الظاهر، غير أنها لا تتماثل، إذ تختلف في التفاصيل، كما تشهد أربعة نماذج منها وصلت بشكل شبه كامل.

ترفع إحدى هذه الجاريات الأربع رأسها بثبات، وتتزيّن بعقد عريض تتدلّى منه قلادة نصف دائرية، وسوارين مجرّدين يلتفّان حول أعلى الذراعين، وتظهر منتصبة وهي ترفع بيدها اليمنى باقة من الزهور. في المقابل، تحني جارية أخرى رأسها انحناءة بسيطة، وتتزين بقرطين يتدليان من أذنيها، وتظهر وهي ترفع بيدها اليسرى سلة من الزهور. تتغيرّ هذه الوقفة في نموذج ثالث، وفيه تبدو الجارية وهي ترفع رأسها نحو الأعلى، وكأنها تحدّق في اتجاه اليسار، وتكلّل رأسها زهرة كبيرة تستقرّ في وسط كتلة شعرها. تتكرّر هذه الوقفة في نموذج رابع، مع اختلاف في حركة الرأس الذي يستعيد هنا سكونه الكلّي في وضعيّة المواجهة الثابتة. في الخلاصة، يتميّز كل من هذه التماثيل الأربعة بعناصر خاصة به، ويحتاج إلى قراءة معمّقة مستقلّة تكشف عن سمات هذه العناصر.

على الصعيد الفنّي، تعكس هذه المجسّمات أثر التقاليد الساسانية المكرّسة، وتشكّل امتداداً للنحت المحليّ الذي ساد خلال القرون التي سبقت الحقبة الأموية في تدمر كما في العديد من المواقع الصحراوية الكبرى. تستمدّ المجسّمات الأموية أسس تكوينها من هذا الميراث، غير أنها تتميّز بسمات خاصة، تشهد لمثال أنثوي أموي، ظهرت خصائصه تشكيلياً عند دراسة جداريات موقع أموي من مواقع البادية الأردنية يُعرف بـ«قصير عمرة». من جهة أخرى، تحضر هذه الخصائص كذلك في قطع نحتية جزئية خرجت مهشّمة من قصر آخر من قصور البادية الأردنية، يُعرف باسم «قصر المشتّى». تشكّل هذه القطع المهشّمة صورة ناقصة لهذا المثال الأنثوي المحلي، وتشكّل مجسّمات خربة صورة بالغة لاختمار هذا المثال الأنثوي المحلي، وتؤلّف مجموعة استثنائية لدراسة سماته وخصائصه.


تاريخ العنف في رواية سريلانكية

تاريخ العنف في رواية سريلانكية
TT

تاريخ العنف في رواية سريلانكية

تاريخ العنف في رواية سريلانكية

صدر أخيراً عن «دار صفصافة للنشر»، في القاهرة، رواية «أقمار مالي ألميدا السبعة»، للروائي السريلانكي شيهان كاروناتيلاكا، بترجمة الشاعر والمترجم المصري ميسرة صلاح الدين. الرواية فائزة بجائزة البوكر عام 2022، وتدور في كولومبو 1990، أكثر الأعوام عنفاً في التاريخ السريلانكي.

تمزج الرواية بين التحقيق البوليسي والفانتازيا وقصص الأشباح والكوميديا السوداء، والرواية السياسية. وتنطلق من فكرة غريبة؛ إذ يستيقظ «مالي ألميدا»، المصور الحربي والمقامر، بعد موته ليجد نفسه في عالم الأموات. لا يعرف من قتله، وأين أصبح جسده، لكنه يملك وقتاً محدوداً للوصول إلى الأشخاص الذين يحبهم وإرشادهم إلى مجموعة من الصور السرية التي التقطها خلال الحرب. صور يمكن أن تكشف عن جرائم وحقائق خطيرة، وتحوّل أرشيف المصور الميت شهادةً أخيرة على عالم حاول طمس ذاكرته، وإقصاءه قسراً من الحياة.

يهيمن إيقاع الكوميديا بهالاتها السوداء على مناخ الرواية. فالجحيم الذي يصوره الكاتب ليس مكاناً للنيران والعذاب التقليدي، بل عالم بيروقراطي عبثي، تتكدس فيه الأرواح وتنتظر إجراءات انتقالها إلى المجهول. بينما تبدو الدوائر الحكومية في عالم الموتى امتداداً ساخراً لعالم الأحياء، وتتحول البيروقراطية أداةً روائية تكشف عن عبثية الحياة والموت معاً. ولا يكتفي الكاتب بالسخرية من الموت؛ فهو يستخدمها لمواجهة واقع أكثر قسوة، يغص بالاغتيالات، والاختفاءات، والعنف السياسي، والحرب الأهلية. لذلك؛ لا تأتي الضحكة في الرواية بوصفها هروباً من المأساة، وإنما بوصفها طريقة للنظر إليها من مسافة أبعد، ومراوغة أحياناً، مسافة تسمح باحتمالها.

يذكر أن شيهان كاروناتيلاكا كاتب سريلانكي بارز، وُلد عام 1975 في جالي، ونشأ في كولومبو، قبل أن ينتقل إلى لندن، ويُعدّ من أبرز الأصوات الأدبية المعاصرة في جنوب آسيا. تمتاز أعماله بمزج لافت بين الكوميديا السوداء والنقد الاجتماعي العميق، وتنطلق من تفاصيل الحياة اليومية، لتلامس قضايا كبرى، مثل الحرب والذاكرة والعدالة. وحظيت بتقدير عالمي، توّج بحصوله على جائزة البوكر، وجوائز مرموقة أخرى.

من أجواء الرواية، نقرأ: «تكمل شمس الصباح صعودها. يمتلئ الطريق بالسيارات والناس يتجولون للحصول على الغداء. تنظر إلى الدم على ملابسك. لا يبدو أنك مت في نومك. قتلت منظمة نمور التاميل د. راني سريداران، قتلت الحكومة ريتشارد دي زويسا، وقتلت الجبهة الشعبية للتحرير محبوبَ الشاشة فيجايا كوماراتونجا. فمن قتلك أنت؟

الأشجار مزدحمة بالعيون، والممر مسدود بالغِيلان. وهناك ثلاث جنازات، كل واحدة يحضرها حشد من الأرواح. يخبرك سينا أن الأشباح تحب الجنازات أكثر مما يحب البشر حفلات الزفاف.

تدفع نفسك عبر الريح وتطير بين قبور موتى كولومبو. هنا يرقد الجنود الأبطال، والسياسيون المقتولون، والصحافيون ذوو الأفواه الكبيرة. تبحث عن وجوه مألوفة، شخصيات مشهورة مثل د. راني أو ربما الأمير فيجايا. لكن كل ما تراه هو أرواح مجهولة ومنسية، كما كانت في حياتها. وبين المفجّرين، والمحروقين، والمختفين، توجد أنت، وسبب وفاتك لم يُحَدَّد بعد».