بَعد «بيجر» لبنان... هل يمكن تفجير هواتفنا الجوالة عن بُعد؟

مخاوف من اختراق الهواتف الجوالة وتفجيرها (أ.ف.ب)
مخاوف من اختراق الهواتف الجوالة وتفجيرها (أ.ف.ب)
TT

بَعد «بيجر» لبنان... هل يمكن تفجير هواتفنا الجوالة عن بُعد؟

مخاوف من اختراق الهواتف الجوالة وتفجيرها (أ.ف.ب)
مخاوف من اختراق الهواتف الجوالة وتفجيرها (أ.ف.ب)

أثار الاختراق الأمني غير المسبوق لأجهزة النداء «البيجرز» واللاسلكي التابعة لعناصر من «حزب الله» في مختلف أنحاء لبنان ووقوع الآلاف من التفجيرات المتزامنة يومي الثلاثاء والأربعاء، العديد من التساؤلات عن مدى خطورة أجهزة الجوال الشخصية وإمكانية تفجيرها عن بعد.

وتُصنع بطاريات الأجهزة الجوالة من مواد كيميائية سريعة الاشتعال، إلا أن هناك وحدة تحكم متصلة مباشرة بالبطارية ومدمجاً بداخلها برمجيات خاصة للحفاظ على سلامتها وضمان خصائصها الفيزيائية والكيميائية.

وبالرغم من ذلك يمكن التلاعب بوحدة التحكم هذه بصورة خبيثة عبر طرق متعددة للاختراقات، أهمها استبدال بالوحدة بأكملها أخرى تحوي برمجيات خبيثة تستطيع رفع درجة حرارة البطارية لدرجة الاشتعال، ويمكن أن يجري عمل ذلك لاستهداف جهاز معين أو أي عدد من الأجهزة كما جرى في الحالة اللبنانية بحسب المهندس أحمد سلام، مؤسس ورئيس شركة تقنيات الحماية العميقة «ديب سيف تكنولوجي» (DeepSAFE Technology)، ورئيس أبحاث الأمن والحماية في شركات «مكافي» و«إنتل» و«نوكيا» سابقاً.

تشييع قتلى تفجيرات الأجهزة اللاسلكية في لبنان (أ.ف.ب)

وهناك أيضاً «بطاريات يمكن أن يتم صناعتها بطريقة خبيثة، بحيث يدخل صناعتها مواد متفجرة قابلة للاشتعال، إما برفع درجة الحرارة إلى درجة معينة أو عن طريق وحدة متصلة بها تقوم بتفعيل منظومة التفجير»، وفق سلام. ويمكن أن «يتم كل هذا عن طريق وضع وحدة تحكم شديدة الصغر تلحق بالبطارية من الداخل مع وجود وحدة اتصال خارجي يمكن أن تتلقى إشارات عن بعد، سواء كانت عن طريق موجات راديو أو أي موجات كهربائية لا سلكية»، وفق ما قاله سلام لـ«الشرق الأوسط».

ويمكن أن «يأتي تزامن التفجيرات على الرغم من عدم وجود أي اتصال مع العالم الخارجي»، بحسب تعبير سلام الذي يشير إلى أنه «قد يتم الانتظار للحظة زمنية معينة تم برمجتها مسبقاً داخل البرمجيات الخبيثة، بحيث تحدث التفجيرات كلها في ذات اللحظة الزمنية، تماماً كما هو الحال مع آلية عمل القنابل الموقوتة».

في حين يؤكد ماهر القاضي، أستاذ مساعد في قسم الكيمياء بجامعة كاليفورنيا بلوس أنجليس، والرئيس التنفيذي للعلوم والتكنولوجيا بشركة «نانوتك إينيرجي» الأميركية، وهي شركة متخصصة في تطوير وإنتاج البطاريات، أن «الانفجارات التي جرت في لبنان لم تأتِ بالصدفة وإنما عن عمد»، مرجحاً «زرع دائرة تحكم جرى تفعيلها عن بعد، وهو ما يفسر تزامن التفجيرات».

جهاز لا سلكي قبيل تفجيره من عناصر الجيش اللبناني (أ.ف.ب)

وقال القاضي في تصريحات لـ«الشرق الأوسط» إن «هناك العديد من الآليات التي يمكن أن تؤدي لانفجار أي بطارية؛ أولها تعرض الجهاز الجوال أو السيارة الكهربائية لحادث يؤدي لاختراق جسم معدني للبطارية، أو الضغط على أجزاء البطارية بمعدل مرتفع يؤدي لانضغاط أجزائها وتدميرها، أو وقوع البطارية من مكان مرتفع يؤدي لتدمير أجزائها». لكن وفق القاضي «يبقى هناك احتمالان آخران، هما وجود محفز خارجي يؤدي لارتفاع درجة حرارة البطارية لمعدلات عالية جداً تتسبب في انفجارها، والاحتمال الآخر يرتبط أيضاً بوجود مؤثر خارجي يؤدي إلى توصيل الطرف الموجب بالطرف السالب داخل البطارية، وهما سيناريوهان حدث أحدهما في لبنان».

ووفق خبراء، فإنه يمكن اختراق أجهزة جوال ودمج برامج خبيثة فيها من أجل تفجيرها من خلال الوصول إليها في أي من مراحل التصنيع أو التوريد أو عبر شبكة الإنترنت.

ويطمئن القاضي الجمهور العام بأنه من دون مسبب خارجي متعمد فإن احتمالية انفجار البطارية نتيجة عيوب التصنيع لا تتعدى بطارية واحدة لكل 10 ملايين بطارية، مضيفاً أن هناك اختبارات قاسية تجرى لضمان تحمل البطاريات للحرارة المرتفعة، والتي قد تصل إلى ما يزيد عن 150 درجة مئوية. ولكن ذلك لم يمنعه من وصف بطارية الليثيوم أيون التي توجد في أجهزة «البيجرز» وكذلك في الأجهزة الجوالة الحديثة بأنها «قد تكون بمنزلة قنبلة موقوتة، وأن الأضرار الناجمة عن انفجارها تتوقف على حجمها وموقع المستخدم منها أو مدى قربها من أي من أعضاء الجسم البشري الحيوية»، مشيراً إلى أن الأمر بالطبع سيزداد سوءاً حال حدوثه في السيارات الكهربائية؛ لأن حجم بطاريتها قد يصل إلى 5 آلاف إلى 7 آلاف حجم بطارية الجوال، لكنه شدد على أن ذلك نادراً ما يحدث ويستلزم في العادة إساءة استخدام البطارية أو تعمد الضرر بها، كما في الحالة اللبنانية.

سلاسل الإمداد

وعن كيفية تجنب تكرار ما حدث، يشير سلام إلى ضرورة تأمين سلاسل الإمداد، موضحاً أن هناك وسائل كثيرة كان يمكن بها التحقق من إمكانية حدوث تعديلات على الأجهزة القادمة إلى لبنان واختبار مدى احتمالية زرع أي مكونات جديدة بداخلها.

مخاوف من اختراق الهواتف الجوالة وتفجيرها (أ.ف.ب)

وتقنياً، يمكن عن طريق استخدام ميزان حساس معرفة أي تغيير حدث مهما كان طفيفاً في وزن الجهاز، بحيث يُعرف إن حدث أي تعديل عليه أو لا. وهذا الميزان الحساس ينبغي استخدامه في حساب أوزان كل وحدة بدقة، خاصة البطارية. كما يمكن استخدام أجهزة الأشعة أيضاً مثل «الإكس راي» و«السي تي سكان» وكذلك وحدات الكشف الكيميائي عن المواد المتفجرة، وعادة ما يتم استخدام كل هذه الوسائل التقنية داخل المطارات. يقول سلام: «لذلك أتصور أن هناك خللاً أمنياً هائلاً في التعامل مع الأمر في الحالة اللبنانية»، مشدداً على أن هناك تقنيات جاهزة ومتاحة مدنياً للتأكد من وجود أي مواد متفجرة من عدمه.

ضحايا تفجير أجهزة «بيجر» (أ.ب)

ووفق وسائل إعلامية، فإن أجهزة «البيجرز» اللبنانية تم تصميمها بواسطة شركة تايوانية أعطت رخصة بالتصنيع لشركة أخرى مجهولة في أوروبا، وبالتالي فإن الأمور المتعلقة بسلامة التصنيع وجودة التنفيذ ربما لم يتم التأكد منها.

وتحتاج أجهزة «البيجرز» عموماً إلى جهاز خادم (سيرفر) لضبط عملية الاتصال بها، سواء كان الاتصال في اتجاه واحد على مستوى الاستقبال، أو في اتجاهين على مستوى الاستقبال والإرسال. ولكن وفق سلام، فإن هذه الأجهزة الخادمة لديها قواعد بيانات، وغالباً ما تعمل بأنظمة تشغيل رقمية معرضة للهجمات والاختراقات السيبرانية.

وشدد سلام على أنه «يمكن لأجهزة (البيجرز) أن تتعرض للتعديل عبر سلاسل الإمداد، وهو الشيء نفسه الذي يمكن أن يكون قد حدث مع الأجهزة الخادمة»، موضحاً أنه يمكن أن تكون هذه الأجهزة نفسها قد تعرضت للتبديل ووضع البرمجيات «الخبيثة» أثناء عمليات التصنيع أو خلال سلاسل الشحن والإمداد.


مقالات ذات صلة

تطويق ميداني لبلدة بنت جبيل في جنوب لبنان

المشرق العربي ملصق لرجل وطفلين قُتلوا جراء غارة جوية إسرائيلية استهدفت منزلهم جنوب لبنان (أ.ب)

تطويق ميداني لبلدة بنت جبيل في جنوب لبنان

تتسارع وتيرة التطورات الميدانية في جنوب لبنان، على وقع تصعيد إسرائيلي متدرّج يجمع بين الضغط العسكري المباشر وتوسيع نطاق الإنذارات والإخلاءات.

صبحي أمهز (بيروت)
المشرق العربي جانب من احتفالات «الجمعة العظيمة» في بلدة القليعة المسيحية جنوب لبنان (الشرق الأوسط)

القرى المسيحية في الجنوب: ثباتٌ حذِر على وقع المخاوف الأمنية ودعوات الإخلاء

أحدثت الأنباء، التي تم تداولها الجمعة، عن إنذارات بإخلاء بلدة إبل، في جنوب لبنان، صدمة واسعة وحالة من الهلع بين سكانها، وفي صفوف أهالي البلدات المجاورة.

بولا أسطيح (بيروت)
المشرق العربي أطفال نازحون مع عائلاتهم عند الواجهة البحرية في وسط بيروت (إ.ب.أ)

اطمئنان لبناني للضمانات الأميركية بتحييد البنى التحتية والمطار

يرتفع منسوب المخاوف اللبنانية مع إصرار إسرائيل على تدمير بلدات الحافة الأمامية بذريعة أنها مشمولة بالبنى التحتية العسكرية التابعة لـ«حزب الله».

محمد شقير (بيروت)
المشرق العربي المصرف المركزي اللبناني (الوكالة الوطنية للإعلام)

الحرب تفقد لبنان شريان الدولار: التحويلات تتراجع وخسائر بمئات الملايين

بين 600 و200 دولار، تختصر أمّ لبنانية مسار الانحدار الذي أصاب أحد آخر مصادر الاستقرار في لبنان. تقول: كان ابني في الكويت يرسل لي 600 دولار شهرياً

صبحي أمهز (بيروت)
المشرق العربي رئيس الحكومة اللبنانية نواف سلام يتحدث مع وزير الصحة راكان ناصر الدين أحد ممثلي «حزب الله» في الحكومة قبل جلسة مجلس الوزراء (رئاسة الحكومة)

لبنان يحتوي أزمة السفير الإيراني: المعالجة بين عون وبري... و«الثنائي» يعود إلى الحكومة

احتوى لبنان الخميس الأزمة المترتبة على إبعاد السفير الإيراني، محمد رضا شيباني، من بيروت، إذ استأنف وزراء الثنائي «حزب الله» و«حركة أمل» المشاركة بجلسات الحكومة.

نذير رضا (بيروت)

تطويق ميداني لبلدة بنت جبيل في جنوب لبنان

ملصق لرجل وطفلين قُتلوا جراء غارة جوية إسرائيلية استهدفت منزلهم جنوب لبنان (أ.ب)
ملصق لرجل وطفلين قُتلوا جراء غارة جوية إسرائيلية استهدفت منزلهم جنوب لبنان (أ.ب)
TT

تطويق ميداني لبلدة بنت جبيل في جنوب لبنان

ملصق لرجل وطفلين قُتلوا جراء غارة جوية إسرائيلية استهدفت منزلهم جنوب لبنان (أ.ب)
ملصق لرجل وطفلين قُتلوا جراء غارة جوية إسرائيلية استهدفت منزلهم جنوب لبنان (أ.ب)

تتسارع وتيرة التطورات الميدانية في جنوب لبنان، على وقع تصعيد إسرائيلي متدرّج يجمع بين الضغط العسكري المباشر وتوسيع نطاق الإنذارات والإخلاءات، في موازاة تثبيت معادلة «العزل الميداني» للبلدات الحدودية، وفي مقدّمتها مدينة بنت جبيل، التي تتصدر المشهد بوصفها هدفاً رئيسياً في المرحلة الراهنة.

وفي هذا السياق، وجّه الجيش الإسرائيلي إنذاراً إلى سكان الأطراف الشمالية لبلدة عين إبل، القريبة من بنت جبيل، طالباً منهم التوجه إلى داخل البلدة، في خطوة تعكس محاولة إعادة توزيع السكان ضمن نطاقات محددة.

آلية عسكرية للجيش اللبناني عند مدخل بلدة بنت جبيل جنوب لبنان (أرشيفية - أ.ف.ب)

تطويق بنت جبيل... استراتيجية بديلة للاقتحام

تتجه الأنظار إلى بنت جبيل، حيث يبرز نمط عملياتي مختلف في التحرك الإسرائيلي. ويوضح العميد المتقاعد سعيد قزح في تصريح لـ«الشرق الأوسط»، أنّ إسرائيل «تعتمد تكتيك التطويق الكامل للمدينة بدل التوغل المباشر داخلها». ويشير إلى أنّ «القوات الإسرائيلية تعمل على إحكام الطوق عبر عدة محاور متزامنة: من جهة عيترون وعيناثا شرقاً وجنوباً، ومن محور عيتا الشعب، حيث وصلت التحركات إلى تخوم حداثا شمالاً، مع ترجيح التقدم عبر محور عين إبل غرباً، ما يعني عملياً عزل بنت جبيل من الجهات الأربع».

ويضيف قزح أنّ «إخلاء مستشفى صلاح غندور في منطقة (صفّ الهوى)، التي تُعدّ عقدة مواصلات حيوية تربط بنت جبيل بمحيطها، يشير إلى نية إسرائيل التقدم نحو هذه النقطة الاستراتيجية، بهدف التحكم بخطوط الإمداد والحركة».

امرأة تتفقد منزلاً مدمراً أصيب جراء غارة جوية إسرائيلية في جنوب لبنان (أ.ب)

من هنا، يرى أنّ الجيش الإسرائيلي يتجنب تقليدياً خوض معارك داخل المناطق المبنية بسبب تكلفتها المرتفعة، مرجحاً اللجوء إلى سياسة الأرض المحروقة عبر التدمير المكثف قبل أي اقتحام. ويؤكد أنّ «بنت جبيل، بما تحتويه من دفاعات محضّرة، قد تتحول إلى ساحة استنزاف مكلفة، ما يجعل خيار الاقتحام المباشر مؤجلاً لصالح العزل والتطويق».

ويخلص إلى أنّ السيناريو الأرجح في المدى القريب «يتمثل في استمرار فرض الطوق وقطع خطوط الإمداد، مع اندلاع اشتباكات على الأطراف، من دون عملية اقتحام واسعة في الوقت الراهن، إلا إذا تبدلت الظروف الميدانية».

إنذارات تمتد إلى الضاحية والبقاع

بالتوازي مع الجبهة الجنوبية، وسّعت إسرائيل دائرة الضغط لتشمل الضاحية الجنوبية لبيروت، حيث جدّد المتحدث باسم الجيش الإسرائيلي أفيخاي أدرعي، إنذاراته صباحاً، داعياً سكان أحياء حارة حريك والغبيري والليلكي والحدث وبرج البراجنة وتحويطة الغدير والشياح، إلى الإخلاء الفوري.

وفي البقاع الغربي، نفّذ الجيش الإسرائيلي تهديده باستهداف الجسر الذي يربط سحمر بمشغرة فوق نهر الليطاني. وكان أدرعي قد أعلن مسبقاً نية استهداف الجسرين، داعياً السكان إلى التوجه شمال نهر الزهراني. ولاحقاً، استهدفت مسيّرة إسرائيلية مصلين أثناء خروجهم من مسجد في سحمر، ما أدى إلى سقوط قتيلين و11 جريحاً، في مؤشر على اتساع رقعة الاستهدافات لتشمل التجمعات المدنية.

مبنى منهار في الضاحية الجنوبية لبيروت (أ.ف.ب)

غارات على الضاحية والجنوب وتحركات برية

ميدانياً، سجّلت غارات على الضاحية الجنوبية بعد هدوء يومين، فيما تواصلت الغارات الجوية والقصف المدفعي على نطاق واسع في الجنوب، حيث استُهدف منزل بين كفرا وصربين قرب مركز لـ«الهيئة الصحية الإسلامية»، ما أدى إلى احتراق سيارة إسعاف من دون وقوع إصابات، كما طالت الغارات بلدات صريفا وبرعشيت وجويا وبرج قلاويه ودبعال والرمادية والبستان ويحمر الشقيف والشعيتية، مع تسجيل سقوط ضحايا وجرحى، بينهم سوريون. كما استهدفت غارات بلدتي دبين وصريفا في قضاء صور، فيما تعرضت أطراف حاريص وكفرا لقصف مدفعي متقطع.

وسُجّل تحليق مكثف للطيران المسيّر في أجواء الهرمل والبقاع الشمالي وبيروت وجبل لبنان والضاحية الجنوبية، في إطار تغطية استطلاعية شاملة للمسرح العملياتي.

وفجراً، مشّطت مروحيات «أباتشي» الساحل الممتد من البياضة إلى المنصوري بالأسلحة الرشاشة، وأطلقت صواريخ بالتزامن مع اشتباكات ميدانية، حيث أفيد عن هجوم نفذه عناصر «حزب الله» على قوة إسرائيلية كانت تتقدم في منطقة البياضة باتجاه الطريق الساحلي. كما تعرضت بنت جبيل وحانين وكونين والطيري لغارات بعد منتصف الليل، فيما استُهدف شرق برعشيت بقصف مدفعي.

وفي موازاة ذلك، فجّرت القوات الإسرائيلية ما تبقى من منازل في عيتا الشعب، وسط دوي انفجارات سُمع حتى مدينة صور.

وفي سياق متصل، أفاد «الوكالة الوطنية للإعلام» بإصابة 3 جنود من الوحدة الإندونيسية بجروح داخل مقرهم في العديسة، جراء سقوط قذيفة، فيما لا تزال التحقيقات جارية لتحديد مصدرها.

تبادل ناري وتصعيد صاروخي

في المقابل، أعلن «حزب الله» إطلاق صواريخ باتجاه شمال إسرائيل، وفي سلسلة بيانات، أعلن الحزب استهداف مستوطنة كريات شمونة مرات عدة، إضافة إلى قصف تجمعات للجنود في ثكنة هونين، وبنى تحتية عسكرية في صفد، ومستوطنة المطلة وكفريوفال، فضلاً عن تجمعات في المالكية وديشون وموقع هضبة العجل. كما أعلن تفجير عبوة ناسفة بقوة إسرائيلية في منطقة دير حنّا في بلدة البياضة، ما أدى إلى وقوع إصابات استدعت تدخّل مروحية للإخلاء، قبل استهداف المنطقة لاحقاً بالقذائف المدفعية.


الجيش الإسرائيلي: نزع سلاح «حزب الله» تماماً يحتاج إلى احتلال لبنان بالكامل

شاحنة عسكرية إسرائيلية تحمل دبابة في منطقة الجليل الأعلى شمال إسرائيل قرب الحدود مع لبنان (أ.ف.ب)
شاحنة عسكرية إسرائيلية تحمل دبابة في منطقة الجليل الأعلى شمال إسرائيل قرب الحدود مع لبنان (أ.ف.ب)
TT

الجيش الإسرائيلي: نزع سلاح «حزب الله» تماماً يحتاج إلى احتلال لبنان بالكامل

شاحنة عسكرية إسرائيلية تحمل دبابة في منطقة الجليل الأعلى شمال إسرائيل قرب الحدود مع لبنان (أ.ف.ب)
شاحنة عسكرية إسرائيلية تحمل دبابة في منطقة الجليل الأعلى شمال إسرائيل قرب الحدود مع لبنان (أ.ف.ب)

بعدما أعلن قائد كبير في الجيش الإسرائيلي، يوم الجمعة، أن نزع سلاح «حزب الله» ليس جزءاً من أهداف الحرب الحالية، وأن خطته الحالية تتركز في هدم قرى لبنانية كاملة في جنوب البلاد، وتهجير سكانها قسراً، لإقامة شريط أمني عازل يفرض واقعاً ميدانياً وحدودياً جديداً، أصدر وزير الدفاع، يسرائيل كاتس، بياناً غاضباً يؤكد فيه أن الحرب على لبنان ترمي لتحقيق هذا «الهدف السامي»، وأن الحكومة تُصر على ذلك.

واضطر الناطق الرسمي باسم الجيش إلى تصحيح تصريحات المسؤول الكبير، وقال إن «موقف الجيش، كما صرّح به رئيس الأركان سابقاً، هو الالتزام بالهدف طويل الأمد، المتمثّل في نزع سلاح (حزب الله)، والذي يشمل سلسلة واسعة من الجهود، التي ستستمر مع مرور الوقت». وأضاف أن «العملية الحالية تُضعف (حزب الله)، وستسهم في تحقيق هدف نزع سلاحه، بمرور الوقت». وقال مصدر آخر في المؤسسة العسكرية إنه في حال فشلت الحكومة اللبنانية في نزع سلاح «الحزب»، فإن إسرائيل ستتحرك لفرض ذلك. وأكد أن الأمين العام لـ«حزب الله»، نعيم قاسم، هو في مرمى الخطط الإسرائيلية للاغتيال.

عناصر بالجيش الإسرائيلي في موقع هجوم صاروخي شنه «حزب الله» استهدف منزلاً ببلدة كريات شمونة شمال إسرائيل قرب الحدود مع لبنان (أ.ف.ب)

وهاجم الجنرال يوم طوف ساميا قيادة الجيش والحكومة اللذين لا يزالان يضعان «حزب الله» هدفاً للحرب، وقال إن «(الحزب) هو جيش إرهاب ويستحق التصفية، لكن من يريد فعلاً التخلص منه، عليه أن يتعامل مع الدولة اللبنانية ويدمر بنيتها التحتية حتى يفهم الشعب اللبناني أن هذا (الحزب) وهذه القيادة التي تحجم عن محاربته جلبت الوبال عليه».

لكن أقوال القائد العسكري المذكور ظلت حاضرة بقوة، وردّدها، خلال النهار، عدد من الخبراء العسكريين والجنرالات في الاحتياط، الذين قالوا إن «هذا التصريح يتسم بالصدق والإقرار بأن الحرب الحالية لا تكفي لتدمير (حزب الله) وهزيمته، وأنه في ظل عجز الحكومة والجيش في لبنان عن نزع سلاح (الحزب)، فإن الجيش الإسرائيلي هو وحده القادر على القيام بهذه المهمة، لكنه من أجل ذلك يحتاج إلى احتلال كل أراضي الدولة اللبنانية، وإجراء عمليات تفتيش في كل قرية وبلدة بلبنان، وبالتالي فإن تفكيكه ليس من أهداف العملية الحالية».

وفي ضوء الخلافات الظاهرة بين الجيش والحكومة، قرر رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو تأجيل الاجتماع، الذي كان مقرراً ظهر الجمعة، للكابنيت (المجلس الوزاري المصغر للشؤون السياسية والأمنية) إلى مساء السبت، واستبدل به مشاورات مع عدد مقلَّص من الوزراء والجنرالات.

وقال مصدر عسكري آخر، لوسائل الإعلام العبرية، إن الجيش الإسرائيلي سيعرض على المستوى السياسي في الكابنيت، خطةً لتدمير القرى اللبنانية الحدودية في جنوب لبنان تدميراً كاملاً، وإنشاء منطقة أمنية خالية من السكان، دون عودة أي لبناني إلى القرى الواقعة على ما تُطلق عليه إسرائيل مسمّى «خط التَّماس»، وقرروا استثناء 20 قرية مسيحية من هذا التهجير.

ويبرر الجيش الإسرائيلي هذه العملية بحُجة أن «حزب الله» حاول مجدداً، خلال العام الماضي، إعادة ترميم البنى التحتية لقواته على طول الحدود، ولذلك يجب تحويل المنطقة الممتدة من 3 إلى 4 كيلومترات من الحدود إلى منطقة أمنية، «بخط دفاعيّ متقدّم». ويقول الجيش إن تنفيذ الخطة يستدعي تدمير عشرات القرى اللبنانية، القريبة من البلدات الإسرائيلية، تدميراً كاملاً، بدءاً من قرية كفركلا المقابلة للمطلّة، مروراً بالناقورة المقابلة لـ«شلومي»، بما يشمل التدمير الكامل لجميع البنى التحتية في القرى، وتدميرها بالكامل، ومنع سكانها اللبنانيين من العودة إليها بشكل دائم.

ووفقاً للجيش الإسرائيلي، فإن هذه الخطة «أُعدّت ونُسِّقت مع الموافقات القانونية، وخضعت، بالفعل، للتنظيم القانوني اللازم: فبما أن هذه القرى كانت بمثابة بنية تحتية سمحت لـ(حزب الله) بالعمل انطلاقاً منها، فإن جميع البنى التحتية المدنية تُعد (مُجرَّمة)، ووجود القرية بحد ذاته سيمكّن (حزب الله) من إعادة بناء بنية تحتية (إرهابية) في المستقبل، الأمر الذي يستلزم تدمير القرية بأكملها».

جنود إسرائيليون يحملون نعش عسكريّ قُتل في جنوب لبنان خلال المواجهات مع «حزب الله» (أ.ف.ب)

وزعم الجيش الإسرائيلي أنه حتى بعد وقف إطلاق النار السابق في نوفمبر (تشرين الثاني) 2024، عاد عناصر «حزب الله» إلى القرى القريبة من الحدود مع إسرائيل، متذرعين بعودة جزء من السكان. كما رصد الجيش الإسرائيلي محاولات لإعادة حفر بنى تحتية تحت الأرض، وأسلحة لم تكن موجودة في تلك القرى، خلال الهجوم الإسرائيلي السابق، قبل نحو عام ونصف العام. وقد خلص الجيش الإسرائيلي إلى أنه «سيكون من المستحيل في نهاية العملية الحالية العودة إلى الوراء، نحو خط الحدود الحالي؛ لأن (حزب الله) سيعود مجدداً إلى تلك القرى ويحاول إنشاء بنى تحتية إرهابية جديدة هناك، وبالتالي يجب إنشاء خط جديد». والنموذج الذي اقترحه الجيش الإسرائيلي هو نسخة من نموذج «الخطّ الأصفر» في قطاع غزة؛ خط كامل من القرى، في شريط يتراوح عرضه بين 2 و4 كيلومترات، وفقاً للتضاريس، سيكون خالياً تماماً من السكان، وتحت سيطرة الجيش الإسرائيلي، وسينشئ الجيش الإسرائيلي خطاً من النقاط الأمامية فيه.

وقال ضابط رفيع بالجيش الإسرائيلي، في معرض شرح الخطة، إنها «خطة مختلفة تماماً عن المنطقة الأمنية التي كانت لدينا في ثمانينات وتسعينات القرن الماضي؛ لقد تعلّمنا كثيراً منذ ذلك الحين، والتغيير الأبرز هو أنه لن يُسمح للسكان بالعيش في تلك المنطقة». وتابع: «نحن نعمل على تقريب خط الحدود، ليصبح خطاً من المواقع الأمامية القوية والدائمة، وسيكون هذا مفهوماً متكاملاً لخطوط دفاعية جديدة»، على حدّ وصفه.

وأقرّ الجنرال الإسرائيلي بأن التصريحات المتعلقة بنزع سلاح «حزب الله»، كهدف للحرب، كانت «طموحة» للغاية، ويقول إنه في هذه المرحلة، لا تسمح القيود بنزع سلاح «الحزب»؛ «فمزيج الحرب الممتدة لعامين ونصف العام، مع ضرورة تركيز الجهود على إيران، لا يسمح بتحديد نزع سلاح (حزب الله) كهدف».


القرى المسيحية في الجنوب: ثباتٌ حذِر على وقع المخاوف الأمنية ودعوات الإخلاء

جانب من احتفالات «الجمعة العظيمة» في بلدة القليعة المسيحية جنوب لبنان (الشرق الأوسط)
جانب من احتفالات «الجمعة العظيمة» في بلدة القليعة المسيحية جنوب لبنان (الشرق الأوسط)
TT

القرى المسيحية في الجنوب: ثباتٌ حذِر على وقع المخاوف الأمنية ودعوات الإخلاء

جانب من احتفالات «الجمعة العظيمة» في بلدة القليعة المسيحية جنوب لبنان (الشرق الأوسط)
جانب من احتفالات «الجمعة العظيمة» في بلدة القليعة المسيحية جنوب لبنان (الشرق الأوسط)

أحدثت الأنباء، التي تم تداولها الجمعة عن إنذارات بإخلاء بلدة إبل في جنوب لبنان، صدمة واسعة وحالة من الهلع، ليس بين سكانها فقط، بل في صفوف أهالي البلدات المسيحية أيضاً، التي لا تزال صامدة في المنطقة، وتعيش على وقع المخاوف الأمنية وانقطاع طرق الإمداد. وبعد التدقيق، تبين أن الأمر بالإخلاء وُجّه إلى المنطقة الشمالية من البلدة من ناحية بنت جبيل، مع احتدام المعارك في المنطقة المحيطة، وخاصة في ظل المحاولات الإسرائيلية المستمرة لدخول مدينة بنت جبيل.

مدخل بلدة بنت جبيل في جنوب لبنان بعد انسحاب الجيش الإسرائيلي منها وبدء عودة الأهالي إليها بعد انتهاء الحرب في شهر نوفمبر 2024 (إ.ب.أ)

إخلاء جزئي

وقال رئيس بلدية عين إبل، أيوب خريش، في تصريح له، إن عدداً من الأشخاص غادروا البلدة بمواكبة «الصليب الأحمر»، وهم من أصحاب الحالات الخاصة كالحوامل والمرضى. لافتاً إلى أن نحو 30 عائلة تركت الجزء الشمالي من البلدة، المواجه لمدينة بنت جبيل، ونزحت باتجاه أجزاء أخرى منها، نافياً نفياً قاطعاً ما تردد عن إنذار بإخلاء البلدة بالكامل.

وتحاول القوات الإسرائيلية اقتحام بنت جبيل من أكثر من محور، وكان تركيزها في الساعات الماضية على محور عين إبل والأطراف بين رميش ويارون. ما دفعها لطلب إخلاء الجزء الشمالي من عين إبل.

لبنانيون يتجمعون أمام دورية للجيش قرب دير في بلدة رميش بعدما غادروا قرية عين إبل يوم 1 أكتوبر 2024 خلال الحرب السابقة (رويترز)

ونبّهت اللجنة الدولية للصليب الأحمر من تداول رسالة تدّعي وجود اتّفاق لتسهيل الإخلاء من عين إبل إلى بيروت. وأكدت اللجنة أنّ هذه المعلومات غير دقيقة ولا تمتّ إليها بصلة، ودعت إلى عدم التجاوب مع هذه الرسائل أو مشاركتها.

ممرات آمنة

ومنذ نحو أسبوع، تتجه الأنظار إلى 13 بلدة في جنوب الليطاني، معظم سكانها من المسيحيين، بعد قرار الجيش اللبناني الانسحاب من مواقع انتشاره فيها، إثر تقدم القوات الإسرائيلية إليها وتجنبه أي اشتباك أو مواجهة مباشرة معها.

وأصبحت الطرق، التي تربط مثلث رميش ودبل وعين إبل ببقية المناطق اللبنانية، تحت النار، ما جعل هذه البلدات الـ3 معزولة، وأدى إلى رفع أهلها الصوت لتأمين ممرات إنسانية لإيصال المواد الغذائية والأدوية والمحروقات وغيرها من السلع الضرورية.

وأشار مصدر رسمي لبناني إلى أن «رئيس الجمهورية العماد جوزيف عون، الذي يكثف اتصالاته مع الأميركيين والفرنسيين والأوروبيين، للوصول إلى وقف نار في لبنان يخص دائماً أهالي المناطق الصامدة في الجنوب، بلفتة خاصة إذ يطالب بالضغط على إسرائيل لضمان بقائهم في قراهم وبلداتهم وعدم محاصرتهم من خلال تأمين ممرات آمنة تصل من خلالها مقومات البقاء». لافتاً في تصريح لـ«الشرق الأوسط» إلى أن الرئيس التقى، على هامش مشاركته بقداس يوم الجمعة، بالسفير البابوي الذي يقوم بجهود استثنائية لمساعدة أهالي القرى المسيحية الصامدة، «وتم البحث في هذا الملف». كذلك شدّد البطريرك الماروني بشارة الراعي، في عظة له، على وجوب ترك «ممرات إنسانية إلى الصامدين في قراهم لتصل إليهم حاجاتهم».

الاستشفاء هاجس أساسي

وقال مصدر كنسي لـ«الشرق الأوسط» إن الأوضاع «صعبة جداً في القرى المسيحية، التي باتت محاصرة، وكل الطرق إليها مقطوعة»، لافتاً إلى أن «الهاجس الأساسي في رميش ودبل وعين إبل هو بشكل أساسي موضوع الاستشفاء، مع تعطل معظم المستشفيات القريبة، التي بات اثنان منها فقط يستقبلان بشكل أساسي جرحى الحرب. أما المرضى فيضطرون للتوجه إلى صيدا، ما يضع حياة كثيرين في خطر».

وأوضح المصدر أن «الفاتيكان، عبر السفير البابوي في لبنان، لا يزال على تواصل مع واشنطن عبر السفير الأميركي في بيروت لضمان بقاء أهالي القرى المسيحية الحدودية في أرضهم وتأمين ممرات آمنة إليهم لمدّهم بمقومات الصمود».

أهالي بلدة القليعة المسيحية في جنوب لبنان يحتفلون في «الجمعة العظيمة» (الشرق الأوسط)

وتشير «ر.ض»، ابنة بلدة القليعة، إلى أن «وضع القرى في قضاء مرجعيون أسهل من وضع أهالي القرى في بنت جبيل حيث الوضع الجغرافي صعب جداً». لافتة في تصريح لـ«الشرق الأوسط» إلى أنه «كان قد تم قطع الطريق بوقت سابق، لكن أعيد فتحها من قبل الجيش وقوات اليونيفيل، والمستشفى في المنطقة لا يزال يعمل». مضيفة: «هو الإيمان وتمسكنا بأرضنا ما يجعلنا صامدين في قرانا وبلداتنا».

جولات على المسؤولين

ويجول وفد من القيمين على القرى الجنوبية على المسؤولين اللبنانيين. والتقوا أخيراً رئيس الحكومة نواف سلام، الذي أبلغهم بأن «الصليب الأحمر» الدولي سيذهب قريباً إلى المنطقة، ويؤمن المساعدات اللازمة.

ويوم الجمعة، التقى رئيس حزب «القوات» اللبنانية سمير جعجع وفداً من بلدية دبل الجنوبية، مطالباً بتأمين الطريق بين دبل ورميش، وفتحها لتسهيل دخول المساعدات، وتأمين خط آمن للبئر الارتوازية، كي يتم ضخّ المياه إلى الأهالي، ولا سيما أنّ الجيش الإسرائيلي يتمركز في محيطه. وأثنى جعجع على تمسك أهالي القرى الحدودية بأرضهم، رغم كل الصعاب والمخاطر المحدقة بهم.

وكان الناطق باسم الجيش الإسرائيلي، أفيخاي أدرعي، نبّه قبل أيام مما قال إنها «محاولات (حزب الله) المتعمدة للتمركز في القرى المسيحية في جنوب لبنان، والعمل من داخلها، معتقداً أن ذلك يمنحه حصانة ويقيه من ضربات الجيش الإسرائيلية،»، ودعا أهالي القرى المسيحية إلى دفع «حزب الله» خارج قراهم وعدم التعاون معه.