لبنان: إصابات تفجيرات «البيجر» أشد من انفجار المرفأ

حالات بتر وعمى كلي... والأغلبية الساحقة من الإصابات بليغة

سيارة إسعاف تنقل الجرحى إلى المركز الطبي للجامعة الأميركية في بيروت بعد انفجار أجهزة «البيجر» في عناصر من «حزب الله» (أ.ف.ب)
سيارة إسعاف تنقل الجرحى إلى المركز الطبي للجامعة الأميركية في بيروت بعد انفجار أجهزة «البيجر» في عناصر من «حزب الله» (أ.ف.ب)
TT

لبنان: إصابات تفجيرات «البيجر» أشد من انفجار المرفأ

سيارة إسعاف تنقل الجرحى إلى المركز الطبي للجامعة الأميركية في بيروت بعد انفجار أجهزة «البيجر» في عناصر من «حزب الله» (أ.ف.ب)
سيارة إسعاف تنقل الجرحى إلى المركز الطبي للجامعة الأميركية في بيروت بعد انفجار أجهزة «البيجر» في عناصر من «حزب الله» (أ.ف.ب)

كان يوم الثلاثاء الأكثر دموية على الإطلاق في لبنان منذ اندلاع حرب غزة، فبعد الاختراق الأمني غير المسبوق بتفجيرات «البيجر»، وقع أكثر من 2800 إصابة في عناصر «حزب الله» وُصِفت غالبيتها الساحقة بالبليغة، وأدَّت لحالات بتر أطراف وفقدان بصر، بحيث يجمع العاملون بالشأن الصحي على أن الإصابات كانت أشد من انفجار مرفأ بيروت الذي وقع عام 2020.

ففيما يشبه مشاهد من فيلم بوليسي، انفجرت أجهزة الاتصال اللاسلكي (البيجر) يحملها عناصر من «حزب الله» ويستخدمونها في الاتصالات بهم من دون سابق إنذار، مسببةً إصابات بليغة لأكثر من 2800 شخص، وسقوط 12 قتيلاً، بينهم طفلان (8 سنوات) و(11 سنة).

كذلك أُصيب السفير الإيراني لدى لبنان، مجتبى أماني، بعد انفجار جهاز الاتصال الذي كان بحوزته، فيما قُتِل نجل عضو كتلة «الوفاء للمقاومة» النائب علي عمار مهدي.

سقط عناصر «حزب الله» أرضاً متأثرين بإصاباتهم في كل مكان: الشوارع والدكاكين والمنازل.

وبحسب وزير الصحة العامة في حكومة تصريف الأعمال، فراس الأبيض، فإن حجم الضربة كان كبيراً، والمستشفيات استقبلت خلال نصف ساعة ما يقارب 2800 جريح.

وفي حين تركزت الإصابات في الوجوه والعيون والبطن والأيدي والأرجل، وفق أبيض، يقول نقيب أصحاب المستشفيات الخاصة، سليمان هارون، لـ«الشرق الأوسط»، إنه لا إحصاءات حتى الساعة تُظهِر أين كانت الإصابات أكثر من غيرها. لكنه يوضح، بحسب مشاهدته، أنها كانت موزَّعة تقريباً بالتساوي، وذلك بحسب أين كان كل شخص يضع «البيجر»؛ على خصره، أو قريباً من وجهه، أو يحمله بيديه.

وبحسب مصادر لـ«رويترز»، فإن جهاز المخابرات الإسرائيلي (الموساد) زرع متفجرات داخل 5 آلاف جهاز اتصال لاسلكي (بيجر) استوردها «حزب الله» قبل أشهر من التفجيرات.

صورة التُقطت في 18 سبتمبر 2024 في الضاحية الجنوبية لبيروت تظهر بقايا أجهزة اتصال منفجرة معروضة في مكان غير معلن (أ.ف.ب)

إصابات بليغة وحالات بتر وعمى

ويؤكد هارون أن الأغلبية الساحقة من الإصابات (أي ما نسبته 99 في المائة منها) كانت بليغة، واحتاجت لإجراء عمليات ودخول مستشفى، مشيراً إلى أن عدد الموجودين في العناية الفائقة كبير جدّاً.

ويضيف: «الأغلبية الساحقة احتاجت لعمليات. والإصابات بأغلبها بليغة، ولم تكن هناك إصابات طفيفة».

ويشير إلى أن من بين الحالات الأكثر صعوبة كانت الإصابات في العيون والوجه، وتم تحويلها إلى مستشفى تخصصي لإجراء العمليات اللازمة.

فشهد مركز العيون في المتحف، وهو مستشفى متخصِّص بجراحة العيون للحالات الصعبة والعميقة، تدفقاً للحالات الصعبة، ولم يتوقف طبيب العيون النائب إلياس جرادي عن إجراء العمليات الأكثر صعوبة منذ وقوع الاختراق الأمني الثلاثاء.

جراح العيون وعضو مجلس النواب اللبناني إلياس يجري عملية جراحية لأحد المصابين (رويترز)

ويوضح جرادي لـ«الشرق الأوسط» أن المستشفى متخصص بالجراحات الدقيقة في العيون، واستقبل الحالات التي تتطلب اختصاصاً عميقاً، مشيراً إلى أن الحالات التي كان يتم تحويلها صعبة، وعددها كبير.

رغم ذلك، لا يعمّم جرادي أن كل الإصابات هي بنفس الصعوبة، لأن الحالات التي تُرسَل لمركز العيون هي الصعبة، وبالتالي ليست مقياساً لكل الحالات. ويشير إلى أنه يوم الثلاثاء كان هناك أكثر من 7 أطباء عيون يجرون عمليات للمصابين من دون توقف، واليوم يكمل 3 أطباء إجراء العمليات فيما يرتاح القسم الآخر، ليتسلَّم من الأطباء الذين ما زالوا يعملون في عمليات الإنقاذ.

جراح العيون وعضو مجلس النواب اللبناني إلياس جرادي متأثر بعد مشاهدة الحالات التي أجرى لها عمليات (رويترز)

ويقول: «كان التلف بالعيون والوجه واليدين من أكثر الإصابات التي وصلت إلى المستشفى. وبالمجمل كمية التلف التي شهدناها كبيرة. استطعنا إنقاذ بعض المصابين، لكننا لم نتمكن من إنقاذ البعض الآخر».

ويضيف: «عدد كبير من المصابين الذين وصلوا إلى المستشفى حصل لديهم تلف كامل بالأعضاء المصابة، هناك حالات أُصيبت بالعمى وحالات بتر أطراف».

وعن المدة التي سيحتاج إليها الطاقم الطبي والمستشفيات للسيطرة على كل الحالات، يقول: «عشنا نفس المرحلة بانفجار المرفأ. سنحتاج إلى نحو أسبوع للسيطرة على الوضع».

ووقعت التفجيرات في وقت متزامن بمناطق لبنانية عدة، في الجنوب والبقاع وبيروت والضاحية الجنوبية، وتطلبت استجابة واسعة النطاق من «الصليب الأحمر» اللبناني استمرت حتى منتصف الليل.

وفي هذا الإطار، يقول المتحدث الإعلامي لـ«الصليب الأحمر» اللبناني، إياد المنذر، لـ«الشرق الأوسط»، إن الانفجارات غير مسبوقة؛ فكانت متزامنة، وسقط عدد كبير من الضحايا، لكن في أماكن متفرقة؛ ما استدعى استنفار عناصر «الصليب الأحمر» على امتداد الوطن.

وساهم «الصليب الأحمر» في عمليات الاستجابة من خلال 134 سيارة إسعاف و450 مسعفاً، ووضع 150 سيارة إسعاف إضافية و450 مسعفاً في مناطق أخرى، في حال تأهب لتقديم الدعم وعمل على نقل 177 مصاباً إلى المستشفيات القريبة، وكذلك من مستشفى إلى آخر، لا سيما خارج العاصمة، وفق ما قال في بيان.

أسوأ من انفجار المرفأ

ويقارن المنذر انفجارات «البيجر» بانفجار المرفأ، فيؤكد أن الأول الأصعب، موضحاً أن «انفجار المرفأ تسبَّب بعدد أكبر من الجرحى، لكن النطاق الجغرافي كان محصوراً ببيروت العاصمة. أما انفجارات (البيجر) فكانت على امتداد الوطن، وتطلبت مجهوداً أكبر لإيصال الجرحى إلى المستشفيات».

وفي عام 2020، وقع انفجار مرفأ بيروت، وهو انفجار ضخم حدث على مرحلتين في العنبر رقم 12 بمرفأ بيروت، عصر يوم الثلاثاء 4 أغسطس (آب)، مما أدّى إلى أضرار كبيرة وتهشيم الواجهات الزجاجية للمباني والمنازل في معظم أحياء العاصمة اللبنانية، بيروت، وبلغ عدد الجرحى آنذاك 7000 فيما قُتِل أكثر من 218 شخصاً، من بينهم المفقودون الذين لم يُعثَر لهم على أثر.

رجل يشاهد مقطع فيديو نُشر على وسائل التواصل الاجتماعي يظهر رجلاً جريحاً في 17 سبتمبر 2024 بعد أن ضربت انفجارات مواقع في العديد من معاقل «حزب الله» حول لبنان (أ.ف.ب)

ويضيف هارون: «إن ما حصل يشبه سيناريو انفجار مرفأ بيروت، مع فارق أن الإصابات البليغة كانت أكثر بكثير أمس، فغالبية المصابين كانوا يحتاجون إلى استشفاء، وليس فقط الدخول إلى الطوارئ، كما حصل في انفجار المرفأ. وهنا تكمن الصعوبة».

من هنا، يشدد هارون على أن «المستشفيات تحتاج إلى دعم سريع من مستلزمات طبية وأدوية وأموال، لأن العمليات التي أُجرِيَت مكلفة جدّاً، والإصابات كانت بليغة»، معتبراً أنه «يجب أن يحصل تحرّك سريع من قبل وزارة الصحة لدعم المستشفيات».

ويضيف: «الأهم الآن إنقاذ الأرواح، ولاحقاً سنتطرق إلى موضوع الدعم، لأن الأمر كان مكلفاً جداً على المستشفيات من الناحية المادية، وأكثر بكثير من انفجار المرفأ، رغم أن عدد المصابين بانفجار المرفأ كان ضعف العدد الحالي تقريباً، لكن الأغلبية الساحقة احتاجت إلى متابعة في الطوارئ فقط. أما هذه التفجيرات كلها فقد استدعت دخول مستشفى وعناية فائقة وعمليات مكلفة في البطن والعظم والعيون، وسننقل ذلك في الأيام المقبلة إلى الوزير فراس الأبيض».


مقالات ذات صلة

الجيش الإسرائيلي: نزع سلاح «حزب الله» تماماً يحتاج إلى احتلال لبنان بالكامل

المشرق العربي شاحنة عسكرية إسرائيلية تحمل دبابة في منطقة الجليل الأعلى شمال إسرائيل قرب الحدود مع لبنان (أ.ف.ب)

الجيش الإسرائيلي: نزع سلاح «حزب الله» تماماً يحتاج إلى احتلال لبنان بالكامل

أعلن الجيش الإسرائيلي أن نزع سلاح «حزب الله» ليس جزءاً من أهداف الحرب الحالية وخطته تتركز في هدم قرى لبنانية كاملة لإقامة شريط أمني؟

نظير مجلي (تل أبيب)
المشرق العربي جانب من احتفالات «الجمعة العظيمة» في بلدة القليعة المسيحية جنوب لبنان (الشرق الأوسط)

القرى المسيحية في الجنوب: ثباتٌ حذِر على وقع المخاوف الأمنية ودعوات الإخلاء

أحدثت الأنباء، التي تم تداولها الجمعة، عن إنذارات بإخلاء بلدة إبل، في جنوب لبنان، صدمة واسعة وحالة من الهلع بين سكانها، وفي صفوف أهالي البلدات المجاورة.

بولا أسطيح (بيروت)
المشرق العربي أطفال نازحون مع عائلاتهم عند الواجهة البحرية في وسط بيروت (إ.ب.أ)

اطمئنان لبناني للضمانات الأميركية بتحييد البنى التحتية والمطار

يرتفع منسوب المخاوف اللبنانية مع إصرار إسرائيل على تدمير بلدات الحافة الأمامية بذريعة أنها مشمولة بالبنى التحتية العسكرية التابعة لـ«حزب الله».

محمد شقير (بيروت)
المشرق العربي يتصاعد الدخان والنيران من مبنى استُهدف بغارة جوية إسرائيلية على أطراف الضاحية الجنوبية لبيروت وبالقرب من السفارة الإيرانية (د.ب.أ)

لبنان: إسرائيل تدمّر جسراً في البقاع... وإصابة 3 عناصر من «اليونيفيل» بانفجار بالعديسة

نفذ الجيش الإسرائيلي تهديده، اليوم الجمعة، ودمّر الجسر الذي يربط بلدة سحمر ببلدة مشغرة فوق نهر الليطاني في منطقة البقاع الغربي بشرق لبنان

«الشرق الأوسط» (تل أبيب)
المشرق العربي شخصان من المكون الدرزي يعاينان موقع سقوط صاروخ أطلقه «حزب الله» في مدينة شفا عامر بشمال إسرائيل (أ.ف.ب)

«حزب الله» يستهدف قوة إسرائيلية بعبوة ناسفة بجنوب لبنان وعدداً من المستوطنات

أعلن «حزب الله» أن عناصره فجروا عبوة ناسفة بقوة إسرائيلية في بلدة البياضة بجنوب لبنان، ونفذوا سلسلة هجمات استهدفت مستوطنة كريات شمونة، وتجمعات لجنود إسرائليين.

«الشرق الأوسط» (بيروت)

قتيل بنيران إسرائيلية في جنوب سوريا

جندي إسرائيلي في هضبة الجولان (أ.ب)
جندي إسرائيلي في هضبة الجولان (أ.ب)
TT

قتيل بنيران إسرائيلية في جنوب سوريا

جندي إسرائيلي في هضبة الجولان (أ.ب)
جندي إسرائيلي في هضبة الجولان (أ.ب)

أفادت وسائل إعلام رسمية سورية، الجمعة، بمقتل رجل بنيران إسرائيلية في محافظة القنيطرة قرب هضبة الجولان المحتلة في جنوب البلاد.

وأشارت وكالة «سانا» إلى «مقتل شاب سوري باستهداف من دبابة إسرائيلية»، فيما أعلن التلفزيون السوري الرسمي «استشهاد شاب في استهداف قوات الاحتلال الإسرائيلي لسيارة بقذيفة دبابة».

كانت «سانا» قد أفادت في وقت سابق بأن القوات الإسرائيلية في محافظة القنيطرة «أقدمت على إغلاق الطرق المؤدية إلى النقاط العسكرية الجديدة التي أنشأتها في المنطقة»، ما أدى إلى تقييد حركة السكان والمزارعين.

ولفتت إلى أن عدداً من الآليات الإسرائيلية «نصبت حاجزاً مؤقتاً» في إحدى القرى حيث عمدت إلى تفتيش المارة، وفق ما نقلته «وكالة الصحافة الفرنسية».

وبعد إطاحة الرئيس السوري بشار الأسد في ديسمبر (كانون الأول) 2024، نشرت إسرائيل قوات في منطقة عازلة كانت تخضع لمراقبة الأمم المتحدة وتفصل بين القوات الإسرائيلية والسورية في الجولان بموجب اتفاق فض الاشتباك لعام 1974.

ومنذ ذلك الحين، نفذت إسرائيل توغلات متكررة داخل الأراضي السورية إلى جانب ضربات جوية، معلنة سعيها إلى إقامة منطقة منزوعة السلاح في جنوب البلاد.

واحتلت إسرائيل معظم هضبة الجولان السورية خلال حرب عام 1967، ثم ضمّت المناطق التي تسيطر عليها في خطوة لا يعترف بها معظم المجتمع الدولي.


السفارة الأميركية في بيروت: إيران وحلفاؤها يعتزمون استهداف جامعات بلبنان

مشهد عام لبيروت (رويترز)
مشهد عام لبيروت (رويترز)
TT

السفارة الأميركية في بيروت: إيران وحلفاؤها يعتزمون استهداف جامعات بلبنان

مشهد عام لبيروت (رويترز)
مشهد عام لبيروت (رويترز)

قالت السفارة الأميركية في بيروت، اليوم الجمعة، إن إيران والجماعات المسلّحة المتحالفة معها «قد تستهدف جامعات في لبنان».

وحضّت السفارة المواطنين الأميركيين، في بيان أمني نقلته وكالة «رويترز» للأنباء، على مغادرة لبنان «ما دامت خيارات الرحلات الجوية التجارية متاحة».

ونصحت السفارة الأميركية في بغداد، الخميس، الرعايا الأميركيين بمغادرة العراق فوراً.

وفي إشعارٍ لها على منصة «إكس»، قالت السفارة إن «ميليشيات إرهابية عراقية متحالفة مع إيران قد تعتزم تنفيذ هجمات في وسط بغداد، خلال الـ24 إلى 48 ساعة المقبلة».

وأشارت إلى أن «الميليشيات الإرهابية» قد تستهدف المواطنين الأميركيين والشركات والجامعات والمرافق الدبلوماسية والبنى التحتية للطاقة والفنادق والمطارات، وغيرها من المواقع التي يُعتقد أنها مرتبطة بالولايات المتحدة، بالإضافة إلى مؤسسات عراقية وأهداف مدنية.

وهدَّد «الحرس الثوري» الإيراني، الأحد، باستهداف الجامعات الأميركية في الشرق الأوسط، بعدما أفاد بأن ضربات أميركية وإسرائيلية دمّرت جامعتين في إيران.


«إطار ملادينوف»... رهان الضمانات بين نزع سلاح «حماس» وانسحاب إسرائيل

فتاة تقف بجوار خيمة في مخيم مؤقت للنازحين الفلسطينيين في منطقة نهر البارد في خان يونس جنوب قطاع غزة (أ.ف.ب)
فتاة تقف بجوار خيمة في مخيم مؤقت للنازحين الفلسطينيين في منطقة نهر البارد في خان يونس جنوب قطاع غزة (أ.ف.ب)
TT

«إطار ملادينوف»... رهان الضمانات بين نزع سلاح «حماس» وانسحاب إسرائيل

فتاة تقف بجوار خيمة في مخيم مؤقت للنازحين الفلسطينيين في منطقة نهر البارد في خان يونس جنوب قطاع غزة (أ.ف.ب)
فتاة تقف بجوار خيمة في مخيم مؤقت للنازحين الفلسطينيين في منطقة نهر البارد في خان يونس جنوب قطاع غزة (أ.ف.ب)

محادثات بشأن تنفيذ بنود اتفاق غزة استضافتها القاهرة مع حركة «حماس» بعد لقاءات مع الممثل السامي لقطاع غزة بمجلس السلام، نيكولاي ملادينوف، شهدت مطالبات بضمانات للتطبيق، وسط تمسك إسرائيل بنزع السلاح، وتمسك الفصائل الفلسطينية بانسحاب كامل لقوات الاحتلال.

ذلك الحديث عن الضمانات يأتي في خضم مناقشات بشأن إطار ملادينوف، القائم على نزع السلاح مقابل الإعمار، دون الحديث عن موعد الانسحاب الإسرائيلي، اعتبره خبراء تحدثوا لـ«الشرق الأوسط» أنه يجعل المفاوضات أمام «عقدة التزام» من الطرفين، لن يكون حلّها سهلاً إلا بضغوط أميركية ومقاربات من الوسطاء.

والتقى وفد من حركة «حماس» الوسطاء من مصر وتركيا وقطر، لبحث تنفيذ اتفاق وقف إطلاق النار، وفق بيان للحركة، الخميس.

وقال مصدر فلسطيني مقرب من «حماس» والفصائل الفلسطينية لـ«الشرق الأوسط»، الجمعة، إن وفد «حماس» برئاسة خليل الحية التقى ملادينوف، وناقش معه الإطار المطروح، وما يتضمنه من ملف السلاح، بخلاف ملف دمج الموظفين في جهاز الشرطة والمؤسسات، لافتاً إلى «أن مطالب الحركة كانت خلال اللقاءات بالقاهرة واضحة، وتتمثل في انسحاب الاحتلال، ووصول قوات الاستقرار وتشكيل الشرطة، قبل الحديث عن أي تنفيذات في ملف السلاح، باعتبار أن أي شيء مخالف يعدّ مجازفة، ويفضي لفراغ أمني كبير».

الدبلوماسي البلغاري نيكولاي ملادينوف (أرشيفية - أ.ف.ب)

وبحثت الحركة أيضاً مع الفصائل بالقاهرة ملف السلاح، والكل أجمع على أهمية تهيئة الأمور بوصول «قوات الاستقرار» وتشكيل الشرطة، بخلاف مناقشة ملف تمكين «لجنة التكنوقراط» من عملها. وأكدت «حماس» أن إسرائيل ترفض مرورها، والمشكلة لديها، وفق المصدر، الذي لفت إلى أن ردّ «حماس» النهائي لا يزال محل دراسة.

وكشف 3 مصادر، وهم مسؤولان مصريان وآخر فلسطيني، لـ«رويترز»، أن الحركة أبلغت الوسطاء بأنها لن تناقش نزع سلاحها دون الحصول على ضمانات بانسحاب إسرائيلي كامل من قطاع غزة، وفق المنصوص عليه في خطة نزع السلاح، التي وضعها «مجلس السلام».

وجاءت اجتماعات «حماس» غداة زيارة أجراها الممثل السامي لغزة في «مجلس السلام» نيكولاي ملادينوف، إلى القاهرة وأنقرة، بشأن خطته لتنفيذ اتفاق غزة، وفق مقترح «مجلس السلام» الذي يقوده الرئيس الأميركي دونالد ترمب.

ويُعدّ نزع سلاح «حماس» أبرز بنود «خطة ملادينوف» التي أعلنها في «مجلس الأمن» أواخر مارس (آذار) الماضي. وتتضمن، حسب بنود نشرتها وسائل إعلام دولية وإقليمية، موافقة الحركة الفلسطينية على تدمير شبكة الأنفاق، والتخلي عن السلاح على مراحل خلال 8 أشهر، على أن يتم انسحاب القوات الإسرائيلية بالكامل عند «التحقق النهائي من خلو غزة من السلاح».

وتقول إسرائيل إنها لن توافق على الانسحاب من غزة، ما لم يُنزع سلاح «حماس» أولاً.

يقف الفلسطينيون النازحون في طوابير لتلقي الطعام الذي يوزعه مطبخ خيري في مخيم النصيرات للاجئين وسط قطاع غزة (أ.ف.ب)

ويرى عضو المجلس المصري للشؤون الخارجية، مساعد وزير الخارجية الأسبق، السفير رخا أحمد حسن، أن الضمانات التي تطالب بها «حماس» عليها توافق، وهي انسحاب إسرائيل وتشكيل قوات الاستقرار بالقطاع، لكن العقدة في إسرائيل التي تريد انسحاباً شكلياً، وتتمسك بتسليم السلاح كذريعة لتهديد الاتفاق، وليس لضمان نجاحه.

ويتفق معه المحلل السياسي الفلسطيني، الدكتور أيمن الرقب، مشيراً إلى أن الضمانات حقّ فلسطيني واجب على إسرائيل الالتزام به، بينما ما تطرحه إسرائيل ليس ضمانات، بل ذرائع لإفشال الاتفاق، وسيكون الرهان منصباً على تحرك الوسطاء للوصول لمقاربات أو تفاهمات.

تلك التباينات جعلت مصدراً منفصلاً مقرباً من «مجلس السلام»، وفق ما ذكرته «رويترز» الخميس، يتوقع أن ردّ «حماس» يعني أن المحادثات بشأن نزع سلاح الحركة لن تُفضي على الأرجح إلى تقدم فوري، مؤكداً أن الحركة ستجتمع مع الوسطاء مجدداً الأسبوع المقبل.

وذكر المصدر، في حديث لـ«رويترز»، أن الولايات المتحدة قد تمضي قدماً في جهود إعادة الإعمار دون نزع سلاح «حماس»، ولكن في المناطق الخاضعة تماماً للسيطرة العسكرية الإسرائيلية، مستبعداً أن ترفض «حماس» الخطة.

وكان ملادينوف كتب، في منشور على منصة «إكس»، الخميس، قائلاً: إن «المجتمع الدولي يؤيد الخطة، حان الوقت للاتفاق على إطار تنفيذها... من أجل مصلحة الفلسطينيين والإسرائيليين على حد سواء، لا مجال لإضاعة الوقت».

ويؤكد السفير رخا أحمد حسن أهمية أن يكون هناك ضغط أميركي على إسرائيل وليس مقاربة فقط من الوسطاء خاصة، والانسحاب أولوية قصوى لنجاح باقي تفاهمات الاتفاق، مشيراً إلى أن مصر والوسطاء حريصون على تنفيذ الاتفاق، وسيحاولون مواصلة تحقيق ذلك، بينما إسرائيل ستفكر في تعطيل كل شيء تحت أي ذريعة.

ويتوقع الرقب أن يدفع الوسطاء بمقاربة جديدة، من أجل دفع خطة تنفيذ الاتفاق، مع التمسك بالانسحاب الإسرائيلي باعتباره مفتاح الحل.