نتنياهو يفتش عن «بدائل» للسيطرة على آثار الضفة وغزة

أكاديميون حذّروا من تداعيات وأضرار دولية... وسموتريتش يقتحم برك سليمان الأثرية

TT

نتنياهو يفتش عن «بدائل» للسيطرة على آثار الضفة وغزة

الجامع العمري الكبير في مدينة غزة وتظهر عليه آثار القصف الإسرائيلي في صورة التقطت في سبتمبر 2024 (أ.ف.ب)
الجامع العمري الكبير في مدينة غزة وتظهر عليه آثار القصف الإسرائيلي في صورة التقطت في سبتمبر 2024 (أ.ف.ب)

طلب رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، بدء عملية فحص شامل لمشروع قانون سلطة الآثار المثير للجدل في الضفة الغربية وقطاع غزة، وأوعز لسكرتير الحكومة يوسي فوكس بالتفتيش عن «بدائل» لمشروع القانون، الذي يُناقش حالياً في لجنة التعليم في الكنيست، بعد أن حذّرت جهات أمنية ومهنية من «أضرار دولية جسيمة».

ونقلت وسائل إعلام عبرية، الثلاثاء، عن مصادر إسرائيلية، إفادتها أن نتنياهو يعرقل المشروع عملياً، لأنه يُهدد علاقات إسرائيل الخارجية، ولذا يبدو احتمال إقرار أي نسخة منه قبل حلّ الكنيست الحالية «ضئيلاً».

وجاء موقف نتنياهو بعد تحذيرات من مسؤولين قانونيين وأمنيين، من القانون الذي ينصّ على إنشاء «هيئة تراث مدنية» في الضفة الغربية وقطاع غزة.

وصادقت الهيئة العامة للكنيست بالقراءة الأولى هذا الشهر على مشروع القانون الذي سيعطي سلطة الآثار بعد إنشائها سلطة مطلقة على المواقع الأثرية في الضفة الغربية المحتلة، وتم توسيع ذلك لاحقاً ليشمل قطاع غزة.

إخضاع الآثار الفلسطينية لوزير إسرائيلي

ويقضي مشروع القانون، الذي قدّمه عضو الكنيست عَميت هليفي، من حزب «الليكود» الذي يتزعمه نتنياهو، بإقامة «سلطة آثار» تخضع لمسؤولية «وزير التراث» الإسرائيلي، وستكون «مسؤولة بشكل مطلق بالعناية بكافة شؤون التراث والآثار في المنطقة»، وستكون ضمن صلاحياتها مصادرة أراضٍ والحفريات الأثرية وإدارتها وإنفاذ القانون، وستنقل إليها صلاحيات «ضابط الآثار» الذي في «الإدارة المدنية» في الجيش.

عاملون بالقطاع الصحي يطهرون جدران المسجد العمري التاريخي في غزة عام 2020 (يسار)... وآثار الدمار على المبنى الأثري كما ظهرت في سبتمبر 2024 (أ.ف.ب)

وتناقش لجنة التعليم والثقافة في الكنيست المشروع من أجل صياغته بشكل نهائي، وتقديمه للتصويت بالقراءة الثانية والثالثة، وأثناء ذلك برزت خلافات وتدخل نتنياهو.

وأكد ممثل لهيئة الأمن القومي الإسرائيلي، الثلاثاء، أن نتنياهو «فوّض الأمين العام لمجلس الوزراء بدراسة المسألة وتقديم النتائج إليه»، وأكّد ذلك أيضاً ممثل عن وزارة الخارجية الإسرائيلية وصل إلى لجنة التعليم في الكنيست الثلاثاء، وأخبرهم بأن «رئيس الوزراء فوّض أمين مجلس الوزراء، ويجري حالياً بحث الخيارات البديلة للقانون»، مضيفاً عندما سألوه عن رأي وزارة الخارجية: «من السابق لأوانه إبداء موقف».

وأربك موقف نتنياهو مؤيدي الاقتراح، والذين سعوا له.

وقال رئيس لجنة التعليم، عضو الكنيست تسفي سوكوت: «نحن نروج للقانون في اللجنة. الكنيست هو صاحب السيادة. إذا تلقيت طلباً من رئيس الوزراء، فسأرحب به. فهو من يدير شؤون البلاد».

«انتهاك للقانون»

وكانت مستشارة لجنة التعليم في الكنيست، تامي سيلا، قدّمت رأياً قانونياً يفيد بأن مشروع القانون ينتهك قواعد القانون الدولي، ويثير صعوبات قانونية، ويمكن تفسيره على أنه ضمّ زاحف.

وأضافت: «يُعدّ هذا اقتراحاً غير مألوف وسابقة من نوعها، إذ ستُمنح سلطة مدنية إسرائيلية غير تابعة للجيش الإسرائيلي صلاحيات في الأراضي الفلسطينية وعلى مواطنيها. إضافةً إلى ذلك، يتعارض القانون المقترح مع اتفاقيات أوسلو، ويُمثّل «انتهاكاً لقواعد القانون الدولي».

وأشارت سيلا إلى أن السلطة العسكرية في الضفة الغربية تُعتبر مؤقتة، وأن «إقرار هذا القانون قد يُعزّز مزاعم عملية ضمّ تدريجية».

وزير الخارجية الألماني (وسط الصورة) يقرأ بياناً لوسائل الإعلام خلال جولة بالموقع الأثري لكنيسة القديس جورج حيث هجمات المستوطنين الإسرائيليين الأخيرة خلال زيارته بلدة الطيبة بالضفة الغربية في الأول من أغسطس 2025 (أ.ب)

وإضافة إلى سيلا، عارض المسؤولون الأمنيون القانون، وقال الجيش الإسرائيلي إنه «سيضرّ بمكانة المسؤولين العسكريين والأمنيين، وسيُنظر إليه في الساحة الدولية على أنه خطوة تنطوي على ضم فعلي».

كما ناشدت أكاديمية العلوم الإسرائيلية نتنياهو منع إقرار القانون. وكتبت: «سيُنظر إلى إقرار القانون في الأوساط السياسية والأكاديمية على أنه ضم لأراضي يهودا والسامرة. وسيؤدي هذا بلا شك إلى تدهور فوري في علاقات إسرائيل الدولية في مجال الآثار، وسيكون له أيضاً تأثير على مجالات أخرى من العلوم والبحوث».

وقدّم مجلس سلطة الآثار الإسرائيلية ورقة موقف مماثلة، حذّر فيها من أن «مشروع القانون قد يتسبب في ضرر كبير للعلاقات الأكاديمية مع الكيانات الدولية». و«سيُفسر على أنه انتهاك للقانون الدولي، وسيضرّ بشدة بعضوية علماء الآثار الإسرائيليين في المنظمات الدولية، وبالتعاون البحثي، بما في ذلك مشاريع التنقيب الهامة في البلاد».

صور التقطت في سبتمبر 2024 (يمين) لآثار تدمير متحف قصر الباشا في غزة الذي يعود للقرن الـ13... ويساراً توجد امرأة وطفل يمشيان أمام المتحف في أبريل 2021 (أ.ف.ب)

وذهبت وسائل إعلام إسرائيلية، بينها «تايمز أوف إسرائيل»، إلى أنه على الأغلب لن يتم طرح مشروع قانون الآثار للتصويت النهائي في الجلسة العامة قبل حلّ الكنيست.

وقالت «تايمز أوف إسرائيل» إن جلسة الكنيست العامة انعقدت الثلاثاء من دون مشاريع قوانين على جدول الأعمال.

وأضافت: «لا يمكن للائتلاف حالياً الاعتماد على دعم الأحزاب الأرثوذكسية المتشددة في الكنيست، التي قادت حملة حلّ الكنيست، لدعم تشريعاته».

وهذه هي المرة الأولى التي يحاول فيها الكنيست إعطاء صلاحيات لهيئة مدنية على أراضي السلطة الفلسطينية ومواطنيها.

جاء ذلك في وقت دفعت فيه الحكومة الإسرائيلية سلسلة قوانين، من شأنها إضعاف وتفكيك السلطة الفلسطينية، وتوسيع السلطات الإسرائيلية في الضفة الغربية.

سموتريتش يقتحم برك سليمان

ومتجاهلاً نتنياهو والانتقادات، اقتحم وزير المالية الإسرائيلي بتسلئيل سموتريتش، الاثنين، منطقة برك سليمان الأثرية في بيت لحم، وتعهد بالسيطرة عليها.

وقال سموتريتش من هناك إن «نقل هذه البرك وهذا الإنجاز التراثي إلى الفلسطينيين المخربين كان خطأ. لا يجب نقله إلى منطقة (أ) ليدنسوه. سنستعيد المنطقة. أخذت على نفسي إعادة بناء هذه البرك وفتحها أمام الزوار. هذا أمر تاريخي وتراث صهيوني. سننجح بإذن الله، وسوف نحقق هذا الهدف المهم».

وبرك سليمان هي أحد أهم المعالم التاريخية والأثرية والمائية في فلسطين، وتقع جنوب غربي مدينة بيت لحم، وتتكون من 3 برك تراثية ضخمة للغاية.

صورة لإحدى برك سليمان الأثرية في بيت لحم التي ينوي سموتريتش السيطرة عليها (بلدية بيت لحم)

وأدانت وزارة الأوقاف والشؤون الدينية الفلسطينية خطوة سموتريتش، مؤكدة أن هذه المنطقة هي «أوقاف إسلامية خالصة». وقالت: «إن هذا الاقتحام يمثل اعتداء صارخاً على الأملاك الوقفية، ومحاولة بائسة لفرض واقع استعماري جديد وتزوير الهوية التاريخية والإسلامية للمنطقة».

ودعت الأوقاف المجتمع الدولي والمؤسسات الحقوقية و«اليونيسكو» إلى التدخل الفوري لوقف هذه الغطرسة.


مقالات ذات صلة

إسرائيل تعتقل صحافية فلسطينية أميركية في الضفة الغربية

المشرق العربي صورة عامة شمال جنين بالضفة الغربية يوم 12 سبتمبر (إ.ب.أ) p-circle

إسرائيل تعتقل صحافية فلسطينية أميركية في الضفة الغربية

اعتقلت القوات الإسرائيلية أمس (الثلاثاء) الصحافية الفلسطينية الأميركية نقاء حامد، أثناء عودتها من تغطية صحافية في الضفة الغربية المحتلة.

«الشرق الأوسط» (رام الله)
المشرق العربي وُضعت زهور على جثمان رجل فلسطيني يبلغ من العمر 54 عاماً، قُتل على يد القوات الإسرائيلية خلال مداهمة، بينما كان المشيعون ينعونه في مستشفى بمدينة رام الله في الضفة الغربية (رويترز)

الجيش الإسرائيلي يقتل فلسطينياً خلال مداهمة منزله في الضفة الغربية

قتل الجيش الإسرائيلي رجلا فلسطينيا الثلاثاء خلال مداهمة منزله في الضفة الغربية المحتلة، وفق وزارة الصحة الفلسطينية.

«الشرق الأوسط» (رام الله)
شؤون إقليمية وزيرة الخارجية الفلسطينية فارسين أغابكيان شاهين ووزير الخارجية البرتغالي باولو رانجيل يحضران مؤتمراً صحافياً بعد اجتماع في لشبونة بالبرتغال يوم 14 سبتمبر 2026 (إ.ب.أ)

البرتغال تتهم إسرائيل بتقويض الدولة الفلسطينية عبر توسيع المستوطنات

قال وزير خارجية البرتغال إن توسُّع المستوطنات الإسرائيلية والضغوط الاقتصادية في الضفة الغربية المحتلة والقدس الشرقية يقوّضان آفاق إقامة دولة فلسطينية مستدامة.

«الشرق الأوسط» (لشبونة)
المشرق العربي صبي فلسطيني يغادر المدرسة ويظهر خلف سياج أمني يحيط بساحة المدرسة في قرية المغير قرب رام الله بالضفة الغربية (إ.ب.أ)

«مشروع المحو»... منظمة حقوقية إسرائيل توثِّق استهداف تل أبيب الوجود الفلسطيني

اتهمت منظمة «بتسيلم» الحقوقية الإسرائيلية الاثنين، الدولة العبرية بانتهاج مجموعة من السياسات المتزامنة في الضفة الغربية المحتلة، في سياق مشروع لمحو الفلسطينيين.

كفاح زبون (رام الله)
المشرق العربي القوات الإسرائيلية تقتحم بلدة عناتا في الضفة الغربية يوم 8 سبتمبر الحالي (د.ب.أ) p-circle

«اتفاق أوسلو» بعد 33 عاماً: ليس حياً ولم يمت... فما الذي تبقَّى منه؟

ربما لم يتبقَّ من «اتفاق أوسلو» الذي وُقع قبل 33 عاماً بين الفلسطينيين والإسرائيليين سوى «سلطة بلا سلطة» بالضفة ودمار بغزة وقدس شرقية وغربية تحت سيطرة إسرائيل.

كفاح زبون (رام الله)

لبنان يدين محاولة استهداف مكة المكرمة

رئيس الحكومة نواف سلام ملتقياً مفتي الجمهورية عبد اللطيف دريان بمقر دار الفتوى في بيروت في وقت سابق (الوكالة الوطنية للإعلام)
رئيس الحكومة نواف سلام ملتقياً مفتي الجمهورية عبد اللطيف دريان بمقر دار الفتوى في بيروت في وقت سابق (الوكالة الوطنية للإعلام)
TT

لبنان يدين محاولة استهداف مكة المكرمة

رئيس الحكومة نواف سلام ملتقياً مفتي الجمهورية عبد اللطيف دريان بمقر دار الفتوى في بيروت في وقت سابق (الوكالة الوطنية للإعلام)
رئيس الحكومة نواف سلام ملتقياً مفتي الجمهورية عبد اللطيف دريان بمقر دار الفتوى في بيروت في وقت سابق (الوكالة الوطنية للإعلام)

دان لبنان محاولة استهداف مدينة مكة المكرمة في المملكة العربية السعودية بطائرة مسيَّرة، إذ استنكر رئيس الحكومة نواف سلام المحاولة بأشد العبارات، مؤكداً تضامن لبنان الكامل مع المملكة، بينما ندّدت وزارة الخارجية والمغتربين بالاعتداء وأوعز مفتي الجمهورية الشيخ عبد اللطيف دريان إلى خطباء المساجد في لبنان بتخصيص خطبة الجمعة للحديث عن المحاولة ورفض المساس بحرمة الأماكن المقدسة.

سلام: استهداف مكة يزعزع أمن المنطقة

ودان سلام «بأشد العبارات» محاولة استهداف مكة المكرمة بطائرة مسيَّرة أطلقتها جماعة الحوثي، معتبراً أن ذلك يشكل «استهانة بحرمة مكة المكرمة ومكانتها لدى المسلمين في مختلف أنحاء العالم».

وقال إن «مثل هذه التصرفات لا تهدّد أمن المملكة العربية السعودية وسيادتها فحسب، بل تسهم في زعزعة أمن المنطقة واستقرارها برمّتها».

وأكد «تضامن لبنان الكامل مع المملكة، قيادةً وشعباً، ووقوفه إلى جانبها في مواجهة أي اعتداء يطال أمنها وسيادتها وسلامة مواطنيها والمقيمين على أراضيها».

الخارجية: انتهاك صارخ

بدورها، دانت وزارة الخارجية والمغتربين «بأشد العبارات قيام ميليشيا الحوثي بمحاولة استهداف مدينة مكة المكرمة بطائرة مسيَّرة»، مستنكرة «هذا الاعتداء الآثم الذي يشكّل انتهاكاً صارخاً لحرمة أقدس البقاع الإسلامية، ومسّاً سافراً بمكانة الحرمين الشريفين ورمزيتهما لدى المسلمين في العالم أجمع».

وأعربت الخارجية اللبنانية عن «تضامنها الكامل مع المملكة العربية السعودية، ووقوفها إلى جانبها في مواجهة أي اعتداء يستهدف أمنها وسلامة أراضيها ومقدّساتها»، مؤكدة ضرورة احترام حرمة الأماكن المقدسة وتجنيبها أي أعمال عدائية، بما يصون السلم والأمن ويعزز الاحترام المتبادل بين الأديان والشعوب.

وأكدت أن «استهداف مكة المكرمة، أو تعريضها وأهلها وزائريها لأي خطر، لا يتنافى مع القيم والمبادئ الإسلامية فحسب، بل يشكّل أيضاً اعتداءً على منظومة القيم الدينية والأخلاقية والإنسانية المشتركة»، التي تكرّس حرمة دور العبادة والمقدسات وتصون مكانتها.

دريان يوعز بتخصيص خطبة الجمعة تضامناً

وبتوجيه من مفتي الجمهورية الشيخ عبد اللطيف دريان، عمّمت المديرية العامة للأوقاف الإسلامية على جميع خطباء المساجد في لبنان قرار تخصيص خطبة الجمعة للحديث عن محاولة استهداف مكة المكرمة بطائرة مسيَّرة، وكذلك المسجد النبوي الشريف وأي بقعة من بقاع المملكة العربية السعودية.

مفتي الجمهورية اللبنانية الشيخ عبد اللطيف دريان (الوكالة الوطنية)

وأكدت دار الفتوى رفض «هذا العمل العدواني الذي يمسّ بالبلد الحرام الذي جعله الله مثابة للناس وآمناً»، مشددة على أن «البلد الحرام حرمه الله تعالى وجعله معظماً لا يؤذى فيه بشر، فكيف بإرهاب الآمنين فيه؟ هذا مخالف مخالفة صريحة للدين الإسلامي».

واعتبرت أن «أي تعرض للمملكة العربية السعودية هو تعرض لكل المسلمين وأحرار العالم»، مؤكدة أن «دار الفتوى وعلماؤها يقفون إلى جانب المملكة في كل ما تأخذه من قرارات للدفاع عن البلد الحرام وعن سيادة المملكة وأمن شعبها وسلامته».


البرلمان اللبناني ينقسم حول حصرية السلاح وقرار الحرب والسلم

البرلمان اللبناني ينقسم حول حصرية السلاح وقرار الحرب والسلم
TT

البرلمان اللبناني ينقسم حول حصرية السلاح وقرار الحرب والسلم

البرلمان اللبناني ينقسم حول حصرية السلاح وقرار الحرب والسلم

طغى ملف حصرية السلاح وقرار الحرب والسلم على اليوم الثاني من مناقشة الحكومة في مجلس النواب، بعدما ركّز عدد من النواب المعارضين لـ«حزب الله» على ضرورة تنفيذ قرارات الدولة في هذا الملف وبسط سلطتها، معتبرين أن نجاح الحكومة يقاس بقدرتها على التنفيذ. وفي المقابل، قوبلت هذه المواقف بردود عالية السقف من نواب «حزب الله» وصل إلى اتهام زملائهم بأنهم «جماعة إسرائيل».

استعادة الدولة لقراراتها

وجعل عدد من النواب من حصرية السلاح وقرار الحرب والسلم محوراً أساسياً في مداخلاتهم، رابطين بين استعادة الدولة لقرارها وقدرتها على حماية لبنان ومعالجة أزماته.

وفي هذا الإطار، قال النائب عن «الجماعة الإسلامية» عماد الحوت إن «المواطن يدفع للدولة ثمن وجودها ثمّ يدفع من جيبه ثمن غيابها»، مطالباً بـ«دولة قادرة تكون فيها السيادة واحدة والسلطة واحدة»، وأن تكون مسؤولية حماية لبنان منوطة بالدولة ومؤسساتها الشرعية، داعياً إلى «استراتيجية أمن قومي يلتف حولها اللبنانيون، وخطة وطنية واضحة لإنهاء الاعتداءات والاحتلال».

واعتبرت النائبة بولا يعقوبيان أن «أكبر انتكاسات لبنان كانت في الخروج عن الدولة وجلب حروب الآخرين إلى أراضينا والتمرد على قرارات الحكومة لحصر السلاح»، كما طرحت مسألة تسليم ما تبقى من «جنوب غير محتل» إلى الدولة اللبنانية، والدعوة إلى اتخاذ قرار بقانون «حياد لبنان».

بدوره، قال عضو كتلة «القوات اللبنانية» النائب أنطوان حبشي إن «المهم تطبيق قرار حصر السلاح، وفشل الحكومة أو نجاحها رهن تطبيق قراراتها»، فيما توجه النائب ميشال دويهي لرئيس الحكومة نواف سلام قائلاً: «نحن معكم، دولة الرئيس سلام، عند اتخاذ القرارات، وسنحاسبكم عند عدم التنفيذ»، مشدداً على أن «كل القرارات التي اتخذتموها تحتاج إلى تنفيذ».

شهد اليوم الثاني من جلسة مناقشة الحكومة سجالات بين نواب «حزب الله» ومعارضيه (الوكالة الوطنية للإعلام)

وربط عضو كتلة «القوات» النائب غسان حاصباني بين السيادة والاستقرار الاقتصادي، قائلاً: «لا سيادة تعني لا استقرار، ولا استقرار يعني لا استثمار، ولا استثمار يعني لا نهوض». وطالب الحكومة بكشف حساب تنفيذي حول ما تحقق في ضبط الحدود والمعابر وملاحقة نقل السلاح وحمله وتخزينه وشبكات التمويل، سائلاً: «ماذا تحقق؟ ما العوائق؟ وما المهلة لاستكمال التنفيذ؟».

كما رأى زميله في كتلة «القوات» بيار بو عاصي أنه «لا يوجد أي نموذج فيه ازدواجية سلطة ودولة وقرار حرب وسلم وسلاح ونجح. ولا واحد»، داعياً إلى تطبيق القرارات التي اتخذتها الدولة، فيما شدد النائب سيمون أبي رميا على أن لبنان يحتاج إلى استكمال المسار الذي يعيد للدولة وحدها قرار الحرب والسلم وحصرية السلاح، أما النائب ميشال معوض الذي شنّ هجوماً على «حزب الله»، فرأى أن «الحل بالسيادة والسلام والإصلاح»، معتبراً أن «المطلوب من الحكومة أكثر؛ لأن كل يوم تأخير يدفع اللبناني ثمنه فقراً وذلاً»، ودعا إلى «بسط سلطة الدولة من دون تأخير».

سجال واتهامات... وبري: «يا عيب الشوم»

ولم تمر مداخلة معوض «العالية السقف» بهدوء؛ إذ سرعان ما تحولت إلى سجال حاد مع نواب «حزب الله»، شارك فيه النائب عن «القوات» زياد حواط والنائب وضاح الصادق، وتبادل الطرفان الاتهامات والمواقف الحادة على خلفية السلاح والجنوب وإسرائيل.

وردّ عضو كتلة «حزب الله» النائب إيهاب حمادة على معوض متهماً إياه بـ«السفيه»، ووصل التصعيد إلى اتهام معارضي الحزب بأنهم «جماعة إسرائيل». وفي المقابل، رد حواط قائلاً: «لم يعد أحد يخاف منكم ولنرَ بطولاتكم تجاه الإسرائيلي».

ودخل وضاح الصادق على خط السجال متناولاً موضوع تلة علي الطاهر، ومتوجهاً إلى خصومه بالقول: «من كذب على الناس واللبنانيين حول تلة علي الطاهر؟»، قبل أن يتهمهم بأنهم «أدخلوا إسرائيل إلى لبنان».

ومع تصاعد حدة التراشق الكلامي وارتفاع الأصوات داخل القاعة، تدخل رئيس مجلس النواب نبيه بري قائلاً: «يا عيب الشوم».

النواب يشاركون في اليوم الثاني من جلسة مناقشة الحكومة (الوكالة الوطنية للإعلام)

الجنوب والمفاوضات

في المقابل، ركّزت مداخلات نواب كتلة «التنمية والتحرير» التي يرأسها بري ونواب «حزب الله» على الجنوب والاعتداءات الإسرائيلية ومسار المفاوضات. وقال عضو كتلة بري النائب هاني قبيسي إن «المفاوضات لم تنفع»، متمنياً من الحكومة والدولة اللبنانية اتخاذ «موقف مغاير» في المرحلة الراهنة. ورأى أن «الجنوب بحاجة إلى تضامن وطني»، معتبراً أن إسرائيل تصعّد موقفها العسكري عندما ترى الانقسام اللبناني، ومشدداً على أن «هناك خللاً في الموقف السياسي اللبناني؛ لأن لبنان يفاوض تحت النار».

بدوره، انتقد النائب عن «حزب الله» رائد برو أداء الحكومة، معتبراً أنه «ضعيف وليس بالمستوى المطلوب»، وتوجه إلى الحكومة قائلاً: «يتهموننا بأننا صادرنا قرار السلم والحرب، ففوضناكم لسنوات، ولكن ماذا فعلتم؟».

من جهته، طالب عضو كتلة بري النائب قاسم هاشم بـ«خطة طوارئ متكاملة مع سياسة وطنية مستدامة للجنوب ليتمكن الناس من البقاء في أرضهم»، وسأل: «أي سيادة وبأي سيادة نتغنى والعدوان مستمر؟».

وفي السياق نفسه، هاجمت النائبة حليمة قعقور «اتفاق الإطار»، وقالت: «إيران ممنوع أن تفاوض عن لبنان، ولبنان هو من يفاوض عن نفسه»، معتبرة أن الموقف من الاتفاق يجب ألا يحول دون التمسك بحصرية السلاح وقرار الدولة».


تفجيرات الجنوب تهدّد الجغرافيا وتنشّط الفوالق الزلزالية… وشكوى لبنانية لمجلس الأمن

الدخان يتصاعد من بلدة حلتا بعد استهدافها بقصف إسرائيلي (الوكالة الوطنية للإعلام)
الدخان يتصاعد من بلدة حلتا بعد استهدافها بقصف إسرائيلي (الوكالة الوطنية للإعلام)
TT

تفجيرات الجنوب تهدّد الجغرافيا وتنشّط الفوالق الزلزالية… وشكوى لبنانية لمجلس الأمن

الدخان يتصاعد من بلدة حلتا بعد استهدافها بقصف إسرائيلي (الوكالة الوطنية للإعلام)
الدخان يتصاعد من بلدة حلتا بعد استهدافها بقصف إسرائيلي (الوكالة الوطنية للإعلام)

في يوم جديد من التصعيد الإسرائيلي في جنوب لبنان، توغلت قوة إسرائيلية في بلدة حلتا الحدودية في قضاء حاصبيا، قبل أن تنسحب إلى أطرافها، بعدما نفَّذت عمليات تفتيش وتمشيط، في حين وردت معلومات عن خطف أحد أبناء البلدة. ويتزامن ذلك مع تصاعد القلق اللبناني من حجم التفجيرات الإسرائيلية في الجنوب، بعدما حذَّرت وزيرة البيئة تمارا الزين من أن تداعياتها لا تقتصر على الدمار المباشر، بل قد تمتد إلى مخاطر جيولوجية تمسّ السلامة العامة.

وأفادت «الوكالة الوطنية للإعلام» بانسحاب القوة الإسرائيلية من حلتا بعد توغلها صباح الأربعاء، مع ورود معلومات عن خطف المواطن فادي عبد العال. وخلال العملية، فتش عناصر الدورية عدداً من المنازل ونفَّذوا عمليات تمشيط بالأسلحة الرشاشة، بالتزامن مع أعمال جرف طالت بساتين الزيتون في المنطقة.

وأقدمت القوة الإسرائيلية على تفجير عدد من البيوت كما أُفيد عن تخريب منازل وتكسير ألواح الطاقة الشمسية الموجودة على الأرض وعلى أسطح الأبنية. وتعرضت البلدة لقصف بثلاث قذائف هاون، في حين استهدفت قذيفة محيط المنازل، وسُمع دوي انفجارات قوي في عدد من بلدات منطقة العرقوب، تبيّن أن مصدره تفجيرات نفذتها القوات الإسرائيلية داخل حلتا.

الدخان يتصاعد من موقع استُهدف بقصف إسرائيلي بين كفرشوبا وحلتا في جنوب لبنان 6 يوليو الماضي (أ.ف.ب)

ولا تأتي هذه العملية بمعزل عن تحركات إسرائيلية سابقة في البلدة ومحيطها، شملت توغلات وعمليات تفتيش واعتقالات وأعمال تجريف وتخريب. وتقع حلتا في منطقة العرقوب، ضمن قضاء حاصبيا في محافظة النبطية، قرب كفرشوبا وتلالها ومزارع شبعا، في منطقة حدودية شديدة الحساسية من الناحيتين الجغرافية والعسكرية.

ويشكل موقع حلتا جزءاً من المحور الحدودي الممتد بين العرقوب وكفرشوبا وشبعا. وتقول إسرائيل إن عملياتها في جنوب لبنان تهدف إلى منع «حزب الله» من إعادة بناء قدراته قرب الحدود.

وفي موازاة أحداث حلتا، استهدف الجيش الإسرائيلي أطراف كفرشوبا بقذيفة مدفعية، كما طال القصف كفرتبنيت في النبطية. وفي القطاع الغربي، نفَّذت القوات الإسرائيلية تفجيرات عنيفة في بلدة المنصوري جنوب صور، بعد تفجيرات مماثلة فجراً استهدفت منازل وأودية، وأدت إلى ارتجاجات قوية شعر بها سكان القرى المجاورة.

تداعيات تفجير «علي الطاهر»

وبالتوازي مع التطورات الميدانية، فتحت التفجيرات الإسرائيلية الضخمة ملف تداعياتها المحتملة على الأرض والبيئة. وحذَّرت وزيرة البيئة تمارا الزين من أن «تَتالي التفجيرات الإسرائيلية الضخمة في جنوب لبنان لا تقتصر تداعياته على الدمار الهائل الذي تخلّفه، بل تتجاوز ذلك إلى مخاطر تمسّ السلامة العامة»، في ضوء الأضرار الجيولوجية والاضطرابات الأرضية الناجمة عنها.

وأشارت الزين إلى تفجير تلة علي الطاهر قبل أسبوعين، باستخدام نحو 1100 طن من المتفجرات، والذي ولّد، حسب بيانات المركز الوطني للجيوفيزياء، موجات أرضية مشابهة لتلك الناتجة من هزة بقوة 4.2 درجات على مقياس ريختر. ولفتت إلى أن التفجير وقع على مسافة نحو كيلومتر واحد من فالق روم ونحو سبعة كيلومترات من فالق اليمونة؛ ما يثير مخاطر إضافية بالنظر إلى طبيعة التفجير وحجمه وموقعه.

آثار التفجيرات في مرتفعات علي الطاهر كما ظهرت من منطقة مرجعيون 11 سبتمبر الحالي (أ.ف.ب)

وذكّرت بتفجير مجدل زون باستخدام نحو 80 طناً من المتفجرات، والذي ولّد موجات أرضية مشابهة لهزة بقوة 3.1 درجات، فضلاً عن أثره المباشر الذي أدى، حسب قولها، إلى شطر البلدة إلى نصفين. كما أشارت إلى التفجير في جوار قلعة الشقيف، باستخدام نحو 700 طن من المتفجرات، والذي ولّد موجات أرضية مشابهة لهزة بقوة 3.8 درجات، وشعر المواطنون بارتجاجاتها على مسافات بعيدة.

تحذير من تنشيط الفوالق

وأكدت الزين أن التفجيرات الجوفية الضخمة قد تؤدي، في ظروف جيولوجية معينة، ولا سيما عند وقوعها بالقرب من فوالق قائمة، إلى تحريك هذه الفوالق أو إعادة تنشيطها، بما قد يزيد من مخاطر النشاط الزلزالي. وشددت على أن عدم إمكانية الجزم بالنتائج المستقبلية لهذه التأثيرات لا يعني التقليل من مستوى الخطر أو التعامل معه بوصفه أمراً يمكن تجاهله.

«إعادة تشكيل الجغرافيا» وشكوى لمجلس الأمن

وشدَّدت الزين على أن ضخامة التفجيرات لا تقاس فقط بحجم الدمار المباشر الذي تسببه، عادَّة أن هذه العمليات تتجاوز البعد العسكري المباشر إلى «إعادة تشكيل الجغرافيا»، وما يمكن أن يترتب عليها من أضرار تطال البيئة الطبيعية والمبنية والبنى التحتية والمنازل ضمن نطاق جغرافي واسع، نتيجة الارتجاجات العنيفة.

وذكّرت بأن هذه الاعتداءات تأتي بالتوازي مع ما وصفته بـ«الإبادة البيئية»، مؤكدة أن مسؤولية الدولة والحكومة تقتضي التعامل مع مستوى الأضرار والمخاطر الناجمة عنها بما يتناسب مع خطورتها، وعدم الاكتفاء بالتوثيق وتعداد ما وصفته بجرائم الحرب.

وأوضحت أنها عرضت هذه المعطيات والمخاطر على مجلس الوزراء، الذي كلفها إعداد تقرير مفصل حول تداعيات التفجيرات، على أن يُودَع وزارة الخارجية والمغتربين لرفعه إلى مجلس الأمن الدولي وسائر الجهات الدولية المعنية.