رفيق الحريري بعد اجتماعه الأول ببشار... صرت خائفاً على سوريا وليس لبنان

النائب والوزير السابق باسم السبع يروي قصة العلاقة الشائكة بين رئيس الوزراء اللبناني السابق وأركان الحكم في دمشق

موقع اغتيال رفيق الحريري في بيروت عام 2005 (أ.ب)
موقع اغتيال رفيق الحريري في بيروت عام 2005 (أ.ب)
TT

رفيق الحريري بعد اجتماعه الأول ببشار... صرت خائفاً على سوريا وليس لبنان

موقع اغتيال رفيق الحريري في بيروت عام 2005 (أ.ب)
موقع اغتيال رفيق الحريري في بيروت عام 2005 (أ.ب)

تنشر «الشرق الأوسط» حلقات من كتاب جديد للسياسي اللبناني باسم السبع يروي فيه فصولاً من العلاقة الشائكة بين رئيس الوزراء اللبناني الراحل رفيق الحريري وأركان الحكم في سوريا. يحمل الكتاب عنوان «لبنان في ظلال جهنم - من اتفاق الطائف إلى اغتيال الحريري» (من إصدارات شركة المطبوعات للتوزيع والنشر).

عمل السبع لسنوات مستشاراً لرفيق الحريري حتى اغتياله عام 2005. فاز بعضوية مجلس النواب اللبناني من عام 1992 حتى عام 2009. كما شغل منصب وزير للإعلام في حكومة رفيق الحريري بين العامين 1996 و1998. وهو ينتمي إلى تيار المستقبل ومن أقطاب تيار 14 آذار.

***

عاشت علاقة رفيق الحريري مع السلطة السورية قرابة ربع قرن ونيف، بدأت في مستهل الثمانينات كموفد للملك السعودي فهد بن عبد العزيز، يواكب المَهمّات الدبلوماسية للأمير بندر بن سلطان، خصوصاً ما يتصل منها بالجهود العربية لوقف الحرب الأهلية اللبنانية.

تقاطعت في التأسيس لتلك العلاقة، لنجاحاتها وإخفاقاتها، أدوار ومصالح وحسابات سياسية وشخصية لمسؤولين في النظام السوري، حصلوا من الرئيس حافظ الأسد على إذن التدخل في المسألة اللبنانية، والتعامل مع مكوّناتها الطائفية والحزبية.

تولّى جانب العلاقة المباشرة مع الحريري كلٌّ من نائب الرئيس عبد الحليم خدّام ورئيس أركان الجيش العماد حكمت الشهابي واللواء غازي كنعان واللواء رستم غزالة. وانضم لهذه القائمة بشّار الأسد في السنوات الأخيرة لوالده.

وتولّى جانب الاهتمام بالمعارضة اللبنانية ورموز المواجهة مع الحريري، باسل الأسد قبل مقتله، ومن بعده بشّار وماهر الأسد واللواء محمد ناصيف (أبو وائل)، واللواء آصف شوكت، واللواء علي المملوك. وأضيفت إليهم لدواعٍ رسمية وطارئة شخصيات تولّت رئاسة الحكومة السورية، ووزراء من وزن وزير الدفاع مصطفى طلاس، ووزير الخارجية وليد المعلّم، وسلفه الوزير فاروق الشرع، وكبار الضباط ممن تولوا قيادة القوّات السورية في لبنان.

المتعارف عليه، مما علمناه وقرأناه وتابعنا وقائعه، أن العلاقة بين الحريري الأب والأسد الأب، نشأت وتطوّرت واختُبرت تحت مظلّة العلاقات السعودية - السورية، وحكمتها ظروف عزّزت الثقة والاحترام المتبادل بين الرجلين، إلى حدود سُمح فيها لقياديّ في حزب البعث من آل الأحمد بكتابة مقال في جريدة «السفير»، يطالب فيه برئيس للحكومة السورية من طراز رفيق الحريري، في الوقت الذي كان اسمه يسطّر في وسائل الإعلام وزيراً لخارجية البلدين، وأهم صنّاع اتفاق الطائف والوفاق الوطني في لبنان.

الرئيس حافظ الأسد مستقبلاً رفيق الحريري (غيتي)

لم تنسحب علاقة الحريري مع حافظ الأسد على علاقته بأبنائه، أي بكلٍّ من باسل وبشّار وماهر، بل هي خلاف ذلك، شابها كثير من الرسائل المفخخة وانعدام الثقة، وتعرّضت لنكسات سياسية خلّفت أضراراً جسيمة في العلاقات اللبنانية - السورية، وانتهت إلى قرار مجلس الأمن الدولي رقم 1559، وسقوط لبنان وسوريا معاً في مستنقع الأحقاد المتبادلة.

قبل بشّار، عقد حافظ الأسد لواء الوراثة السياسية لابنه البكر باسل، الذي قضى في حادث سير على طريق مطار دمشق. باسل شخصية احتلّت منذ الثمانينات مركزاً متقدّماً من مراكز القوى في النظام السوري، بصفته الوريث الذي لا ينازعه أحد على هذا الموقع، بعد إقصاء عمّه رفعت ونفيه (...) إلى فرنسا وإسبانيا، وبصفته أحد أركان القرار في المربّع الذهبي للنظام، أي العائلة والطائفة والجيش والحزب. فهو الابن البكر لرئيس البلاد وزعيم الطائفة العَلَوية والقائد الأعلى للقوات المسلّحة والأمين العام لحزب البعث الحاكم، وكلها صفات تتشكل منها سمات الدخول إلى جنّة المربع.

شاركت مع الحريري في مأتم باسل الذي أقيم في بلدة القرداحة شمال سوريا، وشهدت على الحشد الذي تجمّع في باحة المسجد، يتقدّمه الرئيس حافظ الأسد والرئيس حسني مبارك وخدّام وكبار المسؤولين. ولاحظت الرئيس الحريري يبكي متأثّراً، خلافاً لبقية كبار المشاركين. سألته بعد المأتم عن سبب بكائه وهو لم يكن على معرفة بباسل وليست بينهما علاقات ودّ تستوجب البكاء. أجاب: «كلّ ما في الأمر أنني تذكّرت ولدي حسام (ابنه الذي قضى في حادث سير أواخر الثمانينات في الولايات المتحدة). ليس هناك أصعب من هذه اللحظات على الأب. كان اللَّه في عون الرئيس الأسد».

باسل الأسد... رفيق الحريري بكى في جنازته

(...) كان باسل بطل سوريا الدائم في الفروسية والأوّل في دورته للإنزال المظلّي، والضابط الذي بهر أساتذته وحصل على دكتوراه في العلوم العسكرية بدرجة ممتاز من الأكاديمية العسكرية في الاتحاد السوفياتي عام 1991، قبل شهر واحد من بدء تفكّك الدولة السوفياتية. أما بشّار فقد دانت له في عمرٍ مبكر، لم يتجاوز الثالثة والعشرين، شهادة الطبّ من كلية الطب في الجامعة السورية، قبل أن يجري الحديث عن التحاقه للتخصّص في طبّ العيون في بريطانيا، ويُستدعى قبل نهاية تخصّصه إلى دمشق عام 1994 لنيل رتبة وريث حافظ الأسد بعد مقتل شقيقه باسل، ويجرى تعديل دستوري يتيح لابن الثالثة والثلاثين تولّي رئاسة الجمهورية.

سار بشّار على خطى الوالد. قفز من الطبّ إلى الجيش، ومنه إلى قيادة الحزب والرئاسة. الابن الثالث ماهر، درس إدارة الأعمال ومارسها على أعلى المستويات. لم يساعده طبعه الحاد في وراثة موقع شقيقه باسل، لكنه احتلّ في المعادلة العَلَوية موقع عمّه رفعت، واحتل الموقع الثاني في النظام، منذ توليه قيادة الحرس الجمهوري والفرقة الرابعة، الدرع العسكري الذي يحيط دمشق ويقوم مقام سرايا الدفاع أيام رفعت، المكلّف حماية الرئيس من السقوط.

لعب الأبناء الثلاثة أدواراً متفاوتة في التأثير على الدور السياسي لرفيق الحريري. يضاف إليهم من البيت العَلَوي العماد علي دوبا واللواء كنعان بحكم موقعه كرئيس لجهاز الأمن والاستطلاع للقوّات السورية في لبنان، واللواء محمد ناصيف المعروف بوفائه لبيت الأسد، واللواء آصف شوكت، زوج ابنة الرئيس، الذي قوي نفوذه بعد مصرع باسل وتولّى مسؤوليات أمنية رفيعة مع بشّار.

لحود والحريري... علاقة إشكالية بين الرئيس اللبناني ورئيس وزرائه (أ.ف.ب)

حاول رفيق الحريري التقرّب من باسل الأسد بداية التسعينات، لدوره الأساسي في الملف اللبناني وشبكة العلاقات التي أقامها مع كثير من الشخصيات اللبنانية المصنفة في خانة المعارضة، لكن الرئيس حافظ لم يسعفه في تحقيق هذه الرغبة، ووجد الوقت الملائم لتحقيقها أواخر التسعينات، من خلال فتح الباب للقاء مع بشّار.

اتّسمت العلاقة مع بشّار في تلك المرحلة، بمنسوب عالٍ من النفور بعد اعتماد الرئيس إميل لحّود رجل سوريا الأوّل في لبنان، وتسهيل عمل فريقه القضائي والأمني في تركيب الملفّات الكيدية وملاحقة رجاله في الإدارة وشنّ حملات التشهير بسياساته بعد إبعاده عن رئاسة الحكومة. اعتبر الحريري أن الموقف يتطلّب تحرّكاً لفكّ الحصار المفروض عليه من لحّود وجماعته بالتعاون مع مسؤول المخابرات السورية في لبنان اللواء غازي كنعان ومعاونه رستم غزالة، واختار الذهاب إلى منبع المشكلة، للبحث عن الوسائل الممكنة لتصحيح العلاقة.

تحرّك نحو الشام في زيارة غير معلنة للقاء الرئيس السوري حافظ الأسد في عام 1999. العام الأخير في ولاية استمرت زهاء ثلاثين سنة انتهت بوفاته في يونيو (حزيران) من عام 2000. قد يكون اللقاء الأخير بينهما، وفيه أدرك الحريري أن الأسد الأب أنهى تعبيد الطريق أمام ابنه بشّار إلى قصر المهاجرين، وبات يعدّ الأيام التي يسلم فيها الروح ليسلّم ابنه زمام القيادة.

الرئيس حافظ الأسد

نصح الأسد الحريري بالانفتاح على بشّار والتحدّث إليه مباشرة في الملف اللبناني والعلاقات الثنائية. «بشّار على علاقة طيبة مع لحّود وقادر على معالجة الأمور». وافق الحريري من دون تردّد وتعهّد الأسد الكبير ترتيب لقاء مع الأسد الصغير. فهم الزعيم اللبناني أن قدرة صديقه نائب الرئيس السوري عبد الحليم خدّام على التأثير تراجعت، وأن تجديد تأشيرة الدخول إلى قصر المهاجرين يستدعي تقديم الطلب لدى بشّار.

استدعاني الحريري إلى قريطم (مقره في بيروت) صبيحة يوم في أواخر سبتمبر (أيلول) 1999، وأبلغني وجوب الاستعداد للتوجّه برفقته إلى دمشق في زيارة «ما بدّي حدا يعرف فيها. أبو طارق (المرافق الأمني يحيى العرب) ينتظر اتصالاً نتحرّك بعده مباشرة». حضر أبو طارق. همس في أذن الرئيس ثم قال: «تفضّلوا يا شباب». أبو طارق ووسام الحسن (مسؤول أمني لبناني رفيع) وأنا. استقل الحريري سيارته المرسيدس المصفّحة. قادها وأنا إلى جانبه والحسن في المقعد الخلفي. أقلع الموكب من قريطم تتقدّمه سيارة مجهّزة بأحدث تقنيات الرصد الأمني وسيارتان للتمويه تحملان الأرقام ذاتها، وخلفنا سيارة إسعاف ورتل من السيارات رباعية الدفع مخصّصة لنقل المرافقين بكامل عتادهم المسلّح. توجّه بعد أقلّ من دقيقة إلى الحسن قائلًا: «باسم لا يعلم يا وسام مع من سنجتمع في الشام». سألت: «هل سترى الرئيس؟». أجاب: «أهمّ... سأجتمع مع بشّار. هكذا يريد الختيار وهناك حاجة لفتح صفحة جديدة. الأب يعاني صحيّاً والشاب سيصل إلى الحكم، ومطلوب مني مساعدته... إنها المرّة الأولى التي أقصد فيها الشام ولا ألتقي أبو جمال (خدّام). بكل الأحوال لا أريده أن يعلم... أنا أبلغه لاحقاً».

عبد الحليم خدام (رويترز)

واصل الموكب تحرّكه من دون توقف. لدى وصوله إلى مفرق عنجر، حيث مقرّ القيادة السورية ومكتب اللواء غازي كنعان، واصل الحريري القيادة نحو الحدود اللبنانية - السورية. قال: «ما بدنا نشوف حدا. بعد جديدة يابوس هناك من ينتظرنا للمرافقة». في الجديدة رافقتنا سيارة مرسيدس 190 فيها ثلاثة أشخاص. سرنا خلفها إلى مداخل دمشق، وسلّمت الموكب إلى سيارة ثانية، بيجو بنيّة اللون، طلب سائقها من أبي طارق مواكبته مع سيارة الرئيس الحريري فقط. ركنت بقية السيارات إلى جانب الطريق، وقادتنا البيجو فوق طريقٍ ترابي مسافة كيلومترين أدّى بنا إلى جبل قاسيون.

فوق تلة معزولة عن بقية أحياء الجبل، أنشأ باسل الأسد ميني فيلا اعتمدها مكتباً لاجتماعاته الخاصة. ورث بشّار خلافة والده من شقيقه، وفي عداد الإرث كانت الفيلا المبنية من حجر صخري تحيطها أرض جرداء إلاّ من بعض الشجر المزروع حديثاً. هي صغيرة بما يكفي لأن تكون محل إقامة شبابياً يطلّ على دمشق من فوق.

استقبل بشّار الحريري عند مدخل مكتبه، واستُبقينا، وسام الحسن وأبو طارق العرب وأنا، في الصالون المجاور. حاولت استراق السمع لما يدور من أحاديث. لم أوفّق، إلّا بصدى قهقهة اختلطت بكلام لم يصل واضحاً إلينا، على الرغم من الإشارة التي أعطيتها لرفيقيّ بضرورة التزام الهدوء إلى حدود الصمت... فعسى أن نحصل على عبارة، تنعش أجواء الزيارة وتخفّف التوتّر الذي أطبق علينا كما لو أننا في زيارة معتقل.

استمرّ الاجتماع زهاء ساعة ونصف الساعة. ودّع بشّار ضيفه بمثل ما استقبله، وأشار إلينا بتحية عن بعد أمتار قليلة، من دون مصافحة أو كلام، سوى الوداع التقليدي وعبارة وصل من خلالها إلى أسماعنا صوت بشّار يقول: «إلى اللقاء قريباً إن شاء اللَّه دولة الرئيس».

الرئيس الأسد مستقبلاً رفيق الحريري (غيتي)

استقللت السيارة إلى جانب الرئيس في طريق العودة. لدى الوصول إلى مكان توقّف الموكب، طلب من وسام الالتحاق بسيارة أبو طارق. لم يبدِ الحريري أيّ ردّ فعل. بقي صامتاً، واجتنبتُ توجيه أي سؤال إليه حتى وصلنا إلى جديدة يابوس. سألته: «خير إن شاء اللَّه. ساكت على غير عادة. كيف كان الاجتماع؟». نظر إليّ مبتسماً: «خير... خير. لاحقين نحكي». كبس زر المسجّل في السيارة، فخرج صوت المطربة وردة الجزائرية وراح يدندن معها «قال إيه بيسألوني... عنّك يا نور عيوني». قطعنا الحدود وصرنا في الجانب اللبناني من المصنع. ركن السيارة جانباً. توقّف الموكب. قال: «قوم سوق عنّي» ... وهكذا كان. تبادلنا المقاعد، وفور الانطلاق بادر إلى القول: «الاجتماع كان ضرورياً وأكيد منيح (جيّد)... لكن بدّك الصراحة؟ أنا بعد هالجلسة منّي خايف (خائف) على لبنان. فينا نقلّع شوكنا بأيدينا. تعوّدنا نوقع (نسقط) ونرجع نوقف. أنا صرت خايف على سوريا».

«ليه من غير شر؟»، سألته.

أجاب: «بعد حافظ الأسد ح يحكم سوريا ولد... اللَّه يكون بعون سوريا». حرّك مقعده إلى الخلف... ونام.

الانطباع الذي خرج به الحريري من الاجتماع، لم يمنعه من متابعة التصدّي للهجمة التي يتعرّض لها. فاتحني في اليوم التالي، بأن همّ بشّار ينحصر حاليّاً في «ترتيب البيت الداخلي للحزب والنظام والعائلة، لمواجهة أي طارئ يتعلق بصحة والده. يبدو أنه يرى في صداقتي مفتاحاً لعلاقات خارجية يحتاج إليها في المرحلة المقبلة... سألني عن علاقتي بالرئيس شيراك وولي العهد السعودي الأمير عبد اللَّه بن عبد العزيز والإدارة الأميركية، طالباً التعاون مع لحّود ومواكبة التغيير الذي ستشهده سوريا. الشاب يترقّب رحيل والده من دون أن يفصح عن ذلك ويردّد أن صحّة الوالد تقلقه، والسكري مرض غدّار يفرّخ أمراضاً في القلب والشرايين».

باسم السبع مع الرئيس رفيق الحريري (أ.ف.ب)

بدا الحريري مطمئنّاً لانشغال بشّار بالشأن السوري الداخلي، ولم يفته مواكبة هذا الانشغال بالتواصل مع خدّام والعماد حكمت الشهابي واللواء كنعان، لتطويق أيّ مضاعفات تنشأ عن الانفتاح على بشّار. ذهب أبعد من ذلك أيضاً، عندما سألني عن جدوى التواصل مع اللواء محمد ناصيف (أبو وائل)، رأس حربة باسل الأسد ومن بعده بشّار، في الملف اللبناني، وأحد أركان النظام المقرّبين من العائلة والمتابعين لملف العلاقات الشيعية والإيرانية، والمعروف بصلته الوثيقة بالعلّامة السيّد محمد حسين فضل اللَّه. شجعته على ذلك وأشرت إليه بوجود شخصية مقرّبة منه على صلة باللواء ناصيف هي المهندس الفضل شلق (تولّى وزارة الاتصالات في مرحلة لاحقة)، ملاحظاً أن ناصيف لا يرتاح لشخصيات لبنانية بينها هو والرئيس نبيه بري وميشال المر، وتربطه صداقة خاصة بالرئيس حسين الحسيني، ويراه الأجدر لتولي رئاسة مجلس النوّاب، كما يعبّر عن مواقف شديدة السلبية تجاه سياسيين لبنانيين على صداقة مع خدّام، ليس بينهم وليد جنبلاط.

بعد أيام قليلة من اجتماع قاسيون، أبلغني الحريري أن خدّام ينتظرني في منزله في مدينة بانياس الساحلية و«يمكن أن تضعه في الأجواء المستجدّة وتشرح خلفيات اللقاء مع بشّار، والمهم أن تأتي لي بردّ فعله الذي لا يقوله على الهاتف». قصدت بانياس أسأل عن منزل عبد الحليم خدّام، فأفادني صاحب دكان بعنوان دارة شقيقه، وفي محيطها فيلا على الشاطئ خاصة بخدّام. اختليت مع نائب الرئيس السوري مدّة ساعة، انتهت برسالة إلى الحريري تقول: «يبدو أن الشاب مستعجل على دفن والده. بكل الأحوال أبو بهاء عم يشتغل صحّ، وعليه أن يكمل بهذا الخط. الهجمة عليه كبيرة جدّاً في بيروت وفي دمشق، ويستحسن تخفيف الخصوم والضغط ليتمكّن من حشر لحّود. لكنني بصراحة غير متفائل، وهناك من يحفر له في سوريا وفي لبنان. بكل الأحوال خبرو (أخبره) أنا معه لآخر نَفَس».

رفيق الحريري... علاقة شائكة مع المسؤولين الأمنيين في سوريا (أ.ف.ب)

في هذا الوقت تحرّك الحريري في اتجاه اللواء محمد ناصيف الذي يقيم في نطاق سكني حديث في منطقة الصبورة لجهة المدخل الغربي لمدينة دمشق. استقبلنا ناصيف بحفاوة مميزة عند مدخل الفيلا، التي قال إن المرحوم باسل بناها له، وهي متواضعة نسبيّاً وليس فيها ما يشير إلى ثراء غير طبيعي، ومن ضمنها حديقة زُرعت بأشجار مثمرة وغير مثمرة.

كنت على معرفة بأبي وائل، والتقيته غير مرّة في مكتبه رفقة الزميل وليد الحسيني صاحب مجلة «الكفاح العربي»، وكان من القيادات التي تحتفظ بخط عسكري مباشر مع بشّار، يتلقّى عبره التوجيهات ويسأل عن أمور تتعلّق تحديداً بالوضع اللبناني وخريطة التحالفات الانتخابية، على ما شهدت في إحدى المكالمات.

عبّر اللواء ناصيف عن حفاوته بضيفه بالقول «أنا أنتظر هذا اللقاء منذ سنوات. أنت يا دولة الرئيس، عزيز على سوريا وعليّ شخصيّاً. فرحتي كبيرة بتشريفك البيت. هذا بيتك كما هي بيوت كلّ السوريين. الحق على الأخ أبو يعرب (يقصد اللواء غازي كنعان) الذي أراد احتكار صداقتك... نحن أيضاً أصدقاء وأخوة لك. اليوم خاص لا شريك لي بدولة الرئيس. نتناول الغداء ونرتاح بالجنينة ونأخذ راحتنا من دون تكليف».

الأحاديث الشخصية والمأدبة التي فُرشت بكل ما طاب من مناسف ومأكولات شامية، والإلحاح المتواصل من المضيف على تناول معظم الأصناف، تقدّمت على أحاديث السياسة التي بدت تفصيلية أمام مظاهر الترحيب. أهم صنف على المأدبة كان كسر الجليد مع رجل صُنّف لسنوات في خانة الخصوم، وفبركة أخصام للحريري في لبنان. تركنا الصبورة مشيّعين بمثل ما استُقبلنا بعد وجبة وداعية من الرمان ساعدت على هضم سائر الوجبات، وعطّلت ألغام أبي وائل ولو إلى حين.

أوفدني الحريري لإبلاغ خدام بفحوى اللقاء مع بشار في جبل قاسيون، فقال لي: «الشاب مستعجل على دفن والده... لست متفائلاً، وهناك من يحفر له في سوريا وفي لبنان»

باسم السبع

رفيق الحريري وجاك شيراك (أ.ف.ب)

أدرك الأسد الأب أن ولده لن يقلع بأمان في غياب احتضان عربي ودولي لوجوده على رأس الحكم. ولعلّه رأى من خلال حاسته السياسية المتوقدة، أن الحريري يمكن أن يكون لاعباً أساسيّاً في الاحتضان، وأن جنازته لا بدّ من أن تكون مناسبة لانطلاق سفينة بشّار في الحكم، وعلى متنها الرئيس الفرنسي جاك شيراك وولي العهد السعودي الأمير عبد اللَّه والرئيس المصري حسني مبارك والإدارة الأميركية ممثلة بوزيرة الخارجية مادلين أولبرايت، ومن هو أفضل من رفيق الحريري لتحقيق هذا الهدف؟

زحف لبنان إلى جنازة حافظ الأسد في ما يشبه تقاطر الشخصيات العربية والدولية والقيادات اللبنانية وجماهيرها، إلى احتفال بتنصيب بشّار الأسد رئيساً. انتظر بشّار هذه اللحظة أشهراً طويلةً، واجتماعه مع الحريري في جبل قاسيون يأتي في إطار تلك اللحظة.

غداً: بند واحد في جدول الأعمال... إهانة رفيق الحريري


مقالات ذات صلة

أميركا: السجن 42 شهراً لسوري أدين بالقرصنة لصالح نظام بشار الأسد

الولايات المتحدة​ وزارة العدل الأميركية (رويترز)

أميركا: السجن 42 شهراً لسوري أدين بالقرصنة لصالح نظام بشار الأسد

أعلنت وزارة العدل الأميركية، الخميس، صدور حكم بالسجن لمدة 42 شهرا بحق رجل سوري لدوره في عمليات قرصنة إلكترونية لصالح نظام الرئيس السوري السابق بشار الأسد.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
المشرق العربي رئيس الوزراء العراقي علي الزيدي يلتقي الرئيس السوري أحمد الشرع في مدينة نيويورك بالولايات المتحدة 22 سبتمبر 2026 (أرشيفية - رويترز)

الشرع والزيدي يبحثان في دمشق مستجدات المنطقة وتداعياتها الجيوسياسية‏

استقبل الرئيس السوري أحمد الشرع اليوم، رئيس الوزراء العراقي علي فالح الزيدي والوفد المرافق له في مطار دمشق الدولي.

«الشرق الأوسط» (دمشق - بغداد)
المشرق العربي سورية تحمل صور أقارب لها خلال أبريل الماضي كانوا قتلوا في «مجزرة التضامن» جنوب دمشق (إ.ب.أ)

توقيف ضباط سابقين متهمين بجرائم حرب بينهم ابن عم بشار الأسد

شملت توقيفات جديدة نفذها الأمن السوري متهَماً في «مجزرة التضامن» وضباطاً وأطباء برتب عسكرية متورطين في «جرائم حرب».

«الشرق الأوسط» (دمشق)
العالم العربي عناصر من الجيش السوري منتشرة في دمشق (أ.ف.ب)

القبض على علي كيالي المتهم الرئيسي بارتكاب مجزرة بانياس عام 2013‏

ألقى جهاز الاستخبارات العامة القبض على المدعو علي كيالي، المعروف باسم ‌‏«معراج أورال»، والمتهم الرئيسي بارتكاب مجزرة بانياس عام 2013‏.

«الشرق الأوسط» (دمشق - لندن)
المشرق العربي الصحافي الأميركي أوستن تايس المختفي في سوريا منذ عام 2012 (صحافيون بلا حدود)

جنرال سوري مقيم في لبنان بحماية مكتب التحقيقات الفيدرالي

يقيم بسام الحسن، الذي كان يُشرف على برنامج الأسلحة الكيميائية السوري، في لبنان منذ انهيار نظام الأسد.

«الشرق الأوسط» (لندن)

رئيس لبنان: نرفض أن يشاركنا أحد في سيادتنا

الرئيس اللبناني جوزيف عون يتسلم الجزء الثاني من كتاب عن حياد لبنان واللبنانيين (الرئاسة اللبنانية)
الرئيس اللبناني جوزيف عون يتسلم الجزء الثاني من كتاب عن حياد لبنان واللبنانيين (الرئاسة اللبنانية)
TT

رئيس لبنان: نرفض أن يشاركنا أحد في سيادتنا

الرئيس اللبناني جوزيف عون يتسلم الجزء الثاني من كتاب عن حياد لبنان واللبنانيين (الرئاسة اللبنانية)
الرئيس اللبناني جوزيف عون يتسلم الجزء الثاني من كتاب عن حياد لبنان واللبنانيين (الرئاسة اللبنانية)

أكد الرئيس اللبناني جوزيف عون «أننا لن نقبل أن يشاركنا أحد في سيادتنا؛ كي لا ندفع من جديد ثمن أخطاء الماضي»، مشدداً على أن «لبنان دولة مستقلة وذات سيادة».

وتزامن موقف عون مع تجديد «أصدقاء لبنان» الدوليين دعمهم لسيادة لبنان، داعين أعضاء البرلمان والأحزاب إلى «إعلان التزامهم بأن الدولة وحدها صاحبة الحق في اتخاذ قرار الحرب والسلم».

وتعهّد لبنان الرسمي بتنفيذ حصرية السلاح بيد المؤسسات الرسمية، واحتكار قرار السلم والحرب، لكن «حزب الله» يرفض تلك القرارات، ويكرر تمسكه بسلاحه.

وأكد عون، الخميس، أن لبنان «دولة مستقلة وذات سيادة»، مشدداً على «أننا لن نقبل أن يشاركنا أحد في سيادتنا؛ كي لا ندفع من جديد ثمن أخطاء الماضي»، داعياً من «يستقوي بالخارج ضد أبناء وطنه، أن يستقوي بأهله ضد الخارج».

واعتبر عون أن «الحياد الإيجابي ضرورة لتحييد لبنان عن الصراعات في المنطقة؛ إذ يكفي هذا الوطن ما تحمله حتى اليوم، وهو لم يعد قادراً على تحمل المزيد من الخلافات المحورية والأطماع ورغبات الهيمنة».

ودعا عون «الجيل الشاب في لبنان إلى أن يعي قيمة ما يمثله بلدهم، وذلك لن يكون إلا من خلال التربية على المواطنية والانفتاح على الحضارات والثقافات وليس التقوقع والارتهان»، لافتاً إلى أن «تحييد لبنان عن أطماع الخارج وتحصين الوحدة الوطنية يحميان الكيان اللبناني في زمن تمر فيه المنطقة بمرحلة ضياع نتيجة التطورات العسكرية والسياسية المتسارعة».

دعم دولي لقرارات لبنان

وتلقَى التعهدات اللبنانية دعماً دولياً، وكان أحدثه موقف أصدره «أصدقاء لبنان» أكد دعم سيادة لبنان وحصرية السلاح بيد الدولة.

وحسب بيان وزعته السفارة الأميركية في بيروت، قالت سفارات المملكة المتحدة والولايات المتحدة الأميركية وأستراليا وكندا واليابان لدى بيروت: «بصفتنا أصدقاء للبنان، نؤكد دعمنا القوي لحكومة لبنان في ضمان حصرية السلاح بيد الدولة، وأن تكون الدولة وحدها صاحبة القرار في شؤون الحرب والسلم».

جندي في الكتيبة الإيطالية العاملة ضمن «اليونيفيل» يشرح لطلاب في مدرسة تبنين بجنوب لبنان مخاطر الألغام ومخلفات الحرب (أ.ب)

وأضافت سفارات «أصدقاء لبنان»: «نأخذ علماً بالخطوات التي اتخذتها السلطات اللبنانية في قضية ضهر البيدر، ونشجّع على مسار قضائي سريع ومستقل، بمنأى عن أي تدخل سياسي، بما يضمن المساءلة الكاملة».

وقالت السفارات في البيان: «من الضروري أيضاً بالنسبة للبنان، في ظل الظروف الراهنة، الحصول على التزام علني وواضح من جميع أعضاء مجلس النواب وجميع الأحزاب يؤكدون فيه تأييدهم لتصريحات رئيس الجمهورية ورئيس مجلس الوزراء بأن الدولة اللبنانية وحدها صاحبة الحق في اتخاذ قرار الحرب والسلم».

وجددت تشديدها «على رغبتنا الراسخة في أن تستعيد الدولة اللبنانية سلطتها السيادية الفعلية كاملةً على جميع أراضيها».

«حزب الله» يدافع عن المتفجرات

في المقابل، يدافع «حزب الله» عن شحنة المتفجرات التي ضبطتها القوى الأمنية في منطقة ضهر البيدر في شرق لبنان، الشهر الماضي، وأكدت كتلة الحزب البرلمانية (الوفاء للمقاومة) «ضرورة وقف السجال الاتهامي والإعلامي وإفساح المجال أمام المعالجات الوطنية الحكيمة».

وقالت في بيان: «تسجل الكتلة استنكارها وإدانتها لكل المواقف السياسية التي تنكرت لحق اللبنانيين المقدس في الدفاع عن وطنهم ومقاومة العدو، وتجاوزت منطق الدستور والمسلّمات القانونية الوطنيّة».

وجددت الكتلة انتقاداتها لمسار الدولة اللبنانية التفاوضي مع إسرائيل، وطالبتها بالتراجع عنه. وقالت في البيان: «إذ يستمر العدو الصهيوني في ممارسة إجرامه الموصوف تدميراً وحرقاً ونسفاً للقرى والممتلكات في جنوب لبنان، ويهدد بتوسيع عدوانه داخل الأراضي اللبنانية لضم مناطق جديدة إلى دائرة احتلاله، وترتفع حمى التهديدات بتصعيد الحرب والضربات والاغتيالات ضد المقاومة وقادتها، فإنّ كل ذلك يجري فيما تواصل السلطة أداءها اللامبالي البارد، وسلوكها الكارثي في إصرارها على مواصلة نهج التفاوض المباشر حول تفاصيل بنود الإطار المشؤوم، الذي ثبت للجميع أنه لم يجلب إلا الكوارث والمزيد من الخراب والدمار في لبنان».


الجيش العراقي يعزز انتشاره غرب البلاد

رئيس الحكومة العراقية علي الزيدي خلال زيارة الخميس لهيئة التصنيع الحربي ببغداد (إعلام حكومي)
رئيس الحكومة العراقية علي الزيدي خلال زيارة الخميس لهيئة التصنيع الحربي ببغداد (إعلام حكومي)
TT

الجيش العراقي يعزز انتشاره غرب البلاد

رئيس الحكومة العراقية علي الزيدي خلال زيارة الخميس لهيئة التصنيع الحربي ببغداد (إعلام حكومي)
رئيس الحكومة العراقية علي الزيدي خلال زيارة الخميس لهيئة التصنيع الحربي ببغداد (إعلام حكومي)

أعلنت وزارة الدفاع العراقية، الخميس، عن تعزيز الانتشار العسكري على الخط الدفاعي، غرب البلاد، في وقت شدَّد فيه رئيس الحومة على تطوير إنتاج التصنيع الحربي في البلاد.

وقال الناطق الإعلامي لوزارة الدفاع، اللواء يحيى رسول عبد الله، في بيان، أن «قطعات قيادتَي عمليات الجزيرة وغرب نينوى باشرت تعزيز انتشارها على الخط الدفاعي (راوة - الحضر) لفرض الأمن والاستقرار في مناطق الجزيرة شمال الفرات وباتجاه محافظتي نينوى وصلاح الدين».

وأوضح أن «هذا الانتشار يهدف إلى (مسك المناطق الصحراوية ومطاردة ما تبقى من العناصر الإرهابية، ومنعها من اتخاذ الصحراء ملاذاً لها، فضلاً عن تأمين طريق مختصر لتنقل المواطنين والحركة التجارية، بما يسهم في دعم الأنشطة الاستثمارية والزراعية».

وأكد رسول «مواصلة قطعات الجيش أداء واجباتها في مسك المناطق الصحراوية ضمن قواطع العمليات وتوفير الأمن والاستقرار خدمة لشعبنا وبلدنا العزيز».

رئيس الحكومة العراقية علي الزيدي يعاين أسلحة في هيئة التصنيع الحربي ببغداد (إعلام حكومي)

بالتزامن، أجرى القائد العام للقوات المسلحة علي الزيدي، الخميس، زيارة إلى هيئة التصنيع الحربي، للاطلاع على نماذج من المعدات الحربية التي قالت إنها نجحت في تصنيعها أو تطويرها، وشملت أنواعاً مختلفة من الأعتدة والأسلحة الخفيفة والمتوسطة والثقيلة، ومنظومات الطائرات المسيرة، وأجهزة الرصد والمراقبة.

وأكد الزيدي، وفق بيان لمكتبه الإعلامي، دعم تطوير الصناعات العسكرية الوطنية، وتوجيهه بإشراك القطاع الخاص وتوسيع الشراكات مع الشركات المتخصصة، مشدداً على أن العراق يمتلك القدرة على تصنيع احتياجاته من الأسلحة، والمعدات بأيادٍ وخبرات وطنية.

وذكر مكتب رئيس الحكومة أن الزيدي أكد على أن بناء صناعة حربية متطورة يمثل ركناً أساسيا من أركان السيادة الوطنية، ويعزز قدرة العراق على حماية أمنه ومصالحه، مشدداً على أهمية الاهتمام بالبحث والتطوير، ومواكبة التسارع التكنولوجي في الصناعات العسكرية.

وأشاد بـ«مستوى التطور الذي حققته الهيئة، وما تمتلكه من إمكانات وخبرات تؤهلها لتكون قاعدة صناعية متقدمة، موجهاً بتوفير جميع المتطلبات والاحتياجات اللازمة لتطوير قدراتها الإنتاجية والتقنية، وصولاً إلى تلبية احتياجات قواتنا المسلحة من الأسلحة والمعدات الحربية، وتعزيز الاعتماد على الإنتاج الوطني».

وتأسست هذه الهيئة التي ترتبط بالقائد العام للقوات المسلحة، بموجب القانون رقم 25 لعام 2019، بهدف إعادة بناء قاعدة للصناعات العسكرية وتلبية احتياجات القوات المسلحة والأجهزة الأمنية.

إلا أن النواة الأولى للتصنيع العسكري في العراق بدأت خلال سبعينات القرن العشرين، وتوسَّعت بشكل كبير خلال فترة حرب الثمانينيات مع إيران. إلا أن الترسانة والبنى التحتية تعرضت إلى الانهيار خلال حرب الخليج عام 1991 والعقوبات الدولية في التسعينات.


مسودة لقانون «الحشد الشعبي» تقترح تقليص صلاحياته

دورية تابعة لـ«الحشد الشعبي» العراقي (موقع الحشد الشعبي)
دورية تابعة لـ«الحشد الشعبي» العراقي (موقع الحشد الشعبي)
TT

مسودة لقانون «الحشد الشعبي» تقترح تقليص صلاحياته

دورية تابعة لـ«الحشد الشعبي» العراقي (موقع الحشد الشعبي)
دورية تابعة لـ«الحشد الشعبي» العراقي (موقع الحشد الشعبي)

قال خبير قانوني عراقي، الخميس، إن المسودة الجديدة لقانون «الحشد الشعبي» حذفت صلاحيات تجارية ومدنية من النص القديم الذي تطالب فصائل مسلحة بتشريعه وتهاجم حكومة الزيدي على تعديله.

وقال الخبير القانوني علي التميمي، لـ«الشرق الأوسط»، إن «القانون النافذ لم يحدد الهيكل، ولا القيادة، ولا شروط تولي المناصب، ولا الموازنة، ولا آلية إنهاء الخدمة، وهو وضع يتعارض مع مبدأ دستوري أساسي: القوات المسلحة تنظم بقانون، لا بالتعليمات».

وأضاف التميمي أن «المشروع الجديد يتكون من 18 مادة. ينظم الهيكل الإداري والعسكري بالتفصيل، ويحدد ارتباط الهيئة بالقائد العام حصراً، وينظم الموازنة والعقود، ويحدد شروط تولي المناصب العليا».

وكشف التميمي عن أن «النسخة الجديدة أزالت اختصاصات مدنية وقضائية واقتصادية، وهو إجراء صحيح على اعتبار أن المؤسسة العسكرية مهمتها الدفاع والأمن حصراً، وليست إدارة الكوارث ولا القضاء ولا التجارة».

وأوضح التميمي أن توسيع اختصاص «الحشد الشعبي» يخل بمبدأ تخصص المؤسسات، والأمر نفسه ينطبق على استحداث قدرة جوية مستقلة في كل تشكيل، فهو يخل بوحدة القيادة، ويخلق جيوشاً موازية داخل الجيش الواحد».

«مشروع وليس قانوناً»

مع ذلك، قال مصدر حكومي، لـ«الشرق الأوسط»، إن «قانون (الحشد الشعبي) لا يزال مشروعاً ولم يرسل إلى البرلمان بعد»، دون أن يفصح عن نقاط الخلاف مع الفصائل المسلحة، ولا المدة التي يستغرقها لدى الحكومة قبل إرساله إلى التشريع.

ويشاع بين سياسيين عراقيين أن واشنطن تضغط بقوة على بغداد لمنعها من تشريع قانون لـ«الحشد الشعبي» الذي يثير جدلاً واسعاً بسبب تداخله مع فصائل ومجموعات تعمل تحت لواء «الحرس الثوري» الإيراني.

ورغم أن فصائل مثل «النجباء» و«كتائب حزب الله»، اتهمت الحكومة بإفراغ قانون «الحشد» من محتواه، فإن الجهات المعنية بتشريع القانون، الحكومة والبرلمان، لم تفصح علناً عن مضمون المسودة الجديدة.

وسبق للبرلمان أن حاول تشريع قانون «الحشد الشعبي» في مناسبات عديدة، بيد أنه لم يفلح في تمريره لأسباب مجهولة، رغم امتلاك «الإطار التنسيقي» مع حلفائه أغلبية تشريعية في البرلمان.

راجمة صواريخ تابعة لإحدى الميليشيات العراقية (إعلام الحشد الشعبي)

وقالت «حركة النجباء»، في بيان وزع الأربعاء، إن «أيادي مشبوهة تقف خلف التعديلات الأخيرة لقانون (الحشد)، إرضاءً للرئيس الأميركي دونالد ترمب»، مؤكدة «رفضها القاطع للتغييرات المجحفة التي تهدف إلى إضعاف (الحشد) وتشتيته وتذويبه».

وأكدت الحركة، وهي فصيل مسلح موالٍ لإيران ويرفض خطة حصر السلاح، أنها «لن تقبل إلا بقانون منصف يرعى حقوق أبناء الحشد، ويساويهم بإخوتهم في القوات الأمنية».

واتهمت «كتائب حزب الله» العراقية رئيس الوزراء ومكتبه بـ«العبث» والتلاعب بمشروع قانون «الحشد الشعبي».

وجاء موقف الفصيل الموالي لإيران في بيان نشره حساب على «إكس» يحمل اسم أبو مجاهد العساف، ويقدم نفسه مسؤولاً أمنياً في «كتائب حزب الله». وطالب بعرض النصين الأصلي والمعدل لكشف التغييرات المضافة قبل إرساله إلى البرلمان.

تنافس على المناصب

وينظر سياسيون إلى المسودة الجديدة من زاوية التنافس على مناصب قيادية في هيئة «الحشد الشعبي». وقال النائب السابق سجاد سالم لـ«الشرق الأوسط» إن «النسخة الحالية من القانون تهدف أيضاً إلى إبعاد رئيسها الحالي فالح الفياض».

كما رجح سالم أن يكون الهدف من التعديلات «التوصل إلى صيغة مناسبة بين الفصائل المسلحة التي تنوي الانخراط بالعملية السياسية من جهة، والولايات المتحدة من جهة أخرى».

وقبل أن تعمل الحكومة الحالية على المسودة الجديدة، كانت بغداد، ومنذ أبريل (نيسان) 2025، تنظر في مشروعي قانون من شأنهما إضفاء الشرعية بشكل أكبر على «الحشد الشعبي» بوصفها مؤسسة أمنية وطنية دائمة.

وتضمن مشروعا القانون «قانون الخدمة والتقاعد» فقرات تنظيمية تتعلق بسنوات الخدمة والمخصصات والتراتبية. أما المشروع الثاني فهو «قانون هيئة الحشد الشعبي» المُعدل، والذي من شأنه أن يُضيف العديد من الأحكام إلى «قانون هيئة الحشد الشعبي» رقم 40، وهو التشريع الأساسي الذي تم إقراره لتنظيم تجنيد الفصائل في حالات الطوارئ عام 2016.