رفيق الحريري بعد اجتماعه الأول ببشار... صرت خائفاً على سوريا وليس لبنان

النائب والوزير السابق باسم السبع يروي قصة العلاقة الشائكة بين رئيس الوزراء اللبناني السابق وأركان الحكم في دمشق

موقع اغتيال رفيق الحريري في بيروت عام 2005 (أ.ب)
موقع اغتيال رفيق الحريري في بيروت عام 2005 (أ.ب)
TT

رفيق الحريري بعد اجتماعه الأول ببشار... صرت خائفاً على سوريا وليس لبنان

موقع اغتيال رفيق الحريري في بيروت عام 2005 (أ.ب)
موقع اغتيال رفيق الحريري في بيروت عام 2005 (أ.ب)

تنشر «الشرق الأوسط» حلقات من كتاب جديد للسياسي اللبناني باسم السبع يروي فيه فصولاً من العلاقة الشائكة بين رئيس الوزراء اللبناني الراحل رفيق الحريري وأركان الحكم في سوريا. يحمل الكتاب عنوان «لبنان في ظلال جهنم - من اتفاق الطائف إلى اغتيال الحريري» (من إصدارات شركة المطبوعات للتوزيع والنشر).

عمل السبع لسنوات مستشاراً لرفيق الحريري حتى اغتياله عام 2005. فاز بعضوية مجلس النواب اللبناني من عام 1992 حتى عام 2009. كما شغل منصب وزير للإعلام في حكومة رفيق الحريري بين العامين 1996 و1998. وهو ينتمي إلى تيار المستقبل ومن أقطاب تيار 14 آذار.

***

عاشت علاقة رفيق الحريري مع السلطة السورية قرابة ربع قرن ونيف، بدأت في مستهل الثمانينات كموفد للملك السعودي فهد بن عبد العزيز، يواكب المَهمّات الدبلوماسية للأمير بندر بن سلطان، خصوصاً ما يتصل منها بالجهود العربية لوقف الحرب الأهلية اللبنانية.

تقاطعت في التأسيس لتلك العلاقة، لنجاحاتها وإخفاقاتها، أدوار ومصالح وحسابات سياسية وشخصية لمسؤولين في النظام السوري، حصلوا من الرئيس حافظ الأسد على إذن التدخل في المسألة اللبنانية، والتعامل مع مكوّناتها الطائفية والحزبية.

تولّى جانب العلاقة المباشرة مع الحريري كلٌّ من نائب الرئيس عبد الحليم خدّام ورئيس أركان الجيش العماد حكمت الشهابي واللواء غازي كنعان واللواء رستم غزالة. وانضم لهذه القائمة بشّار الأسد في السنوات الأخيرة لوالده.

وتولّى جانب الاهتمام بالمعارضة اللبنانية ورموز المواجهة مع الحريري، باسل الأسد قبل مقتله، ومن بعده بشّار وماهر الأسد واللواء محمد ناصيف (أبو وائل)، واللواء آصف شوكت، واللواء علي المملوك. وأضيفت إليهم لدواعٍ رسمية وطارئة شخصيات تولّت رئاسة الحكومة السورية، ووزراء من وزن وزير الدفاع مصطفى طلاس، ووزير الخارجية وليد المعلّم، وسلفه الوزير فاروق الشرع، وكبار الضباط ممن تولوا قيادة القوّات السورية في لبنان.

المتعارف عليه، مما علمناه وقرأناه وتابعنا وقائعه، أن العلاقة بين الحريري الأب والأسد الأب، نشأت وتطوّرت واختُبرت تحت مظلّة العلاقات السعودية - السورية، وحكمتها ظروف عزّزت الثقة والاحترام المتبادل بين الرجلين، إلى حدود سُمح فيها لقياديّ في حزب البعث من آل الأحمد بكتابة مقال في جريدة «السفير»، يطالب فيه برئيس للحكومة السورية من طراز رفيق الحريري، في الوقت الذي كان اسمه يسطّر في وسائل الإعلام وزيراً لخارجية البلدين، وأهم صنّاع اتفاق الطائف والوفاق الوطني في لبنان.

الرئيس حافظ الأسد مستقبلاً رفيق الحريري (غيتي)

لم تنسحب علاقة الحريري مع حافظ الأسد على علاقته بأبنائه، أي بكلٍّ من باسل وبشّار وماهر، بل هي خلاف ذلك، شابها كثير من الرسائل المفخخة وانعدام الثقة، وتعرّضت لنكسات سياسية خلّفت أضراراً جسيمة في العلاقات اللبنانية - السورية، وانتهت إلى قرار مجلس الأمن الدولي رقم 1559، وسقوط لبنان وسوريا معاً في مستنقع الأحقاد المتبادلة.

قبل بشّار، عقد حافظ الأسد لواء الوراثة السياسية لابنه البكر باسل، الذي قضى في حادث سير على طريق مطار دمشق. باسل شخصية احتلّت منذ الثمانينات مركزاً متقدّماً من مراكز القوى في النظام السوري، بصفته الوريث الذي لا ينازعه أحد على هذا الموقع، بعد إقصاء عمّه رفعت ونفيه (...) إلى فرنسا وإسبانيا، وبصفته أحد أركان القرار في المربّع الذهبي للنظام، أي العائلة والطائفة والجيش والحزب. فهو الابن البكر لرئيس البلاد وزعيم الطائفة العَلَوية والقائد الأعلى للقوات المسلّحة والأمين العام لحزب البعث الحاكم، وكلها صفات تتشكل منها سمات الدخول إلى جنّة المربع.

شاركت مع الحريري في مأتم باسل الذي أقيم في بلدة القرداحة شمال سوريا، وشهدت على الحشد الذي تجمّع في باحة المسجد، يتقدّمه الرئيس حافظ الأسد والرئيس حسني مبارك وخدّام وكبار المسؤولين. ولاحظت الرئيس الحريري يبكي متأثّراً، خلافاً لبقية كبار المشاركين. سألته بعد المأتم عن سبب بكائه وهو لم يكن على معرفة بباسل وليست بينهما علاقات ودّ تستوجب البكاء. أجاب: «كلّ ما في الأمر أنني تذكّرت ولدي حسام (ابنه الذي قضى في حادث سير أواخر الثمانينات في الولايات المتحدة). ليس هناك أصعب من هذه اللحظات على الأب. كان اللَّه في عون الرئيس الأسد».

باسل الأسد... رفيق الحريري بكى في جنازته

(...) كان باسل بطل سوريا الدائم في الفروسية والأوّل في دورته للإنزال المظلّي، والضابط الذي بهر أساتذته وحصل على دكتوراه في العلوم العسكرية بدرجة ممتاز من الأكاديمية العسكرية في الاتحاد السوفياتي عام 1991، قبل شهر واحد من بدء تفكّك الدولة السوفياتية. أما بشّار فقد دانت له في عمرٍ مبكر، لم يتجاوز الثالثة والعشرين، شهادة الطبّ من كلية الطب في الجامعة السورية، قبل أن يجري الحديث عن التحاقه للتخصّص في طبّ العيون في بريطانيا، ويُستدعى قبل نهاية تخصّصه إلى دمشق عام 1994 لنيل رتبة وريث حافظ الأسد بعد مقتل شقيقه باسل، ويجرى تعديل دستوري يتيح لابن الثالثة والثلاثين تولّي رئاسة الجمهورية.

سار بشّار على خطى الوالد. قفز من الطبّ إلى الجيش، ومنه إلى قيادة الحزب والرئاسة. الابن الثالث ماهر، درس إدارة الأعمال ومارسها على أعلى المستويات. لم يساعده طبعه الحاد في وراثة موقع شقيقه باسل، لكنه احتلّ في المعادلة العَلَوية موقع عمّه رفعت، واحتل الموقع الثاني في النظام، منذ توليه قيادة الحرس الجمهوري والفرقة الرابعة، الدرع العسكري الذي يحيط دمشق ويقوم مقام سرايا الدفاع أيام رفعت، المكلّف حماية الرئيس من السقوط.

لعب الأبناء الثلاثة أدواراً متفاوتة في التأثير على الدور السياسي لرفيق الحريري. يضاف إليهم من البيت العَلَوي العماد علي دوبا واللواء كنعان بحكم موقعه كرئيس لجهاز الأمن والاستطلاع للقوّات السورية في لبنان، واللواء محمد ناصيف المعروف بوفائه لبيت الأسد، واللواء آصف شوكت، زوج ابنة الرئيس، الذي قوي نفوذه بعد مصرع باسل وتولّى مسؤوليات أمنية رفيعة مع بشّار.

لحود والحريري... علاقة إشكالية بين الرئيس اللبناني ورئيس وزرائه (أ.ف.ب)

حاول رفيق الحريري التقرّب من باسل الأسد بداية التسعينات، لدوره الأساسي في الملف اللبناني وشبكة العلاقات التي أقامها مع كثير من الشخصيات اللبنانية المصنفة في خانة المعارضة، لكن الرئيس حافظ لم يسعفه في تحقيق هذه الرغبة، ووجد الوقت الملائم لتحقيقها أواخر التسعينات، من خلال فتح الباب للقاء مع بشّار.

اتّسمت العلاقة مع بشّار في تلك المرحلة، بمنسوب عالٍ من النفور بعد اعتماد الرئيس إميل لحّود رجل سوريا الأوّل في لبنان، وتسهيل عمل فريقه القضائي والأمني في تركيب الملفّات الكيدية وملاحقة رجاله في الإدارة وشنّ حملات التشهير بسياساته بعد إبعاده عن رئاسة الحكومة. اعتبر الحريري أن الموقف يتطلّب تحرّكاً لفكّ الحصار المفروض عليه من لحّود وجماعته بالتعاون مع مسؤول المخابرات السورية في لبنان اللواء غازي كنعان ومعاونه رستم غزالة، واختار الذهاب إلى منبع المشكلة، للبحث عن الوسائل الممكنة لتصحيح العلاقة.

تحرّك نحو الشام في زيارة غير معلنة للقاء الرئيس السوري حافظ الأسد في عام 1999. العام الأخير في ولاية استمرت زهاء ثلاثين سنة انتهت بوفاته في يونيو (حزيران) من عام 2000. قد يكون اللقاء الأخير بينهما، وفيه أدرك الحريري أن الأسد الأب أنهى تعبيد الطريق أمام ابنه بشّار إلى قصر المهاجرين، وبات يعدّ الأيام التي يسلم فيها الروح ليسلّم ابنه زمام القيادة.

الرئيس حافظ الأسد

نصح الأسد الحريري بالانفتاح على بشّار والتحدّث إليه مباشرة في الملف اللبناني والعلاقات الثنائية. «بشّار على علاقة طيبة مع لحّود وقادر على معالجة الأمور». وافق الحريري من دون تردّد وتعهّد الأسد الكبير ترتيب لقاء مع الأسد الصغير. فهم الزعيم اللبناني أن قدرة صديقه نائب الرئيس السوري عبد الحليم خدّام على التأثير تراجعت، وأن تجديد تأشيرة الدخول إلى قصر المهاجرين يستدعي تقديم الطلب لدى بشّار.

استدعاني الحريري إلى قريطم (مقره في بيروت) صبيحة يوم في أواخر سبتمبر (أيلول) 1999، وأبلغني وجوب الاستعداد للتوجّه برفقته إلى دمشق في زيارة «ما بدّي حدا يعرف فيها. أبو طارق (المرافق الأمني يحيى العرب) ينتظر اتصالاً نتحرّك بعده مباشرة». حضر أبو طارق. همس في أذن الرئيس ثم قال: «تفضّلوا يا شباب». أبو طارق ووسام الحسن (مسؤول أمني لبناني رفيع) وأنا. استقل الحريري سيارته المرسيدس المصفّحة. قادها وأنا إلى جانبه والحسن في المقعد الخلفي. أقلع الموكب من قريطم تتقدّمه سيارة مجهّزة بأحدث تقنيات الرصد الأمني وسيارتان للتمويه تحملان الأرقام ذاتها، وخلفنا سيارة إسعاف ورتل من السيارات رباعية الدفع مخصّصة لنقل المرافقين بكامل عتادهم المسلّح. توجّه بعد أقلّ من دقيقة إلى الحسن قائلًا: «باسم لا يعلم يا وسام مع من سنجتمع في الشام». سألت: «هل سترى الرئيس؟». أجاب: «أهمّ... سأجتمع مع بشّار. هكذا يريد الختيار وهناك حاجة لفتح صفحة جديدة. الأب يعاني صحيّاً والشاب سيصل إلى الحكم، ومطلوب مني مساعدته... إنها المرّة الأولى التي أقصد فيها الشام ولا ألتقي أبو جمال (خدّام). بكل الأحوال لا أريده أن يعلم... أنا أبلغه لاحقاً».

عبد الحليم خدام (رويترز)

واصل الموكب تحرّكه من دون توقف. لدى وصوله إلى مفرق عنجر، حيث مقرّ القيادة السورية ومكتب اللواء غازي كنعان، واصل الحريري القيادة نحو الحدود اللبنانية - السورية. قال: «ما بدنا نشوف حدا. بعد جديدة يابوس هناك من ينتظرنا للمرافقة». في الجديدة رافقتنا سيارة مرسيدس 190 فيها ثلاثة أشخاص. سرنا خلفها إلى مداخل دمشق، وسلّمت الموكب إلى سيارة ثانية، بيجو بنيّة اللون، طلب سائقها من أبي طارق مواكبته مع سيارة الرئيس الحريري فقط. ركنت بقية السيارات إلى جانب الطريق، وقادتنا البيجو فوق طريقٍ ترابي مسافة كيلومترين أدّى بنا إلى جبل قاسيون.

فوق تلة معزولة عن بقية أحياء الجبل، أنشأ باسل الأسد ميني فيلا اعتمدها مكتباً لاجتماعاته الخاصة. ورث بشّار خلافة والده من شقيقه، وفي عداد الإرث كانت الفيلا المبنية من حجر صخري تحيطها أرض جرداء إلاّ من بعض الشجر المزروع حديثاً. هي صغيرة بما يكفي لأن تكون محل إقامة شبابياً يطلّ على دمشق من فوق.

استقبل بشّار الحريري عند مدخل مكتبه، واستُبقينا، وسام الحسن وأبو طارق العرب وأنا، في الصالون المجاور. حاولت استراق السمع لما يدور من أحاديث. لم أوفّق، إلّا بصدى قهقهة اختلطت بكلام لم يصل واضحاً إلينا، على الرغم من الإشارة التي أعطيتها لرفيقيّ بضرورة التزام الهدوء إلى حدود الصمت... فعسى أن نحصل على عبارة، تنعش أجواء الزيارة وتخفّف التوتّر الذي أطبق علينا كما لو أننا في زيارة معتقل.

استمرّ الاجتماع زهاء ساعة ونصف الساعة. ودّع بشّار ضيفه بمثل ما استقبله، وأشار إلينا بتحية عن بعد أمتار قليلة، من دون مصافحة أو كلام، سوى الوداع التقليدي وعبارة وصل من خلالها إلى أسماعنا صوت بشّار يقول: «إلى اللقاء قريباً إن شاء اللَّه دولة الرئيس».

الرئيس الأسد مستقبلاً رفيق الحريري (غيتي)

استقللت السيارة إلى جانب الرئيس في طريق العودة. لدى الوصول إلى مكان توقّف الموكب، طلب من وسام الالتحاق بسيارة أبو طارق. لم يبدِ الحريري أيّ ردّ فعل. بقي صامتاً، واجتنبتُ توجيه أي سؤال إليه حتى وصلنا إلى جديدة يابوس. سألته: «خير إن شاء اللَّه. ساكت على غير عادة. كيف كان الاجتماع؟». نظر إليّ مبتسماً: «خير... خير. لاحقين نحكي». كبس زر المسجّل في السيارة، فخرج صوت المطربة وردة الجزائرية وراح يدندن معها «قال إيه بيسألوني... عنّك يا نور عيوني». قطعنا الحدود وصرنا في الجانب اللبناني من المصنع. ركن السيارة جانباً. توقّف الموكب. قال: «قوم سوق عنّي» ... وهكذا كان. تبادلنا المقاعد، وفور الانطلاق بادر إلى القول: «الاجتماع كان ضرورياً وأكيد منيح (جيّد)... لكن بدّك الصراحة؟ أنا بعد هالجلسة منّي خايف (خائف) على لبنان. فينا نقلّع شوكنا بأيدينا. تعوّدنا نوقع (نسقط) ونرجع نوقف. أنا صرت خايف على سوريا».

«ليه من غير شر؟»، سألته.

أجاب: «بعد حافظ الأسد ح يحكم سوريا ولد... اللَّه يكون بعون سوريا». حرّك مقعده إلى الخلف... ونام.

الانطباع الذي خرج به الحريري من الاجتماع، لم يمنعه من متابعة التصدّي للهجمة التي يتعرّض لها. فاتحني في اليوم التالي، بأن همّ بشّار ينحصر حاليّاً في «ترتيب البيت الداخلي للحزب والنظام والعائلة، لمواجهة أي طارئ يتعلق بصحة والده. يبدو أنه يرى في صداقتي مفتاحاً لعلاقات خارجية يحتاج إليها في المرحلة المقبلة... سألني عن علاقتي بالرئيس شيراك وولي العهد السعودي الأمير عبد اللَّه بن عبد العزيز والإدارة الأميركية، طالباً التعاون مع لحّود ومواكبة التغيير الذي ستشهده سوريا. الشاب يترقّب رحيل والده من دون أن يفصح عن ذلك ويردّد أن صحّة الوالد تقلقه، والسكري مرض غدّار يفرّخ أمراضاً في القلب والشرايين».

باسم السبع مع الرئيس رفيق الحريري (أ.ف.ب)

بدا الحريري مطمئنّاً لانشغال بشّار بالشأن السوري الداخلي، ولم يفته مواكبة هذا الانشغال بالتواصل مع خدّام والعماد حكمت الشهابي واللواء كنعان، لتطويق أيّ مضاعفات تنشأ عن الانفتاح على بشّار. ذهب أبعد من ذلك أيضاً، عندما سألني عن جدوى التواصل مع اللواء محمد ناصيف (أبو وائل)، رأس حربة باسل الأسد ومن بعده بشّار، في الملف اللبناني، وأحد أركان النظام المقرّبين من العائلة والمتابعين لملف العلاقات الشيعية والإيرانية، والمعروف بصلته الوثيقة بالعلّامة السيّد محمد حسين فضل اللَّه. شجعته على ذلك وأشرت إليه بوجود شخصية مقرّبة منه على صلة باللواء ناصيف هي المهندس الفضل شلق (تولّى وزارة الاتصالات في مرحلة لاحقة)، ملاحظاً أن ناصيف لا يرتاح لشخصيات لبنانية بينها هو والرئيس نبيه بري وميشال المر، وتربطه صداقة خاصة بالرئيس حسين الحسيني، ويراه الأجدر لتولي رئاسة مجلس النوّاب، كما يعبّر عن مواقف شديدة السلبية تجاه سياسيين لبنانيين على صداقة مع خدّام، ليس بينهم وليد جنبلاط.

بعد أيام قليلة من اجتماع قاسيون، أبلغني الحريري أن خدّام ينتظرني في منزله في مدينة بانياس الساحلية و«يمكن أن تضعه في الأجواء المستجدّة وتشرح خلفيات اللقاء مع بشّار، والمهم أن تأتي لي بردّ فعله الذي لا يقوله على الهاتف». قصدت بانياس أسأل عن منزل عبد الحليم خدّام، فأفادني صاحب دكان بعنوان دارة شقيقه، وفي محيطها فيلا على الشاطئ خاصة بخدّام. اختليت مع نائب الرئيس السوري مدّة ساعة، انتهت برسالة إلى الحريري تقول: «يبدو أن الشاب مستعجل على دفن والده. بكل الأحوال أبو بهاء عم يشتغل صحّ، وعليه أن يكمل بهذا الخط. الهجمة عليه كبيرة جدّاً في بيروت وفي دمشق، ويستحسن تخفيف الخصوم والضغط ليتمكّن من حشر لحّود. لكنني بصراحة غير متفائل، وهناك من يحفر له في سوريا وفي لبنان. بكل الأحوال خبرو (أخبره) أنا معه لآخر نَفَس».

رفيق الحريري... علاقة شائكة مع المسؤولين الأمنيين في سوريا (أ.ف.ب)

في هذا الوقت تحرّك الحريري في اتجاه اللواء محمد ناصيف الذي يقيم في نطاق سكني حديث في منطقة الصبورة لجهة المدخل الغربي لمدينة دمشق. استقبلنا ناصيف بحفاوة مميزة عند مدخل الفيلا، التي قال إن المرحوم باسل بناها له، وهي متواضعة نسبيّاً وليس فيها ما يشير إلى ثراء غير طبيعي، ومن ضمنها حديقة زُرعت بأشجار مثمرة وغير مثمرة.

كنت على معرفة بأبي وائل، والتقيته غير مرّة في مكتبه رفقة الزميل وليد الحسيني صاحب مجلة «الكفاح العربي»، وكان من القيادات التي تحتفظ بخط عسكري مباشر مع بشّار، يتلقّى عبره التوجيهات ويسأل عن أمور تتعلّق تحديداً بالوضع اللبناني وخريطة التحالفات الانتخابية، على ما شهدت في إحدى المكالمات.

عبّر اللواء ناصيف عن حفاوته بضيفه بالقول «أنا أنتظر هذا اللقاء منذ سنوات. أنت يا دولة الرئيس، عزيز على سوريا وعليّ شخصيّاً. فرحتي كبيرة بتشريفك البيت. هذا بيتك كما هي بيوت كلّ السوريين. الحق على الأخ أبو يعرب (يقصد اللواء غازي كنعان) الذي أراد احتكار صداقتك... نحن أيضاً أصدقاء وأخوة لك. اليوم خاص لا شريك لي بدولة الرئيس. نتناول الغداء ونرتاح بالجنينة ونأخذ راحتنا من دون تكليف».

الأحاديث الشخصية والمأدبة التي فُرشت بكل ما طاب من مناسف ومأكولات شامية، والإلحاح المتواصل من المضيف على تناول معظم الأصناف، تقدّمت على أحاديث السياسة التي بدت تفصيلية أمام مظاهر الترحيب. أهم صنف على المأدبة كان كسر الجليد مع رجل صُنّف لسنوات في خانة الخصوم، وفبركة أخصام للحريري في لبنان. تركنا الصبورة مشيّعين بمثل ما استُقبلنا بعد وجبة وداعية من الرمان ساعدت على هضم سائر الوجبات، وعطّلت ألغام أبي وائل ولو إلى حين.

أوفدني الحريري لإبلاغ خدام بفحوى اللقاء مع بشار في جبل قاسيون، فقال لي: «الشاب مستعجل على دفن والده... لست متفائلاً، وهناك من يحفر له في سوريا وفي لبنان»

باسم السبع

رفيق الحريري وجاك شيراك (أ.ف.ب)

أدرك الأسد الأب أن ولده لن يقلع بأمان في غياب احتضان عربي ودولي لوجوده على رأس الحكم. ولعلّه رأى من خلال حاسته السياسية المتوقدة، أن الحريري يمكن أن يكون لاعباً أساسيّاً في الاحتضان، وأن جنازته لا بدّ من أن تكون مناسبة لانطلاق سفينة بشّار في الحكم، وعلى متنها الرئيس الفرنسي جاك شيراك وولي العهد السعودي الأمير عبد اللَّه والرئيس المصري حسني مبارك والإدارة الأميركية ممثلة بوزيرة الخارجية مادلين أولبرايت، ومن هو أفضل من رفيق الحريري لتحقيق هذا الهدف؟

زحف لبنان إلى جنازة حافظ الأسد في ما يشبه تقاطر الشخصيات العربية والدولية والقيادات اللبنانية وجماهيرها، إلى احتفال بتنصيب بشّار الأسد رئيساً. انتظر بشّار هذه اللحظة أشهراً طويلةً، واجتماعه مع الحريري في جبل قاسيون يأتي في إطار تلك اللحظة.

غداً: بند واحد في جدول الأعمال... إهانة رفيق الحريري


مقالات ذات صلة

القبض على علي كيالي المتهم الرئيسي بارتكاب مجزرة بانياس عام 2013‏

العالم العربي عناصر من الجيش السوري منتشرة في دمشق (أ.ف.ب)

القبض على علي كيالي المتهم الرئيسي بارتكاب مجزرة بانياس عام 2013‏

ألقى جهاز الاستخبارات العامة القبض على المدعو علي كيالي، المعروف باسم ‌‏«معراج أورال»، والمتهم الرئيسي بارتكاب مجزرة بانياس عام 2013‏.

«الشرق الأوسط» (دمشق - لندن)
المشرق العربي الصحافي الأميركي أوستن تايس المختفي في سوريا منذ عام 2012 (صحافيون بلا حدود)

جنرال سوري مقيم في لبنان بحماية مكتب التحقيقات الفيدرالي

يقيم بسام الحسن، الذي كان يُشرف على برنامج الأسلحة الكيميائية السوري، في لبنان منذ انهيار نظام الأسد.

«الشرق الأوسط» (لندن)
المشرق العربي متطوعة في الدفاع المدني السوري ترفع لافتة تحذير في منطقة ملوثة بالألغام (الدفاع المدني)

سوريا سجّلت أعلى ضحايا بسبب مخلّفات الذخائر العنقودية عام 2025

لم يّسجّل أي استخدام للألغام وللذخائر العنقودية في سوريا منذ سقوط الأسد أواخر عام 2024، والضحايا تضرروا من مخلفات الحرب.

«الشرق الأوسط» (لندن)
المشرق العربي جمال طرابلسي الذي ألقت إدارة مكافحة الإرهاب القبض عليه مع علي كيالي المعروف بـ”معراج أورال” زعيم ميليشيا “المقاومة السورية” وشغل جمال طرابلسي منصب نائبه (قوى الأمن الداخلي)

سوريا: القبض على «نائب» جزار بانياس

ألقي القبض على جمال طرابلسي، نائب علي كيالي المعروف بـ«معراج أورال» قائد ميليشيا «المقاومة السورية» التي ارتكبت مجازر مروعة أبرزها مجزرة بانياس عام 2013.

«الشرق الأوسط» (دمشق)
المشرق العربي قوى الأمن السوري أمام مبنى اجتمع فيه 5 من عناصر «حزب الله» في سوريا (الداخلية السورية)

دمشق تنفي «مزاعم» عقد اجتماع مع «حزب الله» في تركيا

نفت دمشق الأخبار المتداولة، الخميس، حول «مزاعم» عقد اجتماع مع «حزب الله» في تركيا.

«الشرق الأوسط» (بيروت - دمشق)

أنباء عن «ضوء أخضر أميركي» لمشاركة ممثلي فصائل في حكومة الزيدي

رئيس البرلمان العراقي هيبت الحلبوسي يقرأ اليمين الدستورية وإلى جانبه رئيس الحكومة علي الزيدي ومن خلفهما وزراء جدد في الحكومة (إعلام حكومي)
رئيس البرلمان العراقي هيبت الحلبوسي يقرأ اليمين الدستورية وإلى جانبه رئيس الحكومة علي الزيدي ومن خلفهما وزراء جدد في الحكومة (إعلام حكومي)
TT

أنباء عن «ضوء أخضر أميركي» لمشاركة ممثلي فصائل في حكومة الزيدي

رئيس البرلمان العراقي هيبت الحلبوسي يقرأ اليمين الدستورية وإلى جانبه رئيس الحكومة علي الزيدي ومن خلفهما وزراء جدد في الحكومة (إعلام حكومي)
رئيس البرلمان العراقي هيبت الحلبوسي يقرأ اليمين الدستورية وإلى جانبه رئيس الحكومة علي الزيدي ومن خلفهما وزراء جدد في الحكومة (إعلام حكومي)

أنجز رئيس الوزراء العراقي علي الزيدي تشكيلة حكومته بضمّ أعضاء مرتبطين بفصائل مسلحة حليفة لطهران بضوء أخضر أميركي، خصوصاً لجهة تعيين نائب له تصنّفه الولايات المتحدة «إرهابياً»، حسبما قال مصدران دبلوماسيان لوكالة الصحافة الفرنسية. وأعلن الزيدي، مساء الخميس، اكتمال حكومته بعد أكثر من 5 أشهر على توليه منصبه وتعهّده حصر سلاح الفصائل بيد الدولة، وهو مطلب أميركي رئيسي.

من بين الأسماء الجديدة، نائب رئيس الوزراء ليث الخزعلي، وهو مسؤول بارز في «عصائب أهل الحق» التي أعلنت في يونيو (حزيران) بدء تسليم سلاحها. وقال مصدر دبلوماسي في بغداد، الجمعة، إن الزيدي «حصل على موافقة أميركية ضمنية خلال زيارته في سبتمبر (أيلول) إلى الولايات المتحدة» حيث شارك في اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة في نيويورك، والتقى الرئيس الأميركي دونالد ترمب. وأوضح المصدر أن واشنطن غضّت الطرف عن مشاركة فصائل مقرّبة من إيران في الحكومة «بعدما وعد رئيس الوزراء بالمضي قدماً في خططه لنزع السلاح، وقدّم ضمانات بأن تلك المجموعات لن تهاجم المصالح الأميركية في العراق». وشدّد على أن «واشنطن تريد مساعدته (الزيدي) في المضي قدماً في خططه».

وليث الخزعلي هو شقيق قيس زعيم «عصائب أهل الحق». والأخوان مدرجان على قائمة واشنطن لـ«الإرهابيين العالميين»، وتعتبرهما «وكيلَين عنيفَين لإيران»، وتتّهمهما بشنّ هجمات على قواتها عقب غزو العراق عام 2003، بما في ذلك هجوم في 2007 أدّى إلى خطف وقتل 5 جنود أميركيين. وتنامى النفوذ السياسي لقيس وشقيقه ليث بعد فوز «العصائب» بـ27 مقعداً من أصل 329 في البرلمان في الانتخابات التشريعية العام الماضي. وكانت «العصائب» من أولى الفصائل التي أعلنت بدء تسليم سلاحها للدولة قبل نحو 4 أشهر. ولم يرتبط اسمها بأي هجمات على المصالح الأميركية أخيراً، فيما هاجمت أخرى منضوية ضمن فصائل «المقاومة الإسلامية»، هذه المصالح في العراق والمنطقة خلال الحرب في الشرق الأوسط.

ليث الخزعلي من فصيل «عصائب أهل الحق» اختير نائباً لرئيس الحكومة العراقية (موقع البرلمان)

فصيل متمسك بسلاحه

وأكّد مصدر دبلوماسي ثانٍ، حسب وكالة الصحافة الفرنسية، أن واشنطن منحت الزيدي الضوء الأخضر لإكمال تشكيلته الحكومية بمشاركة بعض الفصائل، بما فيها «كتائب سيد الشهداء» التي لا تزال متمسّكة بسلاحها، وحصل مرشّحها على وزارة السياحة. وسبق للولايات المتحدة أن تغاضت عن مشاركة فصائل مدرجة على قوائمها السوداء، في الحكومات العراقية خلال الأعوام الماضية. إلا أن الأمر كان مختلفاً هذه المرة في ظل التغييرات الواسعة التي تشهدها المنطقة على خلفية الحرب بين الولايات المتحدة وإيران، والتي لم يبق العراق في منأى عن تداعياتها الواسعة النطاق. وأشار المصدر الدبلوماسي الأول إلى أنه مع أن «الأمور تغيّرت» في بغداد، فإن واشنطن مستعدة لتعديل تكتيكاتها لتحقيق مصالحها.

وكانت حكومة الزيدي أمهلت أساساً الفصائل حتى 30 سبتمبر لتسليم سلاحها بالتزامن مع انتهاء مهمّة التحالف الدولي لمحاربة تنظيم «داعش»، الذي تذرّعت المجموعات بوجوده للتمسّك بسلاحها. غير أنها تراجعت بعد ذلك، ثم حددت 30 يونيو 2027 موعداً جديداً، في ظلّ استمرار مفاوضاتها مع الفصائل.

رئيس الوزراء العراقي علي الزيدي خلال التصويت على حكومته بمقر البرلمان في بغداد يوم 14 مايو 2026 (رويترز)

نائب رابع ووزير هجرة

إلى ذلك، بارك رئيس مجلس النواب، هيبت الحلبوسي، إكمال التشكيلة الوزارية، متمنياً «لجميع أعضائها التوفيق في تحمل مسؤولياتهم الوطنية».

وقال الحلبوسي، في بيان، إن «هذه المرحلة تتطلب الانتقال الفوري من إكمال تشكيل الحكومة إلى العمل والإنجاز، بما يلبي تطلعات الشعب العراقي».

وبعد حصوله على ثقة البرلمان، قال ليث الخزعلي، إنه «سيعمل على الإسهام الفاعل في تنفيذ البرنامج الحكومي، وتعزيز التنسيق بين مؤسسات الدولة، ومتابعة المشاريع ذات الأولوية».

وكان البرلمان العراقي قد صوّت على 3 نواب لرئيس مجلس الوزراء علي الزيدي، وعلى 11 مرشحاً للوزارات الشاغرة، بينهم وزير دولة ووزيران مستحدثان للحكومة والسياحة، باستثناء وزارة الهجرة.

واعتبر رئيس الحكومة علي الزيدي اكتمال الكابينة الحكومية، وتسمية نواب رئيسها، «يمثلان دعماً لقدرة الحكومة على إدارة الملفات الوطنية».

وثمة ردود فعل غاضبة من استحداث مناصب جديدة في الحكومة. وأعلن الحزب الشيوعي العراقي، عقب جلسة التصويت، رفضه «القاطع لهذه التشكيلة الحكومية، محمّلاً القوى التي تفاهمت على تمريرها كامل المسؤولية السياسية عن تكريس المحاصصة وإدامة النهج الفاشل الذي أفسد مؤسسات الدولة»، على حدّ تعبير بيان للحزب.


قطر تطرح مشروعاً متكاملاً لحل أزمة الكهرباء في لبنان

الرئيس اللبناني جوزيف عون مرحّباً برئيس مجلس الوزراء وزير الخارجية القطري الشيخ محمد بن عبد الرحمن بن جاسم آل ثاني في بيروت (أ.ف.ب - الرئاسة اللبنانية)
الرئيس اللبناني جوزيف عون مرحّباً برئيس مجلس الوزراء وزير الخارجية القطري الشيخ محمد بن عبد الرحمن بن جاسم آل ثاني في بيروت (أ.ف.ب - الرئاسة اللبنانية)
TT

قطر تطرح مشروعاً متكاملاً لحل أزمة الكهرباء في لبنان

الرئيس اللبناني جوزيف عون مرحّباً برئيس مجلس الوزراء وزير الخارجية القطري الشيخ محمد بن عبد الرحمن بن جاسم آل ثاني في بيروت (أ.ف.ب - الرئاسة اللبنانية)
الرئيس اللبناني جوزيف عون مرحّباً برئيس مجلس الوزراء وزير الخارجية القطري الشيخ محمد بن عبد الرحمن بن جاسم آل ثاني في بيروت (أ.ف.ب - الرئاسة اللبنانية)

أعلن رئيس الحكومة اللبنانية نواف سلام اقتراب التوصل إلى اتفاق مع قطر لإعادة تأهيل وتطوير البنية التحتية لإنتاج الكهرباء في لبنان، بموجب مشروع تتولى الدوحة تمويله وتنفيذه وتشغيله دون أن تتحمل الخزينة اللبنانية أي تكلفة استثمارية مسبقة، وذلك خلال استقباله رئيس مجلس الوزراء وزير الخارجية القطري الشيخ محمد بن عبد الرحمن آل ثاني الذي كشف عن تفاهم على إطار شامل للتعاون في قطاع الطاقة، يشمل مشروعاً استثمارياً كبيراً وحلولاً متكاملة لأزمة الكهرباء، إلى جانب مشاريع للربط في مجال الطاقة بين لبنان وسوريا والعراق.

وتصدّر ملف الطاقة المحادثات التي أجراها رئيس الوزراء القطري في بيروت، الجمعة، إلى جانب التطورات في الجنوب ودعم الجيش.

عون: لوقف الاعتداءات

وكان رئيس الوزراء القطري استهل لقاءاته الرسمية بزيارة قصر بعبدا، حيث استقبله الرئيس جوزيف عون، الذي أعرب عن تقديره للدور الذي يؤديه أمير قطر الشيخ تميم بن حمد آل ثاني والقيادة القطرية في السعي إلى إعادة الاستقرار لدول المنطقة من خلال تقريب وجهات النظر وإزالة أسباب التصعيد.

وتمنى عون أن تواصل الدوحة مساعيها مع الدول العربية الشقيقة والدول الصديقة، للضغط على إسرائيل لوقف اعتداءاتها في الجنوب، وتطبيق اتفاق الإطار الذي تم التوصل إليه نتيجة المفاوضات بين لبنان وإسرائيل برعاية أميركية.

وعرض الرئيس اللبناني أمام ضيفه ما يتعرض له الجنوب من اعتداءات إسرائيلية متواصلة، وما أسفرت عنه من ضحايا وجرحى وتدمير للقرى والبلدات الجنوبية، مشدداً على أهمية تكثيف الجهود الدبلوماسية لوقف العمليات العسكرية وتحقيق الانسحاب الإسرائيلي.

وجدد عون إدانته للاعتداءات التي تعرضت لها دول الخليج، وآخرها الاعتداءات على المملكة العربية السعودية، مؤكداً تضامن لبنان قيادة وشعباً مع الدول الخليجية.

وتطرق إلى العلاقات الثنائية، مرحّباً بتوسيع التعاون مع قطر في مختلف المجالات، ولا سيما قطاع الطاقة، الذي سبق للدوحة أن أبدت استعدادها للمساعدة في معالجة أزمته.

في المقابل، قال رئيس الوزراء القطري إن «قطاع الطاقة يأتي في أولوية اهتمامات جمهورية لبنان الشقيقة، ودولة قطر تسعى لتقديم حلول متكاملة في هذا المجال». وفيما يتعلق بالجنوب، قال: «تمت أيضاً مناقشة الوضعَين الإقليمي والدولي، ولا سيما الوضع في جنوب لبنان وتصرفات الاحتلال الإسرائيلي تجاه لبنان»، مضيفاً أن «دولة قطر تدعم طبعاً لبنان في كل الخطوات التي يقوم بها وتدعم توجه الدولة اللبنانية»، مع تأكيد ضرورة الانسحاب الإسرائيلي وتسليم الأراضي المحتلة إلى الجيش اللبناني.

سلام: قطر تتولى التمويل والتنفيذ والتشغيل

وأعلن سلام، خلال مؤتمر صحافي مشترك مع نظيره القطري في السراي الحكومي، قائلاً: «إننا بتنا قريبين من التوصل إلى مشروع بين الحكومتَين اللبنانية والقطرية لإعادة تأهيل وتطوير وتحديث البنية التحتية لإنتاج الكهرباء في لبنان»، موضحاً أن المشروع يستهدف توفير «حلول مستدامة» للأزمة التي يعاني منها اللبنانيون.

وقال إن المشروع «متكامل، ويطول مختلف مصادر إنتاج الطاقة والبنية التحتية اللازمة لها»، ويهدف إلى توفير الكهرباء بصورة أكثر استقراراً وبتكلفة أقل، مشيراً إلى أنه يقوم على «نموذج للتصميم والبناء والتشغيل ونقل الملكية».

وأكد سلام أن «قطر ستتولّى التمويل والتنفيذ والتشغيل لمشروع الكهرباء من دون أن تتحمّل الخزينة اللبنانية أي تكلفة استثمارية مسبقة»، معتبراً أن ذلك يساعد لبنان على تجاوز العقبات المالية التي تحول دون تحسين التغذية الكهربائية.

وشدد على أن الحكومة تهدف إلى «زيادة الإنتاج وخفض التكلفة وتحسين الإدارة»، لافتاً إلى أن توفير الكهرباء المنتظمة بتكلفة معقولة يشكّل فرصة لتحفيز الاستثمار وإنعاش الاقتصاد اللبناني.

رئيس الحكومة اللبنانية نواف سلام خلال لقائه رئيس مجلس الوزراء وزير الخارجية القطري الشيخ محمد بن عبد الرحمن بن جاسم آل ثاني في بيروت (أ.ف.ب - رئاسة الحكومة اللبنانية)

وكان سلام بحث مع نظيره القطري توفير إمدادات الغاز وتطوير البنية التحتية لإنتاج الكهرباء، إلى جانب التحضير لاتفاق بين الحكومتَين يمهد لإطلاق الأعمال الهادفة إلى معالجة شاملة لأزمة الطاقة.

إطار شامل للتعاون

من جهته، أكد رئيس الوزراء القطري أن الجانبين «اتفقا على وضع إطار شامل للتعاون في مجال الطاقة وتقديم حلول متكاملة»، موضحاً أن الهدف هو إطلاق «مشروع استثماري ضخم يعود بالنفع على الاقتصاد اللبناني والجهات القطرية المشاركة».

وشدد على استمرار وقوف قطر إلى جانب اللبنانيين، قائلاً: «نقف إلى جانب الشعب اللبناني في هذه الفترة الصعبة على المنطقة كلّها»، مؤكداً تطلع بلاده إلى ترسيخ الشراكة بين البلدَين في مختلف القطاعات.

وفي الملف السياسي، دعا رئيس الوزراء القطري إلى تطبيق القرار الدولي «1701» من جميع الأطراف، وانسحاب إسرائيل من جميع النقاط التي تحتلها، والالتزام بالتفاهمات القائمة.

وكشف عن تنسيق قطري مع الولايات المتحدة الأميركية لإطلاق جهود إعادة إعمار جنوب لبنان، بما يسمح بعودة النازحين إلى مناطقهم، مجدداً تأكيد أن بلاده ستبقى داعمة للجيش اللبناني بصفته مؤسسة وطنية تحفظ أمن البلاد واستقرارها.

بري: لدعم الجيش

وفي بيروت أيضاً، التقى رئيس الوزراء القطري رئيس البرلمان نبيه بري، وبحث معه التطورات السياسية والميدانية في لبنان والمنطقة، في ضوء استمرار الاعتداءات الإسرائيلية، إلى جانب العلاقات اللبنانية-القطرية.

رئيس مجلس النواب اللبناني نبيه بري خلال لقائه رئيس مجلس الوزراء وزير الخارجية القطري الشيخ محمد بن عبد الرحمن بن جاسم آل ثاني في بيروت (أ.ف.ب - رئاسة مجلس النواب)

وأعرب بري عن تقدير اللبنانيين لمواقف قطر وأميرها الداعمة للبنان، ولا سيما الجنوب، ولحرص الدوحة على دعم السيادة اللبنانية وتحرير الأراضي المحتلة وعودة النازحين إلى قراهم وبلداتهم، واستعدادها للإسهام في التعافي الاقتصادي وإعادة الإعمار.

وأكد بري تطابق المواقف مع رئيس الوزراء القطري بشأن أهمية تعزيز الوحدة الوطنية الداخلية ودعم مؤسسات الدولة، ولا سيما المؤسسات الأمنية وفي مقدمتها الجيش اللبناني، باعتباره الضامن للاستقرار والسيادة.


4 سوريين ولبناني شاركوا بالقبض على «جزّار بانياس» في لبنان

علي كيالي (معراج أورال) في صورة أرشيفية متداولة له على مواقع التواصل السورية
علي كيالي (معراج أورال) في صورة أرشيفية متداولة له على مواقع التواصل السورية
TT

4 سوريين ولبناني شاركوا بالقبض على «جزّار بانياس» في لبنان

علي كيالي (معراج أورال) في صورة أرشيفية متداولة له على مواقع التواصل السورية
علي كيالي (معراج أورال) في صورة أرشيفية متداولة له على مواقع التواصل السورية

انشغلت الأجهزة القضائية والأمنية في لبنان بحادثة اعتقال الضابط في النظام السوري السابق علي كيالي، المعروف باسم «معراج أورال»، من منطقة المنصورية في جبل لبنان، ونقله إلى سوريا، في عملية غامضة ومعقّدة. وتضاربت المعلومات حول كيفية تنفيذ العملية والوجهة التي اعتمدها الخاطفون في نقله من منطقة المتن (جبل لبنان) إلى الداخل السوري.

وغداة إعلان الجانب السوري عن العملية من دون أي تنسيق مسبق مع الدولة اللبنانية، سطّر النائب العام التمييزي القاضي أحمد رامي الحاج استنابات قضائية إلى كلّ من مخابرات الجيش وشعبة المعلومات في قوى الأمن الداخلي والأمن العام، كلّفهم بموجبها تقصّي ملابسات العملية وتحديد هوية منفذيها.

4 سوريين ولبناني

وأوضح مصدر قضائي أن المعلومات الأولية تفيد بأن العملية «نفذها أربعة سوريين ولبناني واحد»، مؤكداً لـ«الشرق الأوسط» أنه «من خلال تتبع هواتف منفذي العملية، وتعقب الخطوط التي استخدمت في محيط منزل كيالي، تبيّن أنهم قبضوا على الأخير داخل منزله في منطقة المنصورية، وسلكوا الطريق الساحلي من جونية، مروراً بطرابلس، وصولاً إلى معبر العبودية الحدودي في عكّار». ونفى المصدر المعلومات التي تحدثت عن نقله إلى مقرّ السفارة السورية في اليرزة، مؤكداً أنه «جرى ضبط الكاميرات العائدة للسفارة ومحيطها، وتبيّن أنه لم ينقل إلى السفارة إطلاقاً».

أول صورة تنشرها السلطات السورية لعلي كيالي بعد القبض عليه

وتتهم السلطات السورية كيالي بالمسؤولية عن مجازر البيضا وبانياس في الساحل السوري عام 2013، حين كان يقود مجموعة مسلحة تقاتل إلى جانب قوات بشار الأسد. ووثّقت منظمة «هيومن رايتس ووتش» إعدام ما لا يقل عن 248 شخصاً في المنطقتين، بينهم نساء وأطفال، ووصفت وقائع القتل في البيضا بأنها من «أكثر عمليات الإعدام الجماعي دموية في النزاع السوري».

تضارب في الروايات

وتضاربت الروايتان السورية واللبنانية حول عملية الخطف، ونقلت «وكالة الصحافة الفرنسية» عن مصدر أمني سوري أن العملية «حصلت بالتنسيق مع الجانب اللبناني». غير أن المصدر القضائي اللبناني نفى علم السلطات اللبنانية بها، وأوضح أن الأجهزة اللبنانية «لم تكن على علم بوجود كيالي في لبنان ولا بحادثة اختطافه إلّا بعد إعلان الجانب السوري». وشدد على أن «التحريات التي أجرتها الأجهزة الأمنية في الساعات الماضية، بيّنت أن هذا الشخص دخل لبنان مع زوجته خلسة في عام 2025، وبقي متخفياً ويتنقل بحذر شديد إلى حين اختطافه».

ووفق المعلومات التي أوردتها وكالة «الأناضول» التركية، فإن كيالي ولد في عام 1956 في محافظة هاتاي، جنوب تركيا، المحاذية للحدود السورية، وتتهمه أنقرة أيضاً بأنه «قاد مجموعة مسلحة عُرفت باسم (المقاومة السورية) و(الجبهة الشعبية لتحرير لواء الإسكندرون)، ومنخرط مع الاستخبارات السورية في ظلّ حكم بشار الأسد، بتفجيري الريحانية اللذين أوديا بحياة 53 شخصاً».

ضباط يلوذون بلبنان

وأعادت هذه الحادثة إلى الواجهة مسألة فرار العشرات من ضباط النظام السوري السابق إلى لبنان، إثر فرار بشار الأسد وسقوط نظامه أواخر عام 2024.

ولا يفصل المصدر القضائي اللبناني هذه القضية عن توقيف سليمان هلال الأسد قبل أسابيع، وقبله اللواء عادل عيسى داخل السفارة السورية في بيروت (علماً بأن القضاء اللبناني اتخذ لاحقاً قراراً بتسليمه إلى دمشق). ويرى المصدر أن تتابع هذه الحالات «يشير إلى وجود ضباط وشخصيات من النظام السابق في لبنان»، مرجّحاً أن يكون بعضهم «يحظى بحماية أمنية من أحزاب حليفة لنظام الأسد مثل (حزب الله) وغيره، وبعضهم يقيم بصورة غير شرعية أو يستخدم وثائق مزوّرة لتفادي كشف هويته».

وشدد المصدر القضائي على أن لبنان «متعاون مع السلطات السورية في المراسلات المتعلقة بمطلوبين من النظام السابق، كما يتعاون مع الجهات الدولية بشأن طلبات التوقيف والتعاميم الواردة عبر الإنتربول بحق مسؤولين أمنيين سوريين تلاحقهم اتهامات بارتكاب انتهاكات جسيمة (أبرزهم رئيس مكتب الأمن القومي السابق اللواء علي مملوك، وقائد المخابرات الجوية اللواء جميل الحسن، ومدير فرع التحقيق في المخابرات الجوية العميد عبد السلام محمود)». ولفت المصدر إلى أنه «لم تتوفر أي معلومات عن وجودهم على الأراضي اللبنانية».