مصر تدعم «أسبيدس» الأوروبية لحماية أمن الملاحة في البحر الأحمر

وزير الخارجية تحدث عن «انخفاض هائل» في عوائد «قناة السويس»

سفينة تحمل حاويات تمر عبر قناة السويس المصرية (الموقع الإلكتروني لهيئة قناة السويس)
سفينة تحمل حاويات تمر عبر قناة السويس المصرية (الموقع الإلكتروني لهيئة قناة السويس)
TT

مصر تدعم «أسبيدس» الأوروبية لحماية أمن الملاحة في البحر الأحمر

سفينة تحمل حاويات تمر عبر قناة السويس المصرية (الموقع الإلكتروني لهيئة قناة السويس)
سفينة تحمل حاويات تمر عبر قناة السويس المصرية (الموقع الإلكتروني لهيئة قناة السويس)

أكدت مصر دعمها العملية البحرية الأوروبية في البحر الأحمر «أسبيدس»، لحماية أمن الملاحة في ضوء التوترات المتزايدة بأحد أهم ممرات الملاحة عالمياً، ما أدى إلى «انخفاض هائل» في عائدات «قناة السويس»، بحسب إفادة رسمية لوزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي، الأربعاء، عقب استقباله بالقاهرة قائد العملية البحرية الأوروبية بالبحر الأحمر «أسبيدس»، فاسيليس غورباريس.

وتصاعدت التوترات بمنطقة البحر الأحمر، نهاية نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي، مع استهداف جماعة «الحوثي» اليمنية السفن المارة بالممر الملاحي، «رداً على استمرار الحرب الإسرائيلية ضد قطاع غزة».

وزير الخارجية المصري يستقبل قائد العملية الأوروبية «أسبيدس» (الخارجية المصرية)

ودفعت تلك الهجمات شركات شحن عالمية لتغيير مسارها متجنبة المرور في البحر الأحمر، ما كان له تداعيات على الاقتصاد وحركة التجارة العالمية.

وقال المتحدث باسم وزارة الخارجية المصرية، في بيان صحافي، إن «عبد العاطي أعرب عن ارتياح بلاده للتعاون القائم مع قيادة العملية (أسبيدس)»، مؤكدا «دعم مصر لمهامها نظراً للطبيعة الدفاعية لولايتها، وفي إطار التحديات المتزايدة التي تشهدها الملاحة في البحر الأحمر».

وأكد الوزير المصري «أهمية تضافر الجهود لخلق بيئة آمنة لمرور السفن بالبحر الأحمر، وطمأنة شركات الشحن الدولية»، مشيراً إلى «التأثير المباشر للتهديدات الأمنية للملاحة في البحر الأحمر على الاقتصاد المصري، نظراً للانخفاض الهائل في عوائد (قناة السويس)، الأمر الذي يجعل مصر من أكثر دول العالم تأثراً بالوضع الحالي»، بحسب الإفادة الرسمية.

واستعرض عبد العاطي «الشواغل المصرية» إزاء التصعيد الحالي في المنطقة على ضوء التوترات الأخيرة، وتأثير ذلك على حركة الشحن البحري في البحر الأحمر وقناة السويس.

سفينة شحن محاطة بقوارب الحوثيين في البحر الأحمر (رويترز)

وتعد قناة السويس أحد المصادر الرئيسية للعملة الصعبة في مصر، وبلغت إيراداتها العام الماضي 10.3 مليار دولار، بحسب الإحصائيات الرسمية.

لكن هذه العائدات شهدت تراجعاً في الشهور الأخيرة، بسبب توترات البحر الأحمر. وقال رئيس الوزراء المصري الدكتور مصطفى مدبولي، في مؤتمر صحافي، الأسبوع الماضي، إن «بلاده تخسر ما بين 500 و550 مليون دولار شهرياً، بسبب توترات البحر الأحمر».

من جانبه، أعرب قائد العملية البحرية الأوروبية عن «تقديره للدعم المصري للعملية البحرية الأوروبية»، مؤكداً «حرصه على التواصل مع دول المنطقة المتأثرة بحالة التوتر في البحر الأحمر وفي مقدمتها مصر».

ولفت غورباريس إلى «الطبيعة الدفاعية للعملية البحرية الأوروبية في مواجهة التهديدات»، مستعرضاً «النجاحات التي حققتها في صد العديد من الهجمات الحوثية»، بحسب المتحدث باسم الخارجية المصرية.

وتوافق المسؤولان المصري والأوروبي على «أهمية مواصلة التشاور والتنسيق المشترك لتهدئة الأوضاع في المنطقة ولسلامة الملاحة في البحر الأحمر»، حيث أكد عبد العاطي «ضرورة العمل على معالجة الأسباب الحقيقية لحالة التصعيد غير المسبوقة، وهي استمرار الحرب الإسرائيلية في غزة وسياسة الاغتيالات وانتهاك سيادة دول المنطقة».

حاملة الطائرات الأميركية «روزفلت» حلّت محل الحاملة «أيزنهاور» للتصدي لهجمات الحوثيين (أ.ب)

وشدد المسؤول الأوروبي على «أهمية تضافر الجهود من أجل تأمين الملاحة في البحر الأحمر»، مؤكداً «حرص العملية الأوروبية على خلق البيئة التي تسهم في المرور الآمن للسفن في البحر الأحمر»، بحسب المتحدث باسم الخارجية المصرية.

وأطلق الاتحاد الأوروبي عملية (أسبيدس) للأمن البحري في البحر الأحمر، في فبراير (شباط) الماضي، بهدف حماية السفن التجارية من هجمات «جماعة الحوثي».

بدوره، قال الخبير الاستراتيجي رئيس المؤسسة العربية للتنمية والدراسات الاستراتيجية، العميد سمير راغب، لـ«الشرق الأوسط»، إن «مصر معنية بحماية أمن الملاحة في البحر الأحمر، وترى أن السبيل الوحيد لذلك هو وقف التصعيد والحرب على قطاع غزة»، مشيرا إلى أن «دعم القاهرة للمهمة الأوروبية يأتي في هذا السياق».

واتفق معه اللواء نصر سالم، المستشار بأكاديمية ناصر العسكرية للدراسات الاستراتيجية، موضحاً لـ«الشرق الأوسط» أن «الدعم المصري للعملية الأوروبية يعني تقديم المساعدات والخدمات دون الاشتراك في عمليات عسكرية»، لافتاً إلى «أهمية التنسيق كون هذه المهمات البحرية لها تأثير مباشر على مصر وتقع في نطاق مسؤوليتها».

صورة وزّعها الحوثيون لاستهداف إحدى السفن في البحر الأحمر بزورق مسيّر مفخخ (أ.ف.ب)

وأضاف «هناك مهمات متعددة لحماية الملاحة في البحر الأحمر من بينها (المهمة المشتركة 153) التي سبق وقادتها مصر»، موضحاً أن «هذه مهمات لها أدوار محددة في وقت محدد ومن الضروري التنسيق معها».

والقاهرة عضو في «قوة المهام المشتركة (153)»، وتولت قيادتها أواخر عام 2022. وأكدت في حينه، أنها «إحدى أهم الآليات المشتركة لتعزيز الأمن والاستقرار الإقليمي، ومجابهة التهديدات بكل أنماطها».

وشكّلت الولايات المتحدة، في ديسمبر (كانون الأول) الماضي، تحالف «حارس الازدهار» للرد على هجمات «الحوثي». ويقول سالم إن «تحالف (حارس الازدهار) الأميركي تأسس لحماية إسرائيل رغم وجود أربع مهمات مشتركة في البحر الأحمر وباب المندب»، مشيراً إلى أن «دولا أوروبية رفضت الانضمام إليه ومن هنا تأسست (أسبيدس)».

وفرق راغب بين العملية الأوروبية و«تحالف حارس الازدهار» الذي شكلته الولايات المتحدة الأميركية، وقال إن «(أسبيدس) تقوم بمهمة دفاعية لحماية الملاحة، لتكون بمنأى عن التحالف الأميركي الذي يحمل في طياته دعماً لإسرائيل»، مشيراً إلى أن «مصر ودولاً عربية عدة رفضت الانضمام لتحالف (حارس الازدهار) لنفس السبب، لا سيما أن التحالف ينفذ عمليات ضد (الحوثي) على أرض اليمن».

وكان مسؤول السياسة الخارجية بالاتحاد الأوروبي، جوزيف بوريل، أشار عند إطلاق «أسبيدس»، إلى أن «هدفها الدفاع فقط، وليس الهجوم، وأنها لن تقوم بأي عمليات على اليابسة».


مقالات ذات صلة

«ميرسك»: خدمة أخرى ستستأنف رحلاتها عبر قناة السويس

الاقتصاد سفينة حاويات تابعة لشركة «ميرسك» تعبر قناة السويس (رويترز)

«ميرسك»: خدمة أخرى ستستأنف رحلاتها عبر قناة السويس

قالت مجموعة «ميرسك» للشحن، يوم الاثنين، إن خدمة أخرى من خدماتها المشتركة للحاويات مع شركة «هاباغ-لويد» ستستأنف رحلاتها عبر قناة السويس.

«الشرق الأوسط» (كوبنهاغن)
خاص اللواء الركن خالد القملي قائد «خفر السواحل اليمنية» (سبأ)

خاص قائد «خفر السواحل اليمنية»: مهامنا مستمرة بشكل طبيعي ومعنوياتنا عالية

أكد اللواء الركن خالد القملي، قائد مصلحة خفر السواحل اليمنية، أن الهجوم الحوثي لم يوقف مهامها، وأن العمل مستمر «بشكل طبيعي» وبمعنويات عالية...

عبد الهادي حبتور (الرياض)
الخليج وزراء خارجية المجموعة الرباعية يناقشون في إسطنبول عدداً من القضايا الإقليمية ذات الاهتمام المشترك (واس) p-circle 00:26

«الرباعية» تدين هجمات الحوثيين على السعودية وتطالب بوقف التصعيد في اليمن

أدانت السعودية وتركيا ومصر وباكستان التصعيد الذي تمارسه الميليشيات الحوثية الإرهابية في اليمن، بما في ذلك هجماتها على المملكة واستهداف المدنيين والبنية التحتية.

«الشرق الأوسط» (إسطنبول)
الاقتصاد المعرض المصاحب للمؤتمر السعودي البحري واللوجستي في جدة (الشرق الأوسط)

اضطرابات الملاحة تُعيد رسم خريطة الشحن... والموانئ السعودية في الواجهة

أعادت اضطرابات الملاحة في الشرق الأوسط رسم مسارات التجارة البحرية، مع اتجاه شركات الشحن إلى منافذ بديلة لتفادي الممرات والموانئ المتأثرة بالأزمة.

أسماء الغابري (جدة)
الاقتصاد رئيس الهيئة العامة للنقل المهندس فواز السهلي خلال جولته في المعرض المصاحب للمؤتمر بجدة (الهيئة) p-circle 01:12

«النقل» السعودية: القطاع البحري أثبت صموده أمام اضطرابات التجارة العالمية

استطاع القطاع البحري السعودي إثبات قدرته على الصمود أمام الاضطرابات التي شهدتها حركة التجارة والملاحة العالمية خلال عام 2026.

أسماء الغابري (جدة)

«قيم الأسرة» تلاحق صُنّاع المحتوى في مصر

وزير الدولة المصري للإعلام ضياء رشوان (الوزارة)
وزير الدولة المصري للإعلام ضياء رشوان (الوزارة)
TT

«قيم الأسرة» تلاحق صُنّاع المحتوى في مصر

وزير الدولة المصري للإعلام ضياء رشوان (الوزارة)
وزير الدولة المصري للإعلام ضياء رشوان (الوزارة)

تُلاحق أجهزة الأمن المصرية المئات من صناع المحتوى بعدة تهم أشهرها «التعدي على قيم الأسرة المصرية»، والتي تتضمن في غالبيتها نشر مقاطع رقص، أو الخروج في بث مباشر بملابس كاشفة وجريئة، أو التلفظ بألفاظ نابية، وهي قضايا تثير جدلاً واسعاً بين مؤيدين لـ«الضربات الأمنية»، ومعارضين يعدونها «انتقائية ومطاطة»، وتحمل «تمييزاً ضد فئات بعينها».

وللمرة الأولى يفتح صُناع محتوى هذا الملف خلال لقاء مع وزير الدولة للإعلام ضياء رشوان، مطالبين بوضع تعريف محدد لهذه القيم، فيما بدا أنه قلق من أن تطولهم هذه التهمة يوماً، حتى لو وصفتهم الحكومة في بيان رسمي لها بـ«الجادين».

والتقى رشوان، الأحد، «نخبة من أبرز المؤثرين وصناع المحتوى الرقمي ضمت نحو 70 متخصصاً في المحتوى الجاد بأنواعه، السياسي والاقتصادي والاجتماعي والثقافي والعلمي والتكنولوجي، ممن يبلغ إجمالي متابعيهم الدائمين على وسائل التواصل الاجتماعي أكثر من 500 مليون متابع»، في إطار لقاءات يعقدها مع جميع أطراف منظومة الصحافة والإعلام والوسائل الرقمية المؤثرة في الرأي العام، وفق بيان لوزارة الدولة للإعلام.

عدد من «صناع المحتوى» خلال لقائهم وزير الدولة للإعلام مطلع الشهر (الوزارة)

وبينما أقر وزير الدولة للإعلام بقدرة المحتوى الرقمي على التأثير في الرأي العام، مبدياً رغبة الحكومة في التواصل مع صُناع المحتوى والاستماع إلى مقترحاتهم ومشكلاتهم و«سبل توفير الدعم الذي يؤدي إلى تطوير الأداء والنهوض بهذا القطاع المهم»، طلب صُناع المحتوى، ومن بينهم ريهام عياد وسامح سند وإسلام فوزي وغيرهم، عدة مطالب من بينها «وضع تعريف محدد لبعض المصطلحات التي يعاقَب صناع المحتوى بسبب الخروج عليها، مثل قيم الأسرة المصرية وغيرها».

واستحدث القانون المصري تهمة الخروج على قيم الأسرة المصرية خلال قانون مكافحة جرائم تقنية المعلومات رقم 175 لسنة 2018.

«قيم الأسرة»

وقال المحامي حسن شومان إن «النص «فضفاض، لكن المشرِّع قصد ذلك لاستيعاب أشكال المحتوى المختلفة والمتجددة التي تظهر كل فترة»، لافتاً إلى أن «عدم وجود نص محدد بقيم الأسرة لا يعني أنها غير معرفة، فبالرجوع إلى الدستور الذي ينص على أن الشريعة الإسلامية مصدر التشريع نفهم أن مخالفة قيم الأسرة هي ارتكاب الأفعال المخالفة للفقه والتي يشمئز منها المجتمع، وترفضها أعرافه».

وتنشر وزارة الداخلية المصرية بشكل شبه يومي بياناً عن توقيف عدد من صُناع المحتوى لمخالفتهم قيم الأسرة المصرية، آخرها توقيف صانعة محتوى في الإسكندرية لقيامها «بنشر مقاطع فيديو على صفحتها بمواقع التواصل الاجتماعى تتضمن قيامها بالرقص بطريقة خادشة للحياء، والتلفظ بألفاظ خارجة تتنافى مع القيم المجتمعية» وفق بيان الداخلية، الاثنين. كما أعلنت في بيان آخر توقيف صانعة محتوى أخرى «لقيامها بالرقص بطريقة خادشة للحياء تتنافى مع القيم المجتمعية».

ولم يؤيد شومان في حديثه إلى «الشرق الأوسط» مطلب صُناع المحتوى بتحديد «قيم الأسرة المصرية»، بما قد يفتح الباب لإفلات البعض من العقاب رغم ارتكابهم أشياء تثير استياء المجتمع.

في المقابل، ينتقد المحامي الحقوقي في مؤسسة «قضايا المرأة»، أحمد مختار، المواد الفضفاضة الخاصة بقيم الأسرة، قائلاً لـ«الشرق الأوسط»: «من المفترض في القوانين أن تكون محكمة ومحددة، وأن يعلم من يحاكم بها ما الخطأ الذي ارتكبه على وجه الدقة، كمواد العقوبات على السرقة مثلاً، أما (قيم الأسرة) فمفهوم فضفاض وقابل للتأويل بطرق مختلفة، ووفق سياقات متعددة، ويحتاج إلى تعديل».

واستشهد باستمرار انتشار المحتوى الذي تصنفه قوات الأمن مخالفاً لقيم الأسرة رغم عشرات القضايا أسبوعياً، معتبراً أن الأوضاع الاقتصادية تعد الدافع الرئيسي لانتشار مثل هذا المحتوى الذي لم تنجح المواجهة الأمنية في السيطرة عليه أو تقليله.

وطالب المؤثرون في اجتماع وزير الإعلام أيضاً بإطار قانوني يميزهم عمن يقومون بالنشر على وسائل التواصل الاجتماعي بهدف الانتشار؛ وكان رد رشوان أنه لا توجد دولة في العالم استحدثت مثل هذا الكيان، ودعا المؤثرين إلى الاعتماد على أنفسهم في إيجاد مثل هذه الآلية.

«الإشكاليات القانونية»

وأثار لقاء وزير الدولة للإعلام بصناع المحتوى، بالتوازي مع مضي قوات الأمن في مواجهة الخارجين منهم عن القيم الأسرية، تساؤلات حول علاقة الحكومة بهذا الملف، وما إذا كان هذا اللقاء جاء بعد تغير في موقف الدولة من صناع المحتوى.

ورأى الخبير في الإعلام الرقمي و«السوشيال ميديا»، معتز نادي، أن لقاء رشوان مع صناع المحتوى مؤشر على تطور في فهم المؤسسات الرسمية لطبيعة الاتصال الرقمي، وإدراك أن صورتها الذهنية تتشكل أيضاً خارج قنواتها التقليدية عبر شخصيات يفترض أن تمتلك القدرة على الوصول إلى الجمهور والتأثير فيه، بشرط ألا يكون فقط عدد المتابعة هو معيار جودة محتواهم.

وأضاف نادي لـ«الشرق الأوسط»: «طرح قضية قيم الأسرة المصرية خلال اللقاء يمثل نقطة مهمة؛ لأنه ينقل النقاش من الحديث عن أهمية صناع المحتوى إلى الإشكاليات القانونية التي تواجههم بالفعل»، لافتاً إلى ضرورة التفرقة بين «تنظيم صناعة المحتوى وتجريم بعض الممارسات، فمن حق المجتمع أن تكون هناك ضوابط تحمي الخصوصية وتواجه التشهير والتحريض والمخالفات القانونية، لكن ينبغي أن تكون هذه الضوابط واضحة بالدستور والقانون، ولا خلاف عليها، وألا يصبح الاختلاف مع طبيعة المحتوى أو عدم استحسانه سبباً كافياً للعقاب».

وعادة ما تشير بيانات وزارة الداخلية عن صُناع المحتوى الموقوفين أنهم «اعترفوا بنشر هذه المقاطع (المخالفة للقيم الأسرية) بهدف زيادة نسب المشاهدة وتحقيق أرباح مالية».

وقال نادي: «الأمر يستحق نقاشاً مجتمعياً توافقياً عبر دراسة قانونية، لأن وضوح المصطلحات يساعد صانع المحتوى على معرفة حقوقه والتزاماته، ويحد من تفاوت التفسيرات».


لماذا تتعقد محاولات تفكيك الميليشيات في غرب ليبيا؟

الدبيبة خلال لقاء مع قادة قبليين وزعماء ميليشيات من الزاوية بمصراتة الشهر الماضي (حكومة الوحدة الليبية)
الدبيبة خلال لقاء مع قادة قبليين وزعماء ميليشيات من الزاوية بمصراتة الشهر الماضي (حكومة الوحدة الليبية)
TT

لماذا تتعقد محاولات تفكيك الميليشيات في غرب ليبيا؟

الدبيبة خلال لقاء مع قادة قبليين وزعماء ميليشيات من الزاوية بمصراتة الشهر الماضي (حكومة الوحدة الليبية)
الدبيبة خلال لقاء مع قادة قبليين وزعماء ميليشيات من الزاوية بمصراتة الشهر الماضي (حكومة الوحدة الليبية)

بعد أكثر من 15 عاماً على انتشار الميليشيات في غرب ليبيا، تبدو محاولات تفكيكها وإنهاء نفوذها أمام معادلة أكثر تعقيداً من مجرد نزع السلاح أو حل تشكيلات بعينها؛ فقد نجحت الحكومات الليبية المتعاقبة في إدماج أعداد كبيرة من عناصر هذه المجموعات في مؤسسات الدولة، وتوفير مصادر تمويل رسمية لها، لكنها لم تتمكن من إنهاء استقلالية القرار والسلاح لدى كثير منها.

ومع تحول الملف الأمني إلى ما يشبه «الحلقة المفرغة» في عدد من مدن غرب ليبيا، يبرز تساؤل حول ما إذا كان تفكيك الميليشيات أصبح هدفاً تجاوزته الوقائع على الأرض ودخل مرحلة «اللاعودة» أم أن نفوذها لا يزال قابلاً لإعادة التنظيم والاحتواء وصولاً إلى إنهائه؟

وتبرز مدينة الزاوية مثالاً واضحاً على هذه المعضلة، مع تكرر الاشتباكات بين مجموعات مسلحة فيها؛ ما دفع رئيس حكومة الوحدة الوطنية «المؤقتة» عبد الحميد الدبيبة إلى عقد لقاءين، الشهر الماضي، مع قيادات مسلحة، مع الدعوة لوقف الاقتتال «فوراً ونهائياً» والالتزام بالانضباطية العسكرية.

وتعكس علاقة الدبيبة بمجموعات الزاوية، كما هو الحال في مدن أخرى من الغرب الليبي، مقاربة براغماتية قائمة على المصالح المتبادلة، إذ استفادت حكومته من ثقل بعضها العسكري، مقابل دمج عناصر وقيادات في أجهزة الدولة، وتوفير الدعم والغطاء الرسمي لها، بحسب مراقبين.

لكن المراقبين يؤكدون أن هذا التفاهم يظل عرضة للتراجع عندما تتعارض مصالح الحكومة مع حسابات الميليشيات، أو تتجدد المنافسة على النفوذ والموارد، بما يكشف حدود سياسة الاحتواء وصعوبة الانتقال من استيعاب هذه التشكيلات إلى تفكيكها.

ولا يرى «المركز الليبي للدراسات الأمنية والعسكرية» أن مشهد الميليشيات في غرب ليبيا دخل مرحلة «اللاعودة»، لكنه يشير في الوقت نفسه إلى أن المعضلة الأساسية تكمن في أن هذه المجموعات «دخلت بالفعل في منظومة الدولة، وأصبح لها حضور داخل مؤسسات اقتصادية وسياسية وعسكرية وأمنية».

ويقول مدير المركز، شريف بوفردة، لـ«الشرق الأوسط» إن عدداً من عناصر هذه التشكيلات «اكتسب شرعية رسمية من خلال الانضمام إلى مؤسسات أمنية أو عسكرية والحصول على مرتبات من الدولة».

من مخلفات اشتباكات الميليشيات المسلحة في طرابلس (أ.ف.ب)

وهذا التشابك، وفق بوفردة، «جعل معالجة الملف أكثر صعوبة، إذ لم تعد الميليشيات كيانات منفصلة بالكامل عن الدولة، وإنما أصبحت، في بعض الحالات، جزءاً من بنيتها ومصالحها وشبكاتها الاقتصادية».

ويعتقد الباحث المتخصص في الشؤون الأمنية إبراهيم الأصيفر أن المشكلة لا تتعلق بشرعنة السلاح وحدها، وإنما أيضاً بـ«شبكات النفوذ والمصالح والارتباطات المحلية التي نشأت خلال سنوات الانقسام ومع تعاقب الحكومات».

ومن هنا، تراوحت سياسة حكومة «الوحدة» خلال السنوات الأخيرة بين احتواء مجموعات مسلحة ومواجهة أخرى، من بينها جهازا «دعم الاستقرار» و«الردع» في طرابلس، من دون إنهاء دور القوى المسلحة في المشهدين الأمني والسياسي.

ويشير الأصيفر خلال حديثه لـ«الشرق الأوسط» إلى أن الدولة استطاعت خلال السنوات الماضية احتواء جزء كبير من هذه التشكيلات، وربط بعضها بمؤسسات رسمية، لكن ذلك لم يؤدِّ حتى الآن إلى إنهاء استقلالية القرار والسلاح لدى جميع المجموعات.

كما يرى أن لقاءات الحكومة مع قيادات الميليشيات، ومنها اللقاء الأخير في الزاوية، تعكس سياسة تقوم على «الاحتواء ومنع التصعيد والحفاظ على الاستقرار»، لكنه يرى أن هذا النهج «لا يمكن أن يكون بديلاً دائماً عن بناء مؤسسة أمنية وعسكرية موحدة».

قادة ميليشيات من الزاوية خلال ملتقى اجتماعي في مصراتة الشهر الماضي (حكومة الوحدة)

وكان الدبيبة قد أطلق قبل أكثر من عام عملية عسكرية ضد ما وصفه بـ«عصابات التهريب» في الزاوية، قبل أن تنتهي العملية من دون حسم واضح، ليعود لاحقاً إلى سياسة التهدئة، وفتح قنوات التواصل مع مجموعات مسلحة. ورغم ذلك، عاد في يوليو (تموز) الماضي إلى الحديث عن تفكيك الميليشيات.

ولا يغيب العامل الخارجي عن المشهد؛ إذ يقول بوفردة إن «هناك أطرافاً دولية تتعامل مع بعض التشكيلات المسلحة وفقاً لمصالحها على الأرض»، مشيراً إلى مجموعات في الزاوية وغرب طرابلس يقول إنها «تنشط في تهريب البشر والمهاجرين».

ومع ذلك، فإنه يستبعد تحول الميليشيات إلى أمر واقع دائم، مستشهداً بانتهاء دور تشكيلات سابقة مثل «ثوار طرابلس» و«القعقاع»، وتحجيم دور «جهاز دعم الاستقرار» بعد مقتل قائده عبد الغني الككلي، المعروف بـ«غنيوة»، في مايو (أيار) 2025. ويرى أن ارتباط كثير من التشكيلات بقياداتها «يجعل فقدان القائد عاملاً قد يؤدي إلى تفكك التشكيل نفسه».

عناصر من ميليشيات تابعة لحكومة «الوحدة» في عملية لتعزيز الأمن بطرابلس (رويترز)

في المقابل، يرى الأصيفر أن تفكيك هذه المجموعات لا يحتاج إلى مواجهة عسكرية جديدة، وإنما إلى عملية تدريجية تشمل «إعادة التنظيم والدمج» وضبط التمويل والقرار الأمني، محذراً من أن استخدام القوة وحدها «قد يؤدي إلى إعادة إنتاج المشكلة في شكل آخر».

ويقترح تحويل الميليشيات «من مراكز قوة مستقلة إلى جزء من الدولة»، عبر مشروع واضح يجعل حاملي السلاح جزءاً من مؤسسة رسمية واحدة «وفق قانون واحد وقيادة واحدة».

أما بوفردة فيرى أن تفكيك نفوذ هذه المجموعات يتطلب رفع الغطاء الرسمي عنها، وتجفيف مصادر التمويل الحكومي، وتفعيل الرقابة والتحقيق في الجرائم، إلى جانب دور دولي من خلال مجلس الأمن والمحكمة الجنائية الدولية، وفرض عقوبات على المعرقلين.


مصر تلوح باتفاقية الدفاع المشترك لعدم تجاوز «الخطوط الحمراء» في السودان

جانب من الجولة الثالثة لمشاورات آلية (2+2) الاثنين لوزراء الخارجية والري في مصر والسودان (صفحة وزارة الخارجية على «فيسبوك»)
جانب من الجولة الثالثة لمشاورات آلية (2+2) الاثنين لوزراء الخارجية والري في مصر والسودان (صفحة وزارة الخارجية على «فيسبوك»)
TT

مصر تلوح باتفاقية الدفاع المشترك لعدم تجاوز «الخطوط الحمراء» في السودان

جانب من الجولة الثالثة لمشاورات آلية (2+2) الاثنين لوزراء الخارجية والري في مصر والسودان (صفحة وزارة الخارجية على «فيسبوك»)
جانب من الجولة الثالثة لمشاورات آلية (2+2) الاثنين لوزراء الخارجية والري في مصر والسودان (صفحة وزارة الخارجية على «فيسبوك»)

احتضنت القاهرة اجتماعاً رباعياً مصرياً - سودانياً برئاسة وزراء الخارجية والري بالبلدين، وسط توترات مع إثيوبيا غداة شكوى تقدمت بها الخرطوم ضد أديس أبابا بعد اتهامها باستهداف أراضيها بالمُسيرات دعماً لقوات «الدعم السريع».

ويحمل الاجتماع رسائل مصرية - سودانية عديدة، بحسب خبراء تحدثوا لـ«الشرق الأوسط»، أبرزها استمرار التنسيق والشراكة بعد أسابيع من حادثة حدودية، وتوجيه رسالة لإثيوبيا لوقف الاعتداءات على السيادة السودانية أو حقوق المياه بالنسبة للقاهرة والخرطوم.

ويعد ذلك أرفع اجتماع بين البلدين منذ أزمة مقتل عدد من المُعدِّنين السودانيين، الذين يُطلق عليهم «الدهابة»، بالمنطقة الحدودية بين مصر والسودان منتصف أكتوبر (تشرين الأول) الماضي.

ووفق بيان مشترك، الاثنين، فإن «أواصر البلدين تضرب في جذور التاريخ مُحصنة تماماً ضد أي محاولات خبيثة واهية تسعي للإيقاع بين أبناء وادي النيل». وحذر البيان من «الانجرار خلف دعاة الفتنة الذين يسعون لبث السموم في العلاقات الأزلية».

والأحد، قالت الخرطوم إنها تقدمت بشكوى ضد إثيوبيا أمام مجلس الأمن الدولي ومجلس السلم والأمن الأفريقي، على خلفية ما وصفته بـ«الاعتداء السافر» على مرافق مدنية بطائرات مسيرة انطلقت من الأراضي الإثيوبية، بحسب بيان لوزارة الخارجية السودانية.

وتتهم الخرطوم أديس أبابا بالوقوف إلى جانب «قوات الدعم السريع»، في حين تتهم إثيوبيا السودان بدعم متمردي إقليم تيغراي.

وكان مجلس السيادة الانتقالي في السودان الذي يرأسه قائد الجيش عبد الفتاح البرهان قد قال إن «أكثر من 180 طائرة مسيرة هاجمت السودان خلال العام الحالي انطلقت من داخل الأراضي الإثيوبية»، وفق ما نقلته «وكالة الصحافة الفرنسية»، الاثنين.

ووفق بيان مشترك نقلته وزارة الخارجية المصرية، الاثنين، عقد وزراء الخارجية والري بالبلدين، بدر عبد العاطي وهاني سويلم من مصر، ومحيي الدين سالم وعصمت قرشي من السودان، اجتماعاً تناول سُبل تطوير العلاقات في شتى المجالات السياسية والاقتصادية والمائية والثقافية والاجتماعية والإنسانية.

ويمثل هذا الاجتماع الجولة الثالثة لاجتماعات آلية «2+2» التشاورية لوزراء الخارجية والري، وسبقته الجولة الثانية في سبتمبر (أيلول) 2025، في حين عُقدت الجولة الأولى في الشهر نفسه.

وزير الخارجية المصري خلال استقبال نظيره السوداني بالقاهرة الاثنين (صفحة وزارة الخارجية على «فيسبوك»)

ويرى نائب رئيس «المجلس المصري للشؤون الأفريقية»، السفير صلاح حليمة، أن الاجتماع الرباعي «يكتسب أهمية بالغة في توقيت استثنائي، لا سيما أنه يعقب تحركات سودانية رسمية ضد إثيوبيا».

بينما يعتقد خبير الشؤون الأفريقية بـ«المركز القومي لدراسات الشرق الأوسط»، حسين البحيري، أن الاجتماع يهدف إلى إيصال مجموعة من الرسائل السياسية المهمة، أولاها «التأكيد على استمرار التنسيق المصري - السوداني على المستوى السياسي والدبلوماسي، خصوصاً فيما يتعلق بملف المياه، ورفض السياسات والممارسات العدائية الإثيوبية أحادية الجانب في ملف النيل».

ويرى البحيري أن الاجتماع يحمل رسائل للداخل السوداني تتمثل في «محورية الدعم السياسي والاقتصادي والأمني المصري للأشقاء في السودان».

وشددت مصر والسودان على رفضهما أي تهديد لوحدة وسلامة السودان، و«عزمهما على تعزيز التنسيق المشترك من أجل استعادة الاستقرار في السودان».

وأكدت مصر «الرفض القاطع لإنشاء أي كيانات موازية أو الاعتراف بها على أساس أن ذلك يمس وحدة السودان وسلامة أراضيه»، كما أكدت استعدادها الكامل «لاتخاذ جميع التدابير والإجراءات اللازمة التي يكفلها القانون الدولي واتفاقية الدفاع المشترك بين البلدين الشقيقين لدعم السودان، وضمان عدم المساس بهذه الخطوط الحمراء أو تجاوزها.

واستعرض الجانبان التطورات في ملف نهر النيل، وشددا على «ترابط الأمن المائي السوداني والمصري كجسم واحد لا يتجزأ»، واتفقا على ضرورة الدفاع عن الأمن المائي لدولتي مصب نهر النيل.

واتفق الجانبان على أن السد الإثيوبي «يترتب عنه آثار جسيمة، ويمثل تهديداً مستمراً لدولتي مصب نهر النيل»، وطالبا إثيوبيا بتغيير سياستها الأحادية واستعادة التعاون.

توقيع مذكرة تفاهم بين مصر والسودان الاثنين لتنفيذ مشروعات تنموية في الموارد المائية (صفحة وزارة الخارجية على «فيسبوك»)

وجرت مفاوضات بين القاهرة والخرطوم وأديس أبابا على مدى عقد تقريباً بشأن «سد النهضة» الإثيوبي، ثم تجمدت 3 أعوام قبل استئنافها في 2023. وتجمدت المفاوضات مجدَّداً في 2024، وسط رفض إثيوبيا إبرام اتفاق، وتأكيدها أنها لا تضر بمصر ولا السودان، دولتَي المصب.

وبالنسبة للبحر الأحمر، أكدت مصر والسودان «ضرورة احترام مبدأ حرية الملاحة»، وأن حوكمة البحر الأحمر مسؤولية حصرية لدوله المشاطئة وفقاً لقواعد القانون الدولي.

وشدد البلدان على الرفض التام لأي نفاذ بحري لأي دولة غير مشاطئة للبحر الأحمر على حساب سيادة الدول المشاطئة ووحدتها وسلامة أراضيها وموانيها، ورفض أي محاولات لاستغلال الأوضاع الإقليمية لعسكرة البحر الأحمر أو اتخاذ إجراءات أحادية تمس سيادة ووحدة أراضي دول الإقليم.

وزير الخارجية المصري يلتقي نظيره السوداني الاثنين (صفحة وزارة الخارجية على «فيسبوك»)

ويرتكز الاجتماع على مسارين رئيسيين متكاملين بحسب حليمة «أولهما الملف الأمني والعسكري ومواجهة التهديدات الإثيوبية والاعتداءات المستمرة التي تمس السيادة السودانية بدعم الأطراف المناوئة للدولة».

وقال: «يأتي الملف المائي والجيوسياسي (النيل والبحر الأحمر) كمسار ثانٍ بهدف تنسيق المواقف المشتركة حيال ملف مياه النيل، فضلاً عن رفض الأطماع والادعاءات الإثيوبية الأحادية والباطلة بشأن السعي للتواجد على البحر الأحمر بالقوة المسلحة».

وأشار إلى أن التقارب المصري - السوداني وصل إلى مستوى متقدم من التطابق والتشابه والتماثل في المواقف والتوجهات والإجراءات الاستراتيجية.

من جهته، قال البحيري إن مصر «رقم مهم في معادلة توازنات القوى بمنطقة شرق أفريقيا، ولا يمكن عقد أي ترتيبات أو مفاوضات تخص الأزمة السودانية دون المشاركة المصرية في هذه المفاوضات».

وأضاف: «الاجتماعات المصرية - السودانية رسالة مهمة بأن هناك تنسيقاً مصرياً - سودانياً ضد التوجهات الإثيوبية، مع ترجيح أن تقوم الدولتان بتحركات دبلوماسية مكثفة خلال الفترة المقبلة على جميع المستويات الإقليمية والدولية للتأكيد على حقوقهما في مياه نهر النيل من جهة، ورفض التدخلات الإثيوبية في الصراع السوداني وتأجيجه من جهة أخرى».