ما تأثيرات اعتراف نتنياهو بـ«أرض الصومال» على الصراع بين إسرائيل والحوثيين؟

نتنياهو خلال توقيع الاعتراف... ويهاتف رئيس أرض الصومال (الحكومة الإسرائيلية)
نتنياهو خلال توقيع الاعتراف... ويهاتف رئيس أرض الصومال (الحكومة الإسرائيلية)
TT

ما تأثيرات اعتراف نتنياهو بـ«أرض الصومال» على الصراع بين إسرائيل والحوثيين؟

نتنياهو خلال توقيع الاعتراف... ويهاتف رئيس أرض الصومال (الحكومة الإسرائيلية)
نتنياهو خلال توقيع الاعتراف... ويهاتف رئيس أرض الصومال (الحكومة الإسرائيلية)

في خطوة لافتة تحمل أبعاداً تتجاوز بعدها الدبلوماسي، جاء اعتراف رئيس الوزراء الإسرائيلي، بنيامين نتنياهو، بـ«جمهورية أرض الصومال» دولة مستقلة وذات سيادة، ليُشعل تساؤلات واسعة حول توقيته ودلالاته، خاصة في ظل الصراع المحتدم بين إسرائيل وجماعة الحوثي، والتوتر المتصاعد في البحر الأحمر.

هذا الاعتراف، الأول من نوعه على هذا المستوى، عدّه محللون في حديث لـ«الشرق الأوسط»، رسالة ضغط مباشرة وطوقاً دبلوماسياً على رقاب الحوثيين، ومحاولة لإعادة رسم خرائط النفوذ قرب واحد من أكثر الممرات البحرية حساسية في العالم، وسط تباين في تقدير مآلاته بين من يحذّر من ترتيبات أمنية وعسكرية جديدة، ومن «يقلّل من فرص تحول الخطوة إلى مواجهة مفتوحة».

وأرض الصومال هو إقليم أعلن استقلاله من جانب واحد 1991، ولم تعترف به أي دولة، وتعارض الحكومة الصومالية مطلب استقلال أرض الصومال عنها، وعلى مدار عام 2024، نشبت أزمة بين أديس أبابا ومقديشو بسبب مساعي إثيوبيا لإبرام اتفاق للوجود على المنفذ البحري لأرض الصومال، وسط رفض مصري وعربي، وتدخلت تركيا بوساطة لإيقاف إثيوبيا عن هذا المسار.

تطويق للحوثيين

ويُعد أرض الصومال منطقة جوار لليمن، حيث تقع على الضفة المقابلة لخليج عدن، وتطل على مضيق باب المندب، وهو ممر مائي عالمي حيوي لعبور الملاحة الدولية بين آسيا وأوروبا، وهذا الممر شهد هجمات صاروخية وطائرات دون طيار من الحوثيين في السنوات الأخيرة، مما أثر على التجارة العالمية وأمن الملاحة، وفق ما يرى المحلل السياسي الصومالي، عبد الولي جامع بري، مؤكداً أن الاعتراف مهم وله دلالات.

ويعطي الاعتراف إسرائيل «طوقاً دبلوماسياً في موقع جغرافي يمكن أن يكون بديلاً أو مكملاً لعملياتها في البحر الأحمر، خصوصاً إذا زاد الحوثيون هجماتهم على سفن أو طرق الملاحة»، وفق تقدير بري، موضحاً أن «إسرائيل ترى ذلك ليس فقط فرصة دبلوماسية، بل ركيزة استراتيجية لمراقبة الممرات المائية والإسهام في أمنها، وتعزيز تموضعها ضد النفوذ الإيراني والحوثي والضغط عليهما وتقليل قدرة الحوثيين على تهديد المصالح البحرية الإسرائيلية».

ويؤكد الباحث اليمني، أشرف المنش، ذلك، موضحاً أن اعتراف نتنياهو يأتي في سياق بحث إسرائيل عن قاعدة عسكرية قبالة اليمن لمواجهة ميليشيات الحوثي واعتراض تهديداتها لخطوط الملاحة، وذلك نظراً إلى تمتع «أرض الصومال» بموقع استثنائي يمتد على ساحل بطول 740 كيلومتراً على خليج عدن، وموقع استراتيجي عند نقطة التقاء المحيط الهندي مع البحر الأحمر في منطقة القرن الأفريقي.

ويرى مراقبون أن الاعتراف الإسرائيلي بـ«أرض الصومال» سيكون له تأثير على باب المندب، وقد يقيّد أي إمدادات تأتي إلى الحوثيين، لكن في المقام الأول سيهدد الملاحة والأمن في البحر الأحمر وسيزيد التوتر.

رئيس أرض الصومال يهاتف نتنياهو خلال التوقيع (الحكومة الإسرائيلية)

وتسعى إسرائيل لخلق ما يشبه «كماشة» أمنية لمحاصرة النشاط العسكري الحوثي من جهة الشرق الأفريقي، وذلك بعد تحول السواحل الصومالية قبالة اليمن إلى نقاط تهريب نشطة للحوثيين ساعدهم في ذلك تحالفهم الوثيق مع «حركة الشباب الإرهابية» برعاية من «الحرس الثوري» الإيراني، وفق الخبير اليمني أشرف المنش.

ويعتقد رئيس مركز «جهود للدراسات» في اليمن، عبد الستار الشميري، أن الاعتراف من إسرائيل محاولة لوجود أكبر في القرن الأفريقي والبحر الأحمر، والتموضع على ضفة القرن الأفريقي من خلال أرض الصومال وأيضاً الضفة اليمنية من خلال مهاجمة الحوثيين، وهذا سينعكس سلبياً على البحر الأحمر.

في المقابل، قلّل المحلل السياسي من أرض الصومال، عبد الكريم صالح، من المخاوف من العلاقات بين هرغيسا وتل أبيب، مؤكداً أن الاعتراف لن يؤثر على الصراع مع الحوثيين؛ إذ تربط إسرائيل علاقات دبلوماسية بالعديد من الدول العربية والإسلامية والدولية ولم يحقق ذلك شيئاً، مؤكداً أن الاعتراف مهم في سلسلة الاعترافات الدولية ليس أكثر من ذلك.

ورغم أن الضربات الإسرائيلية ضد الحوثيين بدأت في يوليو (تموز) 2024، فإن عام 2025 شهد زخماً أكبر من الاستهداف في عام 2025، بـ14 استهدافاً على الأقل، وقصف متكرر لميناء الحديدة، قبل الهجوم الكبير الذي استهدف حكومة الحوثي وقيادات عسكرية بارزة لديها في أغسطس (آب) الماضي.

إنشاء القواعد

وفي ضوء ذلك الاعتراف وهذا التصعيد الإسرائيلي ضد الحوثيين، لا يستبعد بري أن يتم احتمالات تعاون أمني، وبحث أفكار حول قاعدة أو تعاون عسكري في المستقبل، وهو بمثابة جزء من استراتيجية مواجهة تهديدات الحوثيين.

ويخلص إلى أن وجود عسكري إسرائيلي طويل المدى في أرض الصومال ليس مؤكداً اليوم، لكن القاعدة قد تتوسع إلى تعاون أمني أقوى إذا رأى الطرفان فائدة استراتيجية من ذلك، خصوصًا في مواجهة الحوثيين مقابل زخم الاعترافات.

وعن توقعاته لردود فعل الحوثيين، يعتقد بري أن التهديدات والهجمات من الحوثيين قد تتصاعد بوصفها رد فعل على أي شكل من أشكال وجود عسكري أو تعاون أمني مع إسرائيل قرب السواحل اليمنية، مستدركاً: «لكن حتى الآن، لا توجد مؤشرات رسمية من الحوثيين على كيفية ردهم مباشرة على الاعتراف الصوري فقط الذي لم يشمل التوسيع العسكري بإقليم مثل أرض الصومال».

بنيامين نتنياهو خلال التوقيع (الحكومة الإسرائيلية)

ولا يستبعد أشرف المنش أيضاً -في ضوء التقاء المصالح بين إقليم أرض الصومال الساعي للحصول على اعتراف دولي وإسرائيل- أن تتجه المصالح الإسرائيلية إلى بناء منشأة عسكرية واستخباراتية لـ«تعزيز العمق الاستراتيجي» في القرن الأفريقي.

بينما يؤكد مراقبون أن وجود إسرائيل في الإقليم الانفصالي سيترتب عليه وجود عسكري لا محالة، لأن أي علاقات تسمح بمذكرات تفاهم تشمل نشر قواعد عسكرية وما شابه.

في المقابل، يرى عبد الكريم صالح أن المحادثات والوثائق المتبادلة بين الجانبين لم تتطرق إلى أي مسائل عسكرية. وأفاد مكتب رئيس الوزراء الإسرائيلي بأنهم سيتعاونون بشكل مكثف مع أرض الصومال في مجالات الزراعة والصحة والتكنولوجيا والاقتصاد، دون أي حديث عن تعاون عسكري أو استخباراتي.

وبعد شائعات نفاها إقليم أرض الصومال في 2025، بشأن أن يكون الإقليم إحدى البقاع التي تستقبل الفلسطينيين من غزة، قال وزير الخارجية الإسرائيلي، جدعون ساعر، في حسابه على منصة «إكس»، الجمعة، إنه خلال العام الماضي، وعلى أساس حوار شامل ومتواصل تشكّلت العلاقات بين إسرائيل وأرض الصومال. وأضاف: «عقب قرار رئيس حكومة إسرائيل بنيامين نتنياهو، ورئيس جمهورية أرض الصومال عبد الرحمن محمد عبد الله، وقّعنا على اعتراف متبادل وإقامة علاقات دبلوماسية كاملة، تشمل أيضاً تعيين سفراء وافتتاح سفارات»، مؤكداً أن إسرائيل ستكثّف التعاون مع أرض الصومال في مجالات الاقتصاد والتكنولوجيا والزراعة والصحة.


مقالات ذات صلة

جيبوتي تحت ضغوط «اضطرابات الجوار»

العالم العربي وزير خارجية جيبوتي عبد القادر عمر يلقي كلمة بالجمعية العامة للأمم المتحدة (وكالة أنباء جيبوتي)

جيبوتي تحت ضغوط «اضطرابات الجوار»

وجدت جيبوتي نفسها تحت وطأة تدفق آلاف الفارين من جحيم النزاعات وسط تصاعد الأزمات في دول الجوار، لا سيما في إثيوبيا واليمن.

محمد محمود (القاهرة)
العالم أعضاء من «جبهة تحرير تيغراي» يسيرون على طريق رئيسي في ميكيلي عاصمة الإقليم (أ.ف.ب)

الدعوات الدولية لوقف اضطرابات إثيوبيا... هل تقود لوساطة جديدة؟

تتواصل المعارك بين الحكومة وجبهة تيغراي لليوم الخامس بحسب وسائل إعلام إثيوبي، وسط توالي الدعوات الإقليمية والدولية لوقف الاضطرابات والعودة لمسار الحوار.

محمد محمود (القاهرة )
شمال افريقيا رئيس الوزراء المصري مصطفى مدبولي خلال كلمته في الجمعية العامة للأمم المتحدة (مجلس الوزراء المصري)

«سد النهضة»: رسائل مصرية حازمة بالأمم المتحدة

رسائل مصرية جديدة بشأن أزمة «سد النهضة» الإثيوبي، ألقاها رئيس الوزراء مصطفى مدبولي، أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة.

محمد محمود (القاهرة )
خاص مسلحون في تيغراي خلال تسليم الأسلحة الخفيفة لقوات الدفاع الإثيوبية في وقت سابق (وكالة الأنباء الإثيوبية)

خاص مصدر مصري ينفي تدخل القاهرة في اضطرابات إثيوبيا

رفض مصدر مصري مطلع، السبت، محاولة زج قيادة الجيش الإثيوبي لمصر في الأزمة الجديدة التي تثار حالياً في تيغراي شمالي البلاد.

محمد الريس (القاهرة )
أفريقيا دبابة «تي 72» مدمَّرة على جانب الطريق خلال الاشتباكات بين الجيش الإثيوبي و«جبهة تحرير شعب تيغراي» 12 أكتوبر 2024 (أرشيفية - أ.ف.ب)

الحرب الإثيوبية تُعقّد طموحات آبي أحمد الإقليمية

تتسع دوائر الاضطراب داخل إثيوبيا، من «تيغراي» شمالاً إلى أمهرة وأوروميا، بينما تبدو تداعيات الأزمة أبعد من حدود الصراع الداخلي.

فتحية الدخاخني (القاهرة)

«نقاط تمركز» التشكيلات المسلحة تعيد التوتر إلى طرابلس الليبية

رئيس حكومة «الوحدة» الليبية عبد الحميد الدبيبة في اجتماع أمني سابق بطرابلس (مكتب الدبيبة)
رئيس حكومة «الوحدة» الليبية عبد الحميد الدبيبة في اجتماع أمني سابق بطرابلس (مكتب الدبيبة)
TT

«نقاط تمركز» التشكيلات المسلحة تعيد التوتر إلى طرابلس الليبية

رئيس حكومة «الوحدة» الليبية عبد الحميد الدبيبة في اجتماع أمني سابق بطرابلس (مكتب الدبيبة)
رئيس حكومة «الوحدة» الليبية عبد الحميد الدبيبة في اجتماع أمني سابق بطرابلس (مكتب الدبيبة)

عاد التوتر بين تشكيلات أمنية وعسكرية إلى العاصمة الليبية، مع خلاف حول الانتشار في «جزيرة القادسية» في وسط طرابلس، ليكشف أن خريطة الترتيبات الأمنية التي أعيد رسمها خلال العامين الماضيين لم تستقر بصورة نهائية رغم محاولات حكومة «الوحدة» المؤقتة، برئاسة عبد الحميد الدبيبة، إعادة تنظيم وجود القوى المسلحة والأجهزة الأمنية داخل العاصمة.

وأعلن «لواء المحجوب» الذي ينتمي إلى مصراتة في بيان، مساء السبت، انسحابه رفقة جهاز الشرطة القضائية من «جزيرة القادسية» في طرابلس، بانتظار اجتماع مع محمد بن غلبون، وزير الدولة لشؤون رئيس الحكومة، لتحديد النقاط الأمنية.

وقال اللواء إن الخلاف «أمني وليس شخصياً»، وإنه يستند إلى ترتيبات أمنية قال إنها تتيح لأي قوة مكلفة من وزير الدفاع التمركز في أي مكان وفقاً للترتيبات الأمنية المعتمدة.

ويأتي الإعلان وسط توتر بين القوتين حول الانتشار في الجزيرة، وهي منطقة شهدت في السابق احتكاكات بين تشكيلات أمنية مختلفة بسبب تضارب مناطق النفوذ والترتيبات الخاصة بالتمركز.

وسبق أن كانت «جزيرة القادسية» نقطة توتر بين تشكيلات مختلفة، بما في ذلك دخول قوات من «جهاز الأمن العام» التابعة لوزارة الداخلية إليها العام الماضي، وما أعقبه من تحركات لقوات أخرى لإعادة الانتشار في مناطق بالعاصمة.

ولا يعني الانسحاب المعلن من «جزيرة القادسية» تسوية نهائية للخلاف، إذ يبقى اجتماع الأطراف المعنية لتحديد ترتيبات الانتشار هو الاختبار التالي لمدى قدرة حكومة الدبيبة على منع تحول الخلافات بين القوى الأمنية إلى مواجهات جديدة.

«الخريطة الأمنية»

وكانت ترتيبات سابقة بين حكومة «الوحدة» و«جهاز الردع لمكافحة الإرهاب والجريمة المنظمة» المناوئ للدبيبة قد تضمنت إعادة انتشار قوات الجهاز في عدد من المواقع في طرابلس، بعد فترة من التوتر حول وضعه القانوني ومواقع انتشاره.

وفي يوليو (تموز) الماضي، صدرت تعليمات بإعادة «جهاز الردع» إلى عدد من تمركزاته السابقة في شرق ووسط العاصمة، في مؤشر يراه البعض يعيد رسم الخريطة الأمنية في طرابلس.

ومما يزيد من تعقيد المشهد تعدد الجهات التي تتولى مهام أمنية وعسكرية في العاصمة، بما فيها قوات تابعة لوزارتي الدفاع والداخلية، و«جهاز الردع»، والشرطة القضائية، وتشكيلات من مصراتة وغيرها، الأمر الذي يجعل أي خلاف حول نقطة انتشار قابلاً للتحول إلى مواجهة أوسع إذا لم تتم تسويته سياسياً وأمنياً.

وتحاول حكومة الدبيبة منذ اشتباكات العام الماضي إعادة تنظيم الخريطة الأمنية، لكنها لجأت في الوقت نفسه إلى أكثر من قوة لضمان الأمن، وهو ما أبقى مسألة التوازن بين التشكيلات قائمة. ويظهر ذلك بوضوح في «قوة إسناد مديرية أمن طرابلس»، التي جمعت في تشكيل واحد عناصر من أجهزة وقوات كانت لكل منها مناطق نفوذ وترتيبات مختلفة.

«لواء المحجوب»

و«لواء المحجوب» أحد التشكيلات المنحدرة من مدينة مصراتة، ويعمل ضمن إطار المنطقة العسكرية الوسطى، ويتميز بهيكل قيادي جماعي، بينما يتبع «جهاز الشرطة القضائية» رسمياً وزارة العدل بـ«الوحدة»، ويختص بحراسة المحاكم والسجون وتنفيذ الأحكام والأوامر القضائية ونقل السجناء.

ورغم صفته الرسمية، شهد الجهاز في السنوات الماضية تداخلات مع تشكيلات مسلحة أخرى، وتغيرات متكررة في قيادته ضمن صراعات النفوذ داخل العاصمة.

ويبرز «جهاز الردع لمكافحة الإرهاب والجريمة المنظمة» بوصفه أحد أقوى التشكيلات في طرابلس، ويقوده عبد الرؤوف كارة، ويتمركز بشكل أساسي في «مجمع معيتيقة» الذي يضم المطار المدني والقاعدة الجوية وسجناً رئيسياً في طرابلس.

ويتمتع الجهاز بنفوذ واسع ويحافظ على درجة عالية من الاستقلالية الميدانية، رغم ارتباطه الشكلي بالمجلس الرئاسي أو الحكومة في فترات مختلفة، حيث شهدت علاقته بحكومة الدبيبة توترات حادة العام الماضي، قبل أن تعود ترتيبات أمنية في يوليو 2026 بإعادة انتشار عناصره في عدد من مواقعه السابقة في شرق ووسط العاصمة.

إلى جانب هذه القوى، توجد تشكيلات أخرى مثل «اللواء 444 قتال» و«اللواء 111»، بالإضافة إلى وحدات من مصراتة ومدن غربية أخرى، وقوات تابعة لوزارتي الدفاع والداخلية.

ويعكس إعلان «لواء المحجوب» انسحابه من «جزيرة القادسية» بانتظار اجتماع لتحديد النقاط الأمنية، أن مسألة توزيع التمركزات لم تُحسم بصورة نهائية بين القوى الموجودة على الأرض، بينما تبقى قدرة الحكومة على فرض ترتيبات موحدة ومنع تحول الخلافات إلى اشتباكات مفتوحة، هي التحدي الأكبر أمام استقرار العاصمة في المرحلة المقبلة.


البرهان يتحدى واشنطن بعد رفض تأشيرته

البرهان يحيي تجمعاً شبابياً في «استاد الخرطوم» (إعلام مجلس السيادة)
البرهان يحيي تجمعاً شبابياً في «استاد الخرطوم» (إعلام مجلس السيادة)
TT

البرهان يتحدى واشنطن بعد رفض تأشيرته

البرهان يحيي تجمعاً شبابياً في «استاد الخرطوم» (إعلام مجلس السيادة)
البرهان يحيي تجمعاً شبابياً في «استاد الخرطوم» (إعلام مجلس السيادة)

أبدى رئيس «مجلس السيادة» وقائد الجيش السوداني عبد الفتاح البرهان رفضه لما وصفه بـ«الابتزاز»، معلناً عدم رغبته في الحصول على أي تأشيرة سفر، وبقاءه داخل السودان، وذلك في إشارة إلى قرار الولايات المتحدة عدم منحه تأشيرة دخول إلى أراضيها للمشاركة في اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة، الأسبوع الماضي.

وكان البرهان يعتزم قيادة وفد بلاده إلى الدورة الحادية والثمانين للجمعية العامة للأمم المتحدة وإلقاء كلمة في المناقشة العامة في 24 سبتمبر (أيلول) الحالي، إلا أن الولايات المتحدة رفضت منحه تأشيرة دخول.

وكانت وكالة «رويترز» قد نقلت عن مصادر قولها إن إصدار التأشيرة الأميركية كان مرهوناً بموافقة البرهان على هدنة إنسانية اقترحتها واشنطن لمدة 90 يوماً في الحرب الأهلية الدائرة بين الجيش و«قوات الدعم السريع» منذ أبريل (نيسان) 2023.

وقدّم خطة الهدنة مسعد بولس، كبير مستشاري الرئيس الأميركي دونالد ترمب للشؤون العربية والأفريقية، لكن البرهان رفضها وتعهد بمواصلة الحرب.

وبلهجة تصعيدية أثناء مخاطبته تجمعاً شبابياً في الخرطوم لدعم القطاع الصحي في البلاد، وجّه البرهان رسالة تحدٍّ لواشنطن على عدم منحه تأشيرة دخول، بقوله: «لا نريد تأشيرة من أي دولة، ولا نريد إذناً من أحد.. ولن نتراجع ولن ننحني ولن نساوم».

وأغلق البرهان الباب أمام المقترحات الأميركية الرامية لإقرار هدنة إنسانية غير مشروطة، وشدد على أن السودان لن يخضع للابتزاز أو الضغوط السياسية الخارجية، مبدياً زهده في المشاركات الخارجية بقوله: «نحيا ونموت في بلادنا، ولن نترك أحداً يبتزنا، ولا يوجد من يخيفنا».

من جانبه، قال سفير السودان في واشنطن، محمد عبد الله إدريس، إن جواز سفر البرهان لا يزال لدى السفارة الأميركية في القاهرة، في حين طلب مندوب السودان لدى الأمم المتحدة تدخل الأمين العام لحسم الأمر. وأعلنت الأمم المتحدة حينها أنها أثارت المسألة مع السلطات الأميركية.

مبادرة تبادل الأسرى

البرهان مستقبِلاً المبعوث الشخصي للأمين العام للأمم المتحدة إلى السودان بيكا هافيستو (إعلام مجلس السيادة)

وبموازاة ذلك، كشف مبعوث الأمين العام للأمم المتحدة إلى السودان، بيكا هافيستو، عن مباحثات مع طرفَي الحرب الأهلية في السودان بشأن تبادل الأسرى والإفراج عن المحتجزين المدنيين، واصفاً ذلك بأنه خطوة لبناء الثقة بين الجيش و«قوات الدعم السريع».

وقال هافيستو إنه بحث مع الجانبين قضية المحتجزين المدنيين وإمكان تبادل الأسرى. وأضاف، في مقابلة مع إعلام الأمم المتحدة، أن كلا الطرفين أنشأ آلية لمناقشة هذه الملفات مع الأمم المتحدة، معتبراً ذلك تحركاً أولياً، وليس إعلاناً عن اتفاق على تبادل الأسرى.

وأوضح أن طرفَي الحرب ما زالا يسعيان إلى تحقيق مكاسب عسكرية لتعزيز موقفَيهما قبل التفاوض، وأنهما غير مستعدين للجلوس إلى طاولة واحدة.

وفي المقابل، جدّد البرهان تعهده بمواصلة القتال ضد «قوات الدعم السريع»، قائلاً إن الجيش سيواصل تقدمه ليصل إلى إقليم دارفور في غرب السودان الذي تسيطر عليه «قوات الدعم السريع». وجدّد البرهان التعهد بمواصلة العمليات العسكرية «حتى القضاء الكامل على الميليشيات المتمردة وتطهير كافة الأراضي السودانية»، في إشارة إلى «قوات الدعم السريع».

نزع الشرعية

أرشيفية لقائد الجيش عبد الفتاح البرهان ومحمد حمدان دقلو (حميدتي) قائد «قوات الدعم السريع» (أ.ف.ب)

وكانت الولايات المتحدة قد انتقدت، يوم الثلاثاء الماضي، غياب سلطة «شرعية» في السودان، معتبرة أن القوتين العسكريتين المتنافستين لم تقدما التزامات جدية لإنهاء الحرب في البلاد.

وقال المتحدث باسم وزارة الخارجية الأميركية تومي بيغوت: «لا القوات المسلحة السودانية ولا (قوات الدعم السريع) ولا قياداتهما تمثل سلطة شرعية ودستورية في السودان؛ إذ إنها تحكم بقوة السلاح وحدها». وأضاف في بيان أن «سلوك قائدَي الفصيلين المتحاربين يجعلهما غير مؤهلين لحكم البلاد».

وتأتي أزمة التأشيرة الحالية بين السودان والولايات المتحدة بعدما واجهت الحكومة السودانية التي يقودها الجيش ضغوطاً أميركية في الأسابيع الماضية بشأن اتهامات وجّهتها واشنطن للجيش السوداني باستخدام أسلحة كيماوية خلال الحرب الجارية مرتين على الأقل في عام 2024. وكانت تقارير صحافية أميركية تحدثت في السادس من سبتمبر (أيلول) الحالي عن ملف يضم نحو 150 وثيقة وصورة ومقطع فيديو وتسجيلاً صوتياً يعزز الاتهامات الموجهة إلى الجيش بتطوير وإنتاج ذخائر كيماوية، واستخدامها خلال الحرب ضد «قوات الدعم السريع». كما بدأ في 20 يوليو (تموز) الماضي سريان عقوبات أميركية على السودان، بعد اتهام واشنطن الحكومة بعدم استيفاء الشروط المنصوص عليها في قانون مكافحة الأسلحة الكيماوية والبيولوجية خلال مهلة استمرت ثلاثة أشهر.


هجمات بالمسيّرات في ود مدني ونيالا بالسودان

شاحنة تمر بجوار دبابة في مدخل ود مدني بالسودان خلال فبراير 2025 (أ.ف.ب)
شاحنة تمر بجوار دبابة في مدخل ود مدني بالسودان خلال فبراير 2025 (أ.ف.ب)
TT

هجمات بالمسيّرات في ود مدني ونيالا بالسودان

شاحنة تمر بجوار دبابة في مدخل ود مدني بالسودان خلال فبراير 2025 (أ.ف.ب)
شاحنة تمر بجوار دبابة في مدخل ود مدني بالسودان خلال فبراير 2025 (أ.ف.ب)

استهدفت طائرة مسيّرة مستودعاً للنفط في مدينة ود مدني؛ عاصمة ولاية الجزيرة بالسودان، لأول مرة منذ سيطر الجيش على المدينة العام الماضي، وأعقب ذلك هجومٌ على نيالا في جنوب إقليم دارفور؛ معقل «قوات الدعم السريع».

ونقلت «وكالة الصحافة الفرنسية» عن شاهد قوله: «شهدنا صباح اليوم مسيّرة تقصف صهاريج البترول في مستودع أم عليلة» شرق ود مدني.

وكان بعض أجزاء المستودع، الذي يزود ولايات وسط السودان، احترق خلال سيطرة «قوات الدعم السريع» على الولاية الغنية بالموارد في وسط البلاد، قبل أن يُعاد تأهيله مؤخراً. وأفاد شاهد آخر بأن «النيران اشتعلت في المستودع»، وبأنه أمكنه رؤيتها على بعد 3 كيلومترات.

وإلى الغرب، في مدينة نيالا؛ عاصمة جنوب إقليم دارفور الذي يعدّ مركزاً لـ«قوات الدعم السريع»، وقع انفجاران بعد هجمات بطائرات مسيّرة. وقال شاهد: «سمعت صوت طائرة في الجو، وبعد قليل حدث انفجاران»، فيما أكد آخر سماع صوت انفجارين في وسط المدينة. وأفاد شاهد ثالث بأن الدخان: «ارتفع من وسط نيالا وأحاطت (قوات الدعم السريع) بالمنطقة وأغلقت الطرق حولها».

وتأتي الهجمات في ظل ضغط دولي متصاعد لوقف إطلاق النار بالسودان، مع تقديم واشنطن مقترحاً للأمم المتحدة لتوسيع نطاق حظر توريد الأسلحة المفروض على إقليم دارفور، ليشمل كامل البلاد. ويشمل المقترح إضافة الطائرات المسيّرة إلى قرار الحظر، وزيادة عدد مراقبي الأمم المتحدة.

وتهيمن الهجمات بالطائرات المسيّرة على مجريات المعارك، وقد أسفرت عن مقتل أكثر من 1100 شخص خلال النصف الأول من العام الحالي، وفقاً لبيانات الأمم المتحدة.