بعد لقاء ميستورا.. خوجة يدعو «النصرة» لفك ارتباطها بـ«القاعدة»

مصادر أردنية: معيار تصنيف الفصائل السورية المقاتلة على الأرض «قبولها بالعملية السياسية»

عناصر من «جيش الفتح» المعارض يجهزون لإطلاق قذيفة على قوات النظام في ريف اللاذقية (غيتي)
عناصر من «جيش الفتح» المعارض يجهزون لإطلاق قذيفة على قوات النظام في ريف اللاذقية (غيتي)
TT

بعد لقاء ميستورا.. خوجة يدعو «النصرة» لفك ارتباطها بـ«القاعدة»

عناصر من «جيش الفتح» المعارض يجهزون لإطلاق قذيفة على قوات النظام في ريف اللاذقية (غيتي)
عناصر من «جيش الفتح» المعارض يجهزون لإطلاق قذيفة على قوات النظام في ريف اللاذقية (غيتي)

حضر اتفاق وقف إطلاق النار الذي نص عليه بيان مؤتمر فيينا، والإشكاليات المرتبطة بـ«القوائم الإرهابية» المزمع تحضيرها من قبل روسيا والأردن، أمس، على طاولة اللقاء الذي جمع المبعوث الدولي إلى سوريا ستافان دي ميستورا، وممثلين عن الائتلاف الوطني السوري المعارض، بعد تجديد رئيسه خالد خوجة دعوته «جبهة النصرة» إلى فكّ ارتباطها بتنظيم القاعدة، وسط ترجيحات بأن تُحصر «المنظمات الإرهابية» التي تقاتل على الأراضي السورية بتنظيم «داعش» و«جبهة النصرة» و«جند الأقصى».
وناقش ممثلو الائتلاف مع دي ميستورا نقاطًا سياسية، وإشكاليات مرتبطة بالعملية السياسية وبيان مؤتمر فيينا، خلال اجتماع عقد في إسطنبول، أمس. وأوضح دي ميستورا أن ورقة فيينا اهتمت بعملية وقف إطلاق نار شامل مرتبط بعملية سياسية ذات مصداقية تساعد في القضاء على تنظيم داعش، مشيرًا إلى أن مجموعات العمل الأربع انتهت، وتحولت إلى «مشاورات سورية - سورية»، معتبرًا ذلك تحضيرًا لمفاوضات «جنيف - 3» اللاحقة.
وبحسب بيان صادر عن الائتلاف، شدد الأخير على أن بيان جنيف وقرار مجلس الأمن 2118 «هما المرجعية لورقة فيينا، وهو ما يتفق مع رؤية الائتلاف حول هيئة الحكم الانتقالية كاملة الصلاحيات بما فيها صلاحيات رئيس الجمهورية، وهذا ما يؤكد خلو المرحلة الانتقالية من نظام (الرئيس السوري بشار الأسد) وزمرته الحاكمة». ورحب أعضاء الهيئة السياسية بالدعوة لعقد مؤتمر للمعارضة السورية في الرياض، الذي سيعمل على توحيد رؤيتها في الحل السياسي ووضع استراتيجية لها في المرحلة المقبلة.
وأوضح عضو الائتلاف عبد الأحد أسطيفو الذي حضر في اللقاء، أن دي ميستورا «وضع الأطراف السورية بأجواء فيينا وآخر ورقة قدمت في المؤتمر»، مشيرًا في تصريح لـ«الشرق الأوسط» إلى أن الائتلاف «طرح مع المبعوث الدولي أيضًا قضية وقف إطلاق النار والهدن والمصالحات، وهو المشروع الذي سيقدم إلى مجلس الأمن متلازمًا مع إجراءات بناء الثقة والمسار السياسي». ولفت إلى أن «هذا الموضوع إشكالي، وخضنا نقاشًا مطولا للاستفسار عن تفاصيله»، مؤكدًا أن دي ميستورا «تحدث بشفافية ووضوح».
وأشار أسطيفو إلى أن قضية «تصنيف الفصائل على القوائم الإرهابية، تم شرحها مطولاً، على أعتاب مشاركة الأردن (المكلف بهذا الجانب بحسب وثيقة فيينا) في اجتماعات حول هذه المسألة الأسبوع المقبل، وعشية لقاء دي ميستورا مع الفصائل العسكرية التي تعقد» اليوم الثلاثاء.
وقال أسطيفو: «سألنا عن معايير ذلك التصنيف، كما تطرقنا إلى قضية إدراج المنظمات والميليشيات التي تقاتل إلى جانب النظام على قوائم الإرهاب»، كما «طرحنا أسئلة عن الموقف من فصائل ربما لن تلتزم بالمسار السياسي، أو ربما لا توافق على وقف إطلاق النار».
ويأتي طرح هذه القضية، بموازاة تأكيدات بأن الفصائل المرجح إدراجها على قوائم الإرهاب «هي تنظيم داعش والنصرة وجند الأقصى»، بحسب مصادر سوريا معارضة لـ«الشرق الأوسط». وبالموازاة، تحدثت مصادر واسعة الاطلاع لـ«الشرق الأوسط» عن توجه «لإنشاء كيان عسكري معارض، يستوعب أفرادًا يقاتلون الآن في صفوف منظمات وكيانات ربما ستُدرج على قوائم الإرهاب، مثل جبهة النصرة، ولا يصنف هؤلاء الأفراد المجبرون على القتال في صفوف تلك التنظيمات على أنهم إرهابيون».
وأوضح أسطيفو أن «فكرة استيعابهم في مظلة عسكرية معارضة غير متشددة، واردة، ذلك أن هناك الكثيرين من المغرر بهم أو المجبرين على القتال في صفوف تلك التنظيمات بحكم النفوذ الميداني لبعض التنظيمات»، مشيرًا إلى أن الأزمة «أنتجت تعصبًا دينيًا وقوميًا في سوريا»، لكنه شدد على أن الشعب السوري «وسطي وليس متطرفًا». وأشار إلى أن «المجتمع الدولي يتحمل قسمًا من مسؤولية توجه البعض نحو التشدد على خلفية الشعور بالخذلان الذي شعر به السوريون».
وكان رئيس الائتلاف خالد خوجة، جدد دعوته «جبهة النصرة» لفك ارتباطها عن تنظيم القاعدة، و«خاصة بعد إعلان الأخير تبنيه لتفجيرات مالي في وقت تمت فيه عمليات إرهابية في كل من تركيا وفرنسا ولبنان، داعيًا جميع الفصائل السورية لتبني المسار الوطني الذي بدأته الثورة، مؤكدًا أن الجيش السوري الحرّ يرفض الإرهاب بكل أشكاله».
وقالت مصادر في الائتلاف إن هذه الدعوة «موجهة إلى سوريين منخرطين في التنظيم، لأنهم ينضمون مجبرين أو مضللين، وليس من منطلقات عقائدية»، في وقت يستبعد خبراء أن يتم تخلي التنظيم عن «القاعدة».
وقال الباحث السوري في المنظمات المتشددة أحمد أبازيد لـ«الشرق الأوسط» إن الدعوة للانفصال «ليست الأولى، فقد صدرت دعوات سابقة عن الائتلاف والقائد السابق لحركة أحرار الشام أبو جابر، ودعيا (النصرة) للالتزام بالمهام الوطنية»، مشددًا على أن (النصرة) «من غير المحتمل أن تستجيب للدعوة، بدليل أن قادتها ردوا على تلك الدعوات في السابق. بالتأكيد، إن ارتباطهم بـ(القاعدة) غير قابل للفك». وأرجع أبازيد هذه العلاقة بين «القاعدة» وفرعه في سوريا إلى «قناعة آيديولوجية»، كما إلى «مخاوف من تسرب جزء من قاعدتهم القتالية إلى غريمهم (داعش)، إذا خسروا البُعد العالمي»، فضلاً عن «عدم قناعتهم بالمشاريع الأخرى ويرون أن مشروعهم يحتوي على الشرعية الجهادية الكبرى اليوم».
وقال أبازيد إن الائتلاف والفصائل العسكرية في سوريا «يرون أن الجزء الأكبر من مقاتلي (النصرة) هم سوريون، لذلك يحاولون أن تكون الجبهة بعيدة عن الاشتباك الدولي، خصوصًا وأنها جزء من القوات التي تقاتل في المناطق المحررة، وتربطها علاقات بسائر الفصائل الثورية في الميدان». وأشار إلى أن المعارضتين؛ السياسية والعسكرية، «تفضلان أن تتحول الجبهة إلى فصيل ثوري حتى لا تتحول إلى هدف لضربات التحالف الدولي لمحاربة الإرهاب».
وبينما تسربت معلومات عن أن حركة «أحرار الشام» ستكون ضمن الفصائل المدرجة على قائمة المنظمات الإرهابية، استبعد أبازيد ذلك، قائلاً إن «أحرار الشام غير مرتبطة بتنظيم القاعدة، وهي حركة محسوبة على النسيج العام للقاعدة الثورية السورية، وتحظى بدعم من محور إقليمي»، مضيفًا: «حتى لو قالت روسيا عنها إنها إرهابية، فإن هذا القرار سيلقى رفضًا على نطاق واسع في صفوف المعارضة السورية، على ضوء العلاقات الميدانية التي تربط الحركة بالفصائل العسكرية التي تقاتل (داعش) والنظام في سوريا، وتوفر لها الحماية من قرارات مشابهة».
وعلى الرغم من التكتم الشديد من قبل الدوائر الأردنية التي ستستضيف اجتماعا دوليا قريبا، حول آلية تصنيف المنظمات الإرهابية، خصوصا أن هناك تحفظات من قبل بعض الدول المجاورة لسوريا حول أسماء هذه التنظيمات، فإن المصادر، أكدت لـ«الشرق الأوسط» أن هناك أكثر من قائمة حول تصنيف هذه التنظيمات التي تحمل السلاح، والتي لها امتداد مع الدول الإقليمية والدولية.
وأشارت المصادر إلى أن المعيار الذي أجمعت عليه معظم الدول هو قبول التنظيمات المقاتلة على الأرض بالعملية السياسية التي سيتم إطلاقها، وأن تصنيف أي منظمة مسلحة أو فصيل مقاتل ضمن قائمة الإرهاب هو مدى تقبل هذا الفصيل للآخر واستعداده بالانخراط في العملية السياسية المستقبلية على أسس علمانية.
وكشف المتحدث الرسمي باسم الحكومة الأردنية، الدكتور محمد المومني، في محاضرة له في حزب الاتحاد الوطني، عن أن تلك القوائم ستوضع بموجب تقييم سيجرى مع «كل دولة من الدول الفاعلة في المشهد السوري»، معتبرًا أنها «ستكون الخدمة الأكبر للعملية السياسية المتعلقة بالأزمة السورية».
وبين المومني أيضًا أن تقييم تلك التنظيمات سيشمل وضع قوائم للتنظيمات التي تصنف «إرهابية»، أو «غير إرهابية»، وتلك التي عليها خلاف بين الدول الفاعلة ما إذا كانت إرهابية أم لا، وأن التفاصيل الأخرى ستكون من مهمة الأجهزة الأمنية.
وكان المشاركون في اجتماع فيينا بشأن سوريا، اتفقوا على تولي الأردن تنسيق جهود وضع قائمة بالجماعات الإرهابية هناك.



الحكومة اليمنية تحسم الجدل حول دار إيواء المعنفات بحضرموت

تدخل حكومي يمني لحماية 730 امرأة معنفة في حضرموت (إعلام حكومي)
تدخل حكومي يمني لحماية 730 امرأة معنفة في حضرموت (إعلام حكومي)
TT

الحكومة اليمنية تحسم الجدل حول دار إيواء المعنفات بحضرموت

تدخل حكومي يمني لحماية 730 امرأة معنفة في حضرموت (إعلام حكومي)
تدخل حكومي يمني لحماية 730 امرأة معنفة في حضرموت (إعلام حكومي)

حسمت الحكومة اليمنية الجدل الواسع الذي أثير خلال الأيام الماضية بشأن دار إيواء النساء المعنفات في محافظة حضرموت (شرق) بعد موجة من الاعتراضات، والانتقادات التي رافقت الإعلان عن الدار في بعض الأوساط الاجتماعية، مؤكدة أن المنشأة لا تستهدف تشجيع النساء على التمرد على أسرهن، أو تقويض بنية الأسرة اليمنية، وإنما تمثل آلية للحماية الاجتماعية، والإنسانية تخضع لإشراف حكومي مباشر، وضوابط قانونية محددة.

وجاء التوضيح الحكومي عقب أيام من النقاشات الحادة، والتفسيرات المتباينة بشأن طبيعة عمل الدار، وأهدافها، إذ أصدر مكتب وزارة الشؤون الاجتماعية والعمل بساحل حضرموت بياناً أكد فيه أن كثيراً من المعلومات المتداولة استندت إلى روايات غير دقيقة، وأن الصورة التي جرى ترويجها لا تعكس طبيعة الدور الذي أنشئت من أجله الدار.

وأوضح المكتب أن دار الإيواء ليست جهة لتشجيع الخلافات الأسرية، أو تفكيك الروابط الاجتماعية، كما أنها لا تمثل ملاذاً للهروب من الأسرة، بل خدمة اجتماعية مؤقتة تستهدف النساء اللاتي يواجهن ظروفاً استثنائية تستدعي الحماية، والرعاية وفقاً للقوانين النافذة، والضوابط المعمول بها.

وبحسب البيان الحكومي، فإن الدار مخصصة لاستقبال النساء اللاتي لا يجدن مأوى آمناً نتيجة مشكلات اجتماعية أو أسرية معقدة، أو اللواتي يتعرضن للعنف، أو التهديد، أو الاستغلال، بما يضمن حمايتهن من المخاطر المحتملة التي قد تواجههن في حال بقائهن دون رعاية، أو مأوى.

حملة تحريض استهدفت دار إيواء المعنفات في حضرموت (إعلام حكومي)

وأشار المكتب إلى أن وجود مثل هذه المرافق يسهم في الحد من حالات الابتزاز والاستغلال التي قد تتعرض لها بعض النساء في الظروف الاستثنائية، كما يتيح معالجة الإشكالات الأسرية عبر تدخلات اجتماعية ومهنية تراعي أحكام الشريعة، والقانون، وتحافظ على السرية، والخصوصية.

وأكدت السلطات أن الدار تعمل تحت إشراف مكتب وزارة الشؤون الاجتماعية والعمل، وبالتنسيق مع مكتب وزارة الأوقاف والإرشاد، والجهات المختصة الأخرى، بما يضمن توجيه خدماتها نحو الإصلاح الاجتماعي، والحماية الإنسانية بعيداً عن أي أهداف أخرى يجري الترويج لها.

الحالات المستقبَلة

أوضح البيان الحكومي اليمني أن الدار لا تستقبل الحالات بشكل عشوائي، وإنما تستقبل النساء المحالات من الجهات المختصة، وفي مقدمتها الأجهزة الأمنية، والجهات الاجتماعية، بعد دراسة أوضاعهن، والتأكد من حاجتهن إلى الرعاية المؤقتة.

كما تشمل الخدمات النساء القادمات من خارج المحافظة ممن لا يجدن مكاناً آمناً للإقامة إلى حين تسوية أوضاعهن، إضافة إلى بعض الحالات التي تنتهي إجراءاتها القانونية في السجون، بينما يرفض ذووها استقبالها، الأمر الذي يضعها أمام ظروف اجتماعية وإنسانية صعبة.

اتحاد نساء اليمن يلعب دوراً فاعلاً في حماية المعنفات (إعلام محلي)

وكشف مكتب الشؤون الاجتماعية والعمل في ساحل حضرموت أنه تدخل خلال الأعوام الثلاثة الماضية في أكثر من 730 حالة احتاجت إلى الحماية، والرعاية الاجتماعية، وهو ما يعكس حجم الحاجة إلى مثل هذه الخدمات في ظل التحديات الاجتماعية والاقتصادية التي تشهدها البلاد.

وفيما يتعلق بتمويل المشروع، أوضح المكتب أن إنشاء المبنى تم بدعم من الوكالة الكورية للتعاون الدولي عبر برنامج الأمم المتحدة الإنمائي، واقتصر الدعم على عملية البناء، قبل أن تُسلَّم الدار رسمياً إلى الحكومة اليمنية لتتولى إدارتها، والإشراف عليها.

تحذير من حملات التشويه

ردّت السلطات اليمنية على ما وصفته بحملات التحريض التي استهدفت الدار خلال الأيام الماضية، مؤكدة احتفاظها بحقها القانوني في مقاضاة كل من نشر معلومات مضللة، أو صوراً معدلة باستخدام تقنيات الذكاء الاصطناعي وبرامج التلاعب الرقمي بهدف تشويه صورة المؤسسة، وإثارة البلبلة المجتمعية.

ورأى البيان أن تلك الحملات تتعارض مع القيم الاجتماعية والأخلاقية، وتسعى إلى إثارة الفتنة، وتغذية الانقسامات بدلاً من دعم الجهود الرامية إلى حماية الفئات الأكثر هشاشة.

وأكدت وزارة الشؤون الاجتماعية والعمل أن الإسلام أولى المرأة عناية خاصة، وحث على صون كرامتها وحمايتها، مشيرة إلى أن الظروف التي فرضتها الحرب والأزمة الاقتصادية جعلت الحاجة أكبر إلى آليات مهنية توفر الحماية للحالات الأكثر عرضة للمخاطر، والانتهاكات.

وفي حين لا تتوافر إحصاءات رسمية دقيقة بشأن حجم العنف الأسري ضد النساء في اليمن، بسبب ضعف الإبلاغ، والخوف من الوصمة الاجتماعية، فإن تقارير محلية ودولية تشير إلى تصاعد الظاهرة خلال سنوات الحرب.

كما تؤكد الأمم المتحدة أن النزاع المسلح والنزوح وتدهور الأوضاع المعيشية، كلها ساهمت في ارتفاع معدلات العنف المنزلي ضد النساء والفتيات اليمنيات في مختلف أنحاء البلاد.


جيل يمني كامل يدفع ثمن الانقلاب الحوثي

منظر عام للعاصمة اليمنية صنعاء (الشرق الأوسط)
منظر عام للعاصمة اليمنية صنعاء (الشرق الأوسط)
TT

جيل يمني كامل يدفع ثمن الانقلاب الحوثي

منظر عام للعاصمة اليمنية صنعاء (الشرق الأوسط)
منظر عام للعاصمة اليمنية صنعاء (الشرق الأوسط)

في المدن والقرى الخاضعة لسيطرة الجماعة الحوثية، يتشكل وعي جيل كامل على وقع انقلاب ممتد دخل عامه الثاني عشر، حتى باتت تفاصيل الصراع جزءاً من المشهد اليومي الذي نشأ فيه ملايين الأطفال والشباب، فبالنسبة إلى كثيرين منهم، لم تعد الحرب حدثاً استثنائياً، بل أصبحت الإطار الذي تشكلت داخله طفولتهم ومراهقتهم وبدايات نضجهم.

هذا الجيل الذي وُلد بعض أفراده بعد اندلاع الحرب، أو كان في سنواته الأولى عندما انفجرت الأزمة، لم يعرف من اليمن سوى صور الانقسام السياسي والانهيار الاقتصادي وتراجع الخدمات الأساسية. وبينما يتحدث الآباء عن سنوات أكثر استقراراً شهدت حياة طبيعية نسبياً، تبدو تلك الحكايات بالنسبة إلى كثير من الشباب أشبه بقصص تنتمي إلى زمن بعيد يصعب تخيله.

ويقول عدد من الشباب في مناطق سيطرة الحوثيين لـ«الشرق الأوسط» إن أولى ذكرياتهم لا ترتبط بالمناسبات المدرسية أو الرحلات العائلية بقدر ما ترتبط بأصوات الانفجارات وأخبار الجبهات ومشاهد النزوح والقلق الدائم من المجهول.

ويؤكد هؤلاء أن سنوات مراهقتهم مرت بين أزمات معيشية متلاحقة، وانقطاعات متكررة للخدمات، ومخاوف مستمرة من تدهور الأوضاع، في وقت كان أقرانهم في بلدان أخرى يعيشون تجارب أكثر استقراراً وانفتاحاً على المستقبل.

آلاف المراهقين وصغار السن أخضعهم الحوثيون للتعبئة العقائدية والقتالية (إ.ب.أ)

ويصف مروان، وهو اسم مستعار لطالب جامعي من صنعاء يبلغ من العمر 22 عاماً، شعوره تجاه تلك الفجوة الزمنية بين جيله وجيل والده بقوله إن الأحاديث عن اليمن قبل الحرب تجعله يشعر وكأنها تدور حول بلد مختلف تماماً.

ويشير إلى أنه اضطر إلى تعليق مسيرته الدراسية مؤقتاً والعمل لمساعدة أسرته على مواجهة الأعباء المعيشية المتزايدة، موضحاً أن سقف أحلام كثير من الشباب لم يعد يدور حول تحقيق إنجازات كبيرة أو مشاريع طموحة، بل حول الحصول على وظيفة مستقرة تضمن دخلاً يكفي للعيش بكرامة.

ويعكس هذا الحديث واقعاً أوسع يعيشه آلاف الشباب الذين وجدوا أنفسهم أمام ضغوط اقتصادية متزايدة أجبرتهم على إعادة ترتيب أولوياتهم. فبدلاً من التفكير في التطور المهني أو استكمال الدراسات العليا، أصبح التركيز منصباً على تأمين الاحتياجات الأساسية ومساندة الأسر التي استنزفتها سنوات الحرب الطويلة.

ورغم استمرار العملية التعليمية بدرجات متفاوتة، فإن التحديات التي واجهها قطاع التعليم خلال سنوات الصراع تركت آثاراً عميقة على جودة المخرجات التعليمية ومستوى التأهيل الأكاديمي. ويتحدث طلاب وخريجون عن نقص الإمكانات التعليمية، وضعف فرص التدريب والتأهيل، وغياب البيئة المناسبة لاكتساب المهارات التي تتطلبها سوق العمل الحديثة.

بطالة متصاعدة

مع تزايد أعداد خريجي الجامعات عاماً بعد آخر، تتقلص في المقابل فرص التوظيف في كثير من القطاعات، الأمر الذي يضع آلاف الشباب أمام واقع معقد يتسم بندرة الوظائف وغياب الاستثمارات القادرة على استيعاب الطاقات الجديدة.

ويقول خريج في كلية الهندسة بجامعة إب إنه يشعر بقلق متزايد من أن تتحول سنوات الدراسة الطويلة إلى مجرد شهادة لا تفتح له باباً حقيقياً نحو الاستقرار المهني أو الاجتماعي.

جانب من سوق شعبية في العاصمة صنعاء (الشرق الأوسط)

وتتراوح الخيارات المتاحة أمام كثير من الشباب بين أعمال مؤقتة منخفضة الأجر، وانتظار فرص غير مضمونة، والتفكير في الهجرة بحثاً عن مستقبل أفضل إذا توفرت الإمكانات. كما يواجه بعضهم مخاوف مرتبطة بمحاولات الاستقطاب والتجنيد في ظل استمرار الصراع.

ولا تقتصر الخسائر التي يتحدث عنها الشباب على الجوانب الاقتصادية فقط، بل تمتد إلى أبعاد اجتماعية ونفسية أكثر عمقاً. فالكثير منهم فقدوا أقارب أو أصدقاء خلال سنوات الحرب، كما تضررت شبكات العلاقات الاجتماعية نتيجة النزوح والهجرة والانقسامات التي أصابت المجتمع اليمني.

ويقول أحد الشباب من محافظة عمران (شمال صنعاء) إنه كان في العاشرة من عمره عندما بدأت الحرب، بينما أصبح اليوم على وشك إنهاء دراسته الجامعية، مشيراً إلى أن كامل مسيرته التعليمية جرت في ظل ظروف استثنائية. ويضيف أن أكثر ما يخشاه هو الوصول إلى لحظة التخرج دون أن يجد فرصة عمل تمنحه القدرة على بناء حياة مستقرة.

السلام... الحلم المشترك

في محافظة ذمار (100 كيلومتر جنوب صنعاء)، تقول أسماء، وهي طالبة في المرحلة الثانوية تبلغ من العمر 17 عاماً، إنها لا تتذكر يوماً لم تكن فيه الحرب أو الأزمة الاقتصادية جزءاً من الأحاديث اليومية. وتوضح أن التفكير في المستقبل بات يرتبط أولاً بالسؤال عما إذا كانت البلاد ستتمكن من استعادة الاستقرار الذي يسمح للأجيال الجديدة بالتخطيط لحياتها بصورة طبيعية.

ويرى باحثون اجتماعيون أن سنوات الحرب الطويلة أوجدت لدى قطاع واسع من الشباب قدرة ملحوظة على التكيف مع الظروف المتغيرة والتعامل مع الأزمات المتكررة، إلا أنها في الوقت نفسه تركت آثاراً نفسية عميقة مرتبطة بحالة القلق المستمر وعدم اليقين تجاه المستقبل.

عناصر أمن حوثية تجوب شوارع صنعاء (رويترز)

وعند سؤال الشباب عن أحلامهم المستقبلية، تتباين التفاصيل لكن تتشابه المضامين. فمعظمهم لا يتحدث عن الثراء أو الشهرة أو الطموحات الاستثنائية، بل عن أمور تبدو بديهية في المجتمعات المستقرة، مثل الحصول على وظيفة دائمة، وتوفر الكهرباء والمياه والخدمات العامة، والقدرة على التخطيط للمستقبل دون خوف.

ويقول حميد، وهو شاب عشريني من محافظة إب (193 كيلومتراً جنوب صنعاء)، إن حلمه لا يتجاوز العيش في بلد طبيعي يستطيع فيه الناس العمل والدراسة وبناء حياتهم بعيداً عن الحروب والمخاوف اليومية.

ويؤكد مختصون اجتماعيون أن الشباب في مناطق سيطرة الحوثيين يمثلون اليوم شريحة واسعة تشكلت هويتها في ظل الحرب والانقسام والأزمات المتراكمة. ورغم اختلاف تجاربهم الفردية، فإنهم يتشاركون شعوراً عاماً بأن سنوات مهمة من أعمارهم مضت في ظروف لم يكن لهم دور في صنعها.

ومع ذلك، لا يزال كثير منهم يتمسكون بفكرة أن المستقبل يمكن أن يكون مختلفاً. فبالنسبة إلى جيل لم يعرف السلام إلا عبر روايات الآباء، يبدو السلام أكثر من مجرد مطلب سياسي؛ إنه الشرط الأساسي لاستعادة الحياة الطبيعية، والفرصة الأولى لبناء ما حرمته الحرب من فرص وأحلام ومسارات كان يمكن أن ترسم ملامح جيل كامل بصورة مختلفة.


«إم إس سي» تعلن إصابة سفينة لها بقذيفتين في ميناء أم قصر بالعراق

صورة لسفينة تابعة لشركة «إم إس سي» لدى استيلاء «الحرس الثوري» الإيراني عليها بمضيق هرمز في أبريل الماضي (أرشيفية - رويترز)
صورة لسفينة تابعة لشركة «إم إس سي» لدى استيلاء «الحرس الثوري» الإيراني عليها بمضيق هرمز في أبريل الماضي (أرشيفية - رويترز)
TT

«إم إس سي» تعلن إصابة سفينة لها بقذيفتين في ميناء أم قصر بالعراق

صورة لسفينة تابعة لشركة «إم إس سي» لدى استيلاء «الحرس الثوري» الإيراني عليها بمضيق هرمز في أبريل الماضي (أرشيفية - رويترز)
صورة لسفينة تابعة لشركة «إم إس سي» لدى استيلاء «الحرس الثوري» الإيراني عليها بمضيق هرمز في أبريل الماضي (أرشيفية - رويترز)

قالت شركة (إم إس سي)، أكبر مجموعة شحن حاويات في العالم، اليوم الثلاثاء، إن قذيفتين أصابتا سفينتها (ساريسكا 5) أثناء وجودها في ميناء أم قصر بالعراق أمس الاثنين، مضيفة أن جميع أفراد الطاقم بخير ولم يصابوا بأذى.

وذكرت الشركة أن «الحرس الثوري» الإيراني أعلن مسؤوليته عن الواقعة التي وصفتها بأنها هجوم غير مبرر على ناقلة تجارية محايدة لا علاقة لها بالولايات المتحدة أو إسرائيل، وفقا لما ذكرته وكالة «رويترز» للأنباء.

وأضافت المجموعة في بيان «تشعر (إم إس سي) بقلق بالغ إزاء هذه الهجمات غير المبررة والمخاطر التي تشكلها على بحارتها الأبرياء والتجارة البحرية الحيوية في المنطقة».