بعد لقاء ميستورا.. خوجة يدعو «النصرة» لفك ارتباطها بـ«القاعدة»

مصادر أردنية: معيار تصنيف الفصائل السورية المقاتلة على الأرض «قبولها بالعملية السياسية»

عناصر من «جيش الفتح» المعارض يجهزون لإطلاق قذيفة على قوات النظام في ريف اللاذقية (غيتي)
عناصر من «جيش الفتح» المعارض يجهزون لإطلاق قذيفة على قوات النظام في ريف اللاذقية (غيتي)
TT

بعد لقاء ميستورا.. خوجة يدعو «النصرة» لفك ارتباطها بـ«القاعدة»

عناصر من «جيش الفتح» المعارض يجهزون لإطلاق قذيفة على قوات النظام في ريف اللاذقية (غيتي)
عناصر من «جيش الفتح» المعارض يجهزون لإطلاق قذيفة على قوات النظام في ريف اللاذقية (غيتي)

حضر اتفاق وقف إطلاق النار الذي نص عليه بيان مؤتمر فيينا، والإشكاليات المرتبطة بـ«القوائم الإرهابية» المزمع تحضيرها من قبل روسيا والأردن، أمس، على طاولة اللقاء الذي جمع المبعوث الدولي إلى سوريا ستافان دي ميستورا، وممثلين عن الائتلاف الوطني السوري المعارض، بعد تجديد رئيسه خالد خوجة دعوته «جبهة النصرة» إلى فكّ ارتباطها بتنظيم القاعدة، وسط ترجيحات بأن تُحصر «المنظمات الإرهابية» التي تقاتل على الأراضي السورية بتنظيم «داعش» و«جبهة النصرة» و«جند الأقصى».
وناقش ممثلو الائتلاف مع دي ميستورا نقاطًا سياسية، وإشكاليات مرتبطة بالعملية السياسية وبيان مؤتمر فيينا، خلال اجتماع عقد في إسطنبول، أمس. وأوضح دي ميستورا أن ورقة فيينا اهتمت بعملية وقف إطلاق نار شامل مرتبط بعملية سياسية ذات مصداقية تساعد في القضاء على تنظيم داعش، مشيرًا إلى أن مجموعات العمل الأربع انتهت، وتحولت إلى «مشاورات سورية - سورية»، معتبرًا ذلك تحضيرًا لمفاوضات «جنيف - 3» اللاحقة.
وبحسب بيان صادر عن الائتلاف، شدد الأخير على أن بيان جنيف وقرار مجلس الأمن 2118 «هما المرجعية لورقة فيينا، وهو ما يتفق مع رؤية الائتلاف حول هيئة الحكم الانتقالية كاملة الصلاحيات بما فيها صلاحيات رئيس الجمهورية، وهذا ما يؤكد خلو المرحلة الانتقالية من نظام (الرئيس السوري بشار الأسد) وزمرته الحاكمة». ورحب أعضاء الهيئة السياسية بالدعوة لعقد مؤتمر للمعارضة السورية في الرياض، الذي سيعمل على توحيد رؤيتها في الحل السياسي ووضع استراتيجية لها في المرحلة المقبلة.
وأوضح عضو الائتلاف عبد الأحد أسطيفو الذي حضر في اللقاء، أن دي ميستورا «وضع الأطراف السورية بأجواء فيينا وآخر ورقة قدمت في المؤتمر»، مشيرًا في تصريح لـ«الشرق الأوسط» إلى أن الائتلاف «طرح مع المبعوث الدولي أيضًا قضية وقف إطلاق النار والهدن والمصالحات، وهو المشروع الذي سيقدم إلى مجلس الأمن متلازمًا مع إجراءات بناء الثقة والمسار السياسي». ولفت إلى أن «هذا الموضوع إشكالي، وخضنا نقاشًا مطولا للاستفسار عن تفاصيله»، مؤكدًا أن دي ميستورا «تحدث بشفافية ووضوح».
وأشار أسطيفو إلى أن قضية «تصنيف الفصائل على القوائم الإرهابية، تم شرحها مطولاً، على أعتاب مشاركة الأردن (المكلف بهذا الجانب بحسب وثيقة فيينا) في اجتماعات حول هذه المسألة الأسبوع المقبل، وعشية لقاء دي ميستورا مع الفصائل العسكرية التي تعقد» اليوم الثلاثاء.
وقال أسطيفو: «سألنا عن معايير ذلك التصنيف، كما تطرقنا إلى قضية إدراج المنظمات والميليشيات التي تقاتل إلى جانب النظام على قوائم الإرهاب»، كما «طرحنا أسئلة عن الموقف من فصائل ربما لن تلتزم بالمسار السياسي، أو ربما لا توافق على وقف إطلاق النار».
ويأتي طرح هذه القضية، بموازاة تأكيدات بأن الفصائل المرجح إدراجها على قوائم الإرهاب «هي تنظيم داعش والنصرة وجند الأقصى»، بحسب مصادر سوريا معارضة لـ«الشرق الأوسط». وبالموازاة، تحدثت مصادر واسعة الاطلاع لـ«الشرق الأوسط» عن توجه «لإنشاء كيان عسكري معارض، يستوعب أفرادًا يقاتلون الآن في صفوف منظمات وكيانات ربما ستُدرج على قوائم الإرهاب، مثل جبهة النصرة، ولا يصنف هؤلاء الأفراد المجبرون على القتال في صفوف تلك التنظيمات على أنهم إرهابيون».
وأوضح أسطيفو أن «فكرة استيعابهم في مظلة عسكرية معارضة غير متشددة، واردة، ذلك أن هناك الكثيرين من المغرر بهم أو المجبرين على القتال في صفوف تلك التنظيمات بحكم النفوذ الميداني لبعض التنظيمات»، مشيرًا إلى أن الأزمة «أنتجت تعصبًا دينيًا وقوميًا في سوريا»، لكنه شدد على أن الشعب السوري «وسطي وليس متطرفًا». وأشار إلى أن «المجتمع الدولي يتحمل قسمًا من مسؤولية توجه البعض نحو التشدد على خلفية الشعور بالخذلان الذي شعر به السوريون».
وكان رئيس الائتلاف خالد خوجة، جدد دعوته «جبهة النصرة» لفك ارتباطها عن تنظيم القاعدة، و«خاصة بعد إعلان الأخير تبنيه لتفجيرات مالي في وقت تمت فيه عمليات إرهابية في كل من تركيا وفرنسا ولبنان، داعيًا جميع الفصائل السورية لتبني المسار الوطني الذي بدأته الثورة، مؤكدًا أن الجيش السوري الحرّ يرفض الإرهاب بكل أشكاله».
وقالت مصادر في الائتلاف إن هذه الدعوة «موجهة إلى سوريين منخرطين في التنظيم، لأنهم ينضمون مجبرين أو مضللين، وليس من منطلقات عقائدية»، في وقت يستبعد خبراء أن يتم تخلي التنظيم عن «القاعدة».
وقال الباحث السوري في المنظمات المتشددة أحمد أبازيد لـ«الشرق الأوسط» إن الدعوة للانفصال «ليست الأولى، فقد صدرت دعوات سابقة عن الائتلاف والقائد السابق لحركة أحرار الشام أبو جابر، ودعيا (النصرة) للالتزام بالمهام الوطنية»، مشددًا على أن (النصرة) «من غير المحتمل أن تستجيب للدعوة، بدليل أن قادتها ردوا على تلك الدعوات في السابق. بالتأكيد، إن ارتباطهم بـ(القاعدة) غير قابل للفك». وأرجع أبازيد هذه العلاقة بين «القاعدة» وفرعه في سوريا إلى «قناعة آيديولوجية»، كما إلى «مخاوف من تسرب جزء من قاعدتهم القتالية إلى غريمهم (داعش)، إذا خسروا البُعد العالمي»، فضلاً عن «عدم قناعتهم بالمشاريع الأخرى ويرون أن مشروعهم يحتوي على الشرعية الجهادية الكبرى اليوم».
وقال أبازيد إن الائتلاف والفصائل العسكرية في سوريا «يرون أن الجزء الأكبر من مقاتلي (النصرة) هم سوريون، لذلك يحاولون أن تكون الجبهة بعيدة عن الاشتباك الدولي، خصوصًا وأنها جزء من القوات التي تقاتل في المناطق المحررة، وتربطها علاقات بسائر الفصائل الثورية في الميدان». وأشار إلى أن المعارضتين؛ السياسية والعسكرية، «تفضلان أن تتحول الجبهة إلى فصيل ثوري حتى لا تتحول إلى هدف لضربات التحالف الدولي لمحاربة الإرهاب».
وبينما تسربت معلومات عن أن حركة «أحرار الشام» ستكون ضمن الفصائل المدرجة على قائمة المنظمات الإرهابية، استبعد أبازيد ذلك، قائلاً إن «أحرار الشام غير مرتبطة بتنظيم القاعدة، وهي حركة محسوبة على النسيج العام للقاعدة الثورية السورية، وتحظى بدعم من محور إقليمي»، مضيفًا: «حتى لو قالت روسيا عنها إنها إرهابية، فإن هذا القرار سيلقى رفضًا على نطاق واسع في صفوف المعارضة السورية، على ضوء العلاقات الميدانية التي تربط الحركة بالفصائل العسكرية التي تقاتل (داعش) والنظام في سوريا، وتوفر لها الحماية من قرارات مشابهة».
وعلى الرغم من التكتم الشديد من قبل الدوائر الأردنية التي ستستضيف اجتماعا دوليا قريبا، حول آلية تصنيف المنظمات الإرهابية، خصوصا أن هناك تحفظات من قبل بعض الدول المجاورة لسوريا حول أسماء هذه التنظيمات، فإن المصادر، أكدت لـ«الشرق الأوسط» أن هناك أكثر من قائمة حول تصنيف هذه التنظيمات التي تحمل السلاح، والتي لها امتداد مع الدول الإقليمية والدولية.
وأشارت المصادر إلى أن المعيار الذي أجمعت عليه معظم الدول هو قبول التنظيمات المقاتلة على الأرض بالعملية السياسية التي سيتم إطلاقها، وأن تصنيف أي منظمة مسلحة أو فصيل مقاتل ضمن قائمة الإرهاب هو مدى تقبل هذا الفصيل للآخر واستعداده بالانخراط في العملية السياسية المستقبلية على أسس علمانية.
وكشف المتحدث الرسمي باسم الحكومة الأردنية، الدكتور محمد المومني، في محاضرة له في حزب الاتحاد الوطني، عن أن تلك القوائم ستوضع بموجب تقييم سيجرى مع «كل دولة من الدول الفاعلة في المشهد السوري»، معتبرًا أنها «ستكون الخدمة الأكبر للعملية السياسية المتعلقة بالأزمة السورية».
وبين المومني أيضًا أن تقييم تلك التنظيمات سيشمل وضع قوائم للتنظيمات التي تصنف «إرهابية»، أو «غير إرهابية»، وتلك التي عليها خلاف بين الدول الفاعلة ما إذا كانت إرهابية أم لا، وأن التفاصيل الأخرى ستكون من مهمة الأجهزة الأمنية.
وكان المشاركون في اجتماع فيينا بشأن سوريا، اتفقوا على تولي الأردن تنسيق جهود وضع قائمة بالجماعات الإرهابية هناك.



تصدُّع في التحالفات القبلية يثير قلق الحوثيين

حشود قبلية توافدت إلى منطقة الريان في محافظة الجوف اليمنية لمؤازة زعيم قبلي (إعلام محلي)
حشود قبلية توافدت إلى منطقة الريان في محافظة الجوف اليمنية لمؤازة زعيم قبلي (إعلام محلي)
TT

تصدُّع في التحالفات القبلية يثير قلق الحوثيين

حشود قبلية توافدت إلى منطقة الريان في محافظة الجوف اليمنية لمؤازة زعيم قبلي (إعلام محلي)
حشود قبلية توافدت إلى منطقة الريان في محافظة الجوف اليمنية لمؤازة زعيم قبلي (إعلام محلي)

أثارت تحركّات قبلية يقودها منشقون عن الجماعة الحوثية قلقاً متزايداً داخل الجماعة من اتساع دائرة التمرد في مناطق سيطرتها، لا سيما في المناطق القبلية التي تمثل الركيزة الأساسية لعمليات التجنيد والحشد العسكري.

ووفق مصادر قبلية وأخرى سياسية تحدثت إليها «الشرق الأوسط»، فإن الجماعة الحوثية تخشى أن تؤدي هذه التحركات إلى تراجع نفوذها داخل الحاضنة القبلية التي اعتمدت عليها طوال سنوات الحرب، عبر شبكة من المصالح والعلاقات التي نسجتها مع عدد من زعماء القبائل والوجاهات الاجتماعية لضمان استمرار سيطرتها.

ولهذا أمرت الجماعة الحوثية بتنظيم وقفات قبلية في أكثر من منطقة تحت مبرر الجاهزية لأي معركة، في رسائل موجهة إلى التجمعات القبلية المنشقة.

وخلال الأيام الماضية، أعلن الزعيم القبلي حمد بن فدغم، أحد أبناء قبيلة دهم في محافظة الجوف، انشقاقه عن الحوثيين، بعد تعرضه -حسب روايته- للاعتقال والتعذيب والإهانة داخل سجون الجماعة.

تجمعات قبلية في منطقة الريان بمحافظة الجوف دعماً لبن فدغم (إعلام محلي)

وأطلق الرجل دعوة إلى أبناء القبائل للوقوف إلى جانبه والثأر لما تعرض له، الأمر الذي قوبل باستجابة لافتة، حيث توافد رجال قبائل من مناطق مختلفة إلى منطقة الريان بمحافظة الجوف لإعلان تضامنهم معه.

ويعد بن فدغم من أبرز الشخصيات القبلية التي لعبت دوراً في حشد المقاتلين لصالح الحوثيين خلال السنوات الماضية، وهو ما منح انشقاقه أهمية خاصة، بوصفه يأتي من داخل الدائرة القبلية التي اعتمدت عليها الجماعة في ترسيخ نفوذها.

رواية بن فدغم

خلال تجمع قبلي أعقب وصوله إلى المناطق الخاضعة لسيطرة الحكومة اليمنية، ظهر بن فدغم متأثراً وهو يروي تفاصيل اعتقاله، قبل أن يعلن نصب قطاعات مسلحة تستهدف تاجر السلاح المعروف فارس مناع، المنتمي إلى محافظة صعدة، متهماً إياه بالوقوف وراء عملية اعتقاله واحتجازه داخل أحد السجون السرية التابعة للحوثيين في صنعاء.

كما اتهم بن فدغم مناع بالاستيلاء على فيلا في العاصمة اليمنية المختطفة صنعاء تعود لامرأة تزعم أنها ابنة من زوجة سرية للرئيس العراقي الراحل صدام حسين، مشيراً إلى أن مناع كان يستأجر العقار لسنوات قبل أن يرفض إخلاءه بعد اندلاع الحرب.

الزعيم القبلي حمد بن فدغم خلال إعلانه الانشقاق عن الحوثيين (إعلام محلي)

وحسب الرواية المتداولة، بدأت القضية عندما لجأت تلك المرأة إلى قبيلة دهم طالبةً مساعدة بن فدغم لاستعادة ممتلكاتها. وعلى أثر ذلك توجه الرجل إلى صنعاء للقاء قيادات حوثية مطالباً بإعادة الفيلا إليها، غير أن الجماعة رفضت طلبه، مؤكدةً أن المرأة مواطنة يمنية وتنتمي إلى إحدى الأسر في مديرية أرحب شمال صنعاء. وبعد فترة وجيزة، جرى اعتقال بن فدغم وإيداعه السجن لنحو خمسين يوماً، قبل أن يفر لاحقاً إلى خارج مناطق سيطرة الحوثيين.

امتداد الخلاف إلى أرحب

لم تتوقف تداعيات القضية عند حدود محافظة الجوف، بل امتدت إلى مديرية أرحب شمال صنعاء، حيث أثارت خلافات داخل الأوساط القبلية. فقد نفى القيادي الحوثي فارس الحباري، خلال اجتماع قبلي، صحة الرواية التي تقول إن المرأة تنتمي إلى إحدى الأسر في المديرية، إلا أن حديثه قوبل باعتراض من الزعيم القبلي عبد الواحد الجرادي، أحد أبرز وجهاء المنطقة، ليتحول النقاش إلى مشادة كلامية كادت تتطور إلى مواجهة مسلحة، قبل أن يتدخل الحاضرون لاحتواء الموقف.

وأفادت مصادر قبلية بأن الحوثيين اعتقلوا عدداً من الأشخاص الذين كانوا موجودين في الاجتماع، بعد قيامهم بتصوير المشادة التي اندلعت بين الطرفين، في خطوة عكست حساسية الجماعة تجاه أي خلافات قبلية قد تتحول إلى مادة للتداول على نطاق واسع.

وقفات قبلية نظمتها الجماعة في مناطق سيطرتها لإظهار التأييد (إعلام محلي)

وتكتسب مديرية أرحب، التي ترتبط جغرافياً بمحافظتي عمران والجوف، أهمية خاصة للحوثيين، إذ تضم أحد أبرز المراكز العقائدية التي أنشأتها الجماعة عقب تمددها من محافظة صعدة باتجاه العاصمة صنعاء عام 2014. كما تضم المنطقة عدداً من العناصر العقائدية التي تلقت تدريبات داخل اليمن وخارجه منذ تسعينات القرن الماضي وبدايات الألفية الجديدة، عبر برامج تدريب في سوريا ولبنان وإيران.

وعُرفت هذه المناطق ذات الثقل القبلي بوجود علاقات تاريخية بين عدد من مشايخها وأسلاف الحوثيين، في إطار التنافس التقليدي مع قبيلة حاشد، التي وقفت في مراحل مختلفة إلى جانب النظام الجمهوري في مواجهة المشروع الإمامي. وأعاد الحوثيون إحياء تلك التحالفات منذ اندلاع تمردهم على السلطة المركزية عام 2004، قبل أن تتعزز بصورة أكبر مع سيطرتهم على العاصمة صنعاء، حيث تولى عدد من شيوخ القبائل مناصب ونفوذاً داخل منظومتهم مقابل استمرار ولائهم لها.

وفي مواجهة هذه التحركات، شن مؤيدو الحوثيين هجوماً حاداً على بن فدغم وتجمعات القبائل المساندة له، ووجهوا مسؤولي المحافظات الخاضعة لهم بتنظيم وقفات قبلية منذ أيام في عدد من المحافظات، بهدف إظهار أن الجماعة ما زالت تمتلك حاضنة قبلية، ولو كانت من خارج عمقها التقليدي، وخشية تصاعد النقمة القبلية مما تعرض له الزعيم القبلي.

وحرصت وسائل إعلام الجماعة على القول إن هذه التجمعات جاءت استجابة لدعوة زعيم الحوثيين للاستعداد لما تسمى «معركة تحرير فلسطين».

Your Premium trial has ended


انقطاع الرواتب يفاقم معاناة اليمنيين في مناطق سيطرة الحوثيين

ملايين اليمنيين يفتقدون الخدمات ويعيشون تحت طائلة الفقر (الشرق الأوسط)
ملايين اليمنيين يفتقدون الخدمات ويعيشون تحت طائلة الفقر (الشرق الأوسط)
TT

انقطاع الرواتب يفاقم معاناة اليمنيين في مناطق سيطرة الحوثيين

ملايين اليمنيين يفتقدون الخدمات ويعيشون تحت طائلة الفقر (الشرق الأوسط)
ملايين اليمنيين يفتقدون الخدمات ويعيشون تحت طائلة الفقر (الشرق الأوسط)

مع أول خيوط الفجر، ينهض محمود من فراشه قبل أن يستيقظ أطفاله وهو لا يملك خُطة واضحة لليوم، لكنه يعرف شيئاً واحداً يتمثل في العودة إلى المنزل ومعه ما يكفي لشراء الخبز.

يقول محمود، وهو أب لـ5 أولاد، ويقطن منزلاً بالإيجار شمال صنعاء، لـ«الشرق الأوسط»، إنه كان قبل سنوات موظفاً حكومياً، يتسلم راتبه نهاية كل شهر، ويُخطط لمصروف أسرته بهدوء. ويضيف: «لكن اليوم، لم يعد التقويم يعني لي شيئاً. فالأيام تتشابه، والشهر يبدأ وينتهي دون أن يصل الراتب الذي كان يُمثل شريان الحياة الوحيد لعائلتي».

ويعيش أكثر من مليون موظف حكومي يمني، يعيلون ملايين أفراد أسرهم في مناطق سيطرة الحوثيين، مُنذ سنوات دون رواتب، ما دفع كثيراً منهم إلى استنزاف مدخراتهم، وبيع ممتلكاتهم، والاعتماد على الأعمال اليومية أو الديون لتأمين الحد الأدنى من احتياجات الحياة.

آلاف الأسر اليمنية تعاني حرماناً شديداً في استهلاك الغذاء (الأمم المتحدة)

ويضطر محمود إلى الخروج كل صباح بحثاً عن أي عمل، سواء في نقل البضائع، أو إصلاح باب منزل، أملاً في العودة بما يسد رمق أسرته. ويقول: «خلال الأيام التي لا أجد فيها عملاً، أعود بخطوات بطيئة، محاولاً أن أبدو طبيعياً أمام أطفالي»، مضيفاً أنه لا يريد أكثر من راتبه؛ لا ليصبح غنياً، بل ليعيش بكرامة ويستطيع توفير مُتطلبات أولاده دون أن يطرق أبواب الناس.

رواتب غائبة ومعيشة تتآكل

ليست أسرة محمود استثناءً، فهناك عائلات كثيرة في العاصمة المختطفة صنعاء وبقية مدن سيطرة الجماعة الحوثية، تعيش كل يوم القصة نفسها؛ موظفون بلا رواتب، وأمهات يقتسمن ما تبقى من الطعام، وأطفال يكبرون على مفردات لم يكن ينبغي أن يعرفوها مبكراً؛ كالدين، والتقشف، وتأجيل الأحلام.

من جهتها، تجلس أم عبد الله، وهي والدة أحد الموظفين الحكوميين الذي لم يتقاضَ راتبه مُنذ سنوات، داخل منزل متواضع في أحد أحياء صنعاء، وهي تعيد ترتيب قائمة المصروفات للمرة العاشرة خلال الشهر. تقول: «لم نعد نسأل ماذا سنشتري؛ بل ماذا سنحذف من احتياجاتنا. اللحوم باتت مناسبة نادرة، والدواء مؤجل حتى إشعار آخر».

بائعة متجولة تحمل ألعاباً قابلة للنفخ في أحد شوارع صنعاء حيث العاصمة المختطفة (إ.ب.أ)

وتؤكد أن السؤال لم يعد متى سيأتي الراتب، بل كيف ستُؤمَّن وجبة الغد، مشيرة إلى أن الوظيفة التي أفنى فيها ولدها سنوات عمره لم تعد توفر لهم شيئاً، وأن استمرار هذه الحال يجعلهم أمام واقع يزداد صعوبة عاماً بعد آخر، مع تراكم الديون واستنزاف ما تبقى من مصادر الدخل.

وتُفيد زوجة موظف حكومي آخر بريف صنعاء بأن أصعب ما يواجهها ليس الفاقة بحد ذاتها؛ بل سؤال طفلها: «متى سنأكل الدجاج مرة أخرى؟» دون أن تجد جواباً مقنعاً.

وتُشير إلى أنه لم يعد يتوفر في مطبخهم سوى القليل من الأرز والدقيق وبعض الشاي والسكر، أما الفاكهة فأصبحت رفاهية، وحتى البيض لم يعد ضيفاً دائماً على المائدة.

وتقول إن الأسرة باتت تكتفي بتقليص الوجبات وتأجيل شراء كثير من الاحتياجات الأساسية، في محاولة للاستمرار وسط ظروف معيشية تزداد قسوة.

تحذيرات من تفاقم الجوع

على وقع هذه المعاناة، كشفت مصادر إغاثية أن مئات الآلاف من الموظفين العموميين في مناطق سيطرة الحوثيين يواصلون مواجهة أوضاع معيشية متدهورة جراء استمرار غياب الرواتب، ما دفع كثيراً من الأسر إلى الاعتماد على الديون والأعمال اليومية لتأمين احتياجاتها.

وبينت المصادر أن عشرات آلاف الأسر أصبحت عاجزة عن توفير الحد الأدنى من القوت الضروري، وأن العاملين في عدد من المؤسسات الخاضعة لسيطرة الجماعة ما زالوا يطالبون بصرف رواتبهم بصورة منتظمة، في وقت انعكست فيه الأزمة على الحق في الغذاء والصحة ومستوى المعيشة اللائق.

يمنيون في صنعاء يصطفون على رصيف شارع في انتظار الحصول على عمل (الشرق الأوسط)

وأجبر حرمان مئات الآلاف من الموظفين الحكوميين من رواتبهم على مدى سنوات، على اللجوء إلى الديون وبيع الممتلكات، بينما اضطر الأطفال إلى ترك الدراسة والانخراط في سوق العمل لمساندة ذويهم.

وفي خضم هذا الحرمان، حذرت منظمة الأغذية والزراعة التابعة للأمم المتحدة (الفاو) وبرنامج الأغذية العالمي، في تقرير مشترك، من تفاقم أزمة الجوع في اليمن، حيث صنفت البلاد ضمن أخطر «بؤر الجوع الساخنة» في العالم، في ظل استمرار النزاعات وتدهور الأوضاع الاقتصادية والانخفاض الحاد في تمويل العمليات الإنسانية.

وأوضح التقرير أن ملايين الأشخاص يواجهون خطر الانزلاق إلى مستويات كارثية من انعدام الأمن الغذائي، بسبب تداخل الصراع المسلح مع الأزمات الاقتصادية والمناخية، لافتاً إلى أن اليمن لا يزال من بين أكثر الدول عرضة لتفاقم أزمة الغذاء على مستوى العالم.

وأكد أن تراجع تمويل برامج المساعدات الإنسانية يزيد من حدة الأزمة، مشيراً إلى انخفاض التمويل المخصص للاستجابة الغذائية بنحو 60 في المائة بين عامي 2022 و2025، وهو ما يحد من قدرة المنظمات الدولية على توفير المساعدات المنقذة للحياة، ويضاعف مخاطر سوء التغذية، خصوصاً بين الأطفال والنساء.


محادثات رئيس الصومال مع آبي أحمد... مساعٍ لتهدئة داخلية وإقليمية

رئيس الوزراء الإثيوبي آبي أحمد يستقبل الرئيس الصومالي حسن شيخ محمود (وكالة الأنباء الصومالية)
رئيس الوزراء الإثيوبي آبي أحمد يستقبل الرئيس الصومالي حسن شيخ محمود (وكالة الأنباء الصومالية)
TT

محادثات رئيس الصومال مع آبي أحمد... مساعٍ لتهدئة داخلية وإقليمية

رئيس الوزراء الإثيوبي آبي أحمد يستقبل الرئيس الصومالي حسن شيخ محمود (وكالة الأنباء الصومالية)
رئيس الوزراء الإثيوبي آبي أحمد يستقبل الرئيس الصومالي حسن شيخ محمود (وكالة الأنباء الصومالية)

جمعت محادثات جديدة رئيس الصومال حسن شيخ محمود مع رئيس وزراء إثيوبيا آبي أحمد في أديس أبابا، وتناولت تعزيز الترابط الاقتصادي، والسلام والأمن، إضافة إلى الاستقرار الإقليمي.

وكان الرئيس الصومالي قد وصل، الأحد، إلى العاصمة الإثيوبية في زيارة عمل، حيث كان في استقباله عدد من المسؤولين الإثيوبيين، وفق ما ذكرته «وكالة الأنباء الصومالية»، دون أن تشير لآبي أحمد الذي كان في استقباله في زيارات سابقة.

وقالت الوكالة إن الزيارة تهدف إلى تعزيز العلاقات الدبلوماسية والتعاون الاستراتيجي بين الصومال وإثيوبيا، مع التركيز على ملفات الأمن، والاستقرار الإقليمي، وتعزيز المصالح المشتركة بين البلدين.

الرئيس الصومالي خلال مباحثات مع رئيس الوزراء الإثيوبي (وكالة الأنباء الصومالية)

وتأتي الزيارة وسط أزمات داخلية في الصومال، حيث أعلن «مجلس الإنقاذ المعارض» في مايو (أيار) الماضي عدم الاعتراف بشرعية الرئيس بعد انتهاء مدته الدستورية، داعياً لاحتجاجات أسبوعية في مقديشو كل خميس، بدءاً من الرابع من يونيو (حزيران)، حتى التوصل إلى اتفاق سياسي بشأن الانتخابات التي تجري عبر التصويت المباشر لأول مرة منذ عقود، وهو المسار الذي تتحفظ عليه المعارضة بدعم من ولايتي غوبالاند وبونتلاند اللتين تربطهما علاقات مع آبي أحمد.

كما شهدت مقديشو، هذا الشهر، تبادلاً لإطلاق النار بين قوات الحكومة وفصائل مسلحة متحالفة مع المعارضة، على خلفية الخلافات السياسية، وفق ما نقلته «رويترز».

ويرى المحلل السياسي المختص بالشؤون الأفريقية والصومالية، علي محمود كلني، أن زيارة الرئيس الصومالي تجيء في توقيت بالغ الحساسية «تتقاطع فيه تحديات السياسة الداخلية مع متطلبات إعادة ترتيب العلاقات الإقليمية، خصوصاً مع تصاعد الخلافات بين الحكومة الفيدرالية وقوى المعارضة وبعض الإدارات الإقليمية».

وإلى جانب استمرار التهديدات الأمنية وتنامي التوتر المرتبط بملف الإقليم الانفصالي أرض الصومال، تبدو مقديشو حريصة على تحييد الجبهة الخارجية مع أديس أبابا - خصوصاً بعد التوتر الذي أعقب مذكرة تفاهم وقّعتها أديس أبابا مع الإقليم مطلع عام 2024 - بما يسمح لها بتوجيه اهتمام أكبر نحو إدارة أزماتها الداخلية الأكثر تعقيداً، وفي مقدمتها الخلافات السياسية، والانتخابات، ومستقبل النظام الفيدرالي.

ومع ذلك، يرى كلني أن نجاح التقارب مع أديس أبابا لا يعني بالضرورة انفراجة داخلية، مشيراً إلى أن جذور الأزمة السياسية في الصومال ترتبط بتباينات عميقة حول تقاسم السلطة والتعديلات الدستورية وآليات الانتخابات، وهي قضايا لا يمكن لأي تفاهم خارجي أن يحسمها.

وفي حين استبعد أن تؤدي الزيارة إلى إحداث تحول مباشر في المشهد السياسي الداخلي، قال إنها قد تمنح الحكومة الصومالية هامشاً أوسع لإطلاق حوار وطني شامل مع المعارضة والإدارات الإقليمية، بما يعزز الاستقرار السياسي، ويحد من حالة الاستقطاب.

وكان آبي أحمد وحسن شيخ محمود قد عقدا اجتماعاً في أديس أبابا، في يناير (كانون الثاني) 2025 بعد توتر وقطيعة دامت عاماً بسبب مذكرة «أرض الصومال» التي تمنح إثيوبيا منفذاً بحرياً واستخداماً لميناء «بربرة» على خليج عدن، مقابل اعترافها بالإقليم دولة مستقلة.

وتلا ذلك تبادل للقاءات، حيث زار آبي أحمد مقديشو في فبراير (شباط) من العام الماضي، ثم زار الرئيس الصومالي إثيوبيا في أكتوبر (تشرين الأول) وديسمبر (كانون الأول)، ثم في يناير 2026.

ويعتقد كلني أن اللقاءات المتبادلة بين قيادتي البلدين أسهمت في تخفيف حدة التوتر، وإعادة قنوات التواصل السياسي، لكنها لم تنهِ أسباب الخلاف بشكل كامل.

غير أنه يرى أن هذه المكاسب تبقى محدودة ما دامت القضايا الجوهرية عالقة، وعلى رأسها طموحات إثيوبيا المتعلقة بالوصول إلى البحر ومستقبل مذكرة التفاهم مع أرض الصومال، خصوصاً أن المذكرة تبدو مجمدة عملياً، ولم تُلغ رسمياً.