خلافات نتنياهو مع الجيش تهدد بإفشال مفاوضات الدوحة

«حماس» تنتظر ردّ إسرائيل على مقترح هدنة غزة... وحديث عن بداية محادثات تستمر شهراً

نازحون في خان يونس بجنوب قطاع غزة يوم الخميس (أ.ب)
نازحون في خان يونس بجنوب قطاع غزة يوم الخميس (أ.ب)
TT

خلافات نتنياهو مع الجيش تهدد بإفشال مفاوضات الدوحة

نازحون في خان يونس بجنوب قطاع غزة يوم الخميس (أ.ب)
نازحون في خان يونس بجنوب قطاع غزة يوم الخميس (أ.ب)

لم تمض بضع ساعات على بثّ روح التفاؤل بشأن استئناف مفاوضات الدوحة بخصوص هدنة غزة وتبادل الأسرى والمحتجزين، حتى عادت مخاوف إجهاضها مرة أخرى، في ظل تقارير عن خلافات محتدمة في الحكومة الإسرائيلية بين رئيسها بنيامين نتنياهو، وقادة الجيش وأجهزة الأمن الأخرى.

وتبين أن الجيش وجهاز المخابرات العامة (الشاباك) يقاطعان الوفد الإسرائيلي، الذي يجري المفاوضات في الدوحة، وذلك نتيجة خلافاتهما مع نتنياهو. فقد كانت القيادات العسكرية والأمنية تخطط لعقد اجتماع تحضيري لدى وزير الدفاع، يوآف غالانت، بحضور قادة من جميع الأجهزة الأمنية، للتداول في رد حركة «حماس» على الصفقة. لكن نتنياهو منع ممثلي الموساد والمخابرات التابعين له من حضور الاجتماع. وعندما احتج غالانت، قال له نتنياهو: «التحضير للمفاوضات يتم عندي، وليس عندك. فأنا رئيس الحكومة». ثم قال نتنياهو إن هيئة إدارة المفاوضات هي من الآن برئاسته. وتبين أن نتنياهو يفرض مرة أخرى مندوباً شخصياً على وفد المفاوضات، هو مستشاره أوفير فيلك. لذلك، قرّر الجيش الامتناع عن إرسال مندوبه، الجنرال نتسان ألون، وكذلك تغيب عن الوفد رئيس الشاباك رونين بار.

وذكر محلل الشؤون العسكرية في صحيفة «هآرتس»، عاموس هرئيل، أن الردّ الأخير لـ«حماس» على عرض الوسطاء في المفاوضات حول صفقة التبادل، الذي تم تسليمه لإسرائيل الأربعاء، أثار خلافاً كبيراً بين نتنياهو ورؤساء أجهزة الأمن، ووزير الدفاع غالانت، الذين يعتقدون بوجود فرصة لاختراق جديّ في المفاوضات. وقال: «نتنياهو، كما يظهر من التسريبات، ومن التصريحات الرسمية أيضاً، لا يتفق معهم في الرأي. ففي الاختيار بين إطلاق سراح مخطوفين (حتى لو كان بثمن مرتفع) وبين بقائه السياسي، من الواضح ما الذي سيختاره. نتنياهو يخشى من حلّ التحالف مع أحزاب اليمين المتطرف، التي يمكن أن تفرض عليه انتخابات مبكرة. وحسب جهات رفيعة في جهاز الأمن، فإن النتيجة يمكن أن تكون تفويت فرصة ستكلف حياة مخطوفين آخرين، واستمرار القتال في القطاع، وربما تصعيد آخر مع (حزب الله). وقد سبق أن اتبع نتنياهو هذا النهج عدة مرات منذ بداية السنة في اللحظة التي لاح فيها بصيص أمل للتقدم».

وأكدت وسائل الإعلام الإسرائيلية أن نتنياهو، في أحسن الأحوال، يريد أن يمرر مرحلة واحدة من الصفقة، التي يتم فيها إطلاق المخطوفين الجرحى والمسنين والأولاد، المقدر عددهم بـ33 أسيراً، منهم 15 شخصاً أحياء. أما الباقون، من الجنود والرجال، ومعهم جثامين المخطوفين الذين قتلوا أو ماتوا في الأسر، فإنهم سيؤجلون. وهو يقول إن «حماس» لم تتنازل بشكل كافٍ عن مطالبتها بضمانات خارجية كي لا يعود الجيش الإسرائيلي إلى القتال.

مسيرة لعائلات المحتجزين الإسرائيليين للمطالبة بإطلاقهم في تل أبيب الجمعة (أ.ف.ب)

ويغتاظ نتنياهو من التصريحات المتفائلة التي يطلقها الوزير غالانت وقادة الأجهزة الأمنية. وكان غالانت قال في اللقاء الذي أجراه مع عائلات المخطوفين قبل يومين: «نحن قريبون جداً من الصفقة أكثر من أي وقت مضى». ويرى القادة العسكريون أن نتنياهو سيخرب الصفقة حتى في مرحلتها الأولى، ويؤكدون أنه في أعقاب ضغط كبير من الرئيس الأميركي، جو بايدن، وعائلات الأسرى، صادق على خروج الوفد لمواصلة المفاوضات حول الصفقة. ولكن في البيان العلني حرص على تقييد الوفد، حيث يجد صعوبة في التقدم. وقالوا أيضاً، بحسب تسريبات نشرتها صحيفة «يديعوت أحرونوت» وموقع «واللا»، إن نتنياهو يبدو أنه «يريد الحفاظ على وضع القتال الحالي. فهذا أفضل وضع بالنسبة له للحفاظ على حكمه». ويتلقى نتنياهو في هذا المسعى دعماً من اليمين المتطرف - حزب الصهيونية الدينية، برئاسة بتسلئيل سموتريتش، وحزب «عوتسما يهوديت»، برئاسة إيتمار بن غفير - وكذلك من إعلاميين مؤثرين في صفوف اليمين.

وفي هذا السياق، نشر الصحافي اليميني، يينون ميغال، منشوراً في منصة «إكس»، الجمعة، نقل فيه عن مسؤول مقرب من نتنياهو قوله ضد الوزير غالانت، الذي يؤيد الصفقة، إن «غالانت هو أداة تخضع للنخبة ولرئيس هيئة الأركان العامة. ومثلما تصرف في الإصلاح القضائي (الذي عارضه بسبب تأثيره على الجيش)، ومثلما يتصرف في قانون التجنيد (للحريديين خلافاً لموقف نتنياهو)، يتصرف الآن مع الصفقة. إنه يريد إسقاط الحكومة. ولا يمكن الاعتماد عليه».

بدورها، قالت وزيرة الاستيطان والمهمات القومية، أوريت ستروك، من حزب الصهيونية الدينية: «إنني آمل جداً قبل أي شيء آخر ألا يتقدم مقترح الصفقة المطروح حالياً، لأنه يتخلى عن الأغلبية العظمى من المخطوفين، وهذا أمر مروع ورهيب بنظري». وتابعت ستروك أن «المقترح يقول عملياً إنه سنحصل على عدد قليل من المخطوفين مقابل تحرير عدد هائل من المخربين القتلة (أي الأسرى الفلسطينيين)، ووقف القتال والانسحاب من محور نتساريم».

ويستفيد نتنياهو من تهديدات بن غفير المتكررة بإسقاط الحكومة إذا وافق على وقف الحرب. وقال بن غفير لنتنياهو خلال اجتماع الكابينت السياسي الأمني، أمس: «إذا كنت ستتخذ قرارات بمفردك، فستتحمل المسؤولية، وستبقى وحدك. لم ينتخبني نصف مليون شخص كي أجلس في الحكومة، لكن أن يكون رؤساء جهاز الأمن الذين يقررون. وأنا لا أهدد، هذا هو الواقع. وإذا كانوا سيقررون بمفردهم فلا يتوقعوا مني أن أصون الحكومة».

نتنياهو مجتمعاً مع رئيس «الموساد» ديفيد برنيع في تل أبيب يوم 18 أبريل الماضي (مكتب الإعلام الحكومي - د.ب.أ)

لا اختراق... بداية مسيرة

أفادت هيئة البثّ الإسرائيلية بأن رئيس الموساد، دافيد برنيع، غادر إسرائيل إلى قطر لاستئناف محادثات صفقة التبادل، مشيرة إلى أن إسرائيل تعتقد أن المحادثات قد تستغرق شهراً حتى يتم تحقيق انطلاقة فيها، لأن هناك قضايا عالقة كثيرة يجب حلّها. وأشارت «القناة 12» الإسرائيلية إلى أنه من المرتقب أن برنيع سافر إلى قطر وحده، على أن يعود في اليوم ذاته بعد أن يحصل على التفاصيل الإضافية التي تحتاجها إسرائيل. ونقلت القناة عن «مصدر مطلع» أنه يجب خفض سقف التوقعات، وأن سفر برنيع «لا يدلّ على اختراق، بل على بداية المسيرة»، مضيفاً أنه لا أحد يستبعد إمكانية نسف المفاوضات، لأن الفجوات لا تزال واسعة. ولفتت «هيئة البثّ الإسرائيلية» إلى أن هيئة عائلات المخطوفين في غزة توجّهت إلى رئيس الوزراء بطلب ترتيب لقاء عاجل لإطلاعها على آخر التطورات في ملف مسار الصفقة المتبلور.

وكان نتنياهو أبلغ الرئيس جو بايدن، في اتصال هاتفي الخميس، بأنه سيرسل وفداً لاستئناف المفاوضات. ونقلت «رويترز» عن مصدر في فريق التفاوض الإسرائيلي، تحدث شريطة عدم كشف هويته، أن هناك فرصة حقيقية للتوصل إلى اتفاق. وأضافت أن هناك اختلافاً ملحوظاً بين الرد الإسرائيلي على اقتراح «حماس» ومواقف سابقة خلال الحرب المستمرة منذ نحو 9 أشهر على قطاع غزة، عندما قالت إسرائيل إن الشروط التي وضعتها الحركة غير مقبولة.

وقال مسؤول فلسطيني مقرب من جهود السلام التي تتم بوساطة دولية لـ«رويترز» إن اقتراح «حماس» الجديد قد يؤدي إلى اتفاق إطاري إذا قبلته إسرائيل. وأضاف أن «حماس» لم تعد تتمسك بالشرط المسبق بالتزام إسرائيل بوقف إطلاق النار بشكل دائم قبل توقيع الاتفاق، وستسمح للمفاوضات بتحقيق ذلك خلال مرحلة الأسابيع الستة الأولى. وقال المسؤول، الذي طلب عدم ذكر اسمه: «إذا احتاج الجانبان إلى مزيد من الوقت للتوصل إلى اتفاق بشأن وقف دائم لإطلاق النار، يجب عليهما الاتفاق على أنه لن تكون هناك عودة إلى القتال حتى يفعلا ذلك».

ونقلت وكالة الصحافة الفرنسية، من جهتها، عن مسؤول في «حماس»، قوله إن الحركة تتوقع رداً من إسرائيل بحلول السبت. وقال القيادي في الحركة، أسامة حمدان: «نحن لا نرغب بالتحدث عن تفاصيل هذه الأفكار، بانتظار أن نسمع رداً، غالباً الجمعة أو السبت. إذا كان الردّ إيجابياً فعند ذلك سيتم الحديث عن هذه الأفكار بالتفصيل». وأوضح أن القدرات العسكرية للحركة في قطاع غزة «لا تزال في وضع جيد، يُمكّنها من الاستمرار» في الحرب.

ونقلت وسائل إعلام تركية عن الرئيس رجب طيب إردوغان قوله إنه يأمل في التوصل إلى «وقف نهائي لإطلاق النار في غضون يومين»، وحضّ دولاً غربية على ممارسة ضغوط على إسرائيل لقبول الشروط المطروحة.

وفي واشنطن، قال البيت الأبيض إن بايدن رحّب خلال مكالمة هاتفية مع نتنياهو الخميس بقرار رئيس الوزراء استئناف المحادثات المتوقفة «في محاولة لإتمام الاتفاق».

وردّ «حماس» يتعلق بالمقترح الذي أعلنه بايدن في نهاية مايو (أيار)، ويتضمن تحرير نحو 120 رهينة ما زالوا محتجزين في غزة، ووقفاً لإطلاق النار في القطاع. وتتضمن الخطة إطلاق سراح الرهائن تدريجياً، وانسحاب القوات الإسرائيلية على مرحلتين، والإفراج عن سجناء فلسطينيين. وتشمل المرحلة الثالثة إعادة إعمار غزة وإعادة رفات الرهائن القتلى. وقالت إسرائيل من قبل إنها ستقبل بوقف مؤقت للقتال فقط حتى يتم القضاء تماماً على «حماس» التي تدير القطاع المكتظ بالسكان. وقالت مصادر أمنية مصرية إن وفداً إسرائيلياً بحث في مصر، الخميس، تفاصيل اتفاق محتمل. وأضافت المصادر أن إسرائيل سترد على مقترح «حماس» بعد محادثات مع قطر، التي تتوسط هي ومصر في جهود السلام.

إلى ذلك، قالت حركة «حماس»، الجمعة، إنها ترفض أي تصريحات أو مواقف تدعم خطط دخول قوات أجنبية إلى قطاع غزة تحت أي مسمى أو مبرر. وأكدت، في بيان، أن إدارة القطاع «هي شأن فلسطيني خالص». وأضافت أن الشعب الفلسطيني «لن يسمح بأي وصاية أو بفرض أي حلول أو معادلات خارجية تنتقص من ثوابته المرتكِزة على حقّه الخالص في نيل حريته وتقرير مصيره».

وفي أحدث الأعمال القتالية بالقطاع، قال سكان إن الدبابات الإسرائيلية توغلت في حي النصر، شمال رفح، بالقرب من الحدود مع مصر. وقالت إسرائيل إن عملياتها في رفح هدفها تفكيك آخر كتائب الجناح المسلح لـ«حماس». وذكر مسعفون في غزة أن 5 فلسطينيين، بينهم 3 أطفال، قتلوا في ضربة جوية شنّتها إسرائيل على منزل في مخيم جباليا للاجئين، شمال القطاع. وقالت وزارة الصحة الفلسطينية إن 7 فلسطينيين قُتلوا في عملية عسكرية إسرائيلية بمدينة جنين في الضفة الغربية.


مقالات ذات صلة

ترمب يستقبل نتنياهو الساعي لتشديد الضغط على إيران

شؤون إقليمية صورة نشرها مكتب رئيس الوزراء الإسرائيلي من لقائه مع ستيف ويتكوف، المبعوث الأميركي الخاص وجاريد كوشنر صهر ترمب في واشنطن مساء الثلاثاء p-circle 01:23

ترمب يستقبل نتنياهو الساعي لتشديد الضغط على إيران

يستقبل الرئيس الأميركي دونالد ترمب، الأربعاء، في واشنطن رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، الذي يسعى إلى إقناع حليفه بممارسة أقصى قدر من الضغط على إيران.

«الشرق الأوسط» (لندن - واشنطن - تل أبيب)
شؤون إقليمية رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو خلال المؤتمر الصحافي المشترك مع الرئيس الأميركي دونالد ترمب في غرفة الطعام الرسمية بالبيت الأبيض يوم 29 سبتمبر 2025 (رويترز)

نتنياهو يبحث مع ويتكوف وكوشنر القضايا الإقليمية وملف إيران

التقى رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو والوفد المرافق له، في مقر الضيافة الرسمي بالبيت الأبيض، المبعوثين الخاصين للرئيس الأميركي دونالد ترمب.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
شؤون إقليمية عناصر من الشرطة الإسرائيلية الخيالة يحرسون خلال مظاهرة للعرب الإسرائيليين في مدينة حيفا 10 فبراير 2026 (أ.ف.ب)

إسرائيل تسحب جنسية فلسطينيَّين - إسرائيليَين وتأمر بإبعادهما

أعلن رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، الثلاثاء، أنه وقّع أمراً بترحيل فلسطينيَّين إسرائيليين من سكان القدس الشرقية أدينا بتنفيذ هجمات ضد إسرائيليين.

«الشرق الأوسط» (تل أبيب)
المشرق العربي خلال مسيرة فلسطينية في رام الله بالضفة الغربية (رويترز - أرشيفية)

نشر المسودة الأولى لدستور مؤقت لدولة فلسطينية

نشرت اللجنة المكلفة بصياغة دستور لدولة فلسطينية، الثلاثاء، المسودة الأولى لدستور مؤقت ليتسنى للجمهور الاطلاع عليها، وإبداء الملاحظات قبل الصياغة النهائية.

«الشرق الأوسط» (رام الله)
شؤون إقليمية وزير الطاقة الإسرائيلي إيلي كوهين (رويترز)

وزير إسرائيلي يصف إجراءات الضفة الغربية بأنها «سيادة واقعية»

قال وزير الطاقة الإسرائيلي إيلي كوهين إن الإجراءات التي تبنتها الحكومة والتي تعزز السيطرة الإسرائيلية في الضفة الغربية المحتلة ترقى لمستوى تنفيذ «سيادة واقعية».

«الشرق الأوسط» (رام الله)

واشنطن تُحبط محاولات «حزب الله» للالتفاف على العقوبات المالية

أحد مباني مؤسسة «القرض الحسن» في الضاحية الجنوبية لبيروت (أرشيفية - أ.ب)
أحد مباني مؤسسة «القرض الحسن» في الضاحية الجنوبية لبيروت (أرشيفية - أ.ب)
TT

واشنطن تُحبط محاولات «حزب الله» للالتفاف على العقوبات المالية

أحد مباني مؤسسة «القرض الحسن» في الضاحية الجنوبية لبيروت (أرشيفية - أ.ب)
أحد مباني مؤسسة «القرض الحسن» في الضاحية الجنوبية لبيروت (أرشيفية - أ.ب)

لم يمضِ شهران على إنشاء «حزب الله» مؤسسة تجارية مرخّصة تولّت جزءاً من أنشطة «القرض الحسن» في إقراض مناصريه، حتى أدرجتها وزارة الخزانة الأميركية على لائحة العقوبات، في خطوة قالت واشنطن إنها تهدف إلى إحباط محاولات الحزب الالتفاف على العقوبات بعد إغلاق هذه النافذة.

وكشفت مصادر لـ«الشرق الأوسط» في ديسمبر (كانون الأول) الماضي، أن «حزب الله» أنشأ شركة «جود» التجارية، المعنية ببيع الذهب وشرائه عبر عقود تتم في فروع مؤسسة «القرض الحسن»، الذراع المالية للحزب، والخاضعة بدورها للعقوبات الأميركية، وذلك بوصف ذلك جزءاً من «سياسة تموضع قانوني» داخل البلاد للإفلات من الضغوط الدولية والمحلية لإغلاقها.

وسرعان ما أحبطت واشنطن هذه المحاولة، إذ قال مكتب مراقبة الأصول الأجنبية، الثلاثاء، إنه فرض عقوبات على شركة «جود ش.ذ.م.م»، وهي شركة صرافة ذهب، ومقرّها لبنان، وتعمل تحت إشراف مؤسسة «القرض الحسن»، التي تُعدّ الذراع المالية لـ«حزب الله». وأوضحت وزارة الخزانة أن شركة «جود» تحوّل احتياطيات الذهب إلى أموال قابلة للاستخدام لدعم إعادة تنظيم الحزب.

فشل الالتفاف على العقوبات

وتظهر الحزمة الجديدة من العقوبات أن الحزب فشل في الالتفاف عليها، إذ تلاحق واشنطن الكيانات التي تُسهم في تمويل الحزب، بمعزل عن تسميتها وشكلها القانوني. وفيما لم تصدر السلطات اللبنانية، كما «حزب الله»، أي موقف تجاه التعيين الجديد على العقوبات، ترجّح مصادر مالية أن تتخذ المؤسسات المالية اللبنانية تدابير تلقائية لمنع التعامل معها.

وإذ أكدت المصادر أن الضغوط الأميركية على السلطة اللبنانية «أكبر من أن يتم تجاهلها»، أوضحت لـ«الشرق الأوسط» أن «مجرد صدور إدراج على العقوبات على أي شخص أو كيان، يُمنع تلقائياً من تعامله مع المصرف المركزي أو القطاع المالي»، مشيرة إلى أنه «في حال كان لديه حساب مصرفي يجمد الحساب تلقائياً، ويبلغ المصرف هيئة التحقيق الخاصة في مصرف لبنان بتجميد هذا الحساب»، وهي تندرج ضمن إطار «سلسلة إجراءات وقائية تتخذها المصارف والسلطة المالية».

وقالت المصادر: «الأشخاص أو الكيانات المدرجة على العقوبات لن تتمكن من القيام بأي عمليات مالية في المصارف أو مع مصرف لبنان، كما لن تتمكن من إجراء تحويلات إلى الخارج بشكل نهائي، وهي إجراءات معروفة في لحظة الإعلان عن صدور العقوبات الدولية أو العقوبات السيادية (الصادرة عن الولايات المتحدة) ضد أي فرد أو كيان تجاري أو منظمة».

إسرائيل تستهدف «القرض الحسن» في الضاحية الجنوبية لبيروت في أكتوبر 2024 (أرشيفية - الشرق الأوسط)

ويُشكّل «القرض الحسن» أحد أكثر الملفات حساسية في الداخل اللبناني. ففي حين تصفه واشنطن بأنه أداة مالية تساعد الحزب على تجاوز النظام المصرفي، يرى الحزب ومؤيدوه أنه مؤسسة اجتماعية تمكّن آلاف العائلات من الحصول على خدمات مالية في بلد يعاني انهياراً مصرفياً شاملاً.

ورفض «حزب الله» في السابق المطالب الأميركية من السلطات اللبنانية بإغلاق المؤسسة، واتهم الولايات المتحدة بمحاولة «تجفيف الموارد المالية بغرض إلغاء وجود الحزب ومنعه من تقديم الخدمات الاجتماعية»، حسبما قال أمينه العام نعيم قاسم في خطاب الشهر الماضي.

تحدٍّ للرقابة ومخاطر إضافية

وكان مصرف لبنان المركزي قد أصدر تعميماً في السابق يمنع على أي مؤسسة التعامل مع «القرض الحسن»، في وقت يدفع «حزب الله» بدلات الإيواء للمتضررين من الحرب، عبر شيكات مسحوبة على «القرض الحسن»، ما يضطر الناس للتعامل مع تلك المؤسسات لقبض مستحقاتها.

وقال الخبير الاقتصادي وليد أبو سليمان لـ«الشرق الأوسط»: «إن إعادة صرف أموال (القرض الحسن) تُعدّ بمثابة تحدٍّ مباشر لسلطة مصرف لبنان وللأجهزة الرقابية». وأوضح أن «تعميم مصرف لبنان الذي حظر التعامل مع أي مؤسسة غير مرخّصة يفترض أن يكون موضع التزام صارم».

وكان مصرف لبنان المركزي قد أصدر العام الماضي التعميم رقم «170» بهدف منع دخول أي أموال -بشكل مباشر أو غير مباشر– مصدرها هيئات أو منظمات لبنانية خاضعة لعقوبات دولية، ولا سيما العقوبات الصادرة عن مكتب مراقبة الأصول الأجنبية الأميركي (OFAC)، إلى القطاع المصرفي اللبناني الشرعي، وذلك لتجنب تعريض علاقات المصارف اللبنانية المراسلة في الخارج للخطر، خصوصاً مع المصارف الأميركية التي تتولى عمليات التحويل بالدولار الأميركي.

وحذّر أبو سليمان من «أنّ استمرار التعامل مع مؤسسات غير مرخّصة قد يعرّض لبنان لمخاطر إضافية، بما في ذلك احتمال الوقوع تحت طائلة عقوبات خارجية، حتى لو جرى ذلك تحت عنوان المساعدات الاجتماعية». ورأى أن «أي تحويلات أو خدمات مالية صادرة عن مؤسسة غير خاضعة للترخيص والرقابة تثير علامات استفهام، خصوصاً في ظل التدقيق الدولي القائم على النظام المصرفي اللبناني».

وفيما يتصل بالانعكاسات الاجتماعية، رأى أبو سليمان أنّ مسألة تهدئة الشارع عبر أدوات ذات طابع مالي تحمل أبعاداً سياسية بغطاء اقتصادي، مشيراً إلى «أنّ الشارع اللبناني يعاني ضغوطاً معيشية كبيرة، لكنه شدد على صعوبة الجزم بحجم السيولة لدى مثل هذه المؤسسات؛ لأنها لا تنشر بيانات مالية مدققة وغير خاضعة للرقابة».


الجيش اللبناني يفكك مصنعاً للمخدرات شرق البلاد

آلات ومضبوطات من المخدرات صادرها الجيش اللبناني خلال مداهمة في بلدة بوداي في بعلبك (مديرية التوجيه)
آلات ومضبوطات من المخدرات صادرها الجيش اللبناني خلال مداهمة في بلدة بوداي في بعلبك (مديرية التوجيه)
TT

الجيش اللبناني يفكك مصنعاً للمخدرات شرق البلاد

آلات ومضبوطات من المخدرات صادرها الجيش اللبناني خلال مداهمة في بلدة بوداي في بعلبك (مديرية التوجيه)
آلات ومضبوطات من المخدرات صادرها الجيش اللبناني خلال مداهمة في بلدة بوداي في بعلبك (مديرية التوجيه)

فكك الجيش اللبناني، الأربعاء، آلات لتصنيع المخدرات في بلدة بوداي في شرق لبنان، خلال مداهمة وحدة من الجيش، منازل مطلوبين في البلدة ضمن إطار التدابير الأمنية التي تنفّذها المؤسسة العسكرية لمكافحة الاتجار بالمخدرات وضبط الأمن.

وقالت قيادة الجيش، في بيان صادر عن «مديرية التوجيه»، إن الوحدة العسكرية «أوقفت لبنانياً لإطلاقه النار في تواريخ سابقة، كما ضبطت آلات تُستخدم في تصنيع المخدرات وكمية كبيرة من المواد المخدّرة».

وأشارت إلى أن «العملية تأتي في سياق خطة أمنية متواصلة تستهدف شبكات التصنيع والترويج في أكثر من منطقة، ولا سيما في نطاق بعلبك – الهرمل (شرق لبنان)، حيث تتكرر عمليات المداهمة المرتبطة بملاحقة مطلوبين وضبط معدات ومواد أولية تُستخدم في تصنيع المخدرات».

عمليات أمنية مكثفة

وتأتي هذه التحركات في ظل تكثيف المؤسسة العسكرية عملياتها الأمنية في عدد من المناطق، ولا سيما في البقاع والشمال، ضمن خطة متواصلة لضرب شبكات المخدرات والسلاح والجريمة المنظمة. كما تتزامن مع مطالبات محلية بتعزيز الاستقرار وحماية الأهالي، عبر ملاحقة المطلوبين وضبط معامل التصنيع ومصادر التمويل غير القانوني، خصوصاً في المناطق التي تشهد توترات أمنية متقطعة وارتفاعاً في معدلات الجرائم المرتبطة بالسلاح والمخدرات.

وتُعدّ منطقة بعلبك-الهرمل من أبرز النقاط الساخنة في ملف المخدرات، إذ شهدت خلال الأسابيع الماضية عمليات أمنية متلاحقة. وكان الجيش اللبناني قد أعلن في 7 فبراير (شباط) الحالي تنفيذ عملية دهم استهدفت منزلاً مهجوراً في بلدة حوش تل صفية- بعلبك، بعد رصد ومتابعة لتحركات شبكة يُشتبه في نشاطها بترويج المواد المخدّرة، وأسفرت عن ضبط نحو 3 ملايين و800 ألف حبة كبتاغون، إضافة إلى 73 كيلوغراماً من مادة البودرة البيضاء المخدّرة، بينما أكدت الجهات المعنية أن التحقيقات والإجراءات مستمرة لتعقّب المتورطين وتوقيفهم.

ملاحقة شبكات التهريب

وتعكس هذه الوقائع، مساراً تصاعدياً في عمليات الملاحقة والضبط، سواء داخل المناطق المصنّفة بؤراً ساخنة لعمليات التصنيع، أو على مستوى المرافق الحدودية، في محاولة للحد من تمدّد الشبكات المنظمة وتجفيف مسارات التهريب.

وفي موازاة الإجراءات الميدانية في الداخل، تواصل الأجهزة اللبنانية متابعة شبكات التهريب عبر المعابر والمرافق الحدودية، وسط تشديد رسمي على منع استخدام لبنان منصة لتهريب المخدرات إلى الخارج. وكانت المديرية العامة للأمن العام قد أعلنت في 28 يناير (كانون الثاني) توقيف شبكة منظمة لتهريب المخدرات من تركيا إلى المملكة العربية السعودية عبر مطار رفيق الحريري الدولي، مؤكدة في بيان رسمي أنّ لبنان «لن يكون منصة أو معبراً لتهريب المخدرات إلى الدول الشقيقة أو الصديقة». وأوضحت المديرية أن عناصرها أوقفت 4 مواطنين أتراك (3 رجال وسيدة) لدى محاولتهم دخول الأراضي اللبنانية على متن رحلة قادمة من إسطنبول، قبل أن تكشف التحقيقات، بإشارة القضاء المختص، عن تأسيسهم شبكة منظمة بالتنسيق مع جهات خارجية، وتنفيذهم عمليات سابقة باستخدام أساليب احترافية.


تقسيط «حزب الله» بدلات الإيواء يكشف عن عمق أزمته المالية

صورة لحسن نصر الله أمام أنقاض مبنى دمّره الطيران الإسرائيلي في الضاحية الجنوبية لبيروت (أرشيفية - د.ب.أ)
صورة لحسن نصر الله أمام أنقاض مبنى دمّره الطيران الإسرائيلي في الضاحية الجنوبية لبيروت (أرشيفية - د.ب.أ)
TT

تقسيط «حزب الله» بدلات الإيواء يكشف عن عمق أزمته المالية

صورة لحسن نصر الله أمام أنقاض مبنى دمّره الطيران الإسرائيلي في الضاحية الجنوبية لبيروت (أرشيفية - د.ب.أ)
صورة لحسن نصر الله أمام أنقاض مبنى دمّره الطيران الإسرائيلي في الضاحية الجنوبية لبيروت (أرشيفية - د.ب.أ)

يكشف إعلان الأمين العام لـ«حزب الله»، نعيم قاسم، أنّ «(الحزب) اتخذ قراراً بتأمين الإيواء عن 3 أشهر»، عن أزمة «الحزب» المالية التي اضطرته إلى صرف بدلات الإيواء بالتقسيط، بمعدل دفعة واحدة كل 3 أشهر، خلافاً لتجربته في العام الماضي حين كان يصرف بدلات الإيواء عن عام كامل.

وأعلن قاسم أن «الحزب» قرر صرف بدلات الإيواء عن أشهر فبراير (شباط) ومارس (آذار) وأبريل (نيسان) 2026، «لكل من دُمّر بيته أو أصبح غير صالح للسكن»، علماً بأن هذه الدفعة كان يُفترض أن تُصرف في مطلع ديسمبر (كانون الأول) الماضي، عن 3 أشهر، لكن «الحزب» دفع بدلات إيواء للشهرين الماضيين، والآن 3 أشهر، رغم تأخر 10 أيام على الإعلان عن صرفها.

دفعات متفاوتة وأسئلة معلّقة

على الأرض، لا تُقرأ بدلات الإيواء عنواناً سياسياً فقط، بل كذلك على أنها اختبار عملي، وقدرة على دفع بدلات الإيجار، وتنقل الأطفال بين المدارس، وتكلفة النقل، وتحوّل النزوح الداخلي إلى نمط حياة قسري.

تقول رنا؛ وهي سيدة نزحت من بلدة جنوبية إلى بيروت، إن «أولوية العائلات اليوم ليست السياسة، بل تأمين مكان للعيش»، مضيفة: «الناس تسأل عن بدل الإيجار، وعن المدة، وعن الاستمرارية. 3 أشهر تمر بسرعة، وبعدها لا أحد يعرف ما الذي سيحصل».

ويشير حسن، وهو متضرر آخر يقطن في الضاحية الجنوبية لبيروت، إلى أن الإعلان «خفف جزءاً من القلق، لكن المشكلة ليست في الإعلان فقط، بل في انتظام الدفع وفي شمول الجميع».

تفاوت في المقبوضات

وبرزت خلف هذا القلق استنسابية في صرف التعويضات؛ إذ لم تشهد المرحلة السابقة صرفاً لكل بدلات الإيواء لجميع المستفيدين، وفق ما يقول سكان الضاحية، حيث كانت الفوارق بين الحالات واضحة.

نعيم قاسم متحدثاً إلى تجمع دعا له «حزبُ الله» في الضاحية الجنوبية الشهر الماضي (أرشيفية - أ.ف.ب)

ويقول أحد سكان الضاحية: «لم أقبض في السابق سوى ألفي دولار عن 4 أشهر»، كاشفاً عن أنّ «بدلات أخرى عن العام السابق لم تصل إليّ بالكامل، ولا أعرف مصيرها». ويشير آخر إلى أنه قبض 3 آلاف دولار عن 6 أشهر، لكنه يقول إن «الحديث عن بدلات إضافية بقي قائماً، من دون أن تتضح كيف ستُستكمل، أو ما إذا كانت ستُصرف فعلاً». وتضيف أخرى من سكان منطقة حارة حريك في الضاحية: «نحن لا نعرف هل ما يُدفع هو بدل إيواء كامل، أم دفعات متقطعة، أم تسوية. الناس تتكلم، لكن لا يوجد جواب رسمي واضح».

«الحزب»: ملتزمون دفع بدل إيواء

ويؤكد «الحزب» أنه «اتخذ قراراً بتأمين الإيواء»، ويقول مطلعون على تفاصيله إن هذه الخطوة تأتي في إطار تخفيف الأعباء عن المتضررين في مرحلة ما بعد الحرب، خصوصاً في ظل الضغوط المعيشية وارتفاع تكلفة الإيجارات.

لكن هذا التعهد يصطدم بضغوط خارجية وعقوبات تتوالى، لمنع تدفق الأموال إلى «الحزب»، كان آخرها إعلان وزارة الخزانة الأميركية أنها اتخذت «إجراءات لتعطيل آليتين أساسيتين يستخدمهما (حزب الله) للحفاظ على استقراره الاقتصادي»، تتمثلان في «توليد الإيرادات بالتنسيق مع النظام الإيراني، واستغلال القطاع المالي غير الرسمي في لبنان».

لبنانيون يقفون قبالة مبانٍ دمَّرتها غارات إسرائيلية استهدفت الضاحية الجنوبية لبيروت في يونيو 2025 (أرشيفية - أ.ف.ب)

ويقول معارضون لـ«الحزب» إن «الملف اليوم لم يعد سياسياً فقط، بل بات مرتبطاً مباشرة بالقدرة على تأمين السيولة اللازمة لتغطية التزامات اجتماعية، وفي مقدّمها بدلات الإيواء»، ويرى هؤلاء أنّ «الاختبار الحقيقي سيكون في انتظام الدفع وفي وضوح الآلية، لا في الإعلان بحد ذاته».

مهدئات لبيئته

ويقول رئيس «ائتلاف الديمقراطيين اللبنانيين» المعارض لـ«حزب الله»، جاد الأخوي، لـ«الشرق الأوسط»، إن ما يجري على مستوى الحديث عن ضخّ الأموال «يشبه إبرة مورفين»، وأضاف: «في فترات سابقة قيل إن أموالاً طائلة دخلت إلى البلد، لكنها لم تُصرف، واليوم قد يكون هناك إنفاق محدود، لكنّه يبقى في إطار التهدئة المؤقتة؛ لا أكثر».

ورأى أنّ الدولة «وعدت بمبالغ بنحو 300 مليون دولار»، مشيراً إلى أنّ ما يفعله «الحزب» هو «محاولة لإعطاء الناس جرعة تهدئة، أو ما يشبه الـ(مورفين)، إلى حين توافر التمويل الفعلي». واستبعد إمكانية العودة إلى نمط التمويل السابق، خصوصاً عبر مؤسسات مثل «القرض الحسن»، عادّاً أنّ استمرار هذا النهج «يحمل مخاطر جدية على الاقتصاد».