فخري كريم: شكوت للسيستاني من الفساد فاقترح الاستعانة بوزير من عهد صدام

قال لي سليماني إن «المجلس الأعلى» سيتغير وفوجئنا بخروج العامري (2 من 3)

TT

فخري كريم: شكوت للسيستاني من الفساد فاقترح الاستعانة بوزير من عهد صدام

السياسي والناشر العراقي فخري كريم (الشرق الأوسط)
السياسي والناشر العراقي فخري كريم (الشرق الأوسط)

في عراق ما بعد صدام حسين انتقلت الصلاحيات الواسعة إلى منصب رئيس الوزراء. وكرس ميزان القوى عرفاً يقضي بأن يكون رئيس الوزراء شيعياً، ورئيس الجمهورية كردياً، ورئيس البرلمان سُنيّاً، خصوصاً بعدما ترسخت قصة المكونات على حساب المؤسسات. لم تنجح محاولات خرق هذا العرف حتى حين حاول الرئيس باراك أوباما ونائبه جو بايدن إسناد الرئاسة إلى إياد علاوي الفائز بالأكثرية النيابية لضمان بقاء نوري المالكي الذي حظي بدعم واشنطن وطهران معاً.

تأخر العرب في التعامل مع المتغيرات العراقية. سارعت إيران إلى ملء الفراغ. أيدت «مجلس الحكم»، الذي كان الأميركيون وراء إنشائه وعملت على تجميع القوى الشيعية وتشجيعها على المشاركة في العملية السياسية. وزاد من حضور إيران الدور الذي تقدمت له قوى سياسية وعسكرية احتضنتها طهران في عهد صدام. وهكذا عثرت طهران على موقع من داخل التركيبة العراقية الجديدة، وصار لها ما يشبه حق النقض على القرارات، وحق النظر في تشكيل الحكومات، مراهنة أن الانسحاب العسكري الأميركي آتٍ مهما تأخر.

يقول فخري كريم، كبير مستشاري الرئيس العراقي الراحل جلال طالباني، إن إيران تصرفت كدولة وجدت فراغاً في دولة مجاورة فسعت إلى ملئه وترسيخ دورها وحماية مصالحها. وهكذا صار الجنرال قاسم سليماني لاعباً كبيراً على المسرح العراقي يمتد دوره من متابعة استنزاف الوجود العسكري الأميركي، وصولاً إلى تشكيل الحكومات.

ويلاحظ أن دور دولة خارجية لا يكبر في دولة مجاورة إلا إذا عثرت على من يقبل بدورها. ويقول إن سليماني «كان يحاول أن يخدم بلاده ومصالحها بإخلاص، وكان حريّاً بالطرف الآخر أن يدافع عن دوره ومصالحه». ويتذكر أن سليماني كان «بارعاً وفعّالاً ويحاول أن يكتسب ثقة من يلتقيه وكان قادراً على الانتقال من المرونة الكاملة إلى التشدد الكامل»، كما هو الحال في الرسالة التي وجهها إلى طالباني حين قرر الأخير السير في اقتراح حجب الثقة عن حكومة المالكي. ويقول إن أبو مهدي المهندس، الذي قُتل مع سليماني كان موضع ثقة كاملة من الجنرال الإيراني.

كلّف طالباني كبير مستشاريه مهمات عدة في إيران كانت تتمحور حول تشكيل الحكومات العراقية والعلاقات بين إيران وإقليم كردستان. ذات يوم زار السياسي العراقي عادل عبد المهدي (من «المجلس الأعلى للثورة الإسلامية في العراق») طهران، وقال لطالباني وكريم بعد عودته إن «ما يقوله سليماني عن أن إيران تؤيد نوري المالكي لرئاسة الوزراء غير صحيح، لأنني أُبلغت أن المرشد علي خامنئي يؤيدني».

شعر طالباني بالإحراج، رغم أنه لم يكن بعيداً عن عبد المهدي. طلب من كريم أن يزور طهران ففعل والتقى سليماني بحضور أبو مهدي المهندس. نفى سليماني صحة ما يقوله عبد المهدي وقال لكريم أستطيع أخذك إلى المرشد لتسمع منه شخصياً. لفته كريم إلى أن العقدة الأخرى هي أن «المجلس الأعلى» لا يؤيد المالكي، وهناك موقف السيد مقتدى الصدر وهو يزداد تشدداً. رد سليماني بالقول إنهم على اتصال بالصدر وسيواصلون الاتصالات معه «أما قصة المجلس الأعلى فاتركها لنا ونحن نعالجها». استفسر الموفد العراقي لكن سليماني اكتفى بالقول: «حين ترجع إلى بغداد ستجد المجلس قد تغير». وحين عاد كريم والتقى طالباني وبارزاني أُبلغ أن «منظمة بدر» برئاسة هادي العامري خرجت من «المجلس الأعلى» وانضمت إلى المالكي. وهكذا تغير التوازن ولم يعد باستطاعة المجلس عرقلة تشكيل الحكومة.

يتذكر كريم أن إيران دعمت في البداية تولي إبراهيم الجعفري رئاسة الحكومة (2005 إلى 2006). بالغ الجعفري في الاعتقاد أنه الخيار الوحيد وأنه المنقذ، وسرّب قريبون منه شعاراً هو «نريد حاكماً جعفرياً». تحول الجعفري سريعاً عبئاً على العملية السياسية التي كانت في بداياتها. بعثت المرجعية الشيعية برسائل تعكس قناعتها بوجوب التغيير. نصح السفير الأميركي زلماي خليل زاد الجعفري بالاستقالة فلم يتجاوب. ذهب إليه لاحقاً وهدده بصريح العبارة: «سوف نتصدى لك إن لم تخرج. أخرج ولو خلافاً لإرادتك».

يقول كريم إن اسم المالكي لم يكن مطروحاً آنذاك وكان الاسم الذي يتردد هو علي الأديب من حزب «الدعوة»، وهو الحزب الذي ينتمي إليه المالكي. لم يحبذ المالكي السير في الأديب الذي لم ينجح في تعزيز حظوظه. عقد «الدعوة» اجتماعاً ثانياً لحسم الموضوع غاب عنه الأديب وتم طرح اسم المالكي وأيدته القيادة.

قائد فيلق القدس الراحل قاسم سليماني (أرشيفية - أ.ف.ب)

فطور مع سليماني

يتذكر كريم لقاء مع سليماني على فطور بحضور أبو مهدي المهندس. قال: «تحدثت عن سلوك المالكي في الدورة الثانية وشيوع الفساد. أجابني: دعنا ننتهي. نستطيع أنا وأنت أن نتحدث إلى الصباح عن مظاهر الفساد. اعطوني فرصة وأنا أتعهد بمعالجة هذه القضية بعد الدورة الثانية. أجبته أن الوضع لا يتحمل. وسألته: إذا كانت كل القوى - مقتدى الصدر و«العراقية» والحكيم - متفقة فلماذا لا نستطيع أن نغير؟ قال: التغيير والتكليف يتقرران في التحالف الشيعي. أجبته: التحالف الشيعي نصفه موجود؛ الصدر والحكيم وأحمد الجلبي، فرد قائلاً: التحالف الشيعي من يبقى فيه هو الذي يقرر. قلت: هل أفهم من هذا أنكم أنتم، فأجاب: فكر كما تريد.

خطأ مقتدى الصدر

في عراق ما بعد صدام حسين، برز في الساحة السياسية لاعب كبير صعب. إنه السيد مقتدى الصدر. تيار شعبي عريض واكبته قوة مسلحة. لم يكن التعامل مع الصدر سهلاً بالنسبة إلى القوى السياسية، خصوصاً الشيعية منها. وشهدت بعض الجولات احتكاماً إلى السلاح. لم تكن إدارة ظاهرة الصدر سهلة من الداخل، ولم تكن كثيرة السهولة أيضاً بالنسبة إلى الخارج الإيراني، خصوصاً أن الرجل كثيراً ما يفاجئ حلفاءه وخصومه.

سألت فخري كريم عن قرار الصدر الخروج من الحياة السياسية، فأجاب: «مع احترامي الكامل له، أنا أعتبر القرار خطأً كبيراً دفع العراق ثمنه. خطوة غير مسبوقة. أدى خروج الكتلة الصدرية إلى إفراغ البرلمان من أي قوة شيعية مؤثرة تستطيع تعطيل قرارات لا تنسجم مع التطلعات المشتركة. عندما يستقيل نائب أو اثنان أو ثلاثة أو خمسة يمكن تعويض ذلك، لكن حين تنسحب الكتلة الأكبر من البرلمان فهذا يغير المشهد ويطرح سؤالاً عن التفويض حتى ولو جرى ملء المقاعد بأساليب مستندة إلى نصوص معمول بها. إحلال مرشحين كانوا خاسرين محل هذا العدد الكبير من النواب بدا غريباً ومضحكاً. حوَّلت الأقلية نفسها إلى أكثرية. هذا انقلاب على الدستور والعملية السياسية. أطلقت الأقلية السابقة انقلاباً لا يزال مستمراً. يريدون الإفادة من هذه المرحلة لتصفية كل العناصر التي يمكن أن تتحدى هيمنتهم المطلقة على الوضع في العراق. من هنا نرى محاولات استهداف إقليم كردستان ومحاولة تفكيك المكون السُنّي أيضاً. لا بد من الالتفات هنا إلى المكون الشيعي نفسه. سُلبت إرادة قسم كبير من الشيعة. لم يشارك أكثر من 20 في المائة منهم في الانتخابات الأخيرة، وقد توزع المشاركون على الأطراف الشيعية. هذا يعني أن المجموعة الحاكمة هي أيضاً أقلية على مستوى الشيعة، الذين تعاني مناطقهم من البطالة والفقر ونقص الخدمات أسوة بالمناطق الأخرى. إن اعتقاد المجموعة الحاكمة أن المظلومين لن يعودوا إلى رفع الصوت وترداد الشعارات التي رفعت في الاحتجاجات والانتفاضات خاطئ تماماً».

المرجع الشيعي علي السيستاني (تويتر)

اقتراح مفاجئ من السيستاني

كان من الطبيعي أن أسأل فخري كريم عن دور المرجع الشيعي آية الله علي السيستاني وهو التقاه ثلاث مرات. قال: «خرجت بانطباع أنه متقدم سياسياً بالمعنى الوطني العراقي على كل القيادات الشيعية أو على الغالبية المطلقة منها. وأعتقد أن خُطب الجمعة لوكلائه كانت تعبر عن هذا النهج. أريد التوقف عند ملاحظة أساسية تعطيك فكرة عن أسلوب تفكير السيستاني. تحدثت عن الفساد، ومن ضمن التلاعب بالحصة التموينية وإذ به يفاجئني بالقول: لماذا لا تأتون بوزير التجارة السابق إلى وزارة التجارة لأنه معروف كيف كان يتعامل مع هذه القضية أو لماذا لا تأتون بوزير مسيحي؟ قلت له: كيف؟ فأجاب: لم لا إذا كان نظيفاً ويخدم العراقيين. لماذا لا نأتي به؟ (كان السيستاني يشير إلى تجربة الوزير محمد مهدي صالح في السنوات الأخيرة لصدام والذي ابتكر برنامج البطاقة التموينية). ولم يكن بسيطاً أن يقول السيستاني لماذا لا تأتون بوزير من العهد السابق لأنه كان يضمن وصول الحصة التموينية كاملة.

ذهبت إليه لاحقاً وبعدما تكاثرت المظالم والتجاوزات وشاع الفساد. قلت له إن الناس ينتظرون موقفك. فأجاب: أنا دوري لم يعد كالسابق. تدخلت حينما لم يكن هناك دستور ولم تكن هناك حكومة وهيئات. الآن صار لديكم دستور مُقَرٌّ ورئاسة وحكومة. أنا لا أستطيع أن أتدخل. أنا ليس علي سوى الوعظ والإرشاد وعلى الآخرين أن يقبلوا أو لا.

هناك مسألة أخرى مهمة في موقف السيستاني وهي قناعته أن العراق الجديد لا يمكن أن يبنى على قاعدة استضعاف المكونات الأخرى، وتحديداً السُنّة والأكراد. كان يقول إنه لا يجوز تجاوز المكون السُنّي أو أي مكون آخر. أستطيع القول إنه كان يطالب أن يكون المكون السُنّي شريكاً وأن يأخذ حقوقه كاملة».

فتوى «الجهاد الكفائي» و«الحشد»

يرى كريم أن السيستاني أصدر فتوى «الجهاد الكفائي»، لاستنهاض الناس لمواجهة خطر كبيرهو «داعش». ومن الطبيعي أن المهمة تنتهي بزوال الخطر. لم يتحدث عن «الحشد» أو أي تنظيم آخر، بل تحدث عن متطوعين. ويضيف: «تجاوب كثيرون مع دعوة السيستاني وقدم قسم منهم تضحيات كبيرة إلى جانب القوات المسلحة والبيشمركة. وقد شارك المتطوعون في عملية تحرير الأراضي التي كان التنظيم يحتلها.

كانت هناك قناعة بأن من حق من قدموا هذه التضحيات أن يكونوا جزءاً من القوات المسلحة وأن يحظوا برعاية الدولة. فكرة دمج الميليشيات أو الكيانات العسكرية بالقوات المسلحة ليست جديدة. الحاكم الأميركي بول بريمر (أول حاكم للعراق بعد الغزو) اقترح شيئاً من هذا النوع على الفصائل والتنظيمات تحت شعار الدمج في الجيش ونُفِذَت خطوات على هذا الصعيد. كان الغرض إذن إزالة خطر «داعش» ولم يكن المطلوب إنشاء جيشٍ موازٍ للجيش أو قيام مؤسسة أخرى. لم يكن هناك تفكير بأن تقوم كيانات تعتبر جزءاً من القوات المسلحة لكن لدى بعضها أجندات خاصة ولا تخضع عملياً لأوامر القائد العام للقوات المسلحة وهو رئيس الوزراء. وربما يكون الحل عن طريق تشكيل قيادة عامة للقوات المسلحة تشارك فيها كل مفاصل هذه القوات وتأتمر بأوامر القيادة العامة وليس القائد العام الذي لا يستطيع أحياناً أن يفعل شيئاً».

صعوبة مهمة السوداني

وعما إذا كانت مهمة رئيس الوزراء الحالي محمد شيّاع السوداني تزداد صعوبة وما إذا كان التحالف الشيعي أو «الإطار التنسيقي» هو الحاكم الفعلي، قال كريم: «نعم، مهمة رئيس الوزراء الحالي تزداد صعوبة. هو، وبكل صراحة، لديه نوايا إيجابية ويريد أن يحقق ما يستطيع من البرنامج الحكومي لكنه محكوم بسور من الضغوطات. من ينظر إلى الانحدار الذي يضرب العملية السياسية يدرك حجم الصعوبات. عملياً الحاكم الفعلي هو القوى التي تشكل الإطار الشيعي أو الإطار التنسيقي، ولا يمكن للحكومة أن تخرج عن المسار المحدد من هذا الإطار».

«الإطار التنسيقي» هو القوة الحاكمة. وأعتقد أن أحد قادته قال كلاماً مؤسفاً ومزعجاً جداً حين سُئل عن دور رئيس الوزراء. قال: «نحن بالنسبة إلينا رئيس الوزراء هو مدير عام حين يتعلق الأمر بالقضايا الاستراتيجية والأساسية. أما فيما يتعلق بالإدارة اليومية للدولة فهو رئيس وزراء. هذا الكلام كان بمثابة إشارة لأنه قيل مع انطلاق الحكومة.

شاع في الآونة الأخيرة على لسان سياسيين وإعلاميين أن قادة في الإطار يسعون إلى إفراغ منصب رئيس الوزراء من أهميته خوفاً من «تفريخ زعامات جديدة». وثمة من يطرح أن يستقيل رئيس الوزراء من موقعه قبل ستة أشهر إذا كان ينوي خوض الانتخابات. وهناك من ينقل عن السيد نوري المالكي، وأنا لا أريد الخوض مجدداً في سجالات معه، أن السوداني يحاول الإفادة من موقعه الحالي لتعزيز فرصه في الانتخابات المقبلة».

الخروج الكبير إلى سوريا

في الشهر ما قبل الأخير من عام 1978 كلفت قيادة الحزب الشيوعي العراقي فخري كريم بإعداد خطة سرية لإخراج عدد من كوادر الحزب مع عائلاتهم في اتجاه سوريا ولبنان لإبعادهم عن التصفيات والملاحقات التي يمارسها حكم «البعث» ضد الحزب. وتفادياً للفت أنظار الأجهزة، تم اغتنام فرصة ذهاب وفد عراقي برئاسة نعيم حداد، عضو القيادة القطرية في «البعث» إلى دمشق للمشاركة في اجتماع عربي، فأدرج الحزب الشيوعي اسم كريم في عداد الوفد لتسهيل خروجه.

يروي كريم: «وصلنا إلى دمشق وكان هدفي أن ألتقي الرئيس حافظ الأسد. لجأت إلى وزير الإعلام أحمد إسكندر الذي كان مقرباً جداً منه إلى حد أن الأسد كان يعامله وكأنه ابنه. خلال استقبال الأسد الوفد العراقي لاحت فرصة فأخذني إسكندر إليه. قلت للأسد إنني سأختصر لأن الوضع لا يسمح بالإطالة. أنا جئت في هذه المهمة. فرد: من دون تفاصيل، كل شيء تحت تصرفكم. وهذا أخوكم (أحمد إسكندر) إذا احتجت أي شيء تخبره حينما تأتي. قلت له إنني باقٍ. فقال: علاقتك مع الدولة تكون مع عبد الحليم خدام ومع الحزب عبر عبد الله الأحمر ومع جهاز المخابرات لكي يؤمّن لكم أسلحة وتفاصيل أخرى مع اللواء علي دوبا. أنت مرحب بك في أي وقت وسوريا تحت تصرفكم».

طبعاً كان موضوع سوريا حيوياً بالنسبة إلينا للاعتبارات المعروفة. كان يأتينا سلاح من ليبيا واليمن الديمقراطي والمقاومة الفلسطينية، وكنا نمرره من الأراضي السورية إلى إقليم كردستان عبر ممر الخابور.

400 ألف دولار من حافظ الأسد

قلت لكريم: بلغني أنك حصلت للحزب على مساعدة مالية من سوريا وهذا كان قليل الحدوث. سوريا كانت توفر لأصدقائها إقامات وباسبورات لكنها لم تكن سخية في المساعدات المالية. أجاب: «للتاريخ أقول إن سوريا احتضنتنا وقدمت لنا كل الدعم. منذ البداية تحدثت مع الرئيس الأسد عن حرج موقف الحزب ووضعه وحرصه على استقلاليته»، فأجاب: «أنتم هنا أحرار. من يحاول أن يعيق أو يتحدث بلغة أخرى أنا موجود». والحقيقة أن هذه القاعدة احترمت باستثناء مرة واحدة لا أجد مناسباً الحديث عنها الآن.

كانت سوريا توفر كل أشكال الدعم أي الاحتضان والرعاية والإقامة لعشرات الآلاف من العوائل، بالإضافة إلى خط المواصلات بين سوريا وكردستان لمرور المتطوعين من البيشمركة والقيادات والأسلحة.

ذات يوم بعد انهيار الاتحاد السوفياتي والبلدان الاشتراكية، كان الحزب يجتاز أزمة خانقة. كنا في زيارة للرئيس الأسد برفقة الأخ مسعود بارزاني ومشاركة أمين عام الحزب الاشتراكي. بعد انتهاء اللقاء طلبت التحدث إلى الأسد على انفراد. تنحينا جانباً وتناولت السبحة من يده. قال: سبح بها ثم أعدها لي. قلت له: أعرفكم وأعرف أن كلمتكم لا تصير اثنتين. قال: نعم. قلت: لكن للأسف تكرر الأمر ثلاث مرات وأنت تعد ولا تفي. استغرب وقال: ماذا؟ قلت: نحن وضعنا صعب جداً ونحتاج إلى دعم. تقول لنا نعم ثم نذهب وتروح القضية. ضحك الأسد وقال: إن شاء الله يصير. قلت له: هذه المرة سأبقى واقفاً معك حتى تقول لي أخرج وقابل فلاناً ومعه 200 ألف دولار. ضحك مجدداً، وقال: سيكون. قلت له: من ينتظرني؟ ضحك ضحكة كبيرة وقال: «أبو جهاد» ينتظرك (عبد الله الأحمر الأمين العام المساعد لحزب «البعث»). سألني مسعود عما قلت للأسد فأجبته أنه موضوع شخصي. قال: ماذا الشخصي؟ لقد أخذت سبحة الرجل. قلت له: هو لم يسترجعها فماذا أفعل؟

ذهبت إلى المكتب في دمشق فقالوا لي إن مكتب عبد الله الأحمر اتصل مرات عدة. اتصل الأحمر مجدداً وقال أين أنت؟ فقلت له: سأرسل لك المحاسب لتسلم المبلغ، وهكذا كان.

بعد نحو ثلاثة أشهر تدهورت أوضاع الحزب المالية مجدداً، وكان علينا أن نجمع مبلغ مليون دولار لنسد حاجات ملحة. حصلنا على جزء من اليمن الجنوبي وآخر من ياسر عرفات لكن ذلك لم يكن كافياً. ذهبت إلى عبد الحليم خدام وتمنيت عليه أن ينقل رسالة إلى الرئيس الأسد فسأل عن مضمونها. أجبت أننا نحتاج إلى دفعة أخرى. استغرب، وقال: دفعة ماذا؟ هل أخذت منه مصاري؟ فقلت: نعم. سأل عن المبلغ فقلت 200 ألف دولار. استغرب وقال: نحن نأخذ فكيف تأخذ أنت منا؟ كررت الطلب أن يوصل الرسالة إلى الرئيس. قال: أنا لا أوصلها. قلت: نحن في حاجة ماسة والرجاء أن تبلغه. قال: ماذا أقول له؟ قلت: قل له إننا محتاجون مثل المرة السابقة. أبلغه سلامي وأنه إن لم يستجب سأكسر عهدي معه. سأل عن العهد، فأجبت: هو قال لي في المرة السابقة أنه يشترط ألا يعرف أحدٌ. وإذا لم يوافق هذه المرة سأصدر بياناً أقول فيه إن الرئيس الأسد أعطانا 200 ألف دولار ووعدنا بمثلها لكنه لم ينفذ. ضحك خدام طويلاً. في اليوم التالي اتصل بي وقال: تعال. دفع لنا 200 ألف دولار، وقال: الرئيس يبلغك السلام لكن رجاء لا تحرجنا».

العلاقة مع القذافي

وعن المساعدة من ليبيا، قال: «الحقيقة نحن الحزب الوحيد الذي لم يحصل إلا على مساعدة بسيطة جداً من ليبيا. ومرة أخرى حصلنا على كمية لا بأس بها من السلاح في بيروت وعن طريق أبو عمار. حملت الباخرة أسلحة لنا ولمنظمات أخرى بينها الحزب الشيوعي اللبناني. لاحظ رفاقنا أن بعض الأسلحة تحمل تواقيع (أبو فلان) و(أبو فلان) من المقاتلين الفلسطينيين. أخبرت الرفيق جورج حاوي الأمين العام للحزب الشيوعي فتبين أنهم لاحظوا الأمر نفسه. أطلق حاوي تعبيراً لا أريد تكراره. لاحقاً حكيت القصة لعرفات فرد مبتسماً على طريقته وقال: عملوها معكم؟

بالنسبة إلى العلاقات مع ليبيا، دعيت بعد تولي القذافي ورفاقه إلى احتفالية وذهبت. بعدها تكررت اللقاءات. ذات يوم تلقينا دعوة من القذافي. ذهبت أنا وعزيز محمد السكرتير الأول للحزب. دخلنا إلى الخيمة فوجدنا حاوي جالساً مع العقيد. قال القذافي: أنا طلبتكم هذه المرة لشيء خاص كي تقوموا به لي ولليبيا. الأصدقاء السوفيات يضغطون علينا من أجل تسديد ديوننا. ونحن أعلنا استعدادنا لكن عن طريق كميات من النفط. وافقوا لكن شرط أن نحسب سعر النفط وفق السوق السوداء وهذا يضرنا كثيراً. أريدكم أن تذهبوا أنتم الثلاثة إلى موسكو باسمي وتطلبوا من السوفيات أن يعفونا من هذا الشرط.

رد حاوي: نحن بالتصرف وسنقوم بهذا الواجب. استأذنت من الرفيق عزيز وقلت: أخي العقيد، مع كامل احترامي للرفيق جورج، أنت رئيس دولة لها موقعها في (جبهة الصمود والتصدي) وصديق للاتحاد السوفياتي. إذا ذهبت أنت فإن القيادة السوفياتية ستحتفي بك ومن دون شك ستأخذ هواجسك ومطالبك في الاعتبار. نحن من؟ نحن أحزاب شيوعية معارضة. أعلى مسؤول يمكن أن نطلب مقابلته عضو مرشح للمكتب السياسي وقد يرسل نائبه لمقابلتنا. ثم إنهم سيستغربون أن يأتي عراقي ولبناني إليهم باسم القذافي. مكانتك ستلعب دوراً في حل الموضوع. عملياً اعتذرنا. بعد خروجنا كان حاوي غاضباً جداً وعاتبني عتاباً شديداً ووصفني بـ(المخرب)، وقال: نحاول ولا مشكلة إن فشلنا».

غداً حلقة ثالثة

خروج الصدر مَكّن الأقلية من الانقلاب على العملية السياسية والدستور.... وأطراف في «الإطار التنسيقي» تعتبر رئيس الوزراء «مجرد مدير عام»

فخري كريم


مقالات ذات صلة

الزيدي يدافع عن خفض الدينار وسط انتقادات نيابية

المشرق العربي رجل يسير أمام مكتب للصرافة في بغداد يوم 7 أكتوبر 2026 بعد خفض البنك المركزي العراقي قيمة الدينار مقابل الدولار (أ.ف.ب)

الزيدي يدافع عن خفض الدينار وسط انتقادات نيابية

دافع رئيس الوزراء العراقي علي الزيدي عن قرار تغيير سعر صرف الدولار، قائلاً إن الحكومة اتخذته في ظل أزمة مالية تفاقمت بسبب انقطاع صادرات النفط وإغلاق مضيق هرمز.

حمزة مصطفى (بغداد)
المشرق العربي مشهد عام لسوق الشورجة في بغداد 7 أكتوبر 2026 (رويترز)

بغداد تتحرك لاحتواء «صدمة الدولار»... ودعوات للاحتجاج

حاولت الحكومة العراقية احتواء خفض قيمة الدينار، من خلال تأجيل استيفاء رسوم وضرائب على سلع أساسية، بينما تتواصل ردود الفعل السياسية الغاضبة من القرار.

حمزة مصطفى (بغداد)
المشرق العربي أحد أفراد قوات الأمن العراقية في بغداد (أ.ف.ب)

تحذيرات من عودة «داعش» بعد هجمات شمال بغداد

حذر مسؤولون عراقيون، الأربعاء، من استئناف تنظيم «داعش» نشاطه بعد هجمات استهدفت الأمن في مناطق ريفية شمال بغداد.

حمزة مصطفى (بغداد)
خاص صراف عملات يقوم بعدّ رزم من أوراق الدينار العراقي خلال خدمة أحد الزبائن بمحل صرافة على جانب الطريق في بغداد (أ.ب)

خاص العراق يخفّض الدينار... والمواطن يتحمل تكلفة الضغوط المالية

استيقظ العراقيون، الأربعاء، على واقعٍ ماليٍ جديد مع خفض السلطات سعر صرف الدينار إلى 1520 مقابل الدولار، من 1320 ديناراً، في خطوة أثارت موجة غضب شعبي واسعة.

فاضل النشمي (بغداد)
الاقتصاد موظف يرتب أكواماً من الدينار العراقي في محل صرافة ببغداد (أ.ف.ب)

العراق يخفّض قيمة الدينار مع تراجع إيرادات النفط بسبب اضطرابات التصدير

خفّض العراق قيمة عملته، الأربعاء، ليرتفع سعر الصرف الرسمي من نحو 1300 دينار للدولار إلى 1500 دينار.

«الشرق الأوسط» (بغداد)

الفلسطينيون بانتظار إعلان تأجيل الانتخابات... خطوة غير مفاجئة

عنصر من القوات الإسرائيلية يشير بيده إلى فلسطيني أثناء قيامه بأعمال الحراسة خلال هدم مبنى فلسطيني بالقرب من الخليل في الضفة الغربية التي تحتلها إسرائيل (أرشيفية - رويترز)
عنصر من القوات الإسرائيلية يشير بيده إلى فلسطيني أثناء قيامه بأعمال الحراسة خلال هدم مبنى فلسطيني بالقرب من الخليل في الضفة الغربية التي تحتلها إسرائيل (أرشيفية - رويترز)
TT

الفلسطينيون بانتظار إعلان تأجيل الانتخابات... خطوة غير مفاجئة

عنصر من القوات الإسرائيلية يشير بيده إلى فلسطيني أثناء قيامه بأعمال الحراسة خلال هدم مبنى فلسطيني بالقرب من الخليل في الضفة الغربية التي تحتلها إسرائيل (أرشيفية - رويترز)
عنصر من القوات الإسرائيلية يشير بيده إلى فلسطيني أثناء قيامه بأعمال الحراسة خلال هدم مبنى فلسطيني بالقرب من الخليل في الضفة الغربية التي تحتلها إسرائيل (أرشيفية - رويترز)

ينتظر الفلسطينيون إعلاناً رسمياً من الرئيس الفلسطيني، محمود عباس، بتأجيل الانتخابات التي كانت مقررة في 28 نوفمبر (تشرين الثاني) القادم، بعدما اتفقت حركة «فتح» مع الفصائل الفلسطينية على ذلك، في خطوة لم تكن مفاجئة.

وقال مصدر فلسطيني مطلع، لـ«الشرق الأوسط»، إن تأجيل الانتخابات كان متوقعاً منذ اللحظة الأولى التي أصدر فيها الرئيس الفلسطيني المرسوم. وأضاف: «جاء المرسوم تلبية لطلبات وضغوط خارجية من أجل تجديد الشرعيات والإصلاح. ولم يكن أحد هنا مستعداً لذلك... لا (فتح) ولا (حماس) ولا الفصائل كانت مستعدة للانتخابات. ورغم إعلان الجميع أنهم مع إجراء هذه الانتخابات، دفع الجميع نحو تأجيلها... حتى الآن لم يشكل أي فصيل رئيسي قائمته ولم يقدمها للجنة الانتخابات».

جانب من مشاركة قوى وفصائل فلسطينية في اجتماع سابق بالقاهرة (حساب حماس في تلغرام)

وحسب المصدر، يُفترض أن ترفع اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير، التي تجتمع السبت، توصية للرئيس عباس بتأجيل الانتخابات من أجل إعطاء الحوار الوطني فرصة، ولأن الظروف السياسية والأمنية معقدة وغير مهيأة في هذا الوقت.

ولم يتضح ما إذا كان عباس سيحدد موعداً جديداً، أو سيعلن أنها ستُجرى خلال الربع الأخير من العام القادم كما تقدر الكثير من المصادر.

وأبلغ نائب الرئيس الفلسطيني، حسين الشيخ، فرنسا بتأجيل الانتخابات فعلاً لعدة أشهر، بسبب تدهور الأوضاع في الأراضي الفلسطينية، وفق رسالة اطلعت عليها وكالة «رويترز».

وجاء في رسالة من الشيخ إلى وزير الخارجية الفرنسي، جان نويل بارو، أمس (الخميس)، أن التقييم خلص إلى أن الظروف السياسية والأمنية والاقتصادية التي كان من المتوقع توافرها لإجراء الانتخابات التشريعية في موعدها المحدد لم تتحقق.

وأضافت الرسالة أن إجراء الانتخابات في ظل الظروف الحالية يواجه عقبات جوهرية تؤثر في شمولية العملية الانتخابية، وحرية المشاركة فيها، ونزاهتها.

ولم تُجرَ انتخابات تشريعية أو رئاسية فلسطينية منذ عامي 2005 و2006، حين أُجريت آخر انتخابات من هذا النوع، قبل أن تسيطر «حماس» على قطاع غزة وتُخرج منه القوات الموالية للرئيس محمود عباس.

الرئيس الفلسطيني محمود عباس في كلمة مسجلة عن بُعد وجهها إلى اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة المنعقدة في نيويورك (أرشيفية - إ.ب.أ)

وكان عباس أعلن أن الانتخابات التشريعية ستجرى في نوفمبر القادم، ضمن سلسلة إصلاحات ضخمة أطلقها في السلطة الفلسطينية بعد السابع من أكتوبر (تشرين الأول) 2023، شملت إعادة تشكيل لجنة الانتخابات المركزية، واستحداث منصب نائب رئيس اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير ونائب رئيس دولة فلسطين، وتشكيل لجنة لصياغة دستور مؤقت للمرحلة الانتقالية من «السلطة» إلى «الدولة»، وتعيين رؤساء جدد لجميع قادة الأجهزة الأمنية تقريباً، وإحالة مئات الضباط برتبة عميد للتقاعد بمرسوم رئاسي، وانتخابات محلية في الضفة وغزة ثم انتخابات لقيادة حركة «فتح».

لكن على الرغم من كل هذه الإصلاحات، تشكك الفلسطينيون في مسألة إجراء الانتخابات الرئاسية والتشريعية.

وجاءت رسالة الشيخ لتقطع الشك باليقين مؤكدة فعلاً تأجيل الانتخابات.

وقالت الرسالة إن المسؤولين الفلسطينيين كانوا يتوقعون تحسن الظروف من خلال تنفيذ مبادرة الرئيس الأميركي، دونالد ترمب، للسلام، وتطبيق قرار صادر عن مجلس الأمن الدولي، بما يشمل نشر قوات دولية وشرطة فلسطينية في قطاع غزة، ونزع سلاح حركة «حماس»، وانسحاب القوات الإسرائيلية.

وأضافت أن الجانب الفلسطيني كان يتوقع أيضاً تحركاً أميركياً لمنع المزيد من ضم الأراضي الفلسطينية في الضفة الغربية والقدس الشرقية، والحد من عنف المستوطنين، والإفراج عن أموال فلسطينية تحتجزها إسرائيل وتبلغ قيمتها نحو 7 مليارات دولار.

وزير الخارجية المصري خلال استقبال وفد حركة «فتح» بالقاهرة في أبريل 2025 (الخارجية المصرية)

وجاء في الرسالة: «لكن هذه الخطوات والتفاهمات والوعود لم تتحقق، بل تدهورت الأوضاع في جميع أنحاء الأراضي الفلسطينية»، مشيرة إلى مشكلات أمنية في قطاع غزة والضفة الغربية.

وبناءً على هذا التقييم، أوصى المسؤولون الفلسطينيون الرئيس عباس بتعديل موعد الانتخابات وتأجيلها عدة أشهر، مع مواصلة الحوار بهدف تهيئة الظروف الداخلية اللازمة لإجرائها، حسب الرسالة.

أسباب «فتحاوية» وفصائلية

وإضافةً إلى الأسباب التي ساقها الشيخ، قالت مصادر أخرى، لـ«الشرق الأوسط»، إن عدم الاتفاق داخل «فتح» كان سبباً رئيسياً للذهاب نحو تأجيل الانتخابات.

وأضافت المصادر أنه لم يكن هناك اتفاق واضح مع القيادي الكبير مروان البرغوثي الذي أطلق مبادرة قبل الانتخابات من أجل «توحيد حركة (فتح) بجميع كُتلها وتياراتها»، وكان ثمة مخاوف من أنه قد يدفع نحو تشكيل قائمة خاصة.

وينوي البرغوثي الترشح للرئاسة وليس للتشريعي، لكن دعمه قائمة أخرى غير قائمة «فتح» الرسمية، من شأنه أن يخلط الأوراق.

وكانت «فتح» تواجه كذلك تحدياً يتعلق بتيار الإصلاح الذي يقوده المسؤول السابق في الحركة، محمد دحلان، الذي كان اتفق مع «حماس» على تشكيل قائمة واحدة لخوض الانتخابات تضم فصائل أخرى، ولم يتضح إذا ما كان يمكن أن ينضم إلى البرغوثي، لاحقاً، لو شكل قائمته الخاصة.

وإضافة إلى ذلك، كان ثمة مسؤولون غاضبون في «فتح» شرعوا فعلاً في تشكيل قوائم خاصة.

وتريد «فتح» الذهاب بقائمة واحدة، ويحتاج هذا إلى المزيد من الوقت والمشاورات الداخلية.

قوات إسرائيلية أثناء هدم مبنى فلسطيني قرب الخليل في الضفة الغربية يوم 5 أكتوبر 2026 (رويترز)

كذلك فشلت محاولة التصالح مع تيار دحلان في وقت سابق، رغم محاولات إقليمية لحل مشكلة هذا التيار بعودته إلى «فتح» أو تشكيله حزباً سياسياً جديداً على الساحة الفلسطينية.

وإلى جانب «فتح»، لم تكن «حماس» حسمت أمرها نهائياً، وكانت تحتاج إلى تحالف واسع وقوي بعد أن تعهدت بعدم خوض الانتخابات باسمها أو عبر قادتها وعناصرها المعروفين.

وأيّدت «حماس» و«الجهاد الإسلامي» كذلك تأجيل الانتخابات. وقبل الجميع، طالبت «الجبهة الشعبية» بتأجيلها وإعطاء الحوار الوطني فرصة.

وقال المصدر: «الكل كان يدفع نحو التأجيل. المسألة ليست متعلقة بالسلطة و(فتح) فقط».

ولا يملك الفلسطينيون قرار الانتخابات منفردين، بل لإسرائيل كلمة فصل فيما يخص ذلك.

ورفضت الحكومة الإسرائيلية السماح للجنة الانتخابات المركزية الفلسطينية بدخول قطاع غزة والقدس لمتابعة التحضيرات للانتخابات.

وكان مصدر فلسطيني مسؤول قال لوكالة الأنباء الرسمية «وفا»، الثلاثاء، إن الحكومة الإسرائيلية رفضت السماح بدخول اللجنة إلى القطاع والقدس، في خطوة وضعت عقبة مباشرة أمام إجراء انتخابات تشمل الأراضي الفلسطينية بكاملها.


رئيس الحكومة اللبنانية: مسارات مترابطة لاستعادة قرار الدولة والإصلاح

رئيس الحكومة اللبنانية نواف سلام ورئيس الحكومة الأسبق فؤاد السنيورة خلال جولة في أجنحة معرض بيروت للكتاب (رئاسة الحكومة)
رئيس الحكومة اللبنانية نواف سلام ورئيس الحكومة الأسبق فؤاد السنيورة خلال جولة في أجنحة معرض بيروت للكتاب (رئاسة الحكومة)
TT

رئيس الحكومة اللبنانية: مسارات مترابطة لاستعادة قرار الدولة والإصلاح

رئيس الحكومة اللبنانية نواف سلام ورئيس الحكومة الأسبق فؤاد السنيورة خلال جولة في أجنحة معرض بيروت للكتاب (رئاسة الحكومة)
رئيس الحكومة اللبنانية نواف سلام ورئيس الحكومة الأسبق فؤاد السنيورة خلال جولة في أجنحة معرض بيروت للكتاب (رئاسة الحكومة)

أكد رئيس الحكومة اللبنانية نواف سلام: «إننا نعمل على مسارات مترابطة» تتمثل في «استعادة قرار الدولة وسلطتها على كامل أراضيها، وإطلاق الإصلاحات اللازمة للنهوض الاقتصادي وإعادة الإعمار»، مشيراً إلى أن «النجاح في أحدها لا يغني عن التقدم في المسارات الأخرى».

وقال سلام خلال افتتاح معرض بيروت العربي الدولي للكتاب: «لقد دفع اللبنانيون أثماناً باهظة للحروب والأزمات المتعاقبة. خسروا أرواحاً وأرزاقاً وبيوتاً ومدّخرات، وخسر كثير من شبابنا الثقة بقدرتهم على بناء مستقبلهم في وطنهم».

وإذ أشار إلى المسارات المترابطة، أكد أنه «لا اقتصاد قابلاً للنهوض من دون إصلاح وثقة ومساءلة، ولا إعادة إعمار مستدامة من دون أمن واستقرار، ولا استقرار ثابتاً من دون دولة تملك وحدها قرار الحرب والسلم، ولا دولة قادرة من دون مؤسسات فاعلة».

وتابع: «هكذا لا يبقى مستقبل اللبنانيين رهينة قرارات لا يتخذونها عبر مؤسساتهم الدستورية، أو صراعات لا يريدونها، أو حروب لا يختارونها، بل يدفعون أثمانها مرة بعد مرة»، مشيراً إلى أن «استعادة سيادة الدولة تقتضي إنهاء الاحتلال الإسرائيلي لأراضينا، ووقف الاعتداءات، وعودة النازحين إلى بيوتهم عودة آمنة وكريمة، وإعادة إعمار قراهم ومدنهم».

وقال سلام: «الدولة التي نريد لا تكتمل سيادتها على أرضها إذا بقيت ضعيفة أمام المصالح الفئوية والخاصة، ولا تستعيد ثقة الناس إذا لم تقم على العدالة والمساواة وسيادة القانون، وهذه هي المهمة التي نعمل من أجلها، مدركين أن الطريق ليس سهلاً، وأن التحديات كبيرة، وأن ما تراكم خلال عقود لا يمكن معالجته بين ليلة وضحاها»، مشدداً على أن «صعوبة المهمة لا تبرّر تأجيلها، وحجم التحديات لا يعفينا من تحمّل المسؤولية».

نهضة شاملة للبنان

ورأى سلام أن «الحديث عن النهضة الثقافية يقودنا بالضرورة إلى الحديث عن النهضة الشاملة التي يحتاج إليها لبنان»، لافتاً إلى أن «بلدنا لا يحتاج إلى إعادة إعمار ما تهدّم فحسب؛ بل إلى إعادة التفكير في الكثير مما أوصله إلى ما هو عليه». وقال: «لا يكفي أن نعيد بناء بعض مؤسسات الدولة، بل علينا أن نعيد الاعتبار إلى مفهوم الدولة نفسه، وإلى مكانتها في وجدان اللبنانيين، وفي علاقتهم بعضهم ببعض، وفي نظرتهم إلى حقوقهم وواجباتهم».

سلام يتوسط رؤساء حكومات سابقين ووزيري الثقافة اللبناني والسوري خلال افتتاح معرض بيروت للكتاب (رئاسة الحكومة)

وشدد على أن «النهضة التي يحتاج إليها لبنان ليست مجرد مشروع اقتصادي أو إداري أو عمراني. إنها أيضاً نهضة في الفكر السياسي، وفي الثقافة الوطنية، وفي مفهوم المسؤولية العامة».

وقال سلام: «نحن بحاجة إلى ثقافة سياسية لا تختزل السياسة بالصراع على السلطة، بل تراها مسؤولية عن الصالح العام، وإلى ثقافة مواطنة لا تنكر تنوّع اللبنانيين، بل تجعل من الدولة إطاراً جامعاً لهذا التنوع. نحن بحاجة إلى فضاء ثقافي وإعلامي يتيح النقاش الحر، ويشجّع السؤال والمساءلة، ويواجه خطاب الكراهية والتضليل، من دون أن يخشى النقد أو يسعى إلى إسكات الأصوات المخالفة».

بناء المستقبل

وأكد أن «النهضة الفكرية ليست ترفاً يمكن تأجيله إلى ما بعد الإصلاح السياسي والاقتصادي. إنها أحد شروط نجاح هذا الإصلاح واستدامته».


مظاهرات حاشدة في الحسكة تحت شعار «جمعة العلم السوري»

العلم السوري في مظاهرة الحسكة (مواقع التواصل)
العلم السوري في مظاهرة الحسكة (مواقع التواصل)
TT

مظاهرات حاشدة في الحسكة تحت شعار «جمعة العلم السوري»

العلم السوري في مظاهرة الحسكة (مواقع التواصل)
العلم السوري في مظاهرة الحسكة (مواقع التواصل)

في مشهد وُصف بـ«العيد الأكبر» و«طوفان الحسكة»، خرج آلاف من أهالي المحافظة السورية، عقب صلاة الجمعة، في مظاهرات حاشدة تحت شعار «جمعة العلم السوري»، وتجمعوا في «ساحة الحرية» وسط المدينة، مطالبين بـ«فرض سيادة الدولة وسلطتها» في جميع مناطق المحافظة، وتعزيز حضور مؤسساتها فيها، وإطلاق سراح المعتقلين والمغيّبين في سجون «قوات سوريا الديمقراطية» (قسد)، المنحلّة، وذلك بعد يوم واحد من رفع العلم في الساحة ذاتها على أعلى سارية، بحضور شعبي ورسمي غفير.

وتأتي هذه المظاهرات في سياق تطورات متسارعة تشهدها مدينة الحسكة منذ نحو أسبوع، وتتعلق بتنفيذ اتفاق 29 يناير (كانون الثاني) 2026، الموقع بين الحكومة السورية و«قسد»، والذي نصّ على دمج مؤسسات «الإدارة الذاتية» الكردية السابقة، المدنية والأمنية والعسكرية، في هياكل الدولة، وسط شكاوى «المكون العربي» الذي يُمثل الأغلبية السكانية في المحافظة، من استمرار هيمنة «قسد»، رغم الإعلان عن حلها أواخر أغسطس (آب) الماضي.

ومنذ ساعات الصباح الأولى، توافد الأهالي من معظم أحياء مدينة الحسكة (العزيزية والكلاسة والنشوة) ومن مدن أخرى في المحافظة، بينها الشدادي ومركدة والهول والعريشة، وتجمعوا في حي غويران أمام مسجد أبو بكر الصديق، وتوجهوا بعد صلاة الجمعة إلى الساحة الرئيسية وسط المدينة، والتي يطلق عليها «ساحة التحرير»، حاملين العلم الوطني السوري في جمعة أطلقوا عليها «جمعة العلم السوري».

مشاركون في مظاهرة الحسكة الجمعة (سانا)

واستبقت قوى الأمن الداخلي الحكومية المظاهرات بتعزيز وجودها وانتشارها في كل أرجاء المدينة منذ منتصف ليل الخميس - الجمعة، للحفاظ على سلامة المشاركين والأهالي والممتلكات العامة والخاصة، وذلك إثر قيام مسلحين «خارجين عن القانون» بإطلاق النار بشكل عشوائي في بعض الأحياء، فيما اتهم نشطاء ما يعرف بـ«الشعبية الثورية» الكردية، بافتعال هذا التوتر لمحاولة فرض حظر تجوال ومنع خروج المظاهرات، وقد نجحت قوى الأمن الداخلي في إعادة الهدوء إلى المنطقة في الليلة ذاتها، حسب قناة «الإخبارية» السورية التلفزيونية.

ورفع المشاركون العلم الوطني وصور معتقلين لدى «قسد»، وصوراً لـ«شهداء الثورة السورية»، وردّدوا شعار «واحد واحد... الشعب السوري واحد»، في رسالة أرادوا منها طمأنة جميع المكونات السكانية في المحافظة، من «عرب وأكراد ومسيحيين»، بأن الجميع تحت سقف القانون، ومتساوون في الحقوق والواجبات.

وطالب المشاركون بـ«فرض سيادة الدولة وسلطتها في جميع مناطق الحسكة، وعودة مؤسسات الدولة وتفعيلها، وإطلاق سراح المعتقلين المغيبين في سجون (قسد)، وفتح باب الانتساب لأبنائهم في قوى الأمن الداخلي، وإنهاء ازدواجية السلطة في المحافظة، وكذلك إنهاء وجود الشبيبة الثورية».

جانب من الشعارات التي رفعت في المظاهرة (مواقع التواصل)

وبينما أظهرت مقاطع فيديو على منصات التواصل الاجتماعي قيام متظاهرين بإزالة أعلام ورايات «حزب العمال الكردستاني» و«قسد» من الطرقات والمباني. وفي هذا السياق، أوضح الناشط صهيب اليعربي -من أبناء القبائل العربية في المحافظة وأحد الداعين للمظاهرات- أن رسالة المشاركين تتمثل في تأكيد أن الأغلبية العظمى بالحسكة تؤيد الدولة السورية، وتريد بسط سيادتها على كامل المحافظة، وألا يُرفع فيها إلا علم الجمهورية العربية السورية.

ووصف اليعربي في تصريح لـ«الشرق الأوسط»، المظاهرات بـ«الناجحة»، ومطالب المشاركين بـ«الوطنية والمحقة»، مشيراً إلى أنه لم تسجل توترات أو استفزازات، باستثناء حالة واحدة من قبل عناصر من «الشبيبة الثورية» تم تجاوزها من قبل المتظاهرين.

من جانبه، وصف الناشط إبراهيم الحلبي، وهو أيضاً من أبناء القبائل العربية في المحافظة، مشهد الحشود في «ساحة التحرير» والمظاهرات التي استمرت نحو ساعتين واتسمت بالسلمية، بأنه «مهيب وجميل ورائع جدا؛ حيث كانت الفرحة عارمة برفع العلم الوطني، وسط مشاعر جياشة استحضرت لدى المشاركين بدايات الثورة السورية ضد النظام السابق، التي انطلقت عام 2011».

ولفت الحلبي إلى «أن بعضهم وصف المظاهرات والحشود في (ساحة التحرير) بأنها العيد الأكبر في مدينة الحسكة التي حرمت من الاحتفال بالنصر الذي تحقق عند سقوط النظام البائد قبل نحو عامين».

وقد شاركت وفود من محافظات أخرى، مثل دير الزور، في مظاهرات مدينة الحسكة، فيما أقيمت مظاهرات مماثلة في عدد من المحافظات دعماً لمطالب أهالي المحافظة.

جانب من الحشود في الحسكة (سانا)

وجاءت مظاهرات الجمعة، بعد أن شهد الخميس، رفع العلم الوطني السوري على أعلى سارية وسط مدينة الحسكة، بحضور شعبي ورسمي غفير، بالتزامن مع قيام مسؤولين حكوميين بتفقد القصر العدلي من أجل «تهيئة الظروف الملائمة لتفعيل منظومة القضاء».

وسبق ذلك انتشار عناصر من قوى الأمن الداخلي في محيط القصر العدلي عقب إخلاء عناصر من «قسد» المنحلة أماكنها هناك، وتعزيز الانتشار الأمني للحكومة في كل أرجاء المدينة، وبعد أن قامت ما تعرف بـ«قوات مكافحة الإرهاب» (HAT)، التابعة لـ«قسد»، الثلاثاء، بتسليم مواقعها لقوى الأمن الداخلي.

وتبع ذلك وصول رئيس جهاز الاستخبارات العامة السورية، اللواء عبد القادر طحان، ورئيس الاستخبارات الخارجية، العميد عبد الرحمن الدباغ، إلى مدينة الحسكة برفقة وفد أمني كبير.

كما جاءت هذه التطورات والفعاليات بعد أن شهدت عدة مدن وبلدات في محافظة الحسكة خروج مظاهرات سلمية حاشدة عقب صلاة يوم الجمعة الماضي، طالبت بفرض سلطة الدولة، وتعزيز حضور مؤسساتها في جميع مناطق المحافظة.