فخري كريم: تحدثنا عن الموصل فاعتبرها المالكي «سكيناً في الخاصرة»

قال لـ«الشرق الأوسط» إن من حاولوا اغتياله هم الذين اغتالوا شباب الانتفاضة (1 من 3)

TT

فخري كريم: تحدثنا عن الموصل فاعتبرها المالكي «سكيناً في الخاصرة»

فخري كريم بين طالباني والمالكي في بغداد (أرشيف فخري كريم)
فخري كريم بين طالباني والمالكي في بغداد (أرشيف فخري كريم)

في 22 فبراير (شباط) الماضي تناقلت وسائل الإعلام خبر نجاة السياسي والناشر العراقي فخري كريم من محاولة لاغتياله في بغداد. تكاثرت الأسئلة. هل استُهدف كريم بسبب دور لعبه أثناء عمله كبير المستشارين للرئيس الراحل جلال طالباني بين 2006 و2014؟ أم استُهدف لأنه تولى على مدار سنوات صيانة العلاقة الصعبة بين طالباني والزعيم الكردي الأبرز مسعود بارزاني؟ وثمة من تساءل إن كان غرض المنفذين معاقبته على وقوف جريدة «المدى»، التي يرأس تحريرها إلى جانب الانتفاضة العراقية، وإطلاقها حملات قاسية ضد شيوع الاغتيالات وانفلات السلاح؟

تذكرتُ لدى شيوع النبأ أن كريم كان قد أُصيب في وجهه في محاولة لاغتياله استهدفته في 1982 في بيروت التي كان يحاصرها الجيش الإسرائيلي، أثناء انشغال المدينة بتوديع مقاتلي منظمة التحرير الفلسطينية. وربطت كريم علاقة قوية بالرئيس ياسر عرفات الذي قدم دعماً كبيراً لآلاف الشيوعيين الذي لجأوا إلى لبنان هرباً من قسوة نظام الرئيس صدام حسين.

فخري كريم مع ياسر عرفات في بيروت (أرشيف فخري كريم)

وُلِد فخري كريم في 1942 في بغداد في عائلة شيعية كردية. في 1959 سلك طريق الحزب الشيوعي وجرّب السجون والفرار منها والعودة إليها، فضلاً عن العمل السري والعيش بأسماء مستعارة كان أبرزها علي عبد الخالق. عمل في مؤسسات الحزب الإعلامية، وكان لبعض الوقت نائباً لنقيب الصحافيين.

يروي كريم -في حواره مع «الشرق الأوسط»- أن الحزب الشيوعي بادر في 1970 وبواسطة القيادي مكرم طالباني، إلى إطلاع الرئيس أحمد حسن البكر على معلومات، أن الضابط والسياسي العراقي الصاخب عبد الغني الراوي يعدّ بدعم من إيران مشروع انقلاب للاستيلاء على السلطة، وأن البكر قدّر الخطوة، وقال: «لن ننسى ذلك للحزب». ويؤكد أن البكر كان قد اقترح على طالباني أن يشارك الحزب مع «البعث» في الانقلاب الذي أدى إلى عودة «البعث» إلى السلطة في 17 يوليو (تموز) 1968 لكن الحزب لم يتجاوب.

يكشف كريم أنه تلقى شخصياً اتصالاً أميركياً يطلب من الرئيس جلال طالباني عدم ترشيح نفسه لولاية ثانية، بحجة أنه «رجل إيران». ويتحدث عن مشاركة الرئيس الأميركي باراك أوباما في خديعة ترمي إلى إقناع طالباني بترك منصبه لإعطائه لرئيس الوزراء السابق إياد علاوي، وكان الغرض إبقاء منصب رئيس الوزراء بيد نوري المالكي إرضاءً لإيران.

السفير زلماي خليل زاد متوسطاً الرئيس طالباني وفخري كريم

ويعترف كريم بأنه ارتكب خطأً كبيراً حين فضّل بقاء المالكي على إعطاء رئاسة الحكومة لعلاوي الذي فاز بالأكثرية في مجلس النواب. ويقول إن المالكي لم يأخذ على محمل الجد نصائح مسعود بارزاني بالتنبه إلى ما يجري قرب الموصل من تحركات للمتشددين، مما سهّل استيلاء «داعش» عليها. ونقل عن المالكي قوله في حضور الرئيس طالباني قبل سقوط المدينة: «يجب أن نتعاون ونقرب الموصل من الإقليم (كردستان) قدر الإمكان لأنها بؤرة للإرهاب والقوميين والبعثيين، وهم سكين في خاصرتنا». وذكر أن طالباني رد باعتبار الكلام غير ملائم.

وتحدث كريم عن مهمات كلفه طالباني بها في طهران ودمشق، وعن لقاءاته بكل من الجنرال قاسم سليماني وأبو مهدي المهندس الذي قُتل معه في غارة أميركية مطلع 2020.

وأعرب كريم عن قلقه على مستقبل العراق وإقليم كردستان معاً، في ضوء ما أصاب العملية السياسية. واعتبر أن انسحاب الزعيم الشيعي مقتدى الصدر من الحياة السياسية أتاح للأقلية إطلاق انقلابها على الدستور والمؤسسات، لافتاً إلى أن عراقيين يتحدثون حالياً عن قيام «المحكمة الاتحادية» بدور يشبه دور «مجلس قيادة الثورة» بعيداً عن صلاحياتها ودورها الأصلي.

فخري كريم خلال حواره مع رئيس تحرير «الشرق الأوسط»

ربطت كريم علاقات قوية بعدد من الشعراء والكتاب، بينهم: محمد مهدي الجواهري، وعبد الوهاب البياتي، وسعدي يوسف، ومحمد الماغوط، ومحمود درويش، وغيرهم. ويروي أن الرئيس صدام حسين حاول استمالة الجواهري؛ لكنه ينقل عن الأخير قوله: «لن أمدح صدام حتى ولو أعطاني دجلة».

سألتُ فخري كريم عن محاولتَي الاغتيال القديمة والجديدة، فأجاب بأن «محاولة الاغتيال في بيروت تمت بأوامر من برزان التكريتي (الأخ غير الشقيق لصدام) وطبعاً بمعرفة صدام. أصبتُ يومها وخرجت من بيروت على حمالة. كنت عائداً من وداع مقاتلين فلسطينيين يغادرون بيروت المحاصرة حين استهدفني إطلاق النار. وعلمتُ من الإخوة الفلسطينيين لاحقاً أن بعض المنفذين اعترفوا بعلاقتهم بالمخابرات العراقية».

اغتيالات... والفاعل واحد

أما محاولة الاغتيال الأخيرة فهي برأيه «واضحة تماماً. الفاعل هو نفسه الذي ارتكب تلك الكبائر ضد الشباب والمحتجين والمتظاهرين وقادة احتجاجات تشرين (2019). كل الاغتيالات التي حصلت في العراق الجديد جاءت من الفاعل نفسه، الذي يسمى مرة الطرف الثالث كي تُنسب الاغتيالات إلى مجهولين. الطرف الثالث معروف، وهو جزء من المنظومة الحاكمة».

يوضح كريم أن «الحقيقة أن (الحشد الشعبي) مكرّس بقانون، والدولة تتولاه تمويلاً وتسليحاً وتدريباً. هناك فصائل سماها السيد مقتدى الصدر (الميليشيات الوقحة)، والتي تحصل على الأموال والتغطية الرسمية؛ لكنها تنفذ أجندات خاصة بها، وتطلق على نفسها (المقاومة الإسلامية). هذه المجموعات لا تأتمر بأوامر الدولة ولا تخضع لسياستها. وهكذا صار لدينا للأسف شبه دولة ودويلة موازية».

«يأس وضياع»

هل يشعر العراقيون بالخيبة بعد عقدين من سقوط نظام صدام حسين؟ يجيب: «هناك للأسف ما هو أكثر من خيبة. شيء من اليأس وشعور بضياع البوصلة. لا شك في أن الذين عايشوا تلك المراحل السوداء في ظل نظام صدام يشعرون بخيبة كبيرة».

ولماذا يتردد الكلام عن مسؤولية إيران؟ يجيب كريم: «في موضوع إيران، لا بد من قدر من الواقعية. للدول مصالح، وهمّها الأول تحقيق مصالحها، ولهذا تُبادر إلى ملء فراغ تجده قربها. بعد 2003، مع الأسف الشديد، وفي ضوء الغياب العربي والموقف العربي السلبي من العراق الجديد، اتخذت إيران موقفاً مختلفاً. لا بد من الاعتراف بأن موقفها اتسم بذكاء سياسي استراتيجي. كان العراق شبه معزول، فتقدمت إيران لدعم العملية السياسية وتجميع القوى. نعم إيران لها نفوذ ووجود، لكن ذلك لا يمكن أن يقوم أو يستمر من دون تجاوب قوى عراقية معها. إذا كان هناك من وضع شاذ؛ فإن من يتحمل المسؤولية هو القوى العراقية التي أبدت استعدادها للسير في وضع من هذا النوع والسماح له بالاستمرار. يجب ألا نغفل مسؤولية القوى العراقية».

طالباني وتهمة «رجل إيران»

سألت فخري كريم عما إذا كان الرئيس جلال طالباني «رجل إيران» في العراق، وعما إذا كانت أميركا حاولت إزاحته لهذا السبب، فأجاب: «لا صحة إطلاقاً لهذه التهمة. طالباني قائد قومي ويبحث عن داعمين للقضية التي يدافع عنها. نعم كان صديقاً لإيران؛ لكنه كان أيضاً على علاقة قوية بأميركا. استُخدِم هذا الموضوع في محاولة لتغليب وجهة النظر الأميركية، ولتبرير بقاء رئاسة الوزراء في يد المالكي، رغم فوز علاوي بالأكثرية النيابية. فكرت أميركا في إيجاد موقع بديل لعلاوي، ووقع خيارها على رئاسة الجمهورية. بدأت المحاولات الأميركية بصورة همس مع السياسيين والأحزاب، ثم انتقلت إلى شكل أكثر صراحة.

ذات يوم، اتصل علي الخضيري، مستشار السفير الأميركي، بمقر الرئاسة العراقية، وطلب إيصال رسالة فحولوه لي باعتباري ممسكاً بملف الانتخابات الرئاسية. قال المتصل إن لديه رسالة من القيادة الأميركية. طلبت منه أن يكون أكثر تحديداً. قال إن الرسالة تعبر عن وجهة نظر الرئيس و(البنتاغون) والخارجية والأمن القومي. نحن نريد أن تسحبوا ترشيح جلال طالباني. سألته عن السبب، فقال: لأنه رجل إيران. قلت: وإذا لم نسحب الترشيح؟ فأجاب: ستكون هناك عواقب؛ أولاً سنعيد النظر في الاتفاقية الأمنية بين البلدين. وثانياً لن تكون هناك حماية لإقليم كردستان أو اهتمام به أو بالقضية الكردية. وثالثاً الوضع الإقليمي والعربي لن يكون إيجابياً حيالكم. ورابعاً هناك مبلغ ملياري دولار أو أكثر للجيش العراقي من الكونغرس ستتوقف. وتحدث عن قضايا أخرى.

أزعجني هذا الأسلوب فقلت له: سأبلغك الجواب على الفور. قال: هذه رسالة للرئيس. قلت: جوابي من الرئيس ومن الأخ الرئيس مسعود بارزاني، وكذلك الأخ نوري المالكي. أولاً سيكون طالباني الرئيس شئتم أم أبيتم. وثانياً أنتم من يسعى إلى الاتفاقية الأمنية، ومن حقكم أن تتخلوا عنها. وثالثاً نحن نعرف أن العراق يتميز بثروته البشرية وثروات طبيعية وعمق تاريخي. نحن محاصرون الآن، ولكن بعد وقت ستتذكر دول مصالحها، وستأتي إلى العراق وتفتح ذراعيها للتعامل الإيجابي معه. أما كردستان وحمايتها فنحن لسنا في عهد هنري كيسنجر. نحن الآن في عهد دستور عراقي ينص على اعتبار الإقليم جزءاً من العراق وينص على حمايته، وهناك في هذا الكيان رئيس شرعي وحكومة. أنتم أحرار في اتخاذ الموقف الذي تريدون.

بعد التشاور مع الرئيس التقيت سفراء الدول الأربع الأخرى ذات العضوية الدائمة في مجلس الأمن. عرضت لهم الوضع، وطلبت منهم التشاور مع الولايات المتحدة حول تدخلاتها غير المقبولة في الشأن العراقي الداخلي، خصوصاً أنها تستعد لسحب قواتها من العراق.

طبعاً كان جزء من اهتمامنا يتعلق بعدم تحول الاقتراح الأميركي إلى أزمة داخلية جديدة. كان العُرف المعمول به أن تكون رئاسة مجلس النواب للسنة، ورئاسة الحكومة للشيعة، ورئاسة الجمهورية للأكراد. اختيار شيعيين لرئاسة الجمهورية والحكومة يعني إعطاء رئاسة البرلمان للأكراد، وهذا يُشعر السنة بالغُبن.

مساء ذلك اليوم أبلغتنا السفارة الأميركية أن الرئيس باراك أوباما سيتصل بطالباني. قبل اتصال أوباما تلقيت اتصالاً من قائد القوات الأميركية في العراق. كرر عملياً ما قاله مستشار السفير؛ لكن بلهجة دبلوماسية لطيفة وغير عدوانية. وكررت من جانبي الجواب نفسه. وقبل اتصال الرئيس الأميركي عقد الرئيس طالباني لقاءً تشاورياً تم الاتفاق فيه على صيغة يرد بها الرئيس على أوباما، وتولى محافظ كركوك حينها المرحوم نجم الدين كريم ترجمة النص بدقة إلى الإنجليزية.

كنت إلى جانب الرئيس حين اتصل أوباما. استهل المكالمة بإشادة كبرى بطالباني، وقال له: نحن ننظر إليك كجورج واشنطن (الرئيس الأميركي المؤسس) في المنطقة. ونحن على ثقة بأنه ستكون لك مكانة كبيرة؛ ليس فقط في العراق، وإنما في مكان أوسع ينسجم ويتلاءم مع قامتك. وتابع أوباما في هذا السياق وصولاً إلى النقطة الرئيسية، وهي: نحن (أي أميركا) نريد موقع الرئاسة لأسباب سياسية. وخاض في بعض التفاصيل.

استناداً إلى ما تم التفاهم حوله في اللقاء التشاوري، رد طالباني قائلاً: أنا لم أرشح نفسي. رشحني الشعب الكردي والقيادة الكردية، وكذلك بدعم مباشر من الشيعة ومن أطراف سنية غير قليلة. أنا لا أستطيع التصرف، ومن حق من رشحوني أن يتصرفوا. بصراحة يا فخامة الرئيس، أنت تريدني أن أنسحب، وكما فهمت فإن المرشح المقبل هو من قائمة (العراقية)، وهو شيعي، فكيف ستقرأون المشهد السياسي عندما يكون رئيس الوزراء شيعياً ورئيس الجمهورية شيعياً وتريدون إعطاء رئاسة البرلمان للأكراد؟ فأين سيذهب (المكون) السني؟ هنا قال أوباما: شكراً جزيلاً على هذه الملاحظة. يبدو أن القضية لا يُمكن أن تُعالج على الهاتف. شكراً وتحياتي سيادة الرئيس.

كان واضحاً أن السفير الأميركي توصل مع المالكي إلى تفاهمات تتعلق بالاتفاقية الأمنية والعلاقات الأميركية- العراقية والمسائل الأخرى المطروحة. وفي اللقاءات بين السفير الأميركي والرئيس طالباني كان الحديث ينتهي بأن (بديل المالكي هو المالكي)، وشاع هذا التعبير. طبعاً بدأ هذا التوجه سراً في المرحلة الأولى، وصار علنياً لاحقاً، ومورست ضغوط هائلة على بارزاني وطالباني. في إحدى المراحل اعتقد طالباني أن الضغوط ستحرج مسعود، فطمأنته بأن مسعود لن يتخلى عن دعمه له، وزرت مسعود لهذا الغرض».

الترويج للمالكي «خطيئة كبرى»

سألت فخري كريم عما إذا كان نادماً على الترويج لاستمرار المالكي في تلك المرحلة، فأجاب: «شعرت في وقت مبكر بهذا الخطأ الكبير. ولُمت نفسي أمام الأصدقاء. وأقول الآن: نعم إنها كانت خطيئة كبرى. لم تكن هذه الخطيئة بمعزل عن ملف وُضع أمامنا، وتضمن أن جهات إقليمية ودولية تتآمر مع تنظيمات كانت جزءاً من نظام البعث. وفي هذا الأمر شارك أميركيون وغير أميركيين.

في تقديري أن عدم إعطاء فرصة للأخ إياد علاوي أفقد العراق إمكانية تجربة البديل الآخر الذي يستطيع إنقاذ الوضع. هذا البديل كان يمكن أن يخلق توازناً في ميزان القوى. هنا أريد الإشارة إلى مسألة. في لقاءات سابقة لذلك التاريخ طرح طالباني فكرة عدم ترشحه لولاية ثانية، للتفرغ لحزب (الاتحاد الوطني الكردستاني) وكتابة مذكراته. وأشار ذات يوم إلى إمكان تكليف علاوي، وكان الرأي أن الأغلبية في البرلمان لن تتحقق له، وبالتالي ستكون القضية شكلية. والآن أرى أن حتى هذه القضية الشكلية كان يمكن أن تضفي معنى آخر على العملية السياسية في تلك اللحظة».

صدام لا يحتاج سند ملكية

في حوار مع «الشرق الأوسط»، قال رئيس الوزراء السابق إياد علاوي، إن حكومته شكّلت لجنة للتحقيق في أموال صدام، ولم تعثر على عقار واحد باسمه. سألت كريم عن تعليقه، فرد: «مع اعتزازي بالصديق الدكتور إياد علاوي، أنا أعتقد أن الطاغية والمستبد لا يحتاج إلى سندات تملّك لعقارات وأموال، لأنه يمتلك البلد بكامله وأرواح أبنائه. ثم إن طاغية مثل صدام حسين كان يعتقد أن العراق انتهى ملكية أبدية له، ومن بعده لأولاده وأحفاده. ثم إن صدام بنى 36 قصراً في مختلف أنحاء العراق، ومثلها لأولاده وأقاربه. هل يحتاج صدام حسين إلى ملكية بسند عقاري؟».

وعن الفساد الذي استشرى في عهد ما بعد صدام، والذي وصل إلى حد الاعتراف باختفاء 400 مليار دولار، قال إن «الفساد بكل تجلياته من نهب وتجاوز وسرقة ورشَى أصبح ثقافة اجتماعية يجري تداولها بحرية ومن دون إحراج. أنا قلت مرة: نحن لا نمارس الفساد فقط، إنما لدينا فساد للتصدير أيضاً. فساد متعدد الأشكال والجوانب. الفساد شامل والاستثناءات قليلة جداً. الكرسي مغرٍ في هذه المرحلة، ومجموعات المصالح تتحرك على أرضية الفساد المطلق. البلد يُنهب، وهؤلاء لا ذمة لهم ولا شرف ولا غيرة على البلد وأبنائه ومستقبله وثرواته. طبعاً ستسألني أين القضاء؟ وجوابي أنه كأبناء الشعب العراقي يحاول وأحياناً يبذل جهداً من أجل أن يرتقي إلى مستوى مهماته. لكن خذ في الاعتبار المنظومة الحاكمة وامتداداتها والانتهاك المباشر لكل مفاصل الدولة. في واقع من هذا النوع، هل يستطيع القضاء أن يرتقي إلى مستوى مواجهة التحديات؟ هذا سؤال مطروح وأعتقد -بغض النظر عن القرارات- أنه لا يمكن إلا أن ننتظر موقفاً من القضاء يستجيب لتطلعات العراقيين».

جدل المحكمة الاتحادية

سألت كريم عن الاتهامات التي توجهها بعض الأطراف حالياً إلى المحكمة الاتحادية بالتحول «أداة سياسية» في يد المجموعة الحاكمة، وعما يتردد من أنها تستهدف أيضاً إقليم كردستان، فأجاب: «مع شديد الأسف، يمكن القول إن المحكمة الاتحادية خرجت عن حدود مهامها التي يحددها الدستور. وظيفتها النظر فيما يمكن أن يكون تقاطعاً أو عدم انسجام بين التشريعات والقوانين وبين بنود الدستور. أصبحت المحكمة أداة سياسية، وهذا يُقال حتى من أطراف في المنظومة الحاكمة. ثمة من بات يشبّهها بمجلس قيادة الثورة. إنها فوق السلطات وتتدخل في قضايا غريبة جداً. كيف يمكن للمحكمة أن تقصي رئيس البرلمان؟ البرلمان هو السلطة التشريعية، وصلاحية إقصاء رئيسه تعود له. بعض قرارات المحكمة الاتحادية تشبه تعديلاً لمواد دستورية أو تغييراً فيها، وهذا يتناقض مع الدستور.

يزداد الكلام عن قيام أطراف داخلية بتحريك المحكمة الاتحادية. أصدر الحزب (الديمقراطي الكردستاني) أكثر من بيان حول هذا الموضوع. وفي الأوساط السياسية حديث متزايد عن أن المحكمة الاتحادية تستهدف إقليم كردستان. وبصراحة أقول إن المجموعة الحاكمة في (الإطار التنسيقي) وتلك الأكثر تطرفاً وتشدداً وتسلحاً، تريد أن تنهي إقليم كردستان لإعادة المركزية المطلقة تحت هيمنتها. وإذا لم تستطع إنهاء الإقليم فستحاول على الأقل إفراغه من محتواه. وهناك من يقول إن هذا البعض يريد أن يكرر ما فعله صدام حسين، حين ابتدع الحكم الذاتي الشكلي، ليتمكن من أن يزيله في أي لحظة يشاء. لا يريدون لإقليم كردستان أن يستمر. وهذه إرادة من لا يريد للعراق أن ينهض ويتعافى، ويصبح سيداً على مصيره ومستقبل أجياله.

تسألني عن احتمال وقوع مواجهة عسكرية بين (الحشد الشعبي) و(البيشمركة الكردية)؛ لا أتمنى ذلك؛ لكن الأمر حصل نسبياً في المرة السابقة، وكان خطراً جداً، علماً بأن الدستور يحرّم استخدام القوات المسلحة بكل فروعها في أي مواجهة بين القوى السياسية وفي أي صراع سياسي. تجاوزَ هؤلاء كل المحرمات. استُخدم (الحشد الشعبي) لمحاصرة كردستان، علماً بأنه قوة وظيفتها مواجهة الإرهاب و(داعش) والتدخل الخارجي».

«لحظة انحدار» العملية السياسية

طلبت من كريم أن يعلق على ما قاله لـ«الشرق الأوسط» وزير الخارجية العراقي هوشيار زيباري، وفيه أن طالباني كان مستعداً لدعم حجب الثقة عن حكومة نوري المالكي؛ لكنه توقف بعد رسالة تهديد من قاسم سليماني، فقال: «هذه كانت عملية ممتدة. بعد أشهر من بدء الولاية الثانية للمالكي، بدأ النهج الفردي شبه الاستبدادي. صار المالكي ينفرد في اتخاذ القرارات حتى عن فرقاء في المكون الشيعي. شاع هذا الأمر، وراحت المرجعية تتحدث عن هذا الموضوع في خطب الجمعة، وبلغة واضحة جداً، ووقفت إلى جانب الشعارات التي تطرح في الشارع، وفي الحركة الاحتجاجية و(انتفاضة تشرين).

حين تجمعت كل هذه الوقائع جرى التداعي إلى عقد اجتماع في أربيل. التقت كل القوى المعارضة لهذا النهج، أي (القائمة العراقية) والفصائل الكردية، وبعض الشخصيات، ثم انضم إليها سماحة السيد مقتدى الصدر. تبنى طالباني فكرة سحب الثقة من حكومة المالكي. بصراحة أنا كنت قلقاً وأبلغت مام جلال بموقفي. استغرب ورد: (منذ سنوات وأنت تكتب عن المالكي ونهج الاستفراد وغيره، والآن حين اقتنعنا معك تقول إنك قلق!). قلت له: أنا لم أتخلّ عن هذا الرأي، ولكن هذه قضية كبيرة لا بد من تدقيقها؛ لأن الفشل سيرتب تداعيات خطرة جداً في الوضع السياسي. هذه المسألة يجب أن تُحسب جيداً. ألح عليّ وقال: (ممن تقلق؟)، فأجبته بصراحة: أنا قلق منك. هل هناك إمكانية لمقاومة أي محاولة من صديقك وصديقنا قاسم سليماني؟ راح يفكر وبدأت الضغوطات عليه، فقال لي: اذهب إلى طهران وحاول أن تتكلم معه.

كانت الطائرة تستعد للإقلاع حين بعث سليماني يقول إن موفداً منه سيحمل رسالة، وإنني يمكن أن أنقل الجواب عنها لاحقاً. جاءت الرسالة وكانت شديدة اللهجة وقاسية جداً، وصلت إلى حد مطالبة طالباني بالاستقالة إذا لم يكن بمستوى المهمة، ويصر على السير في الاتجاه الذي اختاره. بدأ التراجع، وأدى إلى تداعيات خطرة جداً. أعتقد أن تلك كانت (لحظة الانحدار) بالعملية السياسية، أو ما تُسمى العملية السياسية التي تدحرجت إلى ما نراه الآن».

المالكي و«سكين» الموصل

اعتقادي الشخصي هو أن المالكي كان يعرف خطورة الوضع؛ لكنه اعتبر أن الأمر قد لا يتعدى خرقاً صغيراً يمكن معالجته. أتوقع أنه لم يقدّر أو لم يخطر في باله أن الأمر سيتحول إلى كارثة كبرى تؤدي إلى احتلال ثلث البلاد، ودفعها إلى مأزق باهظ الثمن للشعب والدولة، وهو ما زلنا نعاني من تأثيراته.

طُرح موضوع الموصل بين طالباني والمالكي عند بدايات الحديث عن قيام الأخير بتشكيل الحكومة. شاركت في عدد من اللقاءات بين الرئيسين. ذات يوم طرح المالكي فكرة كانت غريبة جداً على الأقل بالنسبة إليّ. قال: (نحن يجب أن ننتبه لوضع الموصل، وأن نبحث عن علاج له. أنا أتمنى أن نتعاون في هذا الأمر ونقرب الموصل من الإقليم «كردستان» قدر الإمكان؛ لأن الموصل بؤرة للإرهاب، وبؤرة للقوميين والبعثيين، وبالتالي سكين في خاصرتنا). قلت له: يا أبا إسراء؛ نحن نتحدث عن مستقبل نعالج فيه الثغرات التي نعاني منها، وأنت تتحدث عن مكون سُنّي هو جزء من العملية السياسية! قال: (يا فخري؛ أنت كيف تتحدث معي هكذا؟ هؤلاء بعثيون وقوميون، ومع شديد الأسف، سُنّة). أجبته مشيراً إلى الرئيس طالباني: هذا الرجل الذي أمامك سُنّي. عندها قال له طالباني: (يا أبا إسراء؛ هذا الحديث غير ملائم)».

سألت: هل عرض المالكي إلحاق الموصل بالإقليم؟ فأجاب: «قال: هذا بالنسبة إلينا أفضل من أن يبقى هكذا».

المحكمة الاتحادية «أداة سياسية» وثمة من يشبّهها بـ«مجلس قيادة الثورة»

فخري كريم

المالكي لبارزاني: الوضع في الموصل تحت السيطرة

ذكّرني كلام فخري كريم بما كنت قد سمعته من مسعود بارزاني، الرئيس السابق لإقليم كردستان، ويوم كان يقود شخصياً معركة المواجهة مع «داعش». قال بارزاني: «قبل فترة من دخول (داعش) مدينة الموصل، وردتنا معلومات أن المتطرفين يقيمون قواعد في منطقة الحضر جنوب غربي الموصل، قرب الحدود السورية. بعثت برسائل إلى رئيس الوزراء نوري المالكي عن طريق السيد عمار الحكيم، والدكتور روج شاويش، والسفير الأميركي ستيف بيكروفت. قلت لهم: أبلغوه أنه منشغل بالأنبار، وغير مهتم بالموصل التي أصبحت ساحة مفتوحة. اقترحتُ أن نقوم بعملية مشتركة لمنع سيطرة المتطرفين على الموصل ومحيطها».

كان ذلك في ديسمبر (كانون الأول) عام 2013؛ أي قبل 7 أشهر من سقوط الموصل في يد «داعش». يضيف بارزاني أن المالكي لم يهتم: «اتصلتُ به هاتفياً في بداية عام 2014، وقلت له: أخي أبا إسراء. الوضع خطر في الموصل، فلنقم بعملية مشتركة. لا يجوز أن أرسل (البيشمركة) وحدها. الموضوع يثير حساسيات بين الأكراد والعرب، ثم إن قوات الحكومة موجودة في المنطقة. هناك الفرقة الثانية من الجيش العراقي، وهناك فرقة من الشرطة الاتحادية وقطعات أخرى. نحن على استعداد لتحمل العبء الأكبر، لكن فلتكن عملية مشتركة. فأجابني: (أخي أبا مسرور، أنت «دير بالك» على الإقليم، ولا تقلق على خارجه؛ فالوضع تحت السيطرة). سمعت لاحقاً أن المالكي أنكر هذه الاتصالات. الأشخاص أحياء، ويمكن سؤالهم».

يشير بارزاني إلى أن تنظيم «داعش» لم يكن يحلم بالسيطرة على الموصل، ولم يتوقع سقوطها في يده. كان يريد مشاغلة وحدات الجيش للتمكن من إطلاق أعضاء منه كانوا معتقلين في سجن بادوش غرب المدينة. وأضاف أن «التنظيم أطلق قذائف في اتجاه معسكر الغزلاني لتغطية هروب السجناء؛ وإذ بالضابطين اللذين أرسلهما المالكي (قائد القوات البرية، ونائب رئيس الأركان) يفران، فالتحق بهما قائد الفرقة... هذه مسألة كبيرة وفظيعة. الجيش لم يقاوم. كبار الضباط لجأوا إلى حاجز لـ(البيشمركة). أنقذناهم وأرسلناهم إلى بغداد بناءً على طلبهم».

غداً حلقة ثانية.


مقالات ذات صلة

لمار فادن لـ«الشرق الأوسط»: «هجرة» نقطة تحول... وتفاعل الجمهور فاق توقعاتي

يوميات الشرق الممثلة السعودية خلال حضورها مهرجان مالمو (إدارة المهرجان)

لمار فادن لـ«الشرق الأوسط»: «هجرة» نقطة تحول... وتفاعل الجمهور فاق توقعاتي

وصفت الممثلة السعودية الشابة لمار فادن لحظة إعلان فوزها بجائزة «أفضل ممثلة» في مهرجان «هوليوود للفيلم العربي» بـ«الاستثنائية» بكل المقاييس.

أحمد عدلي (القاهرة )
إعلام وجه جديد... ورؤية لمعهد أكثر انفتاحاً (أ.ف.ب)

آن ـ كلير لوجاندر: «معهد العالم العربي» يجمع المَشاهد الثقافية ويواكب التحوّلات الفنّية

تشمل هذه الرؤية أيضاً دول الخليج، التي لم تحظَ بالقدر الكافي من اهتمام «المعهد»، وهو ما تسعى الرئيسة الجديدة إلى معالجته...

ميشال أبونجم (باريس)
يوميات الشرق الفنانة التونسية درة تستعد لأعمال في السينما والدراما (صفحتها على «فيسبوك»)

دُرة لـ«الشرق الأوسط»: أحلم بتجسيد «شجرة الدر»

قالت الفنانة التونسية درة إنها شعرت بالخوف من شخصية «ميادة الديناري» التى جسدتها في مسلسل «علي كلاي» الذي عُرض خلال موسم دراما رمضان الماضي.

مصطفى ياسين (القاهرة )
يوميات الشرق الفنان شريف منير قدم أدواراً متعددة في الدراما (الشرق الأوسط)

شريف منير: الهجوم على «رأس الأفعى» يؤكد قوة تأثيره

أكد الفنان المصري، شريف منير، أنه لم يلجأ لتقليد شخصية الإرهابي محمود عزت التي أداها بمسلسل «رأس الأفعى»، بل أخذ روح وتفاصيل الشخصية وعمل عليها طويلاً.

انتصار دردير (القاهرة )
يوميات الشرق الفنان محمد رجب تحدث عن مشروعاته المقبلة (صفحته على «فيسبوك»)

محمد رجب: سعيت لتغيير جلدي الفني في «قطر صغنطوط»

قال الممثل المصري محمد رجب إنَّه يستعدُّ للعودة إلى السينما خلال الفترة المقبلة من خلال فيلمَين جديدَين سيقدمهما مع المنتج أحمد السبكي.

أحمد عدلي (القاهرة )

«الكسب غير المشروع»: أموال «التسويات» مع رجال أعمال حقبة الأسد كبيرة

رئيس «لجنة مكافحة الكسب غير المشروع» باسل السويدان (الشرق الأوسط)
رئيس «لجنة مكافحة الكسب غير المشروع» باسل السويدان (الشرق الأوسط)
TT

«الكسب غير المشروع»: أموال «التسويات» مع رجال أعمال حقبة الأسد كبيرة

رئيس «لجنة مكافحة الكسب غير المشروع» باسل السويدان (الشرق الأوسط)
رئيس «لجنة مكافحة الكسب غير المشروع» باسل السويدان (الشرق الأوسط)

أكد رئيس «لجنة مكافحة الكسب غير المشروع» في سوريا، باسل السويدان، أن «الأصول المستردة» من «التسويات الاقتصادية» التي تجريها اللجنة لرجال أعمال ارتبطوا بنظام الأسد وعملوا تحت مظلته «كبيرة»، عادت بوصفها حقوقاً للشعب السوري ضمن «برنامج الإفصاح الطوعي».

حمشو يوقع على تسوية مع الحكومة تحت برنامج الإفصاح الطوعي للفاسديناللجنة الوطنية لمكافحة الكسب غير المشروع (حساب فيسبوك)

وأوضح في تصريحات لـ«الشرق الأوسط» أن اللجنة تلقت مئات طلبات الإفصاح الطوعي، أُنجزت منها تسويات متعددة، فيما رُفضت طلبات أخرى لعدم استيفائها المعايير.

كيف تحدد اللجنة حدود الكسب غير المشروع؟ سؤال توجهت به «الشرق الأوسط» لرئيس اللجنة باسل السويدان، الذي شرح أن الكسب غير المشروع «مفهوم قانوني يرتبط حُكماً بالأشخاص، ويُعرّف بأنه كل زيادة غير مبررة في الذمة المالية لا تتناسب مع الموارد المشروعة المعروفة لصاحبها، ويعجز عن تقديم تفسير قانوني ومقنع لمصدرها»، وهذا يشمل الشركات والعقارات والأسهم والتدفقات المالية. كما يتم ضمن منهج تحقيقي محوكم يعتمد على جمع البيانات وتحليلها وربطها ضمن صورة مالية متكاملة.

اجتماع للجنة مكافحة الكسب غير المشروع في سوريا (سانا)

وأشار السويدان إلى أن اللجنة رغم ارتباط عملها بالأشخاص، تعتمد معايير موضوعية في اختيار الحالات، من بينها كون الشخص يمثل ظاهرة مالية كبيرة أو جزءاً من شبكة اقتصادية معقدة، أو وجود تضخم واضح في الثروة لا يمكن تفسيره ضمن الإطار المشروع. وأكد أن المساءلة تقوم على الأدلة والقرائن المالية، وليس على الموقع أو الصفة.

الإفصاح الطوعي

وأصدر الرئيس السوري، أحمد الشرع، في الرابع من مايو (أيار) 2025، القرار الرئاسي رقم 13، الخاص بـ«تشكيل لجنة مكافحة الكسب غير المشروع»، لحماية المال العام ومكافحة الكسب غير المشروع بجميع أشكاله، واسترداد الأموال غير المشروعة.

وفي 28 ديسمبر (كانون الأول) 2025 أطلقت اللجنة «برنامج الإفصاح الطوعي» لمدة ستة أشهر، والموقع الإلكتروني الرسمي لها، والذي يتضمن خدمات الإبلاغ والإفصاح الطوعي والاستفسار والتواصل مع اللجنة.

السويدان أوضح أن «برنامج الإفصاح الطوعي» يمثل أحد الأدوات الأساسية التي اعتمدتها اللجنة ضمن نظام عملها الداخلي، وهو جزء من صلب العمل القانوني وليس إجراءً استثنائياً. ويعرّف البرنامج بأنه «آلية تتيح للأشخاص الذين ترتبط أموالهم بشبهات كسب غير مشروع الإفصاح عنها طوعاً، وإخضاعها لتدقيق مالي وقانوني شامل، وصولاً إلى تسوية منظمة تُحدد من خلالها الأموال أو الأصول التي يجب استردادها لصالح الدولة».

رجل الأعمال وسيم قطان

وأشار إلى أن اعتماد هذه الآلية جاء استناداً إلى توصيات أممية وتجارب دولية مماثلة، حيث تُظهر تجارب الأمم المتحدة والتجارب العالمية في هذا المجال أن الإفصاح الطوعي والتسويات الاقتصادية تُعد من أكثر الأدوات فاعلية في معالجة إرث الكسب غير المشروع، خاصة في الدول الخارجة من النزاعات.

وأثبتت هذه التجارب أن الاعتماد الحصري على المسارات القضائية التقليدية قد يستغرق زمناً طويلاً، ويؤدي إلى تجميد الأصول أو فقدانها، في حين يتيح الإفصاح الطوعي استرداداً أسرع وأكثر كفاءة، مع الحفاظ على استمرارية الأصول ضمن الاقتصاد، مشيراً إلى أنه في هذا السياق، تم اعتماد البرنامج ضمن الإطار الذي نظمه القرار الرئاسي رقم 13 لعام 2025، مع تكييفه بما يتناسب مع خصوصية الواقع السوري.

رجال أعمال أجروا تسويات

وكانت «لجنة مكافحة الكسب غير المشروع» قد أعلنت، منتصف أبريل الحالي، انتهاء إجراءات استلام الأصول العائدة لكل من رجل الأعمال وسيم قطان وإخوته، والأصول المرتبطة بنعيم الجراح، وذلك في إطار طلبات الإفصاح الطوعي المقدمة إلى اللجنة والتسويات الاقتصادية.

ويملك قطان عدة شركات منها «لاروسا للمفروشات» و«مجموعة مروج الشام للاستثمار والسياحة»، ويشغل منصب مدير «شركة آدم للتجارة والاستثمار» و«شركة نقطة تقاطع». وهو أيضاً مدير وشريك مؤسس في عدة شركات أخرى. وأكد القطان أن تسليم «مول المالكي» و«مول قاسيون» بدمشق إلى اللجنة تم بالاتفاق والتفاهم، نافياً عبر «فيسبوك» صحة الأنباء التي تحدثت عن مصادرة مفاجئة لأصوله.

أما نعيم الجراح، فهو رجل أعمال فلسطيني سوري، كانت له شبكة علاقات واسعة داخل الأوساط الأمنية والاقتصادية في حقبة نظام الأسد، وفق تقارير أشارت إلى تلقيه دعماً من شخصيات نافذة ساعدته في تأسيس مجمع «أبتاون» الشهير في مشروع «دمر» بدمشق، و«القرية الشامية» التي صورت فيها حلقات مسلسل «باب الحارة».

رجل الأعمال الفلسطيني السوري نعيم الجراح

وشغل الجراح منصب رئيس مجلس إدارة «شركة خطوط كنده الجوية»، ومدير «شركة قتيبة» و«شركة جراح وشامي وأشقر للتطوير والاستثمار العقاري» وشركة «الجراح للاستثمارات» وشريك مؤسس في شركة «الرضا».

رجل الأعمال سامر الفوز أجرى تسوية اقتصادية مؤخرا (حساب فيسبوك)

كما أنجزت تسوية لرجل الأعمال سامر الفوز، الذي بدأ ظهوره خلال سنوات الحرب. وكشف السويدان في مقابلة صحافية نشرت مؤخراً عن أن هذه التسوية تضمنت نقل ملكية 32 شركة وأصول متنوعة، شملت شركات صلب وأسمنت وحديد وطيران، وشركات غذائية وهندسية وخرسانة، وفنادق ومطاعم ومنشآت سياحية، وحصص وأسهم في شركات تعدين وفوسفات، وأسهم في بنكين خاصين.

التسوية شملت أيضاً رجل الأعمال طريف الأخرس، وفق الإجراءات الرسمية المعتمدة، أما الأصول المرتبطة بعائلة فواز الأخرس (والد أسماء الأخرس زوجة الرئيس السابق بشار الأسد) فقد اتُّخذت بحقها إجراءات تحفظية كاملة شملت الحجز على الأصول محل الاشتباه، وفق السويدان.

غير أن أول تسوية أعلن عنها في إطار برنامج الإفصاح الطوعي كانت بداية يناير (كانون الثاني) الماضي مع رجل الأعمال، محمد حمشو، الذي كان يوصف بأنه أحد «حيتان» الاقتصاد السوري في حقبة حكم الأسد. وتضمنت وفق مصادر مطلعة، تسليم حمشو 80 في المائة من الأموال والأصول التجارية والصناعية والعقارية التي لديه للدولة، فيما نقلت تقارير أنه تمت استعادة ما قيمته نحو 800 مليون دولار من أموال وأصول.

وأثار الإعلان عن تلك «التسوية»، في حينها، استياء في الشارع السوري، باعتبار أن حمشو كان جزءاً من الحرب التي شنها النظام البائد على المعارضة، إذ كان، حسب كثيرين، ذراعاً مالية عبر شركاته، وعسكرية عبر تشكيله ميليشيات رديفة للجيش، ودعائية عبر قنوات تلفزيونية كان يملكها.

وشدد السويدان، عبر تصريحات للإعلام الرسمي، على أن «التسويات الاقتصادية» التي أُجريت مع بعض رجال الأعمال لا تمنح أي حصانة جزائية، ولا تمس بحقوق الغير، ولا تؤثر في مسارات العدالة الانتقالية، موضحاً أنها تقتصر على معالجة الشق المالي الناتج عن جرم الكسب غير المشروع، فيما تبقى بقية المسارات القضائية قائمة.

عدم تعطيل القضاء

شدد السويدان على أن «الإفصاح الطوعي» لا يلغي المسار القضائي بل يعمل بالتوازي معه، موضحاً أن الهدف الأساسي هو تقليل الزمن الذي تستغرقه إجراءات التقاضي، وتخفيف العبء عن القضاء السوري، مع الحفاظ على استمرارية العمل القانوني.

وأكد أن اللجنة استمرت في تنظيم الضبوط وإحالة الملفات التي لم تستوفِ شروط الإفصاح، وهو ما سيشكّل الأساس للمرحلة التالية.

وكشف السويدان عن أن عدد الحالات التي تخضع للتدقيق يُقدّر بالآلاف، نتيجة تشعب الشبكات الاقتصادية المرتبطة بالكسب غير المشروع، التي لم تكن ظاهرة فردية بل منظومة ممتدة.

رئيس «لجنة مكافحة الكسب غير المشروع» باسل السويدان يتوسط محمد الطويل نقيب المحامين يسار ورامي النومان من مكتب العلاقات العامة في النقابة (موقع الهيئة)

وأوضح السويدان لـ«الشرق الأوسط» أن الأصول التي جرى ضبطها أو استردادها ضمن برنامج الإفصاح الطوعي لا تزال في مرحلة استكمال الإجراءات، حيث يتم تثبيت الملكيات واستكمال التحقيقات وتحليل الارتباطات المالية، قبل تحديد المسار النهائي.

وأكد أن هذه الأصول ستتجه إلى أحد مسارين: التسوية ضمن برنامج الإفصاح الطوعي، أو الإحالة إلى القضاء المختص، وفق نتائج التحقيق.

انتهاء المهلة

وأكد أن «برنامج الإفصاح الطوعي» يمنح فرصة زمنية محددة لتسوية الأوضاع ضمن إطار قانوني محوكم، لكنه ليس متاحاً لجميع الحالات، بل يخضع لمعايير قبول دقيقة، ويشكّل فرصة حقيقية للبعض لإعادة الاندماج في الاقتصاد النظامي. وأن المرحلة التي تلي انتهاء المهلة تمثل انتقالاً منظماً إلى مرحلة تعتمد على تفعيل كامل للمسار القضائي.

ولفت إلى أن بعض الملفات تتضمن شبهات تتعلق بجرائم مالية أخرى، مثل غسل الأموال أو تمويل الإرهاب أو الاتجار بالمخدرات، وفي هذه الحالات يتم إحالة الملفات إلى النيابة العامة المختصة، لضمان تكامل الإجراءات القانونية.

وأضاف أن اللجنة ستواصل التنسيق مع الجهات الرقابية، وفي مقدمتها الهيئة المركزية للرقابة والتفتيش، لمعالجة الجوانب المؤسسية المرتبطة ببعض الملفات.


سوريا: القبض على عدنان حلوة أحد أبرز المسؤولين عن «مجزرة الكيماوي» في الغوطة

صورة نشرها وزير الداخلية السوري أنس خطاب على «إكس» لعدنان عبود حلوة أحد أبرز الضباط المسؤولين عن «مجزرة الكيماوي» بالغوطة
صورة نشرها وزير الداخلية السوري أنس خطاب على «إكس» لعدنان عبود حلوة أحد أبرز الضباط المسؤولين عن «مجزرة الكيماوي» بالغوطة
TT

سوريا: القبض على عدنان حلوة أحد أبرز المسؤولين عن «مجزرة الكيماوي» في الغوطة

صورة نشرها وزير الداخلية السوري أنس خطاب على «إكس» لعدنان عبود حلوة أحد أبرز الضباط المسؤولين عن «مجزرة الكيماوي» بالغوطة
صورة نشرها وزير الداخلية السوري أنس خطاب على «إكس» لعدنان عبود حلوة أحد أبرز الضباط المسؤولين عن «مجزرة الكيماوي» بالغوطة

أعلن وزير الداخلية السوري، أنس خطاب، الأربعاء، عن اعتقال اللواء عدنان حلوة، أحد ضباط النظام المخلوع المسؤولين عن «مجزرة الكيماوي» في الغوطة الشرقية بريف دمشق يوم 21 أغسطس (آب) عام 2013.

وقال خطاب، في تدوينة عبر حسابه على منصة «إكس»، إن «اللواء عدنان عبود حلوة، أحد أبرز الضباط المسؤولين عن (مجزرة الكيماوي) في الغوطة الشرقية عام 2013 بات اليوم في قبضة إدارة مكافحة الإرهاب».

ما نعرفه عن عدنان حلوة

وفق وسائل إعلام محلية، فإن عدنان حلوة كان المسؤول عن منطقة خربة الشيّاب في جنوب دمشق، ونائب مدير إدارة المدفعية والصواريخ في ريف دمشق.

اتُّهم حلوة بضلوعه خلال الثورة في إطلاق صواريخ «سكود» تجاه مدن الشمال السوري خلال عمله نائباً لإدارة المدفعية والصواريخ في ريف دمشق.

وكان مسؤولاً في الوحدتين «155» و«157»، اللتين ارتكبتا انتهاكات ضد المدنيين واستخدمت الصواريخ والأسلحة الكيماوية ضدهم.

وأصبح بعد ذلك المسؤول العسكري في منطقة خربة الشيّاب في جنوب دمشق، وكان مسؤولاً عن إدارة الحواجز العسكرية في المنطقة، المتهمة باحتجاز وإخفاء مئات المدنيين.

وشارك الحلوة ضمن وفد النظام السوري في مفاوضات آستانة عام 2017، وهو ضمن 13 شخصية سمتهم الولايات المتحدة الأميركية مسؤولين عن جرائم قتل ضد المدنيين.

وُضع على قائمة العقوبات الأوروبية في 28 أكتوبر (تشرين الأول) 2016.

«مجزرة الكيماوي» في الغوطة الشرقية

وقعت المجزرة بمنطقة الغوطة الشرقية بريف دمشق يوم 21 أغسطس 2013، في هجوم أسفر عن مقتل أكثر من 1400 مدني بينهم مئات الأطفال والنساء.

وفي ذلك اليوم، استيقظ السوريون من أهالي عدد من بلدات الغوطة الشرقية على مشهد لمئات الجثث في الشوارع والمنازل لأشخاص قتلوا بغاز «السارين» السام، في واحدة من أعنف المجازر التي ارتكبتها قوات نظام الأسد بحق المدنيين على مدار سنوات الحرب.

ووفق «الشبكة السورية لحقوق الإنسان»، فإن نظام الرئيس السوري المخلوع بشار الأسد نفذ 217 هجوماً بأسلحة كيمياوية ضد مناطق سكنية كانت تحت سيطرة المعارضة في سوريا منذ بدأت الثورة عام 2011.

القبض على «سفاح التضامن» قبل أيام

يأتي هذا الإعلان بعد أيام من إعلان وزارة الداخلية القبض على أمجد يوسف، الملقب «سفاح التضامن»، وذلك بعملية أمنية في منطقة سهل الغاب بريف حماة.

والثلاثاء، نشرت وزارة الداخلية السورية على منصاتها، مقطع فيديو يظهر جانباً من تحقيقات مع 3 طيارين بالنظام السوري السابق، بينهم ميزر صوان الملقب «عدو الغوطتين»، الذي قال إن أمر القصف كان يأتي من الرئيس المخلوع بشار الأسد.


اختبار قوة لعزل الفصائل عن الحكومة الجديدة في العراق


أرشيفية تجمع نوري المالكي ومحمد السوداني وقيس الخزعلي ولطيف رشيد خلال اجتماع في بغداد (أ.ف.ب)
أرشيفية تجمع نوري المالكي ومحمد السوداني وقيس الخزعلي ولطيف رشيد خلال اجتماع في بغداد (أ.ف.ب)
TT

اختبار قوة لعزل الفصائل عن الحكومة الجديدة في العراق


أرشيفية تجمع نوري المالكي ومحمد السوداني وقيس الخزعلي ولطيف رشيد خلال اجتماع في بغداد (أ.ف.ب)
أرشيفية تجمع نوري المالكي ومحمد السوداني وقيس الخزعلي ولطيف رشيد خلال اجتماع في بغداد (أ.ف.ب)

تحشد واشنطن مع أطراف في بغداد ضغوطها لعزل الفصائل المسلحة الموالية لإيران عن الحكومة العراقية الجديدة، حسبما أفادت مصادر موثوقة.

ورحبت البعثة الأميركية في بغداد، أمس (الأربعاء)، بتكليف علي الزيدي تشكيل الوزارة الجديدة، ودعت إلى «تشكيلها بما ينسجم مع تطلعات العراقيين».

وقالت المصادر، إن «الزيدي أبلغ قادة أحزاب بأن برنامجه يستند إلى إبعاد الجماعات المسلحة»، لكنها أشارت إلى أن «تمرير تشكيلة وزارية بعيدة عن المسلحين يشكل اختبار قوة حاسم».

ويخشى خبراء أن تلجأ فصائل مسلحة إلى خيار المراوغة بشأن وجودها في المؤسسات الحكومية، أو التصعيد مجدداً ضد الأميركيين.

إلى ذلك، قالت شركة محاماة أميركية إن تحقيقاً مستقلاً أجرته أخيراً، لم يُظهر أي أدلة تربط رئيس الوزراء العراقي المكلّف علي الزيدي بأنشطة مالية مرتبطة بـ«الحرس الثوري» الإيراني.