فخري كريم: تحدثنا عن الموصل فاعتبرها المالكي «سكيناً في الخاصرة»

قال لـ«الشرق الأوسط» إن من حاولوا اغتياله هم الذين اغتالوا شباب الانتفاضة (1 من 3)

TT

فخري كريم: تحدثنا عن الموصل فاعتبرها المالكي «سكيناً في الخاصرة»

فخري كريم بين طالباني والمالكي في بغداد (أرشيف فخري كريم)
فخري كريم بين طالباني والمالكي في بغداد (أرشيف فخري كريم)

في 22 فبراير (شباط) الماضي تناقلت وسائل الإعلام خبر نجاة السياسي والناشر العراقي فخري كريم من محاولة لاغتياله في بغداد. تكاثرت الأسئلة. هل استُهدف كريم بسبب دور لعبه أثناء عمله كبير المستشارين للرئيس الراحل جلال طالباني بين 2006 و2014؟ أم استُهدف لأنه تولى على مدار سنوات صيانة العلاقة الصعبة بين طالباني والزعيم الكردي الأبرز مسعود بارزاني؟ وثمة من تساءل إن كان غرض المنفذين معاقبته على وقوف جريدة «المدى»، التي يرأس تحريرها إلى جانب الانتفاضة العراقية، وإطلاقها حملات قاسية ضد شيوع الاغتيالات وانفلات السلاح؟

تذكرتُ لدى شيوع النبأ أن كريم كان قد أُصيب في وجهه في محاولة لاغتياله استهدفته في 1982 في بيروت التي كان يحاصرها الجيش الإسرائيلي، أثناء انشغال المدينة بتوديع مقاتلي منظمة التحرير الفلسطينية. وربطت كريم علاقة قوية بالرئيس ياسر عرفات الذي قدم دعماً كبيراً لآلاف الشيوعيين الذي لجأوا إلى لبنان هرباً من قسوة نظام الرئيس صدام حسين.

فخري كريم مع ياسر عرفات في بيروت (أرشيف فخري كريم)

وُلِد فخري كريم في 1942 في بغداد في عائلة شيعية كردية. في 1959 سلك طريق الحزب الشيوعي وجرّب السجون والفرار منها والعودة إليها، فضلاً عن العمل السري والعيش بأسماء مستعارة كان أبرزها علي عبد الخالق. عمل في مؤسسات الحزب الإعلامية، وكان لبعض الوقت نائباً لنقيب الصحافيين.

يروي كريم -في حواره مع «الشرق الأوسط»- أن الحزب الشيوعي بادر في 1970 وبواسطة القيادي مكرم طالباني، إلى إطلاع الرئيس أحمد حسن البكر على معلومات، أن الضابط والسياسي العراقي الصاخب عبد الغني الراوي يعدّ بدعم من إيران مشروع انقلاب للاستيلاء على السلطة، وأن البكر قدّر الخطوة، وقال: «لن ننسى ذلك للحزب». ويؤكد أن البكر كان قد اقترح على طالباني أن يشارك الحزب مع «البعث» في الانقلاب الذي أدى إلى عودة «البعث» إلى السلطة في 17 يوليو (تموز) 1968 لكن الحزب لم يتجاوب.

يكشف كريم أنه تلقى شخصياً اتصالاً أميركياً يطلب من الرئيس جلال طالباني عدم ترشيح نفسه لولاية ثانية، بحجة أنه «رجل إيران». ويتحدث عن مشاركة الرئيس الأميركي باراك أوباما في خديعة ترمي إلى إقناع طالباني بترك منصبه لإعطائه لرئيس الوزراء السابق إياد علاوي، وكان الغرض إبقاء منصب رئيس الوزراء بيد نوري المالكي إرضاءً لإيران.

السفير زلماي خليل زاد متوسطاً الرئيس طالباني وفخري كريم

ويعترف كريم بأنه ارتكب خطأً كبيراً حين فضّل بقاء المالكي على إعطاء رئاسة الحكومة لعلاوي الذي فاز بالأكثرية في مجلس النواب. ويقول إن المالكي لم يأخذ على محمل الجد نصائح مسعود بارزاني بالتنبه إلى ما يجري قرب الموصل من تحركات للمتشددين، مما سهّل استيلاء «داعش» عليها. ونقل عن المالكي قوله في حضور الرئيس طالباني قبل سقوط المدينة: «يجب أن نتعاون ونقرب الموصل من الإقليم (كردستان) قدر الإمكان لأنها بؤرة للإرهاب والقوميين والبعثيين، وهم سكين في خاصرتنا». وذكر أن طالباني رد باعتبار الكلام غير ملائم.

وتحدث كريم عن مهمات كلفه طالباني بها في طهران ودمشق، وعن لقاءاته بكل من الجنرال قاسم سليماني وأبو مهدي المهندس الذي قُتل معه في غارة أميركية مطلع 2020.

وأعرب كريم عن قلقه على مستقبل العراق وإقليم كردستان معاً، في ضوء ما أصاب العملية السياسية. واعتبر أن انسحاب الزعيم الشيعي مقتدى الصدر من الحياة السياسية أتاح للأقلية إطلاق انقلابها على الدستور والمؤسسات، لافتاً إلى أن عراقيين يتحدثون حالياً عن قيام «المحكمة الاتحادية» بدور يشبه دور «مجلس قيادة الثورة» بعيداً عن صلاحياتها ودورها الأصلي.

فخري كريم خلال حواره مع رئيس تحرير «الشرق الأوسط»

ربطت كريم علاقات قوية بعدد من الشعراء والكتاب، بينهم: محمد مهدي الجواهري، وعبد الوهاب البياتي، وسعدي يوسف، ومحمد الماغوط، ومحمود درويش، وغيرهم. ويروي أن الرئيس صدام حسين حاول استمالة الجواهري؛ لكنه ينقل عن الأخير قوله: «لن أمدح صدام حتى ولو أعطاني دجلة».

سألتُ فخري كريم عن محاولتَي الاغتيال القديمة والجديدة، فأجاب بأن «محاولة الاغتيال في بيروت تمت بأوامر من برزان التكريتي (الأخ غير الشقيق لصدام) وطبعاً بمعرفة صدام. أصبتُ يومها وخرجت من بيروت على حمالة. كنت عائداً من وداع مقاتلين فلسطينيين يغادرون بيروت المحاصرة حين استهدفني إطلاق النار. وعلمتُ من الإخوة الفلسطينيين لاحقاً أن بعض المنفذين اعترفوا بعلاقتهم بالمخابرات العراقية».

اغتيالات... والفاعل واحد

أما محاولة الاغتيال الأخيرة فهي برأيه «واضحة تماماً. الفاعل هو نفسه الذي ارتكب تلك الكبائر ضد الشباب والمحتجين والمتظاهرين وقادة احتجاجات تشرين (2019). كل الاغتيالات التي حصلت في العراق الجديد جاءت من الفاعل نفسه، الذي يسمى مرة الطرف الثالث كي تُنسب الاغتيالات إلى مجهولين. الطرف الثالث معروف، وهو جزء من المنظومة الحاكمة».

يوضح كريم أن «الحقيقة أن (الحشد الشعبي) مكرّس بقانون، والدولة تتولاه تمويلاً وتسليحاً وتدريباً. هناك فصائل سماها السيد مقتدى الصدر (الميليشيات الوقحة)، والتي تحصل على الأموال والتغطية الرسمية؛ لكنها تنفذ أجندات خاصة بها، وتطلق على نفسها (المقاومة الإسلامية). هذه المجموعات لا تأتمر بأوامر الدولة ولا تخضع لسياستها. وهكذا صار لدينا للأسف شبه دولة ودويلة موازية».

«يأس وضياع»

هل يشعر العراقيون بالخيبة بعد عقدين من سقوط نظام صدام حسين؟ يجيب: «هناك للأسف ما هو أكثر من خيبة. شيء من اليأس وشعور بضياع البوصلة. لا شك في أن الذين عايشوا تلك المراحل السوداء في ظل نظام صدام يشعرون بخيبة كبيرة».

ولماذا يتردد الكلام عن مسؤولية إيران؟ يجيب كريم: «في موضوع إيران، لا بد من قدر من الواقعية. للدول مصالح، وهمّها الأول تحقيق مصالحها، ولهذا تُبادر إلى ملء فراغ تجده قربها. بعد 2003، مع الأسف الشديد، وفي ضوء الغياب العربي والموقف العربي السلبي من العراق الجديد، اتخذت إيران موقفاً مختلفاً. لا بد من الاعتراف بأن موقفها اتسم بذكاء سياسي استراتيجي. كان العراق شبه معزول، فتقدمت إيران لدعم العملية السياسية وتجميع القوى. نعم إيران لها نفوذ ووجود، لكن ذلك لا يمكن أن يقوم أو يستمر من دون تجاوب قوى عراقية معها. إذا كان هناك من وضع شاذ؛ فإن من يتحمل المسؤولية هو القوى العراقية التي أبدت استعدادها للسير في وضع من هذا النوع والسماح له بالاستمرار. يجب ألا نغفل مسؤولية القوى العراقية».

طالباني وتهمة «رجل إيران»

سألت فخري كريم عما إذا كان الرئيس جلال طالباني «رجل إيران» في العراق، وعما إذا كانت أميركا حاولت إزاحته لهذا السبب، فأجاب: «لا صحة إطلاقاً لهذه التهمة. طالباني قائد قومي ويبحث عن داعمين للقضية التي يدافع عنها. نعم كان صديقاً لإيران؛ لكنه كان أيضاً على علاقة قوية بأميركا. استُخدِم هذا الموضوع في محاولة لتغليب وجهة النظر الأميركية، ولتبرير بقاء رئاسة الوزراء في يد المالكي، رغم فوز علاوي بالأكثرية النيابية. فكرت أميركا في إيجاد موقع بديل لعلاوي، ووقع خيارها على رئاسة الجمهورية. بدأت المحاولات الأميركية بصورة همس مع السياسيين والأحزاب، ثم انتقلت إلى شكل أكثر صراحة.

ذات يوم، اتصل علي الخضيري، مستشار السفير الأميركي، بمقر الرئاسة العراقية، وطلب إيصال رسالة فحولوه لي باعتباري ممسكاً بملف الانتخابات الرئاسية. قال المتصل إن لديه رسالة من القيادة الأميركية. طلبت منه أن يكون أكثر تحديداً. قال إن الرسالة تعبر عن وجهة نظر الرئيس و(البنتاغون) والخارجية والأمن القومي. نحن نريد أن تسحبوا ترشيح جلال طالباني. سألته عن السبب، فقال: لأنه رجل إيران. قلت: وإذا لم نسحب الترشيح؟ فأجاب: ستكون هناك عواقب؛ أولاً سنعيد النظر في الاتفاقية الأمنية بين البلدين. وثانياً لن تكون هناك حماية لإقليم كردستان أو اهتمام به أو بالقضية الكردية. وثالثاً الوضع الإقليمي والعربي لن يكون إيجابياً حيالكم. ورابعاً هناك مبلغ ملياري دولار أو أكثر للجيش العراقي من الكونغرس ستتوقف. وتحدث عن قضايا أخرى.

أزعجني هذا الأسلوب فقلت له: سأبلغك الجواب على الفور. قال: هذه رسالة للرئيس. قلت: جوابي من الرئيس ومن الأخ الرئيس مسعود بارزاني، وكذلك الأخ نوري المالكي. أولاً سيكون طالباني الرئيس شئتم أم أبيتم. وثانياً أنتم من يسعى إلى الاتفاقية الأمنية، ومن حقكم أن تتخلوا عنها. وثالثاً نحن نعرف أن العراق يتميز بثروته البشرية وثروات طبيعية وعمق تاريخي. نحن محاصرون الآن، ولكن بعد وقت ستتذكر دول مصالحها، وستأتي إلى العراق وتفتح ذراعيها للتعامل الإيجابي معه. أما كردستان وحمايتها فنحن لسنا في عهد هنري كيسنجر. نحن الآن في عهد دستور عراقي ينص على اعتبار الإقليم جزءاً من العراق وينص على حمايته، وهناك في هذا الكيان رئيس شرعي وحكومة. أنتم أحرار في اتخاذ الموقف الذي تريدون.

بعد التشاور مع الرئيس التقيت سفراء الدول الأربع الأخرى ذات العضوية الدائمة في مجلس الأمن. عرضت لهم الوضع، وطلبت منهم التشاور مع الولايات المتحدة حول تدخلاتها غير المقبولة في الشأن العراقي الداخلي، خصوصاً أنها تستعد لسحب قواتها من العراق.

طبعاً كان جزء من اهتمامنا يتعلق بعدم تحول الاقتراح الأميركي إلى أزمة داخلية جديدة. كان العُرف المعمول به أن تكون رئاسة مجلس النواب للسنة، ورئاسة الحكومة للشيعة، ورئاسة الجمهورية للأكراد. اختيار شيعيين لرئاسة الجمهورية والحكومة يعني إعطاء رئاسة البرلمان للأكراد، وهذا يُشعر السنة بالغُبن.

مساء ذلك اليوم أبلغتنا السفارة الأميركية أن الرئيس باراك أوباما سيتصل بطالباني. قبل اتصال أوباما تلقيت اتصالاً من قائد القوات الأميركية في العراق. كرر عملياً ما قاله مستشار السفير؛ لكن بلهجة دبلوماسية لطيفة وغير عدوانية. وكررت من جانبي الجواب نفسه. وقبل اتصال الرئيس الأميركي عقد الرئيس طالباني لقاءً تشاورياً تم الاتفاق فيه على صيغة يرد بها الرئيس على أوباما، وتولى محافظ كركوك حينها المرحوم نجم الدين كريم ترجمة النص بدقة إلى الإنجليزية.

كنت إلى جانب الرئيس حين اتصل أوباما. استهل المكالمة بإشادة كبرى بطالباني، وقال له: نحن ننظر إليك كجورج واشنطن (الرئيس الأميركي المؤسس) في المنطقة. ونحن على ثقة بأنه ستكون لك مكانة كبيرة؛ ليس فقط في العراق، وإنما في مكان أوسع ينسجم ويتلاءم مع قامتك. وتابع أوباما في هذا السياق وصولاً إلى النقطة الرئيسية، وهي: نحن (أي أميركا) نريد موقع الرئاسة لأسباب سياسية. وخاض في بعض التفاصيل.

استناداً إلى ما تم التفاهم حوله في اللقاء التشاوري، رد طالباني قائلاً: أنا لم أرشح نفسي. رشحني الشعب الكردي والقيادة الكردية، وكذلك بدعم مباشر من الشيعة ومن أطراف سنية غير قليلة. أنا لا أستطيع التصرف، ومن حق من رشحوني أن يتصرفوا. بصراحة يا فخامة الرئيس، أنت تريدني أن أنسحب، وكما فهمت فإن المرشح المقبل هو من قائمة (العراقية)، وهو شيعي، فكيف ستقرأون المشهد السياسي عندما يكون رئيس الوزراء شيعياً ورئيس الجمهورية شيعياً وتريدون إعطاء رئاسة البرلمان للأكراد؟ فأين سيذهب (المكون) السني؟ هنا قال أوباما: شكراً جزيلاً على هذه الملاحظة. يبدو أن القضية لا يُمكن أن تُعالج على الهاتف. شكراً وتحياتي سيادة الرئيس.

كان واضحاً أن السفير الأميركي توصل مع المالكي إلى تفاهمات تتعلق بالاتفاقية الأمنية والعلاقات الأميركية- العراقية والمسائل الأخرى المطروحة. وفي اللقاءات بين السفير الأميركي والرئيس طالباني كان الحديث ينتهي بأن (بديل المالكي هو المالكي)، وشاع هذا التعبير. طبعاً بدأ هذا التوجه سراً في المرحلة الأولى، وصار علنياً لاحقاً، ومورست ضغوط هائلة على بارزاني وطالباني. في إحدى المراحل اعتقد طالباني أن الضغوط ستحرج مسعود، فطمأنته بأن مسعود لن يتخلى عن دعمه له، وزرت مسعود لهذا الغرض».

الترويج للمالكي «خطيئة كبرى»

سألت فخري كريم عما إذا كان نادماً على الترويج لاستمرار المالكي في تلك المرحلة، فأجاب: «شعرت في وقت مبكر بهذا الخطأ الكبير. ولُمت نفسي أمام الأصدقاء. وأقول الآن: نعم إنها كانت خطيئة كبرى. لم تكن هذه الخطيئة بمعزل عن ملف وُضع أمامنا، وتضمن أن جهات إقليمية ودولية تتآمر مع تنظيمات كانت جزءاً من نظام البعث. وفي هذا الأمر شارك أميركيون وغير أميركيين.

في تقديري أن عدم إعطاء فرصة للأخ إياد علاوي أفقد العراق إمكانية تجربة البديل الآخر الذي يستطيع إنقاذ الوضع. هذا البديل كان يمكن أن يخلق توازناً في ميزان القوى. هنا أريد الإشارة إلى مسألة. في لقاءات سابقة لذلك التاريخ طرح طالباني فكرة عدم ترشحه لولاية ثانية، للتفرغ لحزب (الاتحاد الوطني الكردستاني) وكتابة مذكراته. وأشار ذات يوم إلى إمكان تكليف علاوي، وكان الرأي أن الأغلبية في البرلمان لن تتحقق له، وبالتالي ستكون القضية شكلية. والآن أرى أن حتى هذه القضية الشكلية كان يمكن أن تضفي معنى آخر على العملية السياسية في تلك اللحظة».

صدام لا يحتاج سند ملكية

في حوار مع «الشرق الأوسط»، قال رئيس الوزراء السابق إياد علاوي، إن حكومته شكّلت لجنة للتحقيق في أموال صدام، ولم تعثر على عقار واحد باسمه. سألت كريم عن تعليقه، فرد: «مع اعتزازي بالصديق الدكتور إياد علاوي، أنا أعتقد أن الطاغية والمستبد لا يحتاج إلى سندات تملّك لعقارات وأموال، لأنه يمتلك البلد بكامله وأرواح أبنائه. ثم إن طاغية مثل صدام حسين كان يعتقد أن العراق انتهى ملكية أبدية له، ومن بعده لأولاده وأحفاده. ثم إن صدام بنى 36 قصراً في مختلف أنحاء العراق، ومثلها لأولاده وأقاربه. هل يحتاج صدام حسين إلى ملكية بسند عقاري؟».

وعن الفساد الذي استشرى في عهد ما بعد صدام، والذي وصل إلى حد الاعتراف باختفاء 400 مليار دولار، قال إن «الفساد بكل تجلياته من نهب وتجاوز وسرقة ورشَى أصبح ثقافة اجتماعية يجري تداولها بحرية ومن دون إحراج. أنا قلت مرة: نحن لا نمارس الفساد فقط، إنما لدينا فساد للتصدير أيضاً. فساد متعدد الأشكال والجوانب. الفساد شامل والاستثناءات قليلة جداً. الكرسي مغرٍ في هذه المرحلة، ومجموعات المصالح تتحرك على أرضية الفساد المطلق. البلد يُنهب، وهؤلاء لا ذمة لهم ولا شرف ولا غيرة على البلد وأبنائه ومستقبله وثرواته. طبعاً ستسألني أين القضاء؟ وجوابي أنه كأبناء الشعب العراقي يحاول وأحياناً يبذل جهداً من أجل أن يرتقي إلى مستوى مهماته. لكن خذ في الاعتبار المنظومة الحاكمة وامتداداتها والانتهاك المباشر لكل مفاصل الدولة. في واقع من هذا النوع، هل يستطيع القضاء أن يرتقي إلى مستوى مواجهة التحديات؟ هذا سؤال مطروح وأعتقد -بغض النظر عن القرارات- أنه لا يمكن إلا أن ننتظر موقفاً من القضاء يستجيب لتطلعات العراقيين».

جدل المحكمة الاتحادية

سألت كريم عن الاتهامات التي توجهها بعض الأطراف حالياً إلى المحكمة الاتحادية بالتحول «أداة سياسية» في يد المجموعة الحاكمة، وعما يتردد من أنها تستهدف أيضاً إقليم كردستان، فأجاب: «مع شديد الأسف، يمكن القول إن المحكمة الاتحادية خرجت عن حدود مهامها التي يحددها الدستور. وظيفتها النظر فيما يمكن أن يكون تقاطعاً أو عدم انسجام بين التشريعات والقوانين وبين بنود الدستور. أصبحت المحكمة أداة سياسية، وهذا يُقال حتى من أطراف في المنظومة الحاكمة. ثمة من بات يشبّهها بمجلس قيادة الثورة. إنها فوق السلطات وتتدخل في قضايا غريبة جداً. كيف يمكن للمحكمة أن تقصي رئيس البرلمان؟ البرلمان هو السلطة التشريعية، وصلاحية إقصاء رئيسه تعود له. بعض قرارات المحكمة الاتحادية تشبه تعديلاً لمواد دستورية أو تغييراً فيها، وهذا يتناقض مع الدستور.

يزداد الكلام عن قيام أطراف داخلية بتحريك المحكمة الاتحادية. أصدر الحزب (الديمقراطي الكردستاني) أكثر من بيان حول هذا الموضوع. وفي الأوساط السياسية حديث متزايد عن أن المحكمة الاتحادية تستهدف إقليم كردستان. وبصراحة أقول إن المجموعة الحاكمة في (الإطار التنسيقي) وتلك الأكثر تطرفاً وتشدداً وتسلحاً، تريد أن تنهي إقليم كردستان لإعادة المركزية المطلقة تحت هيمنتها. وإذا لم تستطع إنهاء الإقليم فستحاول على الأقل إفراغه من محتواه. وهناك من يقول إن هذا البعض يريد أن يكرر ما فعله صدام حسين، حين ابتدع الحكم الذاتي الشكلي، ليتمكن من أن يزيله في أي لحظة يشاء. لا يريدون لإقليم كردستان أن يستمر. وهذه إرادة من لا يريد للعراق أن ينهض ويتعافى، ويصبح سيداً على مصيره ومستقبل أجياله.

تسألني عن احتمال وقوع مواجهة عسكرية بين (الحشد الشعبي) و(البيشمركة الكردية)؛ لا أتمنى ذلك؛ لكن الأمر حصل نسبياً في المرة السابقة، وكان خطراً جداً، علماً بأن الدستور يحرّم استخدام القوات المسلحة بكل فروعها في أي مواجهة بين القوى السياسية وفي أي صراع سياسي. تجاوزَ هؤلاء كل المحرمات. استُخدم (الحشد الشعبي) لمحاصرة كردستان، علماً بأنه قوة وظيفتها مواجهة الإرهاب و(داعش) والتدخل الخارجي».

«لحظة انحدار» العملية السياسية

طلبت من كريم أن يعلق على ما قاله لـ«الشرق الأوسط» وزير الخارجية العراقي هوشيار زيباري، وفيه أن طالباني كان مستعداً لدعم حجب الثقة عن حكومة نوري المالكي؛ لكنه توقف بعد رسالة تهديد من قاسم سليماني، فقال: «هذه كانت عملية ممتدة. بعد أشهر من بدء الولاية الثانية للمالكي، بدأ النهج الفردي شبه الاستبدادي. صار المالكي ينفرد في اتخاذ القرارات حتى عن فرقاء في المكون الشيعي. شاع هذا الأمر، وراحت المرجعية تتحدث عن هذا الموضوع في خطب الجمعة، وبلغة واضحة جداً، ووقفت إلى جانب الشعارات التي تطرح في الشارع، وفي الحركة الاحتجاجية و(انتفاضة تشرين).

حين تجمعت كل هذه الوقائع جرى التداعي إلى عقد اجتماع في أربيل. التقت كل القوى المعارضة لهذا النهج، أي (القائمة العراقية) والفصائل الكردية، وبعض الشخصيات، ثم انضم إليها سماحة السيد مقتدى الصدر. تبنى طالباني فكرة سحب الثقة من حكومة المالكي. بصراحة أنا كنت قلقاً وأبلغت مام جلال بموقفي. استغرب ورد: (منذ سنوات وأنت تكتب عن المالكي ونهج الاستفراد وغيره، والآن حين اقتنعنا معك تقول إنك قلق!). قلت له: أنا لم أتخلّ عن هذا الرأي، ولكن هذه قضية كبيرة لا بد من تدقيقها؛ لأن الفشل سيرتب تداعيات خطرة جداً في الوضع السياسي. هذه المسألة يجب أن تُحسب جيداً. ألح عليّ وقال: (ممن تقلق؟)، فأجبته بصراحة: أنا قلق منك. هل هناك إمكانية لمقاومة أي محاولة من صديقك وصديقنا قاسم سليماني؟ راح يفكر وبدأت الضغوطات عليه، فقال لي: اذهب إلى طهران وحاول أن تتكلم معه.

كانت الطائرة تستعد للإقلاع حين بعث سليماني يقول إن موفداً منه سيحمل رسالة، وإنني يمكن أن أنقل الجواب عنها لاحقاً. جاءت الرسالة وكانت شديدة اللهجة وقاسية جداً، وصلت إلى حد مطالبة طالباني بالاستقالة إذا لم يكن بمستوى المهمة، ويصر على السير في الاتجاه الذي اختاره. بدأ التراجع، وأدى إلى تداعيات خطرة جداً. أعتقد أن تلك كانت (لحظة الانحدار) بالعملية السياسية، أو ما تُسمى العملية السياسية التي تدحرجت إلى ما نراه الآن».

المالكي و«سكين» الموصل

اعتقادي الشخصي هو أن المالكي كان يعرف خطورة الوضع؛ لكنه اعتبر أن الأمر قد لا يتعدى خرقاً صغيراً يمكن معالجته. أتوقع أنه لم يقدّر أو لم يخطر في باله أن الأمر سيتحول إلى كارثة كبرى تؤدي إلى احتلال ثلث البلاد، ودفعها إلى مأزق باهظ الثمن للشعب والدولة، وهو ما زلنا نعاني من تأثيراته.

طُرح موضوع الموصل بين طالباني والمالكي عند بدايات الحديث عن قيام الأخير بتشكيل الحكومة. شاركت في عدد من اللقاءات بين الرئيسين. ذات يوم طرح المالكي فكرة كانت غريبة جداً على الأقل بالنسبة إليّ. قال: (نحن يجب أن ننتبه لوضع الموصل، وأن نبحث عن علاج له. أنا أتمنى أن نتعاون في هذا الأمر ونقرب الموصل من الإقليم «كردستان» قدر الإمكان؛ لأن الموصل بؤرة للإرهاب، وبؤرة للقوميين والبعثيين، وبالتالي سكين في خاصرتنا). قلت له: يا أبا إسراء؛ نحن نتحدث عن مستقبل نعالج فيه الثغرات التي نعاني منها، وأنت تتحدث عن مكون سُنّي هو جزء من العملية السياسية! قال: (يا فخري؛ أنت كيف تتحدث معي هكذا؟ هؤلاء بعثيون وقوميون، ومع شديد الأسف، سُنّة). أجبته مشيراً إلى الرئيس طالباني: هذا الرجل الذي أمامك سُنّي. عندها قال له طالباني: (يا أبا إسراء؛ هذا الحديث غير ملائم)».

سألت: هل عرض المالكي إلحاق الموصل بالإقليم؟ فأجاب: «قال: هذا بالنسبة إلينا أفضل من أن يبقى هكذا».

المحكمة الاتحادية «أداة سياسية» وثمة من يشبّهها بـ«مجلس قيادة الثورة»

فخري كريم

المالكي لبارزاني: الوضع في الموصل تحت السيطرة

ذكّرني كلام فخري كريم بما كنت قد سمعته من مسعود بارزاني، الرئيس السابق لإقليم كردستان، ويوم كان يقود شخصياً معركة المواجهة مع «داعش». قال بارزاني: «قبل فترة من دخول (داعش) مدينة الموصل، وردتنا معلومات أن المتطرفين يقيمون قواعد في منطقة الحضر جنوب غربي الموصل، قرب الحدود السورية. بعثت برسائل إلى رئيس الوزراء نوري المالكي عن طريق السيد عمار الحكيم، والدكتور روج شاويش، والسفير الأميركي ستيف بيكروفت. قلت لهم: أبلغوه أنه منشغل بالأنبار، وغير مهتم بالموصل التي أصبحت ساحة مفتوحة. اقترحتُ أن نقوم بعملية مشتركة لمنع سيطرة المتطرفين على الموصل ومحيطها».

كان ذلك في ديسمبر (كانون الأول) عام 2013؛ أي قبل 7 أشهر من سقوط الموصل في يد «داعش». يضيف بارزاني أن المالكي لم يهتم: «اتصلتُ به هاتفياً في بداية عام 2014، وقلت له: أخي أبا إسراء. الوضع خطر في الموصل، فلنقم بعملية مشتركة. لا يجوز أن أرسل (البيشمركة) وحدها. الموضوع يثير حساسيات بين الأكراد والعرب، ثم إن قوات الحكومة موجودة في المنطقة. هناك الفرقة الثانية من الجيش العراقي، وهناك فرقة من الشرطة الاتحادية وقطعات أخرى. نحن على استعداد لتحمل العبء الأكبر، لكن فلتكن عملية مشتركة. فأجابني: (أخي أبا مسرور، أنت «دير بالك» على الإقليم، ولا تقلق على خارجه؛ فالوضع تحت السيطرة). سمعت لاحقاً أن المالكي أنكر هذه الاتصالات. الأشخاص أحياء، ويمكن سؤالهم».

يشير بارزاني إلى أن تنظيم «داعش» لم يكن يحلم بالسيطرة على الموصل، ولم يتوقع سقوطها في يده. كان يريد مشاغلة وحدات الجيش للتمكن من إطلاق أعضاء منه كانوا معتقلين في سجن بادوش غرب المدينة. وأضاف أن «التنظيم أطلق قذائف في اتجاه معسكر الغزلاني لتغطية هروب السجناء؛ وإذ بالضابطين اللذين أرسلهما المالكي (قائد القوات البرية، ونائب رئيس الأركان) يفران، فالتحق بهما قائد الفرقة... هذه مسألة كبيرة وفظيعة. الجيش لم يقاوم. كبار الضباط لجأوا إلى حاجز لـ(البيشمركة). أنقذناهم وأرسلناهم إلى بغداد بناءً على طلبهم».

غداً حلقة ثانية.


مقالات ذات صلة

موريتانيا تحسم تشكيل لجنة الإشراف على الحوار الوطني

شمال افريقيا اجتماع للأحزاب السياسية الداعمة للرئيس الموريتاني محمد ولد الشيخ الغزواني لنقاش التحضير للحوار (حزب الإنصاف)

موريتانيا تحسم تشكيل لجنة الإشراف على الحوار الوطني

اتفقت الأطراف السياسية في الموالاة والمعارضة بموريتانيا على تذليل آخر العقبات أمام تشكيل لجنة الإشراف على مسار الحوار الوطني.

الشيخ محمد (نواكشوط)
يوميات الشرق شهد مهرجان «تورنتو السينمائي» العرض الأول للفيلم (الشركة المنتجة)

«أطفال لا أعرفهم»... طفولة تنجو من الحرب ولا تنجو من آثارها

الحيوية التي امتلكها هؤلاء الأطفال، رغم قسوة الحياة واضطرارهم إلى الاعتماد على أنفسهم، أثارت اهتمام المخرجة...

أحمد عدلي (القاهرة)
يوميات الشرق الفنانة المصرية ريم عامر (حسابها على إنستغرام)

ريم عامر: «البرانية» أعادني إلى معنى الترابط الأُسري

وصفت الممثلة المصرية ريم عامر تجربتها في فيلم «البرانية» بأنها مختلفة عن أي عمل سابق شاركت فيه.

أحمد عدلي (القاهرة)
يوميات الشرق يرى لاشين أنه وكبار المخرجين لم ينسحبوا بل غُيِّبوا عمداً (حسابه على فيسبوك)

المخرج المصري هاني لاشين: جيلنا مستبعد عمداً من السينما

قال المخرج المصري هاني لاشين إنه لم يغب عن السينما بل غُيِّب وكثير من كبار المخرجين والكتاب من أبناء جيله عمداً، مؤكداً أنه لم يتوقف عن كتابة أفلامه.

انتصار دردير (القاهرة )
يوميات الشرق سافرت المخرجة إلى أفغانستان مرات عدّة من أجل الفيلم (الشركة المنتجة)

كاميل بيلدسو: أردتُ أفغانستان خارج الصورة التي صنعها الغرب

عندما وصلت إلى أفغانستان للمرة الأولى كانت تعتقد أنها ستقدّم فيلماً عن الفتيات، لكنها اكتشفت سريعاً أن الفتيان أيضاً يُوضعون في ظروف شديدة الصعوبة.

أحمد عدلي (القاهرة )

رئيس الحكومة اللبنانية: مسارات مترابطة لاستعادة قرار الدولة والإصلاح

رئيس الحكومة اللبنانية نواف سلام ورئيس الحكومة الأسبق فؤاد السنيورة خلال جولة في أجنحة معرض بيروت للكتاب (رئاسة الحكومة)
رئيس الحكومة اللبنانية نواف سلام ورئيس الحكومة الأسبق فؤاد السنيورة خلال جولة في أجنحة معرض بيروت للكتاب (رئاسة الحكومة)
TT

رئيس الحكومة اللبنانية: مسارات مترابطة لاستعادة قرار الدولة والإصلاح

رئيس الحكومة اللبنانية نواف سلام ورئيس الحكومة الأسبق فؤاد السنيورة خلال جولة في أجنحة معرض بيروت للكتاب (رئاسة الحكومة)
رئيس الحكومة اللبنانية نواف سلام ورئيس الحكومة الأسبق فؤاد السنيورة خلال جولة في أجنحة معرض بيروت للكتاب (رئاسة الحكومة)

أكد رئيس الحكومة اللبنانية نواف سلام: «إننا نعمل على مسارات مترابطة» تتمثل في «استعادة قرار الدولة وسلطتها على كامل أراضيها، وإطلاق الإصلاحات اللازمة للنهوض الاقتصادي وإعادة الإعمار»، مشيراً إلى أن «النجاح في أحدها لا يغني عن التقدم في المسارات الأخرى».

وقال سلام خلال افتتاح معرض بيروت العربي الدولي للكتاب: «لقد دفع اللبنانيون أثماناً باهظة للحروب والأزمات المتعاقبة. خسروا أرواحاً وأرزاقاً وبيوتاً ومدّخرات، وخسر كثير من شبابنا الثقة بقدرتهم على بناء مستقبلهم في وطنهم».

وإذ أشار إلى المسارات المترابطة، أكد أنه «لا اقتصاد قابلاً للنهوض من دون إصلاح وثقة ومساءلة، ولا إعادة إعمار مستدامة من دون أمن واستقرار، ولا استقرار ثابتاً من دون دولة تملك وحدها قرار الحرب والسلم، ولا دولة قادرة من دون مؤسسات فاعلة».

وتابع: «هكذا لا يبقى مستقبل اللبنانيين رهينة قرارات لا يتخذونها عبر مؤسساتهم الدستورية، أو صراعات لا يريدونها، أو حروب لا يختارونها، بل يدفعون أثمانها مرة بعد مرة»، مشيراً إلى أن «استعادة سيادة الدولة تقتضي إنهاء الاحتلال الإسرائيلي لأراضينا، ووقف الاعتداءات، وعودة النازحين إلى بيوتهم عودة آمنة وكريمة، وإعادة إعمار قراهم ومدنهم».

وقال سلام: «الدولة التي نريد لا تكتمل سيادتها على أرضها إذا بقيت ضعيفة أمام المصالح الفئوية والخاصة، ولا تستعيد ثقة الناس إذا لم تقم على العدالة والمساواة وسيادة القانون، وهذه هي المهمة التي نعمل من أجلها، مدركين أن الطريق ليس سهلاً، وأن التحديات كبيرة، وأن ما تراكم خلال عقود لا يمكن معالجته بين ليلة وضحاها»، مشدداً على أن «صعوبة المهمة لا تبرّر تأجيلها، وحجم التحديات لا يعفينا من تحمّل المسؤولية».

نهضة شاملة للبنان

ورأى سلام أن «الحديث عن النهضة الثقافية يقودنا بالضرورة إلى الحديث عن النهضة الشاملة التي يحتاج إليها لبنان»، لافتاً إلى أن «بلدنا لا يحتاج إلى إعادة إعمار ما تهدّم فحسب؛ بل إلى إعادة التفكير في الكثير مما أوصله إلى ما هو عليه». وقال: «لا يكفي أن نعيد بناء بعض مؤسسات الدولة، بل علينا أن نعيد الاعتبار إلى مفهوم الدولة نفسه، وإلى مكانتها في وجدان اللبنانيين، وفي علاقتهم بعضهم ببعض، وفي نظرتهم إلى حقوقهم وواجباتهم».

سلام يتوسط رؤساء حكومات سابقين ووزيري الثقافة اللبناني والسوري خلال افتتاح معرض بيروت للكتاب (رئاسة الحكومة)

وشدد على أن «النهضة التي يحتاج إليها لبنان ليست مجرد مشروع اقتصادي أو إداري أو عمراني. إنها أيضاً نهضة في الفكر السياسي، وفي الثقافة الوطنية، وفي مفهوم المسؤولية العامة».

وقال سلام: «نحن بحاجة إلى ثقافة سياسية لا تختزل السياسة بالصراع على السلطة، بل تراها مسؤولية عن الصالح العام، وإلى ثقافة مواطنة لا تنكر تنوّع اللبنانيين، بل تجعل من الدولة إطاراً جامعاً لهذا التنوع. نحن بحاجة إلى فضاء ثقافي وإعلامي يتيح النقاش الحر، ويشجّع السؤال والمساءلة، ويواجه خطاب الكراهية والتضليل، من دون أن يخشى النقد أو يسعى إلى إسكات الأصوات المخالفة».

بناء المستقبل

وأكد أن «النهضة الفكرية ليست ترفاً يمكن تأجيله إلى ما بعد الإصلاح السياسي والاقتصادي. إنها أحد شروط نجاح هذا الإصلاح واستدامته».


مظاهرات حاشدة في الحسكة تحت شعار «جمعة العلم السوري»

العلم السوري في مظاهرة الحسكة (مواقع التواصل)
العلم السوري في مظاهرة الحسكة (مواقع التواصل)
TT

مظاهرات حاشدة في الحسكة تحت شعار «جمعة العلم السوري»

العلم السوري في مظاهرة الحسكة (مواقع التواصل)
العلم السوري في مظاهرة الحسكة (مواقع التواصل)

في مشهد وُصف بـ«العيد الأكبر» و«طوفان الحسكة»، خرج آلاف من أهالي المحافظة السورية، عقب صلاة الجمعة، في مظاهرات حاشدة تحت شعار «جمعة العلم السوري»، وتجمعوا في «ساحة الحرية» وسط المدينة، مطالبين بـ«فرض سيادة الدولة وسلطتها» في جميع مناطق المحافظة، وتعزيز حضور مؤسساتها فيها، وإطلاق سراح المعتقلين والمغيّبين في سجون «قوات سوريا الديمقراطية» (قسد)، المنحلّة، وذلك بعد يوم واحد من رفع العلم في الساحة ذاتها على أعلى سارية، بحضور شعبي ورسمي غفير.

وتأتي هذه المظاهرات في سياق تطورات متسارعة تشهدها مدينة الحسكة منذ نحو أسبوع، وتتعلق بتنفيذ اتفاق 29 يناير (كانون الثاني) 2026، الموقع بين الحكومة السورية و«قسد»، والذي نصّ على دمج مؤسسات «الإدارة الذاتية» الكردية السابقة، المدنية والأمنية والعسكرية، في هياكل الدولة، وسط شكاوى «المكون العربي» الذي يُمثل الأغلبية السكانية في المحافظة، من استمرار هيمنة «قسد»، رغم الإعلان عن حلها أواخر أغسطس (آب) الماضي.

ومنذ ساعات الصباح الأولى، توافد الأهالي من معظم أحياء مدينة الحسكة (العزيزية والكلاسة والنشوة) ومن مدن أخرى في المحافظة، بينها الشدادي ومركدة والهول والعريشة، وتجمعوا في حي غويران أمام مسجد أبو بكر الصديق، وتوجهوا بعد صلاة الجمعة إلى الساحة الرئيسية وسط المدينة، والتي يطلق عليها «ساحة التحرير»، حاملين العلم الوطني السوري في جمعة أطلقوا عليها «جمعة العلم السوري».

مشاركون في مظاهرة الحسكة الجمعة (سانا)

واستبقت قوى الأمن الداخلي الحكومية المظاهرات بتعزيز وجودها وانتشارها في كل أرجاء المدينة منذ منتصف ليل الخميس - الجمعة، للحفاظ على سلامة المشاركين والأهالي والممتلكات العامة والخاصة، وذلك إثر قيام مسلحين «خارجين عن القانون» بإطلاق النار بشكل عشوائي في بعض الأحياء، فيما اتهم نشطاء ما يعرف بـ«الشعبية الثورية» الكردية، بافتعال هذا التوتر لمحاولة فرض حظر تجوال ومنع خروج المظاهرات، وقد نجحت قوى الأمن الداخلي في إعادة الهدوء إلى المنطقة في الليلة ذاتها، حسب قناة «الإخبارية» السورية التلفزيونية.

ورفع المشاركون العلم الوطني وصور معتقلين لدى «قسد»، وصوراً لـ«شهداء الثورة السورية»، وردّدوا شعار «واحد واحد... الشعب السوري واحد»، في رسالة أرادوا منها طمأنة جميع المكونات السكانية في المحافظة، من «عرب وأكراد ومسيحيين»، بأن الجميع تحت سقف القانون، ومتساوون في الحقوق والواجبات.

وطالب المشاركون بـ«فرض سيادة الدولة وسلطتها في جميع مناطق الحسكة، وعودة مؤسسات الدولة وتفعيلها، وإطلاق سراح المعتقلين المغيبين في سجون (قسد)، وفتح باب الانتساب لأبنائهم في قوى الأمن الداخلي، وإنهاء ازدواجية السلطة في المحافظة، وكذلك إنهاء وجود الشبيبة الثورية».

جانب من الشعارات التي رفعت في المظاهرة (مواقع التواصل)

وبينما أظهرت مقاطع فيديو على منصات التواصل الاجتماعي قيام متظاهرين بإزالة أعلام ورايات «حزب العمال الكردستاني» و«قسد» من الطرقات والمباني. وفي هذا السياق، أوضح الناشط صهيب اليعربي -من أبناء القبائل العربية في المحافظة وأحد الداعين للمظاهرات- أن رسالة المشاركين تتمثل في تأكيد أن الأغلبية العظمى بالحسكة تؤيد الدولة السورية، وتريد بسط سيادتها على كامل المحافظة، وألا يُرفع فيها إلا علم الجمهورية العربية السورية.

ووصف اليعربي في تصريح لـ«الشرق الأوسط»، المظاهرات بـ«الناجحة»، ومطالب المشاركين بـ«الوطنية والمحقة»، مشيراً إلى أنه لم تسجل توترات أو استفزازات، باستثناء حالة واحدة من قبل عناصر من «الشبيبة الثورية» تم تجاوزها من قبل المتظاهرين.

من جانبه، وصف الناشط إبراهيم الحلبي، وهو أيضاً من أبناء القبائل العربية في المحافظة، مشهد الحشود في «ساحة التحرير» والمظاهرات التي استمرت نحو ساعتين واتسمت بالسلمية، بأنه «مهيب وجميل ورائع جدا؛ حيث كانت الفرحة عارمة برفع العلم الوطني، وسط مشاعر جياشة استحضرت لدى المشاركين بدايات الثورة السورية ضد النظام السابق، التي انطلقت عام 2011».

ولفت الحلبي إلى «أن بعضهم وصف المظاهرات والحشود في (ساحة التحرير) بأنها العيد الأكبر في مدينة الحسكة التي حرمت من الاحتفال بالنصر الذي تحقق عند سقوط النظام البائد قبل نحو عامين».

وقد شاركت وفود من محافظات أخرى، مثل دير الزور، في مظاهرات مدينة الحسكة، فيما أقيمت مظاهرات مماثلة في عدد من المحافظات دعماً لمطالب أهالي المحافظة.

جانب من الحشود في الحسكة (سانا)

وجاءت مظاهرات الجمعة، بعد أن شهد الخميس، رفع العلم الوطني السوري على أعلى سارية وسط مدينة الحسكة، بحضور شعبي ورسمي غفير، بالتزامن مع قيام مسؤولين حكوميين بتفقد القصر العدلي من أجل «تهيئة الظروف الملائمة لتفعيل منظومة القضاء».

وسبق ذلك انتشار عناصر من قوى الأمن الداخلي في محيط القصر العدلي عقب إخلاء عناصر من «قسد» المنحلة أماكنها هناك، وتعزيز الانتشار الأمني للحكومة في كل أرجاء المدينة، وبعد أن قامت ما تعرف بـ«قوات مكافحة الإرهاب» (HAT)، التابعة لـ«قسد»، الثلاثاء، بتسليم مواقعها لقوى الأمن الداخلي.

وتبع ذلك وصول رئيس جهاز الاستخبارات العامة السورية، اللواء عبد القادر طحان، ورئيس الاستخبارات الخارجية، العميد عبد الرحمن الدباغ، إلى مدينة الحسكة برفقة وفد أمني كبير.

كما جاءت هذه التطورات والفعاليات بعد أن شهدت عدة مدن وبلدات في محافظة الحسكة خروج مظاهرات سلمية حاشدة عقب صلاة يوم الجمعة الماضي، طالبت بفرض سلطة الدولة، وتعزيز حضور مؤسساتها في جميع مناطق المحافظة.


الجيش اللبناني يحبط محاولتي تهريب متفجرات من سوريا ومخدرات إليها

آليات للجيش اللبناني في دورية مؤللة (أرشيفية - مديرية التوجيه)
آليات للجيش اللبناني في دورية مؤللة (أرشيفية - مديرية التوجيه)
TT

الجيش اللبناني يحبط محاولتي تهريب متفجرات من سوريا ومخدرات إليها

آليات للجيش اللبناني في دورية مؤللة (أرشيفية - مديرية التوجيه)
آليات للجيش اللبناني في دورية مؤللة (أرشيفية - مديرية التوجيه)

أحبط الجيش اللبناني عمليتي تهريب منفصلتين بين لبنان وسوريا، إذ صادر مخدرات كانت معدة للتهريب إلى سوريا، وقذائف ومتفجرات كانت معدة للتهريب إلى لبنان، وذلك في منطقتين منفصلتين في شمال شرقي لبنان.

تهريب المخدرات

وقالت قيادة الجيش في بيان، إنه «على أثر المراقبة المستمرة للحدود اللبنانية السورية والمعابر غير الشرعية المستخدمة للتهريب، حصل اشتباك مسلح في جرد عرسال بين عناصر الجيش ومواطن لبناني يعمل في التهريب، دون وقوع إصابات، في أثناء محاولته تهريب كمية من المخدرات من الأراضي اللبنانية إلى الأراضي السورية».

وأضاف الجيش أن عناصره أوقفت المهرب «وضبطت في حوزته نحو 60 كلغ من حشيشة الكيف و35 كلغ من مادة الكبتاغون و22 كلغ من الماريغوانا، إضافة إلى مسدس حربي وكمية من الذخائر».

تهريب السلاح

وفي البيان نفسه، أعلن الجيش أن وحدة من الجيش «أحبطت في منطقة القصر - الهرمل، عملية تهريب عبر الحدود، من الأراضي السورية إلى الأراضي اللبنانية، وضبطت كمية من القذائف الصاروخية ونحو 24 كلغ من مادة (تي إن تي) الشديدة الانفجار، معدّة للتهريب».

وقالت قيادة الجيش: «سُلّمت المضبوطات وبوشر التحقيق مع الموقوف بإشراف القضاء المختص، وتجري المتابعة لتوقيف المتورطين في عملية تهريب المتفجرات».