خطة «اليوم التالي» للحرب: كيف سيُحكم القطاع؟

مدنيون فلسطينيون نازحون يفرون من شرق البريج وسط قطاع غزة (أ.ف.ب)
مدنيون فلسطينيون نازحون يفرون من شرق البريج وسط قطاع غزة (أ.ف.ب)
TT

خطة «اليوم التالي» للحرب: كيف سيُحكم القطاع؟

مدنيون فلسطينيون نازحون يفرون من شرق البريج وسط قطاع غزة (أ.ف.ب)
مدنيون فلسطينيون نازحون يفرون من شرق البريج وسط قطاع غزة (أ.ف.ب)

تشير مقابلات مع 5 مصادر من حركتي «فتح» و«حماس» الفلسطينيتين إلى أن الانقسامات العميقة ستعوق إحراز تقدم في محادثات المصالحة المقررة بينهما هذا الشهر، لكن الاجتماعات تنبئ بأن من المرجح أن تحتفظ «حماس» بنفوذ بعد حرب إسرائيل على غزة.

ووفقاً لمسؤولين من الجانبين، فمن المقرر أن تعقد المحادثات بين «حماس»، و«فتح» - التي يتزعمها الرئيس الفلسطيني محمود عباس- في الصين منتصف يونيو (حزيران) الحالي. وتأتي هذه المحادثات في أعقاب جولتين أجريتا مؤخراً لبحث المصالحة؛ إحداهما في الصين، والأخرى في روسيا. وامتنعت وزارة الخارجية الصينية عن التعليق، وفقاً لما ذكرته وكالة «رويترز» للأنباء.

امرأة فلسطينية نازحة تبكي خلال سيرها بأحد الشوارع وسط أنقاض المنازل التي دمرها القصف الإسرائيلي بمنطقة حمد غرب خان يونس جنوب قطاع غزة في 14 مارس 2024 وسط الصراع المستمر بين إسرائيل وحركة «حماس» (أ.ف.ب)

وسيعقد الاجتماع المقبل وسط محاولات من جانب وسطاء دوليين للتوصل إلى اتفاق لوقف إطلاق النار في قطاع غزة؛ حيث تتمثل إحدى النقاط الشائكة الرئيسية في خطة «اليوم التالي» للحرب في: كيف سيُحكم القطاع؟

فـ«حماس» منظمة تصنف إرهابية في نظر كثير من الدول الغربية، وكانت منبوذة قبل فترة طويلة من الهجوم الذي قادته في 7 أكتوبر (تشرين الأول) الماضي الذي أسفر عن مقتل 1200 شخص في إسرائيل واحتجاز أكثر من 250 رهينة وتسبب في إشعال فتيل الحرب في غزة.

ولكن حتى في ظل تعرضها للحملة العسكرية الإسرائيلية، فإن اجتماعات أعضاء المكتب السياسي لـ«حماس»؛ مع مسؤولين من حركة «فتح» التي تسيطر على المشهد السياسي الفلسطيني في الضفة الغربية المحتلة، تشير إلى هدف الجماعة المتمثل في تشكيل النظام في الأراضي الفلسطينية بعد الحرب، وفقاً لما ذكره مصدر مطلع على المحادثات داخل «حماس».

ورفض المصدر، مثل غيره من المسؤولين في هذا التقرير، نشر اسمه؛ لأنهم غير مخولين مناقشة الأمور الحساسة مع وسائل الإعلام، وفقاً لما ذكرته «رويترز».

فلسطينيون يتفقدون الأضرار التي لحقت بمقر حركة «فتح» بعد الغارة الجوية الإسرائيلية والغارة على مخيم بلاطة للاجئين (إ.ب.أ)

وقال المصدر إن «حماس»، التي كانت تدير غزة قبل الحرب، تدرك أنها لا يمكن أن تكون جزءاً من أي حكومة جديدة معترف بها دولياً للأراضي الفلسطينية عندما ينتهي القتال في القطاع.

وذكر المصدر، وكذلك القيادي الكبير في «حماس» باسم نعيم، أن الحركة تريد مع ذلك أن توافق «فتح» على تشكيل حكومة خبراء (تكنوقراط) جديدة للضفة الغربية وغزة في إطار اتفاق سياسي أوسع.

وقال نعيم، الذي شارك في الجولة السابقة من محادثات المصالحة في الصين، في مقابلة: «نتكلم عن مشاركة سياسية وعن مصالحة بالمفهوم السياسي لإعادة نظم الكينونة الفلسطينية».

وأضاف: «أن تكون الحركة في الحكومة أو خارجها ليس هذا هو المطلب الأساسي للحركة أو الذي تصدره شرطاً لأي مصالحة». ويعمل نعيم، مثل كثير من قادة «حماس» السياسيين، من المنفى خارج غزة.

واحتمال استمرار «حماس» لاعباً سياسياً مؤثراً قضية شائكة بالنسبة إلى الدول الغربية.

ورغم هدف رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو المتمثل في القضاء على «حماس» خلال الحرب الدائرة في غزة، فإن معظم المراقبين يتفقون على أن الحركة ستوجد بشكل ما بعد وقف إطلاق النار. و«حماس» فرع من جماعة الإخوان المسلمين، ولها امتداد عميق وجذور آيديولوجية في المجتمع الفلسطيني.

وتعارض الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي أي دور لـ«حماس» في حكم قطاع غزة بعد الحرب التي أسفرت عن مقتل أكثر من 36 ألف فلسطيني حتى الآن، وفق وزارة الصحة الفلسطينية في غزة.

ومع ذلك، عبر بعض المسؤولين الأميركيين في أحاديث خاصة عن شكوكهم في قدرة إسرائيل على القضاء على الجماعة. وقال مسؤول أميركي كبير في 14 مايو (أيار) الماضي إن واشنطن تستبعد أن تتمكن إسرائيل من تحقيق «نصر كامل».

وقال بيتر ليرنر، المتحدث باسم الجيش الإسرائيلي، إن «قتل كل عضو في (حماس) أمر غير واقعي، ولم يكن ذلك هدفاً للجيش الإسرائيلي، لكن القضاء على (حماس) بوصفها سلطة حاكمة (هدف عسكري يمكن تحقيقه وسهل المنال)».

* احتمالات ضعيفة

تؤيد الدول الغربية فكرة إدارة قطاع غزة بعد الحرب من قبل السلطة الفلسطينية بعد إعادة هيكلتها، وهي السلطة التي يقودها عباس وتتمتع بحكم ذاتي محدود في مناطق بالضفة الغربية. وتتخذ السلطة الفلسطينية من رام الله مقراً لها، ويعدّها كثيرون على مستوى العالم ممثلاً للفلسطينيين، وتتلقى مساعدات أمنية من الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي.

وهيمنت «فتح»، بقيادة عباس ومن قبله ياسر عرفات، دون منازع على أوراق القضية الفلسطينية لعقود من الزمن حتى صعود «حماس».

الرئيس محمود عباس مترئساً اجتماع المجلس الثوري لحركة «فتح» في رام الله (وفا)

وأدارت السلطة الفلسطينية قطاع غزة حتى عام 2007، عندما طردت «حماس» حركة «فتح» من القطاع بعد اقتتال بينهما، وذلك بعد عام من هزيمة «فتح» في الانتخابات البرلمانية، وهي المرة الأخيرة التي أدلى فيها الفلسطينيون بأصواتهم.

وعلى الرغم من المحادثات، فإن الخصومة والخلافات بين الحركتين تعنيان أن احتمالات التوصل إلى اتفاق لإعادة توحيد إدارة الأراضي الفلسطينية لا تزال ضعيفة، وفق ما أشارت المقابلات مع المصادر الخمسة، وهو رأي ردده أيضاً 4 خبراء.

وقال يزيد صايغ، وهو باحث في «مركز كارنيغي - الشرق الأوسط»: «توقعاتي بالتقارب ضئيلة أو دون ذلك».

ويطمح الفلسطينيون إلى إقامة دولة على جميع الأراضي التي احتلتها إسرائيل في حرب عام 1967، عندما استولت إسرائيل على الضفة الغربية - بما في ذلك القدس الشرقية - وقطاع غزة.

وعلى الرغم من اعتراف 143 دولة بفلسطين؛ بما فيها آيرلندا وإسبانيا والنرويج الأسبوع الماضي، فإن الآمال تضاءلت في إقامة دولة ذات سيادة منذ سنوات في ظل توسيع إسرائيل المستوطنات في الضفة الغربية ومعارضتها إقامة دولة فلسطينية.

ويزيد الانقسام بين «حماس» و«فتح» من تعقيد هذا الهدف. والحركتان لديهما وجهات نظر متباينة للغاية بشأن الاستراتيجية؛ إذ تلتزم «فتح» بالمفاوضات مع إسرائيل لإقامة دولة مستقلة، بينما تدعم «حماس» الكفاح المسلح ولا تعترف بإسرائيل.

وخرجت الخلافات إلى العلن خلال القمة العربية التي انعقدت في مايو الماضي عندما اتهم عباس «حماس» «بتوفير المزيد من الذرائع والمبررات» لإسرائيل لتدمير قطاع غزة من خلال شن هجوم 7 أكتوبر الماضي.

وقالت «حماس» إن هذا التعليق مؤسف، ووصفت «7 أكتوبر» بأنه لحظة حاسمة في النضال الفلسطيني.

ودعا الميثاق التأسيسي لـ«حماس» عام 1988 إلى تدمير إسرائيل. وفي عام 2017، قالت «حماس» إنها وافقت على إقامة دولة فلسطينية انتقالية داخل حدود ما قبل حرب عام 1967، رغم أنها لا تزال تعارض الاعتراف بحق إسرائيل في الوجود. وتؤكد «حماس» على هذا الموقف منذ اندلاع الحرب في غزة.

* حكومة جديدة؟

في مارس (آذار) الماضي، شهد عباس مراسم أداء اليمين لحكومة جديدة تابعة للسلطة الفلسطينية برئاسة محمد مصطفى، وهو مساعد مقرب لعباس أشرف على إعادة إعمار غزة عندما كان نائباً لرئيس الوزراء في حكومة سابقة من 2013 إلى 2014. وعلى الرغم من أن الحكومة كانت تتألف من تكنوقراط، فإن خطوة عباس أثارت غضب «حماس» التي اتهمته بالتصرف بشكل منفرد.

ووصف صبري صيدم، عضو اللجنة المركزية لحركة «فتح»، في مقابلة مع «رويترز»، تشكيل حكومة جديدة بأنه إضاعة للوقت.

رجال الحرس الرئاسي الفلسطيني لدى وصولهم لمنع مسلحين من حركة «فتح» من اقتحام مكاتب اللجنة الانتخابية المركزية يوم 28 ديسمبر 2005 في غزة (غيتي)

وقال: «نحن بصراحة لسنا معنيين على الإطلاق بإضاعة مزيد من الوقت في تشكيل حكومة جديدة، وبالتالي سندفع قدماً أن تثبت أقدام هذه الحكومة حتى تستمر بعملها».

وقال مسؤول كبير آخر مطلع على شروط «فتح» لمحادثات الصين، إنها تريد من «حماس» أن تعترف بدور «منظمة التحرير الفلسطينية» بوصفها الممثل الشرعي الوحيد للفلسطينيين، وأن تلتزم بالاتفاقات التي وقعتها «منظمة التحرير».

ويشمل ذلك «اتفاقيات أوسلو» الموقعة قبل 30 عاماً، التي اعترفت بموجبها «منظمة التحرير» بإسرائيل، والتي تعارضها «حماس» بشدة.

وقال المسؤول إن «فتح» تريد أن تتمتع الحكومة بسيطرة أمنية وإدارية كاملة في غزة، وهو ما يمثل تحدياً لنفوذ «حماس» هناك.

و«حماس» على خلاف جوهري مع «منظمة التحرير الفلسطينية» بشأن إسرائيل، ولم تنضم «حماس» قط إلى «المنظمة»، لكنها دعت منذ مدة طويلة إلى إجراء انتخابات لمؤسساتها الحاكمة؛ بما فيها ذلك هيئتها التشريعية المعروفة باسم «المجلس الوطني الفلسطيني».

ودعا إسماعيل هنية، رئيس المكتب السياسي لحركة «حماس»، يوم الجمعة، إلى «تشكيل حكومة وفاق وطني في الضفة والقطاع بمرجعية وطنية متفق عليها»، وقال إن «حماس» تريد إجراء انتخابات عامة جديدة رئاسية وتشريعية ولـ«المجلس الوطني الفلسطيني».

إسماعيل هنية رئيس المكتب السياسي لحركة «حماس» في كلمة مسجلة بالقدس (رويترز)

وقال غسان الخطيب، المحاضر في جامعة بيرزيت بالضفة الغربية، إن «حماس» مهتمة بالمصالحة فقط بشروطها والحفاظ على سياساتها وأجهزتها الأمنية وآيديولوجيتها، مضيفاً أن هذا قد يخاطر بإغراق «منظمة التحرير الفلسطينية» في عزلة دولية.

وتابع: «عباس لا يمكنه القبول بسياساتهم؛ لأن ذلك سيعرض للخطر الإنجاز الوحيد لـ(منظمة التحرير الفلسطينية) وهو الاعتراف الدولي».

* جزء من النسيج الوطني والسياسي

على الرغم من ذلك، فإن القيادي في حركة «فتح» تيسير نصر الله قال إن «(فتح) تعدّ (حماس) جزءاً من النسيج الوطني الفلسطيني وجزءاً من النسيج السياسي أيضاً كحركة وطنية فلسطينية».

وقال صيدم إن التوافق ضروري لإدارة المساعدات وإعادة الإعمار في غزة. وأضاف: «قلنا إننا (فتح) لن نأتي على ظهر دبابة؛ وإنما سنأتي بالتوافق مع الجميع، فنحن شركاء في هذه المسيرة».

وذكرت المتحدثة باسم الحكومة الإسرائيلية، تال هاينريش، أن استعداد السلطة الفلسطينية للعمل مع «حماس» أمر «مؤسف».

وأظهر استطلاع للرأي أجراه «المركز الفلسطيني للبحوث السياسية والمسحية» في الضفة الغربية وغزة في شهر مارس أن «حماس» تتمتع بدعم أكبر من «فتح»، وأن شعبيتها أعلى مما كانت عليه قبل الحرب.

وتمثل استضافة الصين «حماس» دفعة دبلوماسية للحركة.

وقال أشرف أبو الهول، مدير تحرير صحيفة «الأهرام» المصرية والمختص في الشؤون الفلسطينية، إن «حماس» مهتمة بالتوصل إلى اتفاق أكثر من «فتح»؛ لأن المصالحة يمكن أن تمنح الحركة التي أنهكتها الحرب غطاء لإعادة بناء قدراتها.

وقال مهند الحاج علي، من «مركز كارنيغي - الشرق الأوسط» إن من الصعب تصور قيام «حماس» بأي عمل عسكري من شأنه أن يؤدي إلى انتقام إسرائيلي واسع النطاق في المستقبل المنظور. لكنه أضاف أن المصالحة ستكون «مرحلة انتقالية من شأنها أن تسمح لـ(حماس) بإعادة تسليح نفسها ببطء».


مقالات ذات صلة

صمت «حماس» على الاغتيالات... التزام بالهدنة أم فقد لقدرة الرد؟

خاص فلسطينيون يحملون جثمان نائل أبو عبيد قائد لواء رفح يوم الأربعاء بعد اغتياله في غارة إسرائيلية بخان يونس (أ.ب)

صمت «حماس» على الاغتيالات... التزام بالهدنة أم فقد لقدرة الرد؟

من الملاحظ أن حركة «حماس» وجناحها المسلح باتا يكتفيان بنعي القيادات، دون أن تحمل البيانات أي لغة تهديد بالرد كما كان يحدث خلال الحرب وقبلها.

«الشرق الأوسط» (غزة)
المشرق العربي ر

سجال انتخابي إسرائيلي حول «هزيمة حماس»... وتضارب عسكري

استدعى المتنافسون في الانتخابات الإسرائيلية ملفاً للمزايدة اليمينية الداخلية حول إتمام هزيمة حركة «حماس» خلال الحرب الممتدة معها منذ حرب 7 أكتوبر (تشرين الأول)

نظير مجلي (تل أبيب)
خاص قائد لواء رفح نائل أبو عبيد

خاص مصادر من «حماس» تؤكد لـ«الشرق الأوسط» اغتيال قائد لواء رفح

أكدت 3 مصادر في حركة «حماس»، فجر اليوم (الأربعاء)، اغتيال نائل أبو عبيد، قائد لواء رفح، في «كتائب القسام» الجناح المسلح للحركة.

«الشرق الأوسط» (غزة)
المشرق العربي فلسطينيون يشيعون القيادي في كتائب «القسام» أحمد البطش بعد مقتله في غارة جوية إسرائيلية استهدفت سيارته في مدينة غزة الثلاثاء (أ.ف.ب)

إسرائيل تغتال قائد كتيبة في «القسام» بغزة

واصلت إسرائيل تنفيذ عمليات الاغتيال في قطاع غزة، والتي تطال نشطاء بارزين في الفصائل الفلسطينية، وخاصةً «كتائب القسام» الجناح المسلح لحركة «حماس».

«الشرق الأوسط» (غزة)
شمال افريقيا السيسي وعباس على هامش الاحتفالات بـ«يوم النصر» في العاصمة الروسية خلال مايو 2025 (الرئاسة المصرية)

قمة مصرية - فلسطينية في القاهرة غداً

قمة جديدة بين الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، ونظيره محمود عباس، بشأن ملفات القضية الفلسطينية، تنعقد في ظل تعثر يواجه اتفاق وقف إطلاق النار في قطاع غزة.

محمد محمود (القاهرة )

«الدولة الفلسطينية»... أبعد من أي وقت مضى

فلسطيني أمام أسلاك شائكة تحيط بمنزله لحمايته من هجمات المستوطنين في قرية الطيبة بالضفة الغربية يوم 9 سبتمبر 2026 (إ.ب.أ)
فلسطيني أمام أسلاك شائكة تحيط بمنزله لحمايته من هجمات المستوطنين في قرية الطيبة بالضفة الغربية يوم 9 سبتمبر 2026 (إ.ب.أ)
TT

«الدولة الفلسطينية»... أبعد من أي وقت مضى

فلسطيني أمام أسلاك شائكة تحيط بمنزله لحمايته من هجمات المستوطنين في قرية الطيبة بالضفة الغربية يوم 9 سبتمبر 2026 (إ.ب.أ)
فلسطيني أمام أسلاك شائكة تحيط بمنزله لحمايته من هجمات المستوطنين في قرية الطيبة بالضفة الغربية يوم 9 سبتمبر 2026 (إ.ب.أ)

عندما اعترفت فرنسا والمملكة المتحدة ودول غربية أخرى العام الماضي بدولة فلسطين، شعر رائد الأعمال الفلسطيني، آدم بدر، ببعض الأمل، لكنه أمل يتلاشى في ظل تدهور الأوضاع المستمر في الأراضي الفلسطينية وغياب آفاق الحلول.

ويقول بدر (27 عاماً) وهو من مدينة طولكرم، في شمال الضفة الغربية المحتلة، التي تشهد تصاعداً في العمليات العسكرية الإسرائيلية منذ سنوات، لـ«وكالة الصحافة الفرنسية»: «شعرت بالسعادة عندما سمعت عن ذلك... الآن، بعد عام، لا نرى أي تحسن، بل على العكس، فالوضع يزداد سوءاً يوماً بعد يوم، ولا أحد يستطيع فعل أي شيء».

بعد عام على الاعترافات، يبدو حلم إقامة دولة فلسطينية بعيد المنال مع تصاعد عنف المستوطنين الإسرائيليين، وتقلّص مساحة العيش للفلسطينيين مع توسّع الاستيطان، وضعف السلطة الفلسطينية. فيما، وإن تراجعت حدّة العنف في قطاع غزة، لم تنته الحرب تماماً ولم يعرف مصير القطاع الفلسطيني.

في 22 سبتمبر (أيلول) 2025، ترأس الرئيس الفرنسي، إيمانويل ماكرون، قمة خاصة في الأمم المتحدة للاعتراف بدولة فلسطين، متعهداً بإيجاد مسار جديد في ظل الغضب العالمي من الهجوم الإسرائيلي المدمّر على غزة.

الرئيس الفلسطيني محمود عباس مُستقبلاً نظيره الفرنسي إيمانويل ماكرون بمدينة رام الله في 22 يناير 2020 (أ.ف.ب)

واعترفت عشر دول، من بينها أيضاً كندا وأستراليا، بالدولة الفلسطينية، ما رفع عدد الدول الأعضاء في الأمم المتحدة التي قامت بذلك إلى نحو 157 دولة، أي أكثر من أربعة أخماس أعضاء المنظمة الدولية.

لكن إسرائيل، التي تحظى بدعم الولايات المتحدة، ترفض بشكل قاطع إقامة دولة فلسطينية. وكثّفت جهودها لعزل السلطة الفلسطينية، برئاسة محمود عباس.

ويتخوّف مراقبون من أن تضمّ إسرائيل الضفة الغربية بحكم الأمر الواقع، بعد موافقة حكومته اليمينية على توسيع المستوطنات بشكل غير مسبوق.

ويقول وكيل وزارة الخارجية الفلسطينية، عمر عوض الله، لـ«وكالة الصحافة الفرنسية»: «الاعتراف يجعل حلّ الدولتين واقعاً سياسياً ودبلوماسياً. لكن لسوء الحظ، على الأرض، لا يزال يعتمد على السلوك غير القانوني لإسرائيل التي لا تنفذ القرارات الدولية». ويضيف: «المستوطنات غير قانونية بموجب القانون الدولي، لذا على الدول الآن أن تتخذ إجراءات» ضدها.

المصافحة التاريخية برعاية الرئيس الأميركي بيل كلينتون بين ياسر عرفات وإسحاق رابين بعد توقيع «اتفاق أوسلو» بواشنطن في سبتمبر 1993 (غيتي)

وترى المحللة السياسية الفلسطينية، إيناس عبد الرازق، أن الاعتراف بدولة فلسطين لا يساوي الكثير من دون اتخاذ تدابير تهدف إلى دعم وجود دولة وتواجه الأفعال الإسرائيلية. وتقول: «لقد تحوّل حلّ الدولتين إلى لازمة دبلوماسية لتجنب مواجهة الواقع، وهو أن نظاماً يرتكب إبادة جماعية، يسيطر على كامل الأراضي الفلسطينية».

إسرائيل في موقع الهجوم

على امتداد التلال الكلسية في الضفة الغربية، تصطف آلاف الأعلام الإسرائيلية على الطرق التي يستخدمها المستوطنون الإسرائيليون، وتتخللها بين الحين والآخر كتابات على الجدران فيها «لا مستقبل في فلسطين»، في دعوة إلى رحيل الفلسطينيين.

فلسطينيون يحتجون ضد المستوطنات الإسرائيلية بالقرب من نابلس في الضفة الغربية المحتلة (رويترز)

ويقول نتنياهو إن إقامة دولة فلسطينية ستكون «مكافأة على الإرهاب» بعد أن نفذت حركة «حماس» في 7 أكتوبر (تشرين الأول) 2023 الهجوم الأكثر عنفاً في تاريخ إسرائيل التي ردّت بعملية عسكرية ضخمة في غزة.

وقال نتنياهو الشهر الماضي: «طالما أنا رئيس للحكومة، لن تُقام دولة فلسطينية خاضعة لسيطرة إيران»، في إشارة إلى التحالف بين «حماس» وطهران، «لا في غزة ولا في يهودا والسامرة (الاسم التوراتي للضفة الغربية). نقطة».

وقبل أسابيع، أمرت إسرائيل بإغلاق القنصلية البريطانية التي تخدم الفلسطينيين في القدس الشرقية، ردّاً على عقوبات فرضتها دول غربية على رأسها المملكة المتحدة، ومن بينها فرنسا وكندا، على المستوطنات الإسرائيلية بسبب عدم قانونيتها وعنف المستوطنين.

وقال وزير الخارجية الإسرائيلي، جدعون ساعر، مبرراً هذه الخطوة، إن حكومة حزب العمال في بريطانيا تحاول «فرض» دولة فلسطينية على إسرائيل، لكن هذه المحاولة «محكوم عليها بالفشل».

تصاعد الهجمات

وتتعرّض السلطة الفلسطينية التي أقيمت في التسعينات ككيان مؤقت لتمثيل الشعب الفلسطيني، لانتقادات مرتبطة بالفساد والافتقار إلى الشرعية.

وقد تحوّلت إلى كيان أكثر عجزاً عندما بدأت إسرائيل بخنقها اقتصادياً بعد عام 2023، فتجد صعوبة في دفع رواتب موظفيها المدنيين والعسكريين من جراء عدم تحويل الدولة العبرية عائدات الضرائب التي تجبيها نيابة عنها.

القوات الإسرائيلية تقتحم بلدة عناتا في الضفة الغربية يوم 8 سبتمبر الحالي (د.ب.أ)

في مطلع عام 2025، أقامت إسرائيل نحو ألف بوابة حديدية في الضفة الغربية، عند مداخل معظم القرى والبلدات، تقوم بإغلاقها بين الفينة والأخرى للتحكّم في حركة الفلسطينيين. بالإضافة إلى عشرات الحواجز العسكرية التي تفصل المدن الفلسطينية عن بعضها البعض.

ويندّد الفلسطينيون بسياسة «أرض أكثر وعرب أقل» التي تطبّق عملياً عبر إقدام مستوطنين على طرد التجمعات الرعوية المعزولة من المناطق الريفية في الضفة من أجل إقامة بؤر استيطانية.

وتقول الأمم المتحدة إن المستوطنين المتطرفين نفذوا في عام 2026 ما معدله ست هجمات يومياً ضد الفلسطينيين وممتلكاتهم في الضفة الغربية.

ويشكو الفلسطينيون من أن مرتكبي أعمال العنف من الإسرائيليين نادراً ما يُحاسبون، وأن الجيش يوفر لهم الحماية.

وأعلن وزير الدفاع الإسرائيلي، يسرائيل كاتس، أنه كلّف الجيش إعداد خطة هدفها «نقل كل صلاحيات حفظ النظام» المتصلة بالمستوطنين في الضفة الغربية المحتلة إلى الشرطة، في خطوة يراها مراقبون مزيداً من التقدم نحو الضم.

ويرى سامح، وهو مهندس برمجيات من نابلس، أن الاعترافات بالدولة الفلسطينية العام الماضي لا تزال «إشارة إيجابية»، لكن الوضع صعب. ويقول: «لا يزال هناك فارق كبير بين الاعتراف الدولي وبين رؤية هذا الاعتراف يُترجَم إلى واقع ملموس على الأرض».


هدوء حذر في «الصنمين» السورية وانتشار أمني مكثف وحالة استنفار تحسباً لأي طارئ

قوى الأمن الداخلي تنتشر في أحياء مدينة الصنمين (صفحة قوى الأمن - فيسبوك)
قوى الأمن الداخلي تنتشر في أحياء مدينة الصنمين (صفحة قوى الأمن - فيسبوك)
TT

هدوء حذر في «الصنمين» السورية وانتشار أمني مكثف وحالة استنفار تحسباً لأي طارئ

قوى الأمن الداخلي تنتشر في أحياء مدينة الصنمين (صفحة قوى الأمن - فيسبوك)
قوى الأمن الداخلي تنتشر في أحياء مدينة الصنمين (صفحة قوى الأمن - فيسبوك)

عاد الهدوء الحذر، إلى مدينة الصنمين بريف درعا الشمالي جنوب سوريا، وسط انتشار أمني كثيف واستمرار حالة الاستنفار الداخلي، تحسباً لأي تحركات قد تقوم بها مجموعات مسلحة وأخرى إرهابية، وذلك بعد عملية أمنية نفذتها قوى الأمن الداخلي الخميس الماضي، تخللتها اشتباكات أسفرت عن مقتل 3 من عناصرها، وتفكيك «خلايا إجرامية، وأخرى إرهابية مرتبطة بتنظيم (داعش) الإرهابي»، وإلقاء القبض على 5 من المطلوبين.

وأكدت مصادر محلية في الصنمين لـ«الشرق الأوسط»، أن الوضع في المدينة حالياً، «طبيعي، وحركة الناس والسيارات والأسواق طبيعية، وكما هو معتاد غصت المساجد بأعداد كبيرة من المصلين خلال صلاة الجمعة، وذلك بعد انتشار عناصر الأمن وعودة الأمن والأمان في جميع أرجاء المدينة، عقب انتهاء الاشتباكات».

أسلحة وذخائر ضبطتها قوى الأمن الداخلي في مدينة الصنمين بريف درعا (قناة قوى الامن- تلغرام).

لكن أحد المصادر وصف الهدوء السائد في المدينة بـ«الحذر»، ويدل على ذلك «استمرار وجود استنفار أمني وعمليات رصد لأي تحركات قد تقوم بها المجموعة الإرهابية في المدينة»، موضحاً أن «بقاء القوات الأمنية يهدف لتثبيت حالة الاستقرار».

وقال قائد الأمن الداخلي في درعا العميد حسام الطحان ليل الخميس - الجمعة، في تصريح نقلته وسائل إعلام حكومية، إن قوى الأمن الداخلي «تمكنت بعد متابعة وملاحقة دقيقة، من الوصول إلى الخلية المسؤولة عن استشهاد 3 من عناصرها في مدينة الصنمين».

وذكر أن المتابعة أظهرت أن الخلية يتزعمها «محسن الهيمد وأحمد العثمان الملقب بالكشكي»، مشيراً إلى أن قوات الأمن «ضبطت خلال عمليات التفتيش والتمشيط، أسلحة وذخائر وعبوات جاهزة للتفجير ومعدّات لتصنيع المتفجرات داخل منزليهما وتواصل ملاحقة بقية أفراد الخلية، تمهيداً لإلقاء القبض على جميع المتورطين وإحالتهم إلى القضاء المختص».

المصدر المحلي وخلال حديثه لـ«الشرق الأوسط»، أوضح أنه لم يتم التأكد من وجود «محسن الهيمد» في المدينة خلال اشتباكات الخميس، فيما أشارت مصادر أخرى إلى وجود «الكشكي»، الذي يرجح أنه فرّ.

وبيّن أن مجموعة «محسن الهيمد هي المجموعة المسلحة الوحيدة التي بقيت في الصنمين بعد إسقاط النظام البائد أواخر العام 2024، وعدد مسلحيها غير معروف، لكنها معروفة بارتكابها جرائم متعددة منها عمليات اغتيال وتصفيات».

من انتشار القوى الأمنية في الصنمين (سانا)

«ولا يكمن الخطر في عدد مسلحي هذه المجموعة، وإنما بارتباطاتها مع متعاونين معها سواء في داخل الصنمين أو خارج المدينة»، وفق المصدر، الذي لفت إلى أن اشتباكات الخميس «أثبتت وجود أشخاص مرتبطين بها، استطاعوا تنبيهها قبل بدء المداهمة الأولى، وهو ما مكنها من إعداد كمين لقوة البحث الجنائي واستهدافها، ما أدى إلى مقتل 3 من عناصرها».

وأوضح أن آيديولوجية هذه المجموعة ظاهرياً هي الآيديولوجية نفسها لـ«داعش»، رغم ارتباط «الهيمد» سابقاً بجهاز الأمن العسكري السابق التابع لنظام الأسد. وأضاف أن «العديد من الحوادث تثبت وجود علاقة بين (داعش) ونظام الأسد البائد».

وكانت قوى الأمن الداخلي نفذّت أواخر مارس (آذار) 2025، حملة أمنية في المدينة استهدفت مجموعات محلية بينها «مجموعة الهيمد». وأسفرت المواجهات آنذاك عن مقتل 9 من عناصر الأمن وإصابة آخرين، قبل أن تدخل القوى الأمنية في اليوم التالي إلى الحي الغربي في الصنمين، حيث تحصنت تلك المجموعة.

وشدد المصدر المحلي على ضرورة قيام وزارة الداخلية «بحسم الوضع في الصنمين نهائياً، لأنه أهم ملف أمني في درعا».

الخبير الأمني والعسكري الاستراتيجي السوري عصمت العبسي المتحدر من محافظة درعا، أوضح أن المجموعات المسلحة المتبقية في المحافظة «ليست كيانات تنظيمية موحدة، بل خلايا متناثرة تفتقر إلى القيادة المركزية، وأبرزها حالياً مجموعة محسن الهيمد». وبيّن لـ«الشرق الأوسط»، أن هذه المجموعات «تتميز بآيديولوجيا هجينة فهي تجمع بين بقايا الولاء للنظام السابق، وبين علاقات تشغيلية مع (داعش) لتنفيذ عمليات اغتيال وخطف».

بعض الأسلحة والذخائر والمتفجرات المضبوطة في الصنمين (قناة قوى الأمن - تلغرام)

ومن الصعوبة تقدير عدد مسلحين تلك المجموعات بسبب طبيعة الخلايا السرية، لكن العمليات الأخيرة، وفق العبسي، تشير إلى أنها «مجموعات صغيرة العدد تعتمد على التحصن في الأحياء السكنية والاختباء بين المدنيين بدلاً من المواجهة المفتوحة».

ولا يوجد لـ«داعش» كيان عسكري مستقل أو مناطق سيطرة واضحة في درعا، كما كانت الحال سابقاً. ويتخذ الوجود «الداعشي»، حسب العبسي، شكّل «خلايا نائمة تستخدم العنف أداة ضغط، وتتركز في الجيوب الأمنية الضعيفة مثل الصنمين وبعض القرى الحدودية».

وبرأيه، فإن «استمرار وجود المجموعات المسلحة والإرهابية وقيامها باعتداءات وأعمال عنف بين فترة وأخرى، يعود لعدة عوامل؛ منها الطبيعة اللامركزية لهذه الخلايا، فحتى لو فر القائد كالهيمد، تبقى عناصر أخرى قادرة على تنفيذ أعمال عنف عشوائية، أو انتقامية للحفاظ على نفوذها المحلي، والعامل الثاني هو الحاجة الزمنية لبناء مؤسسات أمنية قوية وقادرة على التنبؤ بالتهديدات قبل وقوعها».

وأوضح العبسي أن «الفرار المؤقت للقادة لا يعني نهاية التهديد، بل يشير إلى أن المعركة الأمنية طويلة المدى وتتطلب استراتيجية شاملة تجمع بين القوة الناعمة (التسويات) والقوة الصلبة (القضاء على الخلايا) لضمان الاستقرار الدائم في درعا».


نصف رجال عرب إسرائيل لا يشعرون بـ«الأمان الشخصي»

مواطنون عرب يتظاهرون في إسرائيل احتجاجاً على انتشار الجريمة بالبلدات العربية (أرشيفية - أ.ف.ب)
مواطنون عرب يتظاهرون في إسرائيل احتجاجاً على انتشار الجريمة بالبلدات العربية (أرشيفية - أ.ف.ب)
TT

نصف رجال عرب إسرائيل لا يشعرون بـ«الأمان الشخصي»

مواطنون عرب يتظاهرون في إسرائيل احتجاجاً على انتشار الجريمة بالبلدات العربية (أرشيفية - أ.ف.ب)
مواطنون عرب يتظاهرون في إسرائيل احتجاجاً على انتشار الجريمة بالبلدات العربية (أرشيفية - أ.ف.ب)

كشفت جمعية أطباء لحقوق الإنسان معطيات جديدة لها، يستدل منها على وجود أزمة عميقة تتعلق بالأمان الشخصي لدى المواطنين العرب في إسرائيل (فلسطينيو 48) إلى جانب فجوات ملموسة في الوصول إلى الخدمات الصحية والطبية من جراء سياسة التمييز العنصري للحكومة.

وقالت الجمعية إن هذه السياسة تبين أن الفجوات القائمة على الهوية الإثنية-القومية، سواء في الشعور بالأمان الشخصي أو في الوصول إلى الخدمات الصحية، ليست قضايا منفصلة، وإنما هي جزء من الظروف المعيشية التي تؤثر في الصحة الجسدية والنفسية وفي القدرة على ممارسة الحق في الصحة.

ونقلت لجنة الأطباء نتائج استطلاع أجرته شركة «جيوكارتوغرافيا» على عينة تمثيلية شملت 800 شخص من السكان البالغين في إسرائيل، وتبين أن 42.5 في المائة من الفلسطينيين المواطنين والمقيمين في إسرائيل لا يشعرون بالأمان، أو لا يشعرون بالأمان إطلاقاً في الحيّز العام، مقابل 19 في المائة من اليهود. وترتفع النسبة بين الرجال الفلسطينيين إلى 50 في المائة، مقابل نحو 37 في المائة من النساء الفلسطينيات، و21 في المائة من النساء اليهوديات، و16 في المائة من الرجال اليهود. وفي المقابل، قال 9.7 في المائة فقط من الفلسطينيين إنهم يشعرون بأمان كبير في الحيّز العام، مقابل نحو ربع اليهود.

مواطنون عرب يتظاهرون في إسرائيل احتجاجاً على انتشار الجريمة بالبلدات العربية (أرشيفية - أ.ف.ب)

وأشارت نتائج الاستطلاع إلى أن 25 في المائة من الفلسطينيين قالوا إن الجريمة والعنف هما مصدر القلق الأبرز في حياتهم اليومية، مقابل نحو 9 في المائة من اليهود، وترتفع النسبة إلى 31 في المائة بين الرجال الفلسطينيين. أما لدى النساء الفلسطينيات، فيبرز القلق الاقتصادي بشكل خاص؛ إذ قالت نحو 37 في المائة منهن إن الضائقة الاقتصادية أو فقدان الدخل يشكلان مصدر القلق الأكبر بالنسبة إليهن.

وكشف الاستطلاع أن الرجال الفلسطينيين الذين يعانون من ضائقة نفسية يميلون إلى الاعتماد أكثر على العلاج الدوائي وعلى خدمات الصحة النفسية العامة، وأقل على العلاج النفسي الخاص، مقارنة بالرجال اليهود.

وحسب روني بن كنعان، من قسم سياسات الصحة في إسرائيل في جمعية أطباء لحقوق الإنسان فإن «هذه المعطيات توضح أنه لا يمكن الفصل بين التقاعس في مواجهة العنف والجريمة الموجودين في المجتمع الفلسطيني وبين الصحة العامة. فعندما لا يشعر نصف الرجال الفلسطينيين بالأمان في الحيّز العام، وعندما يضطر الفلسطينيون والفلسطينيات إلى التنازل عن الرعاية الصحية بسبب عوائق تمس بهم أكثر من اليهود، وعندما تواجه النساء الفلسطينيات عوائق خاصة حتى في خدمات الرعاية الصحية الأولية، فنحن أمام حالة من عدم مساواة تؤثر مباشرة في الصحة وفي القدرة على ممارسة الحق في الصحة. إن النضال ضد التمييز وعدم المساواة بحق الفلسطينيين المواطنين والمقيمين في إسرائيل هو أيضاً نضال من أجل الصحة».