ماكينزي يكشف جوانب مثيرة في علاقة «أميركا القوية» بالشرق الأوسط

«نقطة الانصهار» يروي بالتفصيل قرار قتل سليماني ويُحذر من تراجع القدرات الأميركية

القائد السابق للقيادة الوسطى لدى القوات الأميركية الجنرال كينيث فرنك ماكينزي خلال مؤتمر صحافي في مارس 2020 (البنتاغون - أرشيفية)
القائد السابق للقيادة الوسطى لدى القوات الأميركية الجنرال كينيث فرنك ماكينزي خلال مؤتمر صحافي في مارس 2020 (البنتاغون - أرشيفية)
TT

ماكينزي يكشف جوانب مثيرة في علاقة «أميركا القوية» بالشرق الأوسط

القائد السابق للقيادة الوسطى لدى القوات الأميركية الجنرال كينيث فرنك ماكينزي خلال مؤتمر صحافي في مارس 2020 (البنتاغون - أرشيفية)
القائد السابق للقيادة الوسطى لدى القوات الأميركية الجنرال كينيث فرنك ماكينزي خلال مؤتمر صحافي في مارس 2020 (البنتاغون - أرشيفية)

يكشف القائد السابق للقيادة الوسطى لدى القوات الأميركية الجنرال كينيث فرنك ماكينزي، في كتابه الصادر حديثاً «نقطة الانصهار... القيادة العليا والحرب في القرن الحادي والعشرين»، عن معلومات لم تُعرف من قبل عن بعض أهم العمليات العسكرية التي أشرف عليها حين كان القائد الـ14 للقيادة الوسطى، بما في ذلك مسؤوليته العملياتية المباشرة عن الضربة التي قُتل فيها قائد «فيلق القدس» لدى «الحرس الثوري» الإيراني الجنرال قاسم سليماني، بالإضافة إلى عمليات الردع التي استمرت لأشهر ضد إيران ووكلائها والانسحاب المنهجي في العراق، فضلاً عن إدارة عملية انسحاب القوات الأميركية من أفغانستان، وعمليات أخرى أدت إلى تصفية اثنين من قادة «داعش».

غير أن «نقطة الانصهار» يذهب إلى ما هو أبعد من مجرد العمليات العسكرية الاستثنائية التي أشرف عليها ماكينزي خلال مرحلة حرجة في الشرق الأوسط، ليركز على الدور الريادي الذي تضطلع به الولايات المتحدة في المنطقة استناداً إلى قوتها العسكرية الاستثنائية، التي أدت المحافظة على قوة الردع في مواجهة زعزعة أكان من إيران مباشرةً، أو عبر وكلائها في بلدان عربية مختلفة، ومنها الحوثيون في اليمن و«حزب الله» في لبنان و«كتائب حزب الله» وغيرها من الميليشيات في كل من العراق وسوريا.

ويحتوي كتاب الجنرال ماكينزي، الذي شغل سابقاً أيضاً منصب مدير هيئة الأركان المشتركة، ويعمل حالياً مديراً تنفيذياً لمعهد الأمن العالمي والقومي ومركز فلوريدا للأمن السيبراني بجامعة جنوب فلوريدا، على ثلاثة مواضيع رئيسية مرتبطة بشخصية القائد العسكري.

ويركز في الأول على أهمية أولوية السيطرة المدنية على الجيش، مشيراً إلى أنه لا يوافق على «الحقائق المتعارف عليها على نطاق واسع» في شأن أن «هذه السيطرة تآكلت خلال السنوات القليلة الماضية». وإذ يتحدث عن العلاقة المدنية - العسكرية، يوضح أنها «أكثر ديمومة مما يعتقده الكثيرون، وتدعمها وتحتضنها المؤسسة العسكرية إلى درجة لا يختار بعض النقاد الاعتراف بها».

ويلفت إلى «الفرادة» في أن يكون الشخص «قائداً مقاتلاً» يشارك في «تطوير السياسة»، وهو «المسؤول عن تنفيذ السياسة بمجرد قيام القادة المدنيين بصياغة قرارهم». ويناقش ثالثاً أن «القادة مهمون، وأن القرارات التي يتخذونها لها تأثير عميق على ما يحدث في ساحة المعركة»، مقدماً «صورة حية» للقيادة في العمل في واحدة من أكثر مناطق العالم اضطراباً: الشرق الأوسط.

غلاف كتاب «نقطة الانصهار... القيادة العليا والحرب في القرن الحادي والعشرين» الصادر حديثاً

حقيقة غير سارة

وكتب ماكينزي أن «أي تقييم لمستقبل الشرق الأوسط يجب أن يتعامل مع حقيقة غير سارة» مفادها أن «إيران لا تزال ملتزمة أهدافاً تهدد مصالح المنطقة والولايات المتحدة على حد سواء»، مشيراً إلى «هذه الأهداف صارت في متناول اليد مع نمو ترسانة الصواريخ الباليستية وأنظمة الدفاع الجوي، وتحسن تكنولوجيا الطائرات المُسيّرة». وأعطى مثلاً بإطلاق إيران قبل أسابيع «وابلاً من الصواريخ والطائرات المُسيّرة على إسرائيل»، مؤكداً أن الهجمات فشلت «ليس نتيجة دفاعات إسرائيل القادرة فحسب، بل أيضاً نتيجة مساهمات القوات الأميركية والقوات المتحالفة معها».

ويخلص إلى أن «الوجود الأميركي المستمر في المنطقة أمر بالغ الأهمية لردع مزيد من العدوان»، مستدركاً بأن «سياستنا الحالية لا تستجيب لهذا الواقع». ويعترف بأن «القدرات العسكرية الأميركية في الشرق الأوسط تراجعت بشكل مطرد، مما شجع إيران، التي تعزز نفوذها مع تراجع الدعم الدولي لإسرائيل»، محذراً من أن «رغبة أميركا الواضحة في الانسحاب من المنطقة أدت إلى تقويض علاقاتنا مع حلفائنا».

السيارة التي كان يستقلها سليماني مشتعلة بعد استهدافها بصواريخ أميركية في 3 يناير 2020 (أرشيفية - أ.ف.ب)

إيران تستجيب للردع

وفي واحد من أحد الفصول الأكثر إثارة في الكتاب، يكتب ماكينزي أن «التاريخ الحديث يُظهر أن الموقف الأميركي القوي في الشرق الأوسط يردع إيران»، مضيفاً أن كقائد للقيادة الوسطى، كان يتحمل «المسؤولية العملياتية المباشرة» عن الضربة التي قتلت سليماني، بوصفه «الجنرال القاسي المسؤول عن مقتل المئات من أفراد الخدمة الأميركيين... بدأت إيران تشك في إرادة أميركا، وهو ما أثبتته الضربة التي استهدفت سليماني» لأن الهجوم الذي وقع في أوائل عام 2020 «أجبر قادة إيران على إعادة حساب تصعيدهم المستمر منذ أشهر ضد القوات الأميركية. وفي نهاية المطاف، أعتقد أنها (أي عملية قتل سليماني) أنقذت عديداً من الأرواح». ويرى أن «ضربة سليماني تقدم درساً لم يجرِ الالتفات إليه» ومفاده أن إيران «تحترم القوة الأميركية وتستجيب للردع». ويحذر: «عندما ننسحب، تتقدم إيران. وعندما نثبت أنفسنا، بعد أن وزنَّا المخاطر واستعددنا لكل الاحتمالات، تتراجع إيران. إن حياة سليماني وموته هي شهادة على هذه القاعدة، التي ينبغي أن توجه سياستنا المستقبلية في الشرق الأوسط».

وبعدما عرض بإسهاب وتفصيل لقرار قتل سليماني وإشرافه على العملية الخاصة بتنفيذ القرار الذي اتخذه الرئيس السابق دونالد ترمب، ووزير الدفاع آنذاك مارك أسبر، ورئيس هيئة الأركان المشتركة الجنرال مارك ميلي، أشار إلى ضربات أميركية ضد «كتائب حزب الله» في أنحاء مختلفة من سوريا والعراق.

أكثر من مذكرات

وحظي كتاب ماكينزي فور نشره بإشادات من عسكريين وباحثين كبار في الولايات المتحدة، وبينهم نائب وزير الخارجية السابق ريتشارد أرميتاج، الذي لاحظ أن الجنرال ماكينزي «يكشف عن كل شيء في ملاحظاته، حتى عندما تؤثر عليه سلباً»، موضحاً أن ماكينزي بيّن كيف أنه «رغم التحسينات في الاستخبارات والاتصالات، يحتاج القائد اليوم إلى ما اعتمد عليه القادة العسكريون دائماً -الخبرة، والثقة في مرؤوسيهم، والحدس. الحمد لله أن الجنرال ماكينزي كان هناك من أجلنا في أكثر الأوقات خطورة بالنسبة لهذه الأمة».

ورأى وكيل وزارة الدفاع السابق للسياسة ميشال فلورنوي، أن «نقطة الانصهار ليست المذكرات الأولى ولا الأخيرة عن حروب الولايات المتحدة في العراق وأفغانستان، ولكنها واحدة من أكثر الروايات صراحةً وبصيرةً من قائد عسكري أميركي متمرس».

وكتب الرئيس السابق لهيئة الأركان المشتركة جوزيف دانفورد، أن «الجنرال فرنك ماكينزي هو واحد من أكثر القادة تفكيراً وكفاءة وخبرة في جيله. في نقطة الانصهار، يشارك دروساً ثاقبة لا تقدر بثمن حول منطقة القيادة المركزية والقيادة على المستوى الاستراتيجي».

وقال الرئيس والمدير التنفيذي لمعهد الشرق الأوسط في واشنطن، الدكتور بول سالم، إن «نقطة الانصهار (...) وصف مثير للاهتمام وواضح للتدخل العسكري الأميركي في الشرق الأوسط وأفغانستان بين عامي 2019 و2022»، مضيفاً أنه «كتاب يجب قراءته لأي شخص مهتم بفهم ديناميكيات الشرق الأوسط، والتنافس بين والولايات المتحدة وإيران، وداعش، والقاعدة، وطالبان، والحسابات العامة لقوة الولايات المتحدة».


مقالات ذات صلة

ترمب يتوعد بضربات أشد... وإيران تحذر من توسع الأهداف

شؤون إقليمية غارات جوية على وسط طهران صباح السبت (صحيفة اعتماد)

ترمب يتوعد بضربات أشد... وإيران تحذر من توسع الأهداف

وعد الرئيس الأميركي دونالد ترمب طهران بضربات «قوية جداً» وأوسع نطاقاً، بينما وجّه الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان اعتذاراً إلى الدول المجاورة التي تعرضت لهجمات.

«الشرق الأوسط» (لندن - واشنطن - طهران - تل أبيب)
شؤون إقليمية دخان يتصاعد عقب غارات على منطقة باستور المحصنة في طهران فجر الجمعة (رويترز) p-circle

ترمب يرهن وقف الحرب مع إيران بـ«الاستسلام غير المشروط»

بدأت موجة هجمات واسعة النطاق على البنية التحتية في طهران الجمعة، بينما قالت إيران إنها ​استهدفت قلب تل أبيب بصواريخ عشية دخول الحرب أسبوعها الثاني.

«الشرق الأوسط» (لندن_واشنطن)
شؤون إقليمية مدمرات صواريخ موجهة تابعة للبحرية الأميركية تطلق صواريخ على الأراضي الإيرانية الثلاثاء الماضي (أ.ف.ب)

روسيا تزود إيران بمعلومات استخباراتية لاستهداف القوات الأميركية

أفادت صحيفة «واشنطن بوست» عن مسؤولين مطلعين على المعلومات الاستخباراتية بأن روسيا تزود إيران ببيانات استهداف تتعلق بمواقع القوات الأميركية في الشرق الأوسط.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
خاص صورة نشرها «الحشد الشعبي» لعناصره في بلدة جرف الصخر جنوب بغداد في عام 2014

خاص موت «ملك النفط» يكشف «إمبراطورية جرف الصخر» في العراق

تكشف عملية اغتيال غامضة لقيادي في فصيل عراقي جرت أخيراً في نطاق الحرب على إيران تفاصيل مثيرة عن تجارة النفط التي تديرها «إمبراطورية جرف الصخر» جنوب بغداد.

علي السراي (أربيل)
شؤون إقليمية انفجار ضخم يهز شرق العاصمة طهران صباح الأربعاء (شبكات التواصل) p-circle

الحرب على إيران تتصاعد… واشنطن تعلن السيطرة جواً وبحراً

كثّفت الولايات المتحدة وإسرائيل حملتهما العسكرية على إيران، في إطار عملية قال البنتاغون إنها تتوسع، مع إعلان الجيش الأميركي فرض سيطرة جوية على ساحل جنوب إيران.

«الشرق الأوسط» (لندن_واشنطن_طهران_تل أبيب)

«الحرس الثوري» الإيراني يؤكد قدرته على خوض «حرب ضارية» لـ6 أشهر

انفجار إثر غارات جوية بالقرب من مطار مهر آباد الدولي في طهران يوم أمس (ا.ف.ب)
انفجار إثر غارات جوية بالقرب من مطار مهر آباد الدولي في طهران يوم أمس (ا.ف.ب)
TT

«الحرس الثوري» الإيراني يؤكد قدرته على خوض «حرب ضارية» لـ6 أشهر

انفجار إثر غارات جوية بالقرب من مطار مهر آباد الدولي في طهران يوم أمس (ا.ف.ب)
انفجار إثر غارات جوية بالقرب من مطار مهر آباد الدولي في طهران يوم أمس (ا.ف.ب)

قال «الحرس الثوري» الإيراني، اليوم (الأحد)، إنه قادر على مواصلة «ستة أشهر على الأقل من حرب ضارية» ضد الولايات المتحدة وإسرائيل، وإنه ضرب حتى الآن أكثر من 200 هدف أميركي وإسرائيلي في المنطقة.

ونقلت وكالة «فارس» عن الناطق باسم الحرس الثوري علي محمد نائيني قوله، إن «القوات المسلحة للجمهورية الإسلامية الإيرانية قادرة على مواصلة حرب ضارية لمدة ستة أشهر على الأقل بالوتيرة الحالية للعمليات».


أفريقيا وحرب إيران... «تحوط استراتيجي» خشية «الاصطفاف الكامل»

دخان يتصاعد بعد غارة جوية على وسط طهران 6 مارس 2026 (إ.ب.أ)
دخان يتصاعد بعد غارة جوية على وسط طهران 6 مارس 2026 (إ.ب.أ)
TT

أفريقيا وحرب إيران... «تحوط استراتيجي» خشية «الاصطفاف الكامل»

دخان يتصاعد بعد غارة جوية على وسط طهران 6 مارس 2026 (إ.ب.أ)
دخان يتصاعد بعد غارة جوية على وسط طهران 6 مارس 2026 (إ.ب.أ)

رغم بُعد ساحة الحرب الإيرانية الدائرة حالياً عن أفريقيا، فإن تداعياتها تمتد لمساحات جغرافية أبعد لتُعقد أزمات القارة أمنياً واقتصادياً، وتسهم بحسب خبراء تحدثوا لـ«الشرق الأوسط» في اتخاذ مواقف يغلب عليها «التحوط الاستراتيجي» خشية «الاصطفاف الكامل» مع أي من الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة، أو طهران على الجانب الآخر.

وفور بدء الحرب، دعا رئيس مفوضية الاتحاد الأفريقي، محمود علي يوسف، في بيان، إلى «ضبط النفس»، مُعرباً عن «قلقه البالغ»، إزاء ما وصفه بـ«التصعيد الخطير في الأعمال العدائية». وحذّر الاتحاد الأفريقي من تداعيات التصعيد التي «تُهدّد بزعزعة استقرار الاقتصاد العالمي واضطراب أسواق الطاقة، ما ينعكس سلباً على الأمن الغذائي». كما حذرت المجموعة الاقتصادية لدول غرب أفريقيا (إيكواس) من «عواقب وخيمة على السلام العالمي وسلاسل الإمداد» نتيجة «تفاقم عدم الاستقرار الإقليمي».

التحوط الاستراتيجي

بحسب الباحث المتخصص في الشؤون الأفريقية المقيم في الولايات المتحدة، إبراهيم إدريس، فإن «علاقات إيران الوثيقة مع بعض الدول الأفريقية تخلق شبكة مُعقّدة من التفاعلات التي تجمع بين الضغوط الدولية، والحسابات الأمنية، والتوازنات الاقتصادية، والعوامل الاجتماعية الداخلية». وقال لـ«الشرق الأوسط» إن حرب إيران «لن تبقى محصورة في نطاقها الجغرافي، بل تحوّلت إلى مُتغيّر يُعيد تشكيل بيئة صنع القرار في أفريقيا، ويجبر الدول على إعادة تقييم موقعها في خريطة الاصطفافات الدولية».

وأوضح أن «الدول الأفريقية التي ترتبط مع إيران بعلاقات تاريخية أو اقتصادية تجد نفسها أمام معادلة دقيقة؛ الحفاظ على قنوات التعاون مع طهران من جهة، وتجنب الاصطدام مع القوى الغربية من جهة أخرى»، لافتاً إلى أن «هذا الوضع يدفع دولاً مثل تنزانيا وأوغندا إلى تبنِّي سياسة الحذر، بينما قد ترى زيمبابوي في عزلة إيران فرصة لتعميق التعاون معها، وإن كان ذلك محفوفاً بمخاطر العقوبات الثانوية».

أما جنوب أفريقيا، ذات الإرث الطويل في التعاون مع طهران، فتواجه معضلة أكثر تعقيداً تتعلق بضرورة الحفاظ على استقلالية قرارها الخارجي دون الإضرار بمصالحها الاقتصادية الواسعة مع الغرب، وفقاً لإدريس. وأكد «أن التطورات الراهنة تدفع العديد من الدول إلى تبنِّي سياسة التحوّط الاستراتيجي بدلاً من الاصطفاف، في محاولة للحفاظ على أكبر قدر من المرونة في بيئة دولية مضطربة».

وغلبت صيغة التحذير والإدانة والدعوة لضبط النفس على بيانات العواصم الأفريقية المختلفة، فأدانت كينيا والصومال وإثيوبيا الضربات الإيرانية على دول الخليج. وأعلنت السنغال رفضها استخدام العنف، داعية إلى «ضبط النفس وتغليب لغة الحوار». بينما أعربت جنوب أفريقيا عن «قلقها البالغ إزاء التصعيد»، ودعا رئيسها سيريل رامافوزا، في بيان، إلى الالتزام بمبادئ القانون الدولي. وقال إن «الدفاع عن النفس لا يُسمح به إلا في حالة تعرُّض دولة لغزو مسلح. أما الدفاع الاستباقي عن النفس، فهو غير مسموح به بموجب القانون الدولي، ولا يمكن أن يستند إلى افتراضات أو توقعات».

ودعت نيجيريا وغانا إلى ضبط النفس وخفض التصعيد، كما حثت أوغندا رعاياها على مغادرة الأراضي الإيرانية، بينما أوصت تنزانيا رعاياها في المناطق المتأثرة بالتوتر بممارسة أقصى درجات اليقظة والحذر.

دعوات لضبط النفس

وقال إدريس إن «التوتر في البحر الأحمر والقرن الأفريقي يؤدي إلى ارتفاع تكلفة التجارة وتعريض الممرات البحرية للخطر، ما يؤثر على اقتصادات تعتمد على هذه الممرات مثل إثيوبيا وتنزانيا»، مشيراً إلى أن «المشهد يزداد تعقيداً، مع الأخذ في الحسبان وجود تيارات متعاطفة مع إيران في غرب أفريقيا؛ ما قد يؤدي لتوترات داخلية حال تصاعد الصراع».

ردود الأفعال الأفريقية تراوحت ما «بين الدبلوماسية والدعوة إلى ضبط النفس، على مستوى المؤسسات القارية والإقليمية وبعض البلدان، واختارت دول موقف الحزم ضد طهران، بينما اختارت أخرى مبدأ القانون والنظام والسوابق الدولية، وعمدت ثالثة إلى مبدأ التحوط»، بحسب تقرير نشره دكتور مجدي محمد محمود آدم في مجلة «قراءات أفريقية»، أشار فيه إلى «حرص الدول الأفريقية على اختيار كلماتهم بعناية محاولين تجنّب استعداء أيٍّ من الطرفين».

لقاء بين رئيس الوزراء الإثيوبي آبي أحمد والرئيس الإسرائيلي إسحاق هرستوغ (حساب الرئيس الإسرائيلي على منصة إكس)

ويؤكد الرئيس التنفيذي لمركز (BRCSOM) للدراسات الاستراتيجية في الصومال، شافعي يوسف عمر، أن «تأثير الحرب لن يتوقف عند إيران، بل سيمتد حتماً ليغير خريطة شرق أفريقيا، ويخلق كيانات وهمية على الحدود، تمهيداً للسيطرة على الممرات المائية الاستراتيجية». وقال لـ«الشرق الأوسط» إن هذا «أسوأ سيناريو كارثي كان بالإمكان تجنبه بالكامل لو توفرت الإرادة السياسية الدولية». وأضاف: «نحن في أفريقيا لسنا طرفاً في صنع هذه الحرب، ولم نُستشر في قراراتها، لكننا مع الأسف أول ضحاياها وأكثر المتضررين منها».

تداعيات اقتصادية وخيمة

منذ اندلاع الحرب، تتوالى التحذيرات في دول القارة من تداعياتها الاقتصادية على الأسعار وعلى سلاسل الإمداد الغذائي، لا سيما مع ارتفاع أسعار الوقود والتخوف من أزمة طاقة عالمية والتأثير في ممرات الملاحة الدولية.

«على الصعيد الاقتصادي، تؤدي الحرب إلى اضطراب أسعار الطاقة وارتفاع تكاليف الشحن؛ ما ينعكس مباشرة على الدول الأفريقية المستوردة للنفط، كما أن التوتر في البحر الأحمر يهدد سلاسل الإمداد، ويزيد هشاشة الاقتصادات الأفريقية»، بحسب إدريس.

بدوره، يلفت عمر إلى «تأثير الحرب على الصومال التي تعاني من موجة جفاف قاسية تهدد حياة 6.8 مليون إنسان، ترافقت مع ارتفاع الأسعار بفعل تأثير الحرب على سلاسل الإمداد»، كما يشير إلى أن «الحرب قد تزيد من عمق الصراعات الداخلية في إثيوبيا»، محذراً من استغلال التوتر الحالي في «إشعال المنطقة». وقال إن «الدول الفقيرة هي أول من يدفع الثمن عبر ارتفاع جنوني في الأسعار، وشُحّ في السلع الأساسية، وانهيار في سلاسل التوريد، وفوق هذا كله جفاف يضرب القرن الأفريقي، ويهدد ملايين البشر بالمجاعة».

وفي رأي الباحث المتخصص في الشؤون الأفريقية، فإن «تأثير الحرب الإيرانية لا يمكن فهمه بمعزل عن التداخل بين العوامل الخارجية والداخلية. فالدول الأفريقية ليست مجرد أطراف متلقية للضغوط الدولية، بل فاعلون يحاولون إعادة صياغة مصالحهم في بيئة عالمية مضطربة».


تخبط إيراني حول استهداف دول الجوار

ألسنة لهب وأعمدة دخان تتصاعد بكثافة من محيط مطار مهر آباد في غرب طهران(شبكات التواصل)
ألسنة لهب وأعمدة دخان تتصاعد بكثافة من محيط مطار مهر آباد في غرب طهران(شبكات التواصل)
TT

تخبط إيراني حول استهداف دول الجوار

ألسنة لهب وأعمدة دخان تتصاعد بكثافة من محيط مطار مهر آباد في غرب طهران(شبكات التواصل)
ألسنة لهب وأعمدة دخان تتصاعد بكثافة من محيط مطار مهر آباد في غرب طهران(شبكات التواصل)

برزت مؤشرات على تخبط داخل مؤسسات الحكم في طهران بشأن استهداف دول الجوار، بعدما أعلن الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان اعتذاراً لتلك الدول مع دخول الحرب الأميركية – الإسرائيلية على إيران أسبوعها الثاني.

وتعهد بزشكيان وقف الهجمات على دول الجيران ما لم تستخدم أراضيها لشن هجمات على إيران، في حين واصلت القيادات العسكرية إطلاق تهديدات بتوسيع الأهداف. وأقر بأن «الحرس الثوري» اتخذ قرارات ميدانية بعد مقتل المرشد علي خامنئي وعدد من القادة في بداية الحرب.

وأثار الاعتذار سجالاً سياسياً داخل طهران؛ إذ شدد رئيس السلطة القضائية وعضو مجلس القيادة المؤقت، غلام حسين محسني إجئي على أن «الهجمات الشديدة ستستمر» لأن «جغرافيا بعض دول المنطقة وُضعت في خدمة العدو». كما تمسكت غرفة عمليات هيئة الأركان بمواصلة الهجمات، قائلة إن أي نقطة تُستخدم لشن هجوم على إيران «ستعد هدفاً مشروعاً»، وهو ما كرره رئيس البرلمان محمد باقر قاليباف.

تزامن ذلك مع تصعيد ميداني واسع وغارات إسرائيلية مكثفة على طهران ومدن إيرانية أخرى، قابلها إطلاق صواريخ ومسيّرات إيرانية باتجاه إسرائيل وقواعد في المنطقة.

وتوعد الرئيس الأميركي دونالد ترمب طهران بضربات أشد و«قوية جداً»، قائلاً إن واشنطن تدرس استهداف «مناطق وأشخاص لم يكن يجري النظر في استهدافهم». وقال إن اعتذار بزشكيان لدول الجوار يعكس تراجعاً تحت ضغط الضربات، مضيفاً أنه «اعتذر واستسلم لجيرانه ووعد بعدم استهدافهم».

ميدانياً، شنّت إسرائيل موجة غارات شاركت فيها أكثر من 80 طائرة مقاتلة استهدفت مواقع عسكرية ومنشآت صاروخية في طهران وأصفهان، بينما دوت انفجارات في مطارات مهرآباد وشيراز وأصفهان وهمدان، وشملت الضربات أجزاء من مصفاة طهران.

وأطلقت إيران دفعات صاروخية باتجاه إسرائيل، فيما أعلن «الحرس الثوري» إطلاق صواريخ «فتاح» و«عماد» و«خيبر»، مستهدفاً مصفاة حيفا، فيما اتهم وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي الولايات المتحدة باستهداف محطة تحلية مياه في جزيرة قشم، محذراً من «عواقب وخيمة».