السفيرة الفرنسية لدى اليمن: الحوثيون اختاروا طريق الصراع

أكدت لـ«الشرق الأوسط» أن السعودية لعبت دوراً مهماً في وضع خريطة طريق لاستئناف المفاوضات بين الأطراف

TT

السفيرة الفرنسية لدى اليمن: الحوثيون اختاروا طريق الصراع

أكدت كمون أن الحوثيين اختاروا طريق الصراع ويسعون لعسكرة التعليم (تصوير: مشعل القدير)
أكدت كمون أن الحوثيين اختاروا طريق الصراع ويسعون لعسكرة التعليم (تصوير: مشعل القدير)

قالت السفيرة الفرنسية لدى اليمن كاترين قرم كمون، إن المخيمات الصيفية التي تقيمها جماعة الحوثي تمثل عنصراً مهماً في عسكرة التعليم باليمن، ويستخدمها الحوثيون منذ فترة طويلة أداة للتعبئة العقائدية للأطفال ونشر خطاب الكراهية وتجنيدهم وإرسالهم إلى جبهات القتال.

وأوضحت كمون لـ«الشرق الأوسط»، في أول حوار صحافي لها منذ تعيينها في أكتوبر (تشرين الأول) الماضي، أن عملية السلام الجارية سوف تستغرق وقتاً، حيث بات من الواضح أن «الحوثيين اختاروا مرة أخرى طريق الصراع»، مشيرة إلى أن قرارهم الأخير بإصدار عملة معدنية جديدة «غير قانوني، ولا يؤدي إلا إلى زرع الفتنة والارتباك وتمزيق البلد».

السفيرة الفرنسية لدى اليمن كاترين كمون تتحدث لـ«الشرق الأوسط» (تصوير: مشعل القدير)

وأشادت السفيرة الفرنسية بالجهود التي قامت بها السعودية وسلطنة عمان في تقريب وجهات النظر بين الأطراف اليمنية، مبينة أن «السعودية على وجه الخصوص لعبت دوراً كبيراً في وضع خريطة طريق لتمهيد الطريق لاستئناف المفاوضات بين الحكومة الشرعية والحوثيين».

كما طالبت السفيرة بأن «تكون السياسيات وسيدات الأعمال وممثلات الجمعيات والمنظمات غير الحكومية وجميع اليمنيات قادرات على المشاركة من الآن فصاعداً بجميع المناقشات المتعلقة بمستقبل البلد».

وفي تعليقها حول وحدة مجلس القيادة الرئاسي اليمني، تحدثت كاترين كمون عن انسجام أكثر في أصوات أعضائه، لا سيما في ظل وجود الحكومة في العاصمة المؤقتة عدن.

القضية الجنوبية - بحسب سفيرة فرنسا لدى اليمن - مهمة للغاية وجزء من تاريخ البلد، ويجب أن تؤخذ بعين الاعتبار، لكنها استدركت قائلة: «في نهاية المطاف، الأمر متروك لليمنيين لاختيار نظامهم السياسي المستقبلي»... فإلى تفاصيل الحوار:

* بداية أين وصلت جهود السلام في اليمن؟ وهل أنتم متفائلون؟

- لا يمكن إحلال السلام في اليمن إلا من خلال حل سياسي شامل وجامع يضع حداً للصراع الذي طال أمده، وتلتزم فرنسا التزاماً كاملاً، إلى جانب المجتمع الدولي، بدعم عملية السلام في اليمن وجهود الوساطة التي يقودها المبعوث الأممي لإحلال السلام، ويجب أن تأخذ هذه العملية بعين الاعتبار اهتمامات ومصالح جميع اليمنيين، نساءً ورجالاً، في جميع مناطق اليمن.

ونحن نرحب بالجهود الدبلوماسية التي بذلتها الجهات الفاعلة الإقليمية، لا سيما المملكة العربية السعودية وسلطنة عمان، في الأشهر الأخيرة، لإعادة الجانبين إلى طاولة المفاوضات، ولعبت السعودية على وجه الخصوص دوراً كبيراً في وضع خريطة طريق لتمهيد الطريق لاستئناف المفاوضات بين الحكومة الشرعية والحوثيين.

بالنسبة لسؤالك: أين نحن اليوم؟ لقد تم إحراز تقدم، كما قلتُ، وكان لدينا أمل في نهاية العام الماضي في أن تتمكن الحكومة الشرعية والحوثيون من التوقيع على خريطة طريق من شأنها أن تؤدي، كبداية إلى وقف إطلاق نار دائم ثم الدخول في عملية التفاوض اليمني - اليمني، وقدم المبعوث الأممي النقاط الرئيسية لخريطة الطريق. ولكن من الواضح أن الحوثيين اختاروا مرة أخرى طريق الصراع، ضمن السياق الراهن للأزمة في غزة، من خلال شن هجمات ضد السفن التجارية في البحر الأحمر وخليج عدن.

وكما أشرنا في عدة مناسبات، وفي مجلس الأمن على وجه الخصوص، فإننا ندعو الحوثيين إلى وقف هجماتهم واختيار المسار السياسي، وندعوهم إلى التحلي بالمسؤولية من أجل إحياء الأمل أخيراً لدى الشعب اليمني والبدء في عملية المصالحة، وهذه المسؤولية مستحقة للشعب اليمني، إذ يعاني اليوم أكثر من 17 مليون شخص من انعدام الأمن الغذائي، ومن جهة أخرى تستمر المجاعة والكوليرا في الانتشار.

ويمكن اتخاذ إجراءات سريعة لإعادة توحيد اليمنيين مثل فتح الطرق والوحدة النقدية، إن القرار الأخير غير القانوني والضار الذي اتخذته السلطة المالية للحوثيين بإصدار العملات المعدنية الشهر الماضي لا يؤدي إلا إلى زرع الفتنة والارتباك بين السكان، وإلى مزيد من تمزيق البلد.

ويبدو أن عملية السلام ستستغرق وقتاً، ويجب علينا التعامل مع الملف اليمني بتواضع وحذر، لأن الوضع معقد للغاية ونتيجة لتاريخ طويل فيه كثير من الصراعات. كما أدت الحرب إلى تفكيك المؤسسات وإضعافها، وكلما طال أمدُ الحرب، تغذت الكراهية والرغبة في الانتقام. يجب أن نكون يقظين (...) لإقامة الظروف الملائمة للمصالحة الحقيقية، وتعزيز قدرة الحكومة الشرعية ومساعدتها في إعادة بناء دولة شاملة تخدم جميع المواطنين مهما كانت أصولهم الجغرافية أو معتقداتهم.

* كيف تنظر فرنسا للهجمات الحوثية على السفن التجارية في البحر الأحمر؟

- كان الموقف الفرنسي واضحاً وثابتاً منذ بدء الهجمات في البحر الأحمر، إننا ندين بشدة هذه الهجمات على السفن التجارية، التي تعدّ أعمالاً غير مسؤولة وخطيرة من عدة جوانب، وتنتهك هذه الهجمات قانون البحار وحرية الملاحة، حيث أدت بالفعل إلى مقتل بحارة وغرق السفينة «روبيمار» مع عواقب بيئية واقتصادية خطيرة.

كما تهدد (الهجمات) وتزيد من تكلفة تدفق الغذاء والوقود والمساعدات الإنسانية والسلع الأساسية الأخرى إلى اليمن وأماكن أخرى في العالم. وبالتالي تزعزع استقرار اليمن وتضر بمصالح دول المنطقة وجميع الدول المستفيدة من التجارة البحرية الدولية، ولا تؤدي هذه الهجمات إلا إلى تفاقم الوضع الاقتصادي والإنساني في اليمن، ومرة أخرى، الشعب اليمني هو الذي يدفع بشكل يومي الثمن.

تهدد مواجهات البحر الأحمر بإلحاق أضرار بيئية بالحياة البحرية تنعكس سلباً على الاقتصاد اليمني (أ.ف.ب)

وفي هذا السياق، التزمت فرنسا بداية على المستوى الوطني وبالتنسيق مع شركائها بضمان الأمن البحري وحرية الملاحة، وفقاً للقانون الدولي ويجب تطبيق قرار مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة رقم 2722، الذي يؤكد أن للدول الحق في الدفاع عن سفنها ضد هذه الهجمات، وهذا يعني أن الحل أولاً هو وقف ضربات الحوثيين، وإطلاق سراح سفينة «غلاكسي ليدر» وطاقمها المحتجز منذ ما يقرب من 6 أشهر.

إن عملنا هو في الأساس جزء من عملية «أسبيدس» (ASPIDES) الأوروبية، ومهمتها دفاعية بحتة وغير تصعيدية، وفي هذا الشأن، تنشر البحرية الفرنسية سفنها من شمال غربي المحيط الهندي إلى منتصف البحر الأحمر، عبر مضيق باب المندب، مما يسهم في حماية السفن التجارية.

* هل تعتقدون أن الضربات الأميركية والبريطانية على أهداف حوثية كافية، حيث إن الهجمات الحوثية ما زالت مستمرة؟

- ليس لفرنسا التعليق على خيارات حلفائنا وشركائنا، والأمر المؤكد أن لدينا هدفاً مشتركاً؛ هو إنهاء هجمات الحوثيين في البحر الأحمر وعودة الهدوء إلى هذه المنطقة.

وفي مواجهة هجمات الحوثيين اختارت فرنسا موقفاً دفاعياً صارماً في إطار أوروبي في إطار العملية الأوروبية «أسبيدس»، وبما يتوافق مع دعواتنا المتكررة لوقف التصعيد في جميع أنحاء المنطقة.

* يغذي الحوثيون (مئات الآلاف) من الأطفال اليمنيين بأفكار متطرفة عبر ما يسمى «المخيمات الصيفية»، هل تدركون خطورة هذا الأمر ليس على اليمن والمنطقة فحسب، بل على العالم مستقبلاً؟

- أشكركم على تناول هذا الموضوع الذي يثير قلقاً كبيراً لأنه يتعلق بمستقبل جيل كامل ومستقبل جزء كبير من اليمن، تعد المخيمات الصيفية عنصراً مهماً في عسكرة التعليم باليمن اليوم، لقد استخدمها الحوثيون منذ فترة طويلة أداة للتعبئة العقائدية للأطفال ونشر خطاب الكراهية وتجنيدهم من أجل إرسالهم إلى جبهات القتال، في انتهاكٍ للحقوق الأساسية للأطفال. وتأخذ هذه الظاهرة بُعداً جديداً في سياق الحرب بغزة، فالتعليم هو عمل الوالدين والمدرسة، ويؤدي الوضع الاقتصادي إلى إضعاف التوازنات الأسرية ويواجه الأهل صعوبة في تعليم أطفالهم، كما تعاني المدارس من نقص مزمن في الاستثمار منذ بداية الحرب الأهلية في اليمن على الأقل.

وفيما يتعلق بهذا السؤال الجوهري أيضاً: نعرف حالة إهمال المدارس والجامعات، وحالة الضياع التي يعيشها المدرسون الذين لم يتقاضوا رواتبهم منذ سنوات في مناطق الحوثيين. وما يمكننا فعله اليوم معاً هو مواصلة دعم قطاع التعليم في اليمن، وتوفير مستقبل لجميع الأطفال دون الالتحاق بالميليشيا من أجل توفير احتياجاتهم واحتياجات أسرهم والموت في كثير من الأحيان بجبهات القتال، وكيف نسمح لهم بأن يكونوا قادرين على الاختيار بين أن يكونوا أطباء أو مزارعين أو مهندسين أو صحافيين أو فنانين... ببساطة ليكونوا قادرين على الاختيار.

يجب على التعليم أيضاً أن يتيح تدريب شباب الغد على أن يكونوا متسامحين وبنائين ومنفتحين على العالم؛ فالشباب هم الذين سيكونون قادرين على المشاركة في إدارة بلدهم وسيسهمون بحرية في تعزيز صورة اليمن في العالم سياسياً وثقافياً واقتصادياً.

وضع هش

* كيف تقيمون الوضع الاقتصادي في اليمن، خصوصاً في ظل منع الحوثيين تصدير النفط الذي يعد المورد الرئيسي لموازنة الشرعية؟

- الوضع الاقتصادي هش للغاية، لقد تدهور في جميع أنحاء البلاد، كما تم تقليص المساعدات الإنسانية وتعليق المساعدات الغذائية جزئياً في منطقة سيطرة الحوثيين خلال الأشهر الأخيرة بسبب تدخلات جماعة الحوثيين.

ولذلك فإن الوضع الإنساني مقلق للغاية، ويؤثر انعدام الأمن الغذائي على 70 في المائة من الأطفال دون سن الثانية، وبالتالي فإن نموهم على المحك، وأكثر من نصف البنى التحتية الصحية غير صالحة للعمل، والأوبئة مثل الكوليرا التي تفشت مرة أخرى منذ عامين وتفاقمت بسبب هشاشة أنظمة معالجة وتصريف مياه الصرف الصحي، كما يُعد اليمن ضحية لتبعات ظاهرة الاحتباس الحراري مع ازدياد الكوارث الطبيعية وانخفاض الموارد المائية، مما يؤثر على النشاط الزراعي، بالإضافة إلى أن عواقب الهجمات في البحر الأحمر وخليج عدن لها تأثير سلبي على الاقتصاد، خصوصاً على نشاط صيد الأسماك.

وكما ذكرتم تماماً، فقد حُرمت الحكومة الشرعية من مواردها الرئيسية، بسبب قصف الحوثيين محطة الضبة النفطية في أكتوبر 2022، مما أدى إلى توقف صادرات النفط، وبسبب منع إدخال الغاز المنزلي من مأرب إلى صنعاء والمناطق الشمالية، فهل هذا في مصلحة الشعب اليمني؟ وأُذكِّر بأن هذه الضربات جاءت بعد رفض الحوثيين تجديد الهدنة رسمياً، وكانت النتيجة حرمان الحكومة من الموارد اللازمة لتمويل الخدمات الأساسية للسكان، بدءاً بتوفير الكهرباء والاستثمار في الصحة والتعليم.

يُضاف إلى ذلك حصار تعز فهو معاناة يومية للسكان، ويؤثر سلباً على اقتصاد ونشاط الملايين من البشر، لقد رسمت صورة قاتمة للغاية، هذه هي حقيقة الوضع في اليمن، ومع ذلك، هذا ليس سوى جزء من الواقع، لأنه من المهم أيضاً أن نقول إنه على الرغم من الوضع الصعب، تظل الحكومة الشرعية ملتزمة بشدة بالإصلاحات، كما أكد صندوق النقد الدولي خلال مهمته في عمّان الأسبوع الماضي. ويجب علينا أيضاً أن نسلط الضوء على حيوية القطاع الخاص، الذي أُتيحتْ لي الفرصة لتقديره خلال رحلتي الأخيرة إلى المكلا.

ويجب أن يدفعنا هذا الوضع كجهات مانحة ووكالات الأمم المتحدة والاتحاد أوروبي إلى حشد مزيد من الجهود لدعم المؤسسات الشرعية والتركيز على مشروعات التنمية، بما في ذلك التنمية الاقتصادية، وهذا هو موقف فرنسا، نريد أن نلعب دوراً في إعادة إعمار البلاد مع جميع شركائنا.

* كانت لكم زيارة أخيرة لعدد من المحافظات المحررة، كيف تصفون الوضع؟

- بداية، أود أن أسلط الضوء على التحدي المتمثل في العمل سفيراً أو سفيرة لدى بلد دون الإقامة فيه بشكل دائم، لفهم بلد ما وديناميكياته، عليك أن تكون على اتصال بسكانه ومؤسساته العامة والخاصة ومنظمات المجتمع المدني وثقافته، وما إلى ذلك، وعليك أن تستمع لتتمكن من التصرف، ولهذا السبب أحاول الذهاب إلى اليمن كلما أمكنني ذلك ولقاء اليمنيين في المنطقة والتحدث معهم عبر الفيديو للبقاء على اتصال.

وهكذا، منذ توليت منصبي في أكتوبر الماضي، تمكنت من السفر إلى اليمن 5 مرات، مع فريقي أو مع البعثة الأوروبية، بشكل رئيسي إلى عدن، العاصمة المؤقتة، ومؤخراً إلى المكلا. وأتمنى أن أتمكن من زيارة المحافظات الأخرى في المستقبل، إنه بلد رائع وشعب عريق وغني بتاريخ عمره قرون.

السفيرة الفرنسية خلال زيارتها الأخيرة لمدينة المكلا شرق اليمن ولقائها بعض السيدات اليمنيات (السفارة الفرنسية)

وأود أن أحيي دور السلطات المحلية التي تعمل لصالح المواطنين - بما في ذلك النازحون - بموارد محدودة، لقد تمكنتُ من ملاحظة ذلك في عدن وفي المكلا، وأنا على اتصال مع المحافظين الآخرين.

إن صمود السكان يثير إعجابي وأرى أعمالاً يتم تنفيذها في المجالات الاقتصادية والثقافية والتعليمية وحقوق الإنسان، ومبادرات لتحسين الوضع على الرغم من التحديات العديدة.

لقد وجدت لدى اليمنيين اللطف وكرم الضيافة وروح الأمل، الذي يحملونه لأنفسهم ولأطفالهم، والارتباط بالأسرة بالمعنى الواسع محلياً ودولياً بالنسبة للمغتربين، وأعتقد أن شبكات التضامن تتيح لليمنيين مواجهة الصعاب، من خلال استغلال جميع الموارد المتاحة لهم لتحسين الحياة اليومية.

وفي مهامي، أريد أيضاً تسليط الضوء على ما يتم تحقيقه في اليمن من نجاحات وما يحتاج إلى دعم في حدود إمكاناتنا، كما أن مكانة المرأة في المجتمع قريبة بشكل خاص إلى قلبي، أعتقد أنه يمكننا أن نفعل ما هو أفضل لإعطاء المرأة مكانتها الكاملة، ويجب أن تكون السياسيات وسيدات الأعمال وممثلات الجمعيات والمنظمات غير الحكومية وجميع اليمنيات قادرات على المشاركة من الآن فصاعداً في جميع المناقشات المتعلقة بمستقبل البلد، ويجب أن يكنّ قادرات على إظهار مهاراتهن بالطريقة نفسها التي يفعلها الرجال من أجل طرح آراء وأفكار جميع السكان، والنساء هن أيضاً أول ضحايا النزاع ويجب دعمهن بشكل أكبر، ويتعرضن أكثر من الرجال لأشكال جديدة من العنف، مثل التحرش عبر الإنترنت... بالنسبة لي، هذه أولوية لعمل سفارتنا.

* هل هناك خطط لإعادة تشغيل منشأة بلحاف لتصدير الغاز التي تشغلها «توتال» الفرنسية؟

- هذا السؤال يتكرر كثيراً في مقابلاتي، والإجابة هي نفسها دائماً، لا أستطيع التحدث باسم الشركة اليمنية للغاز الطبيعي المسال «Yemen LNG»، أو باسم شركة «توتال للطاقة» وهي شركة خاصة، في عام 2015، قررت شركة «توتال للطاقة» إعلان حالة القوة القاهرة وتعليق أنشطتها وإعادة جميع موظفيها الموجودين في اليمن إلى وطنهم، بسبب الهجمات وتخريب البنية التحتية للموقع. تواصل «توتال للطاقة» الاستثمار - كما يفعل المساهمون الآخرون - لضمان الحفاظ على الموقع من أجل السماح باستئناف النشاط، إذا وعندما يتم استيفاء الشروط.

* إلى أي مدى ترون وحدة مجلس القيادة الرئاسي اليمني؟ وكيف تنظرون لمعالجة القضية الجنوبية خلال الفترة المقبلة؟

- إن وحدة صف الشرعية أمر ضروري للغاية في الفترة الحالية لمواجهة كل التحديات: تحدي إعادة بناء مؤسسات الدولة اليمنية وتحدي تطوير البلد بدءاً بمدينة عدن العاصمة المؤقتة وتحدي المصالحة في مواجهة الحوثيين رغم الآيديولوجيا الإقصائية التي تحركهم.

أكدت السفيرة أن وحدة مجلس القيادة الرئاسي اليمني مهمة لمواجهة التحديات في الداخل اليمني (السفارة الفرنسية)

يتكون مجلس القيادة الرئاسي من ممثلين من مختلف المناطق، كما أنه يمثل تنوع اليمن، حيث يمكن التعبير عن الأصوات والآراء المختلفة في داخله، ومع ذلك، يجب أن يعمل هذا التنوع على تحقيق الوحدة وتسهيل العمل الحكومي، وهو الأمر الذي لم يكن كذلك للأسف دائماً، لكني ألاحظ أن الأصوات أكثر انسجاماً اليوم وأن الحكومة اليوم حاضرة في عدن وفي المحافظات الأخرى التي تسيطر عليها.

من الواضح أن القضية الجنوبية مهمة للغاية، فهي جزء من تاريخ البلد، ويجب أن تؤخذ بعين الاعتبار، وفي نهاية المطاف، الأمر متروك لليمنيين لاختيار نظامهم السياسي المستقبلي، يجب أن نكون قادرين على تهيئة الظروف لهذا الاختيار.


مقالات ذات صلة

زوال «كونتينر الريان»... كابوس الصيادين في المكلا

خاص الصيد من أقدم المهن التي يعيش عليها كثير من أبناء حضرموت (الشرق الأوسط)

زوال «كونتينر الريان»... كابوس الصيادين في المكلا

مع ساعات الفجر الأولى، يجلس برك بو سبعة (63 عاماً) إلى طاولة أحد المقاهي الشعبية في قلب مدينة المكلا القديمة، يتأمل وجوه المارّة، ويتبادل أطراف الحديث مع…

عبد الهادي حبتور (المكلا (اليمن))
الخليج رئيس المجلس الانتقالي المنحلّ عيدروس الزبيدي (أ.ف.ب)

تهم فساد في العقارات والنفط والشركات التجارية تلاحق عيدروس الزبيدي

كشف مصدر مطّلع لـ«الشرق الأوسط» أن المتهم لدى الحكومة والقضاء باليمن عيدروس الزبيدي متورّط في أعمال فساد واستغلال سلطة ونهب للأراضي

«الشرق الأوسط» (الرياض)
خاص الشيخ عمرو بن حبريش وكيل أول محافظة حضرموت (الشرق الأوسط) play-circle

خاص بن حبريش لـ«الشرق الأوسط»: حضرموت أمام عهد جديد... ولن نسمح بعودة الإرهاب

بعد نحو 500 يوم أمضاها في الجبال والمرتفعات، عاد الشيخ عمرو بن حبريش، وكيل أول محافظة حضرموت قائد قوات حماية حضرموت.

عبد الهادي حبتور (المكلا - اليمن)
العالم العربي أطفال اليمن أُجبروا على مغادرة مقاعد الدراسة ويفتقرون لمساحات الترفيه (غيتي)

دوريات بأسماء القتلى... تعبئة حوثية من بوابة الرياضة

حوَّل الحوثيون الرياضة من ترفيه إلى أداة تعبئة ونظموا دوريات وفعاليات بأسماء قتلاهم بغرض استهداف الأطفال والشباب، في مقابل التضييق والسيطرة على الأندية المستقلة

وضاح الجليل (عدن)
خاص حشود من أبناء المكلا في وقفة شكر للمملكة العربية السعودية على دعمهم في الأحداث الأخيرة (الشرق الأوسط) play-circle 02:09

خاص شخصيات حضرمية: الموقف السعودي تاريخي ويؤسس لمرحلة جديدة من الاستقرار

أكد عدد من وجهاء وأعيان حضرموت أن الوقفة السعودية تؤسس لمرحلة جديدة من الاستقرار والتنمية في المحافظة الواقعة شرق اليمن.

عبد الهادي حبتور (المكلا (اليمن))

زوال «كونتينر الريان»... كابوس الصيادين في المكلا

الصيد من أقدم المهن التي يعيش عليها كثير من أبناء حضرموت (الشرق الأوسط)
الصيد من أقدم المهن التي يعيش عليها كثير من أبناء حضرموت (الشرق الأوسط)
TT

زوال «كونتينر الريان»... كابوس الصيادين في المكلا

الصيد من أقدم المهن التي يعيش عليها كثير من أبناء حضرموت (الشرق الأوسط)
الصيد من أقدم المهن التي يعيش عليها كثير من أبناء حضرموت (الشرق الأوسط)

مع ساعات الفجر الأولى، يجلس برك بو سبعة (63 عاماً) إلى طاولة أحد المقاهي الشعبية في قلب مدينة المكلا القديمة، يتأمل وجوه المارّة، ويتبادل أطراف الحديث مع أصدقائه عن هموم تتشابه وتفاصيل حياة لم تعد كما كانت.

ويُعدّ بو سبعة من قدامى سكان المدينة الساحلية، وقد ارتبط رزقه ورزق أسرته ببحر العرب، الذي يعانق جبال المكلا شرق اليمن، ويمنح الصيادين ما تجود به أمواجه؛ يوماً بعد آخر.

قدم «البرنامج السعودي لتنمية وإعمار اليمن» أكثر من 200 قارب للصيادين في المكلا (الشرق الأوسط)

يستعيد برك، في حديثه إلى «الشرق الأوسط»، ملامح الحياة القديمة في المكلا، قائلاً إن «الأيام كانت أبسط وأجمل»، مضيفاً: «الناس كانوا طيبين... لا يميلون إلى المشكلات، ويحبون الضيف ويكرمونه».

وأثناء احتسائه الشاي بالحليب، يتابع بو سبعة حديثه عن العادات اليومية قائلاً: «كما ترى، يبدأ الناس صباحهم هنا بالباخمري والمطبق (من الأكلات الشعبية)، فيما تختلف الطقوس بعد الظهر، حيث يتناولون الأرز الصيادية، ويشتهر بها عمر عبود باسعد».

برك بو سبعة أحد قدامى الصيادين في مدينة المكلا شرق اليمن (الشرق الأوسط)

ولا يزال بعض المظاهر القديمة حاضراً في ذاكرة بو سبعة، ومنها جلسات العصر التي كان الناس يلتفون فيها لسماع قصص عنترة، تُروى على شكل حلقات متتابعة تمتد أياماً عدة. ويقول: «من أشهر من كان يروي هذه القصص عبد أحمد، وكان الناس ينتظرون جلساته بشغف».

ويشير بو سبعة إلى المكان الذي كانت تُعقد فيه تلك الجلسات، خلف سدة يعقوب باوزير، وهي مقبرة كبيرة في المكلا القديمة، لافتاً إلى أن بعض الروايات تقول إن يعقوب باوزير قدم إلى المدينة من العراق.

وعن هموم الصيادين اليوم، يختصرها بو سبعة في 3 عناوين رئيسية: «غلاء المعيشة، وصعوبة توفير المحروقات، وارتفاع أسعار معدات الصيد»، مؤكداً أن هذه التحديات باتت تثقل كاهل من لا يزالون يعتمدون على البحر مصدراً وحيداً للرزق.

«كونتينر الريان»

تدخّل صياد آخر في الحديث قائلاً: «تحسّن وضع الصيادين الآن بعد مغادرة الإماراتيين». سألته كيف؟ فطلب عدم ذكر اسمه، موضحاً: «كانت هناك مناطق يُحظر علينا الصيد فيها من قبل القوة الإماراتية التي كانت موجودة».

وأضاف: «مُنعنا الصيد في منطقة شحير القريبة من مطار الريان، وكذلك في منطقة الضبة. اليوم تنفّسنا الصعداء بعد مغادرتهم».

وكان رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني، الدكتور رشاد العليمي، طلب في 30 ديسمبر (كانون أول) الماضي، مغادرة ⁠كل ​القوات ‌الإماراتية ومنسوبيها جميع الأراضي اليمنية في غضون 24 ⁠ساعة.

الصيد من أقدم المهن التي يعيش عليها كثير من أبناء حضرموت (الشرق الأوسط)

غير أن الرجل، الذي يبدو في عقده الرابع، تحدث بمرارة عمّا يُعرف بـ«كونتينر الصيادين». اعتدل في جلسته، ثم واصل حديثه قائلاً: «كان هناك كونتينر خصصه الإماراتيون في مطار الريان لاحتجاز الصيادين المخالفين تعليماتهم».

وتابع: «كما كانت تُحتجز الهواري (القوارب) لفترات قد تصل أحياناً إلى شهر، وهو أمر كارثي بالنسبة إلى صياد يعتمد في قوت عائلته على صيده اليومي».

وأشار الصياد إلى ملاحظة أخرى وصفها باللافتة، قائلاً: «بعض الصيادين كانت تُصرف لهم رواتب شهرية من قبل الإمارات مقابل الامتناع عن الصيد، وعند تسلمهم تلك الرواتب فوجئوا بأن أسماءهم مُسجّلة في الكشوفات المالية بوصفهم (جنوداً) لدى القوة الإماراتية».

ووفق تقديرات محلية، يبلغ عدد الصيادين في مدينة المكلا نحو 3 آلاف صياد، يتوزعون على عدد من مناطق المدينة. ووفقاً لأحدهم، فقد قدّم «البرنامج السعودي لتنمية وإعمار اليمن»، قبل نحو عامين، أكثر من 200 قارب دعماً للصيادين في المكلا، في إطار الدعم التنموي المستمر الذي تقدمه المملكة للشعب اليمني في ظل الظروف الصعبة التي تمر بها البلاد.


سكان عدن يرحبون بخطوة إخراج المعسكرات من المدينة

«تحالف دعم الشرعية» يواصل جهوده لتعزيز الطابع المدني لعدن (إعلام حكومي)
«تحالف دعم الشرعية» يواصل جهوده لتعزيز الطابع المدني لعدن (إعلام حكومي)
TT

سكان عدن يرحبون بخطوة إخراج المعسكرات من المدينة

«تحالف دعم الشرعية» يواصل جهوده لتعزيز الطابع المدني لعدن (إعلام حكومي)
«تحالف دعم الشرعية» يواصل جهوده لتعزيز الطابع المدني لعدن (إعلام حكومي)

أثار إعلان السلطة المحلية وقوات «تحالف دعم الشرعية» في اليمن عن المصادقة على خطة إخراج المعسكرات من مدينة عدن، التي تُتخذ عاصمة مؤقتة للبلاد، حالة من الارتياح لدى سكان المدينة التي عانت من الصراعات في السابق، وطالبوا بتحويل المعسكرات إلى حدائق ومدارس، عادّين ذلك خطوة مهمة لتجنيب المدينة أي صراعات مستقبلية.

وعبّر سكان في المدينة، في تصريحات لـ«الشرق الأوسط»، عن سعادتهم بهذه الخطوة، ورأوا أن تحويل المعسكرات إلى حدائق عامة ومدارس سيخدم السكان، ويسهم في تجنيب المدينة الصراعات لتكون آمنة ومستقرة، قائلين إنهم كانوا يتطلعون منذ مدة طويلة إلى مثل هذه الخطوة التي أثّرت على الدور الفاعل للمدينة ودورها الاقتصادي.

وقال صهيب، وهو معلم، إنهم يتطلعون إلى «مزيد من القرارات الجادة التي تصب في مصلحة سكان المدينة وتلبي تطلعاتهم المشروعة؛ لأن سكان عدن دفعوا عبر سنوات طويلة ثمن الصراعات التي أثّرت بشكل واضح على الطابع المدني الذي عُرفت به، وعلى الدور الاقتصادي المنشود بصفتها أكبر موانئ البلاد والعاصمة الاقتصادية لها».

تحقيق الأمن والاستقرار ركيزة أساسية لاستعادة عدن مكانتها الاقتصادية (إعلام محلي)

من جهته، يرى سامي عبد الباسط، وهو طالب جامعي، أن سكان عدن عانوا من الصراعات نتيجة انتشار المعسكرات فيها، وأنه حان الوقت لإغلاق هذه الصفحة من خلال تعزيز دور شرطة المدينة وإخراج المعسكرات منها، مبيناً أن وجود المعسكرات وسط التجمعات السكنية من شأنه أن يفتح الباب أمام أي مغامرة، كما حدث في عامي 2018 و2019.

الأمر ذاته عبّرت عنه نسرين، وهي موظفة حكومية، وأكدت أن الناس يتطلعون إلى أن تعود عدن كما عُرفت؛ مدينة مسالمة ومستقرة ومركزاً للأنشطة الثقافية والفنون، مشيرة إلى أنها بحاجة إلى تحسين الخدمات والفرص الاقتصادية، وأن إخراج المعسكرات سيشكّل خطوة مهمة في دعم وتعزيز الطابع المدني الذي عُرفت به منذ زمن طويل، قبل أن تدفع ثمن الصراعات.

آليات تنفيذية

وكانت قيادة السلطة المحلية بالعاصمة اليمنية المؤقتة عدن، برئاسة وزير الدولة محافظ عدن، عبد الرحمن شيخ، قد عقدت اجتماعاً مشتركاً مع قيادة التحالف الداعم للشرعية في اليمن، ممثلة باللواء الركن فلاح الشهراني، وبحضور قيادات أمنية وعسكرية؛ لمناقشة خطة إعادة تموضع المعسكرات خارج نطاق المدينة.

وذكر إعلام السلطة المحلية أن الاجتماع ناقش الآليات التنفيذية وخطة إخراج المعسكرات وإعادة تموضعها في المواقع المتفق عليها، على أن يعلَن عن تفاصيل ذلك لاحقاً من قبل الجهات المختصة؛ وذلك في إطار الجهود الهادفة إلى تعزيز الطابع المدني لمدينة عدن وترسيخ الأمن والاستقرار فيها.

وطبقاً لما أوردته المصادر، فإن «تنفيذ خطة إعادة التموضع سيكون على 3 مراحل، وفق خطوات وآليات واضحة جرى التوافق عليها، بما يضمن تحقيق الأهداف الأمنية والتنظيمية المنشودة».

وشدد المجتمعون على أن تحقيق الأمن والاستقرار يمثل ركيزة أساسية لاستعادة مكانة عدن ودورها الريادي، لا سيما في الجوانب الاقتصادية والاستثمارية، بما يسهم في دعم مسار التنمية وتحسين الأوضاع المعيشية للمواطنين.

استقرار الوقود

وفي لقاء آخر، ناقشت السلطة المحلية بعدن مع قيادة «تحالف دعم الشرعية»، ممثلة بمستشار قائد القوات المشتركة اللواء الركن فلاح الشهراني، سبل تعزيز استقرار إمدادات الغاز المنزلي والمشتقات النفطية، وتحسين خدمات الطاقة في العاصمة المؤقتة للبلاد والمحافظات المحررة.

وكرّس الاجتماع، الذي حضره وكيل محافظة عدن لشؤون التنمية، عدنان الكاف، ووكيل وزارة النفط والمعادن، طلال بن حيدرة، لمناقشة التحديات المرتبطة بغياب الخزانات الاستراتيجية للغاز وتداعيات توقف الإمدادات مؤخراً، والتوجه إلى إنشاء خزانات استراتيجية تضمن استقرار التموين وتفادي الأزمات مستقبلاً.

حضور فاعل لـ«تحالف دعم الشرعية» في تحسين الخدمات لسكان عدن (إعلام حكومي)

كما ناقش المشاركون آليات تأمين الوقود اللازم لتشغيل محطات الكهرباء، وتعزيز التنسيق بين الجهات ذات العلاقة لضمان استمرارية تزويد السوق المحلية بالغاز والحد من أي اختناقات.

وثمن الحاضرون في الاجتماع الدعم الذي تقدمه السعودية في مجال المشتقات النفطية، وما أسهم به في تحسين خدمة الكهرباء واستقرار التيار خلال الأيام الماضية، ضمن الاستعدادات المبكرة لفصل الصيف.


اليمن: القادة الجنوبيون يتطلعون إلى حلول عادلة في مؤتمر الحوار المرتقب

اللقاء التشاوري خرج ببيان قرأه عضو مجلس القيادة الرئاسي عبد الرحمن المحرمي (رويترز)
اللقاء التشاوري خرج ببيان قرأه عضو مجلس القيادة الرئاسي عبد الرحمن المحرمي (رويترز)
TT

اليمن: القادة الجنوبيون يتطلعون إلى حلول عادلة في مؤتمر الحوار المرتقب

اللقاء التشاوري خرج ببيان قرأه عضو مجلس القيادة الرئاسي عبد الرحمن المحرمي (رويترز)
اللقاء التشاوري خرج ببيان قرأه عضو مجلس القيادة الرئاسي عبد الرحمن المحرمي (رويترز)

في لحظة سياسية دقيقة، يعود ملف الجنوب اليمني إلى واجهة المشهد الإقليمي، وسط تحركات سعودية حازمة تهدف إلى إعادة صياغة مساره بعيداً عن الاستقطاب والصراعات المفتوحة، وبمقاربة تضع الحوار الشامل خياراً وحيداً لتفكيك التعقيدات المتراكمة وإنهاء حالة الجمود.

وفي هذا السياق، انطلقت في العاصمة السعودية الرياض، الأحد، أعمال «اللقاء التشاوري الجنوبي» بمشاركة واسعة من القيادات والشخصيات السياسية والاجتماعية، إلى جانب المشايخ والأعيان، من مختلف محافظات جنوب اليمن، في خطوة تمهيدية لعقد مؤتمر الحوار الجنوبي المرتقب، الذي ترعاه السعودية، ضمن جهودها الرامية إلى دعم مسار سياسي شامل يعالج القضية الجنوبية بعيداً عن الإقصاء والتهميش، وبما يسهم في تعزيز الأمن والاستقرار في اليمن والمنطقة.

ويأتي هذا اللقاء في ظل تعقيدات غير مسبوقة يعيشها المشهد اليمني، وما تواجهه القضية الجنوبية من تحديات سياسية وأمنية واقتصادية متراكمة، حيث يسعى المشاركون إلى بلورة رؤية جنوبية جامعة تقوم على الحوار بوصفه خياراً أساسياً لمعالجة جذور الأزمة، بعيداً عن منطق التصعيد والعنف، أو اختزال القضية في تمثيل أحادي لا يعكس تنوع الجنوب وتعدد مكوناته.

وأكد المجتمعون، في بيان ختامي تلاه عبد الرحمن المحرّمي، عضو مجلس القيادة الرئاسي اليمني، أن اللقاء يعكس «إرادة جنوبية جامعة تمثل مختلف شرائح الجنوب ومحافظاته، وتسعى إلى التوصل إلى حل عادل وآمن ومستدام للقضية الجنوبية»، مشددين على أن هذا المسار السياسي يستند إلى الحوار المسؤول بوصفه الطريق الوحيد القادر على تجنيب الجنوب مزيداً من الانقسامات والصراعات الداخلية.

لقاء تشاوري في الرياض للقيادات الجنوبية أكد على نهج الحوار للتوصل إلى حلول عادلة للقضية الجنوبية (رويترز)

وأوضح البيان أن المشاركين لمسوا، من خلال لقاءاتهم المباشرة مع القيادات والمسؤولين في السعودية، دعماً واضحاً ومتطابقاً مع مطالب الجنوبيين المشروعة، وفي مقدمتها حقهم في الوصول إلى حل سياسي شامل يضمن كرامتهم وأمنهم واستقرارهم، دون فرض شروط مسبقة أو سقوف سياسية، وبما يكفل حق أبناء الجنوب في تقرير مستقبلهم السياسي عبر آلية توافقية لا يُقصى فيها أحد.

وشدد البيان على أن خيارات أبناء الجنوب، بما فيها شكل الدولة ومستقبلها السياسي، تظل حقاً أصيلاً لهم وحدهم، وأن المملكة العربية السعودية لا تتبنى موقفاً معادياً لأي خيار، شريطة أن يكون ناتجاً عن حوار جنوبي - جنوبي شامل، لا يُفرض من قبل مكون أو شخص بعينه، ولا يُختزل في تمثيل لا يعكس الإرادة الجنوبية الجامعة.

رعاية سعودية وفرصة تاريخية

البيان أكد أن مؤتمر الحوار الجنوبي المرتقب، برعاية السعودية، يمثل «فرصة تاريخية نادرة» لإعادة تصويب مسار القضية الجنوبية، محذراً من محاولات العبث بهذه الفرصة عبر خلق استقطابات داخلية، أو الزج بالجنوب في صراعات جانبية تخدم أطرافاً إقليمية تسعى لإدامة الفوضى، ولا تصب في مصلحة الجنوبيين أو مستقبلهم.

وفي هذا السياق، برزت دعوات واسعة داخل اللقاء، إلى ضرورة الفصل بين عدالة القضية الجنوبية بوصفها قضية سياسية وحقوقية مشروعة، وبين الممارسات الفردية لبعض القيادات التي يرى مراقبون أنها ألحقت أضراراً جسيمة بالقضية، من خلال احتكار التمثيل، أو توظيفها في صراعات إقليمية لا تخدم تطلعات أبناء الجنوب.

السعودية تقود مساراً يقوم على الحزم والمسؤولية الإقليمية للتوصل إلى حلول آمنة لقضايا اليمن المعقدة (رويترز)

ويشير محللون إلى أن تراجع الزخم السياسي للقضية الجنوبية خلال مراحل سابقة ارتبط، إلى حد كبير، بممارسات سياسية ومالية مثيرة للجدل، وبتغليب المصالح الشخصية على المصلحة العامة، وهو ما أسهم في إضعاف حضور القضية على المستويين الإقليمي والدولي، قبل أن تعيد الرعاية السعودية الحالية تصديرها بوصفها قضية سياسية مركزية ضمن مسار الحل الشامل في اليمن.

وأشار المحرمي إلى أن القيادات والشخصيات الجنوبية المشاركة لمست منذ وصولها إلى الرياض، ترحيباً صادقاً ودعماً عملياً للقضية الجنوبية، مؤكداً أن هذا الدعم لم يقتصر على الجانب السياسي؛ بل شمل الملفات المعيشية والاقتصادية والأمنية التي تمس حياة المواطنين بشكل مباشر.

وأوضح البيان أن اللقاءات التي عقدتها القيادات الجنوبية مع مسؤولي مؤسسات الدولة في المملكة، أسهمت في تقديم صورة أكثر عمقاً ووضوحاً عن أبعاد القضية الجنوبية، الأمر الذي عزز من حضورها السياسي إقليمياً، وساعد في تسريع معالجة عدد من الملفات العاجلة، وفي مقدمتها أزمة صرف المرتبات المتأخرة، التي أثقلت كاهل الموظفين المدنيين والعسكريين على حد سواء.

القيادات الجنوبية شددت على رفض الإقصاء أو الاحتكار لموضوع القضية الجنوبية (رويترز)

كما أعلنت السعودية عن دعم اقتصادي وتنموي للجنوب واليمن عموماً، بلغت قيمته نحو 1.9 مليار ريال سعودي (نصف مليار دولار) في خطوة عُدّت مؤشراً عملياً على التزامها بدعم الاستقرار المعيشي، وتحسين الأوضاع الاقتصادية، وتهيئة البيئة اللازمة لإنجاح أي مسار سياسي مقبل، مع تكفلها برواتب الموظفين المدنيين الحكوميين بمبلغ 9 ملايين دولار، وكذا برواتب كل العسكريين والأمنيين المرتطبين باللجنة المشتركة لقيادة تحالف دعم الشرعية.

وفي الجانب الأمني، تلقى المجتمعون تأكيدات مباشرة بشأن استمرار دعم القوات الجنوبية التي تضطلع بمهمة مكافحة الإرهاب وحماية الأمن والاستقرار، في مواجهة التهديدات التي تشكلها ميليشيات الحوثي والتنظيمات المتطرفة، وعلى رأسها «القاعدة» و«داعش»، بما يعزز من قدرة الجنوب على حماية مكتسباته الوطنية.

دعوة للمشاركة والمسؤولية

دعا البيان الذي قرأه المحرّمي، جماهير الشعب الجنوبي، إلى التعبير عن تطلعاتهم المشروعة بوعي ومسؤولية، ودعم مسار الحوار الجنوبي برعاية السعودية، باعتباره الإطار الأكثر واقعية وأماناً للتوصل إلى حل سياسي شامل، يحفظ الحقوق ويصون المكتسبات، بأقل تكلفة ممكنة.

كما وجّه البيان نداءً إلى المجتمع الدولي لمساندة هذا المسار الجاد، واحترام تطلعات الجنوبيين، ودعم الجهود السعودية الرامية إلى تحقيق السلام والاستقرار في الجنوب واليمن والمنطقة، باعتبار أن معالجة القضية الجنوبية تمثل مدخلاً أساسياً لأي تسوية شاملة ومستدامة.

حشد من المتظاهرين في عدن المطالبين بإيجاد حلول للقضية الجنوبية (رويترز)

وفيما يتعلق بالمظاهرات التي تشهدها مدينة عدن بين الحين والآخر، أكد البيان أن هذه التحركات تعبّر في جوهرها عن مطالب شعبية مشروعة مرتبطة بالقضية الجنوبية والظروف المعيشية الصعبة، ولا يمكن اختزالها في دعم شخص أو مكون بعينه.

ويرى مراقبون أن توظيف هذه الاحتجاجات سياسياً من قبل بعض القيادات، بهدف تحقيق مكاسب شخصية أو تعزيز نفوذ ضيق، أسهم في تشويه صورة الحراك الجنوبي، وأضعف مصداقية القضية أمام المجتمع الدولي، لا سيما في ظل اتهامات متداولة حول قضايا فساد وسوء إدارة ألحقت أضراراً مباشرة بحياة المواطنين.

رفض للنهج الفوضوي

في مقابل الإشادة بالدور السعودي، برزت داخل اللقاءات الجنوبية مواقف نقدية حادة تجاه دور أبوظبي في اليمن، حيث يرى مراقبون أن السياسات الإماراتية، القائمة على دعم أطراف بعينها، أسهمت في تعميق الانقسامات الجنوبية، وإطالة أمد الفوضى، وعرقلة الوصول إلى حل سياسي شامل.

من المرتقب أن يتوصل حوار القادة الجنوبيين في الرياض إلى فتح صفحة جديدة في تاريخ اليمن (رويترز)

ويربط محللون هذا الدور بما تصفه تقارير دولية بنمط تدخل إماراتي مشابه في دول أخرى مثل السودان وليبيا والصومال، حيث أدت سياسات دعم الفصائل المحلية إلى تعقيد الأزمات بدلاً من حلها، في حين تميزت المقاربة السعودية، وفقاً لهذه الرؤية، بالتركيز على دعم الدولة، والحوار، والاستقرار، والتنمية.

ويرى محللون أن استمرار أي تدخلات خارجية تحرّض على شق الصف الجنوبي، أو توظف القضية الجنوبية لخدمة أجندات إقليمية، قد يدفع الرياض إلى اتخاذ مواقف أكثر صرامة لحماية مسار الحوار، وضمان عدم تقويض جهود مكافحة الإرهاب، وتحقيق الأمن والاستقرار في اليمن.