لماذا تريد «حماس» هدنة الآن... الحسابات السياسية والخاصة

أظهرت وسائل إعلام قريبة من «حماس» تغييراً بلغة الخطاب في اللحظات الأخيرة

فلسطينيون يتفقدون الأضرار في أعقاب القصف الإسرائيلي على رفح (أ.ف.ب)
فلسطينيون يتفقدون الأضرار في أعقاب القصف الإسرائيلي على رفح (أ.ف.ب)
TT

لماذا تريد «حماس» هدنة الآن... الحسابات السياسية والخاصة

فلسطينيون يتفقدون الأضرار في أعقاب القصف الإسرائيلي على رفح (أ.ف.ب)
فلسطينيون يتفقدون الأضرار في أعقاب القصف الإسرائيلي على رفح (أ.ف.ب)

بعد أسابيع طويلة من المفاوضات التي كانت تصل دائماً إلى طريق مسدودة، بدا ضوء في آخر النفق هذه المرة، ساعدت في بزوغه تنازلات قدّمها كل من إسرائيل و«حماس». ومع بدء مفاوضات شبه حاسمة في القاهرة، يوم السبت، أكد إسماعيل هنية رئيس المكتب السياسي لـ«حماس» أن حركته ستستكمل المباحثات بروح إيجابية.

ويتضح من موقف الحركة أنها ماضية نحو اتفاق أكثر جدية هذه المرة، أرادته أن يكون تحت «مظلة وطنية»، وذلك بعد الاتصالات التي أجرتها لأول مرة بشكل علني مع فصائل فلسطينية أخرى في لقاءات عقدت في إسطنبول خلال زيارة هنية للمدينة. وفتح هذا التغيير الإيجابي كثيراً من التساؤلات حول التغييرات التي طرأت في مواقف «حماس»، فهل هي حقيقية؟ ولماذا الآن؟

دخان تصاعد في وقت سابق بعد الغارات الإسرائيلية على رفح جنوب قطاع غزة (أ.ف.ب)

تأكيد على التغييرات

وأظهرت وسائل الإعلام التابعة لحركة «حماس» تغييراً في لغة الخطاب في الساعات الأخيرة، وبدا أنها تروج لقرب التوصل إلى الاتفاق، حيث نشرت مقابلات مع قيادات من «الجهاد الإسلامي» و«الجبهة الشعبية»، باعتبارهما الفصيلين اللذين شاركا بشكل أساسي في لقاءات إسطنبول، وأشاد هؤلاء بموقف المقاومة والصمود الذي أبلته في الميدان، وكذلك في الحوارات التي خاضتها لتحقيق مطالب سكان قطاع غزة.

وسلطت بعض تلك الوسائل على ما نسب لعضو مكتب سياسي من «الجبهة الشعبية»، قال إن قائد «حماس» في قطاع غزة الذي تلاحقه إسرائيل منذ هجوم 7 أكتوبر (تشرين الأول) الماضي، تواصل مع القيادة السياسية للفصائل خلال اجتماعاتها الأخيرة. وبذلك، تكون وسائل الإعلام التابعة لـ«حماس» قد دخلت في مرحلة الترويج لحقيقة قرب الاتفاق، واعتباره اتفاقاً شاركت فيه الفصائل الأخرى، مثل «الجهاد الإسلامي» و«الجبهة الشعبية»، وكذلك قائد «حماس» في غزة يحيى السنوار.

إسماعيل هنية ويحيى السنوار خلال اجتماع لقادة فصائل فلسطينية في غزة (أرشيفية - أ.ف.ب)

ترويج للاتفاق

وقالت مصادر في الحركة لـ«الشرق الأوسط» إن الاتفاق قريب فعلاً. كما بدأ محللون محسوبون على «حماس» بالترويج لهذا الاتفاق. وكتب إياد القرا، الشخصية المعروف قربها من السنوار، عبر صفحاته في شبكات التواصل الاجتماعي، يوم الخميس: «بعد حرب 7 أشهر، وتعنت نتنياهو في الوصول لاتفاق، قد نكون أقرب للذهاب إلى شكل من أشكال وقف إطلاق النار، لكن القتال توقف، والحرب لم تتوقف». ثم عاود صباح يوم السبت، وكتب: «ساعات حاسمة، والكرة باتت في ملعب الاحتلال الذي يمارس القتل والتدمير. إما أن يوافق على الورقة المصرية، أو يواصل المراوغة وإطالة أمد الحرب».

لكن إذا كانت «حماس» جادة اليوم، فما الذي تغير؟ بعد مرور 211 يوماً على الحرب الإسرائيلية المدمرة في قطاع غزة، يتضح أن حركة «حماس» أصبحت أكثر حاجة للتوصل إلى اتفاق يفضي إلى وقف إطلاق النار، ولو كان مؤقتاً، وليس بالشكل الذي كانت تتمناه الحركة، من أجل تحقيق «انتصار» كانت ترغب فيه.

يحيى السنوار... جهاز «الشاباك» عرض على رئيس الوزراء الإسرائيلي 6 مخططات لاغتياله (أ.ب)

أسباب التغيير

المرونة التي أبدتها «حماس» جاءت في الحقيقة لعدة أسباب، الأول أن الحركة التي تسيطر على القطاع منذ عام 2007، بدأت تشعر أنها منهكة أكثر من أي وقت سبق، وبحاجة إلى هذه الهدنة، ولو كانت مؤقتة، على أمل أن تنجح الضمانات التي ستحصل عليها من الوسطاء، ومن الولايات المتحدة، في إقناع إسرائيل بوقف الحرب بشكل نهائي.

وتسببت الحرب الإسرائيلية في تدمير كثير من مقدرات «حماس»، وجناحها العسكري «كتائب القسام»، لذلك هناك إجماع داخل الحركة من المستويين السياسي والعسكري على أن تكون هناك مرونة أكبر في التعامل مع الهدنة.

أما السبب الثاني فهو الأزمة المالية الكبيرة التي تعاني منها «حماس»، حيث لم تستطع سوى توفير دفعات مالية محدودة لا تتعدى 200 دولار لموظفيها الحكوميين، و250 دولاراً لموظفيها التابعين للعمل الحركي التنظيمي، و300 دولار لنشطاء «القسام».

ومن بين الأسباب غير المعلنة أيضاً أن «كتائب القسام» تسعى لمنح مقاتليها استراحة، ومحاولة ترتيب وإعادة تموضع لقواتها، وحصر الخسائر والأضرار. وسبب آخر أن «حماس» تسعى إلى التخلص من عبء بقاء الأسرى الإسرائيليين لديها في ظل استمرار القصف ومقتل عدد منهم وحاجتها لكثير من الموارد لحمايتهم، ولا تريد أن تجازف بخسارتهم باعتبارهم الورقة الرابحة والأهم، من أجل تحقيق اتفاق قد ينهي الحرب ويضمن إطلاق عدد أكبر من الأسرى الفلسطينيين.

والأهم من كل ذلك أن «حماس» تريد تجنب اقتحام رفح، لأن ذلك يهدد سلامة اللواء الوحيد التابع لـ«كتائب القسام» الذي بقي كما هو من دون أن يمسه الجيش الإسرائيلي، وقد يعني دخول رفح أيضاً الوصول إلى قيادات في «حماس» ومحتجزين إسرائيليين، إضافة إلى المجازر المتوقع حدوثها إذا اقتحمت إسرائيل المدينة.

«مجاعة شاملة» بعد أكثر من 6 أشهر على الحرب بين إسرائيل و«حماس» (أ.ب)

اقتحام رفح

وتضع «حماس» مسألة اقتحام رفح ضمن شروط الهدنة. وفي هذا الصدد، قال المحلل السياسي مصطفى إبراهيم، لـ«الشرق الأوسط»، إنه من «الواضح أن القضايا الإنسانية الملحة كانت سبباً دفع الطرفين لقبول مقترح الهدنة المصري الأخير». وأضاف: «لكن بالتأكيد هناك حسابات سياسية دخلت في هذا التغيير، سواء من قبل (حماس) أو إسرائيل، إذ إن الأولى لا تريد أن تخسر احتضان قطر لها في ظل ما تتعرض له، كما لا تريد أن تخسر مصر كجارة مهمة لقطاع غزة، ومرور قياداتها عبر أراضيها للتنقل من القطاع وإليه».

وتابع: «بذلك تكون قد فقدت عوامل مهمة في الوقوف إلى جانبها، ولو كان بشكل محايد في بعض القضايا. في المقابل، لا تريد إسرائيل أن تخسر مزيداً من الدعم الأميركي، في ظل الانتقادات الموجهة باستمرار لحكومة بنيامين نتنياهو، ومعارضة واشنطن لأي عملية عسكرية في رفح، قد تزيد من معاناة سكان القطاع».


مقالات ذات صلة

كوسوفو والبوسنة تعتزمان المشاركة في قوة إرساء الاستقرار بغزة

المشرق العربي مشيعون فلسطينيون يحملون جثمان شخص قُتل في غارة إسرائيلية على مدينة غزة (أ.ف.ب) p-circle

كوسوفو والبوسنة تعتزمان المشاركة في قوة إرساء الاستقرار بغزة

أعلنت كوسوفو والبوسنة، الجمعة، عزمهما على إرسال جنود إلى غزة في إطار قوة دولية مزمع تشكيلها لإرساء الاستقرار في القطاع، بإشراف «مجلس السلام» الذي أنشأه ترمب.

«الشرق الأوسط» (بريشتينا)
شؤون إقليمية وزير الخارجية المصري خلال لقاء سابق مع نظيره التركي (الخارجية المصرية)

وزير الخارجية المصري يزور تركيا لتنسيق المشاورات بشأن إيران وغزة

بدأ وزير خارجية مصر، بدر عبد العاطي، زيارة لتركيا تتخللها لقاءات ذات بعد إقليمي مرتبطة بتطورات الأوضاع في قطاع غزة، والمفاوضات المتعثرة بين واشنطن وطهران.

محمد محمود (القاهرة)
المشرق العربي صورة بالقمر الاصطناعي لميناء غزة (أرشيفية - رويترز)

اجتماعات وزارية إسرائيلية سرية بضغط أميركي لبحث «رؤية غزة الجديدة»

أوعز رئيس الوزراء الإسرائيلي، بنيامين نتنياهو، بعقد اجتماعَين سريَّين لكبار المسؤولين في وزارات عدة، بضغط أميركي؛ للتداول في مستقبل قطاع غزة.

«الشرق الأوسط» (تل أبيب)
شؤون إقليمية قوات الأمن الإسرائيلية تعاين موقع سقوط صاروخ إيراني في حي سكني بتل أبيب 1 أبريل 2026 (أ.ف.ب)

الإسرائيليون يشعرون بسوء وضعهم الأمني رغم شراكة الحرب مع أميركا

أظهر استطلاع بحثي، نشره معهد أبحاث الأمن القومي في تل أبيب، أن 29 في المائة فقط من الإسرائيليين أعطوا تقييماً إيجابياً للوضع الأمني الذي يعيشونه حالياً

نظير مجلي (تل أبيب)
خاص فلسطينيون إلى جوار جثماني الشقيقين عبد الملك وعبد الستار العطار اللذين قُتلا في غارة إسرائيلية قبل تشييعهما في مدينة غزة يوم الخميس (رويترز) p-circle

خاص «تهديد مبطن وتوتر»... ماذا دار في لقاء الحية ومسؤول أميركي بالقاهرة؟

كُشف النقاب عن لقاء عُقد في القاهرة، جمع رئيس فريق «حماس» المفاوض، خليل الحية، والدبلوماسي الأميركي آرييه لايتستون، شهد تهديداً وخيم عليه التوتر... فما كواليسه؟

«الشرق الأوسط» (غزة)

لبنان يلملم خسائره في ظل «هدنة هشّة»

نازحون من جنوب لبنان يعبرون جسراً مدمراً للوصول إلى جنوب الليطاني (رويترز)
نازحون من جنوب لبنان يعبرون جسراً مدمراً للوصول إلى جنوب الليطاني (رويترز)
TT

لبنان يلملم خسائره في ظل «هدنة هشّة»

نازحون من جنوب لبنان يعبرون جسراً مدمراً للوصول إلى جنوب الليطاني (رويترز)
نازحون من جنوب لبنان يعبرون جسراً مدمراً للوصول إلى جنوب الليطاني (رويترز)

بدأ لبنان لملمة خسائره بعد دخول اتفاق وقف إطلاق النار حيّز التنفيذ، في ظل هدنة هشّة، خرقتها إسرائيل بغارة من مسيّرة أدت إلى مقتل شخص، أمس، وفرض منطقة عازلة تضم 55 بلدة، حسبما أعلن الجيش الإسرائيلي، بينها 41 بلدة محتلة، ورفض عودة السكان إليها.

وتقدم الرئيس اللبناني جوزيف عون بالشكر للرئيس الأميركي دونالد ترمب والمملكة العربية السعودية للمساهمة في التوصل إلى الاتفاق، معلناً الانتقال إلى مرحلة «العمل على اتفاقات دائمة». وأكد عون في خطاب وجّهه للبنانيين «نحن اليومَ نفاوضُ عن أنفسِنا، ونقرّرُ عن أنفسِنا. لم نعدْ ورقةً في جيبِ أيٍ كان، ولا ساحةً لحروبِ أيٍ كان، ولن نعودَ ابداً. بل عدنا دولةً تملكُ وحدَها قرارَها، وترفعُه عالياً، وتجسّدُه فعلاً وقولاً، من أجلِ حياةِ شعبِها وخيرِ أبنائِها لا غير».

وأضاف: «أنا مستعد للذهابِ حيثما كان، لتحريرِ أرضي وحمايةِ أهلي وخلاصِ بلدي». وزاد: «أقول لكم بكل صراحة وثقة، هذه المفاوضات ليست ضعفاً، وليست تراجعاً، وليست تنازلاً، بل هي قرار نابع ‌من قوة إيماننا بحقنا، ومن ‌حرصنا على شعبنا».

وأعلن رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو أن بلاده لم تنهِ المهمة بعد في حربها ضد «حزب الله»، قائلاً إن «هناك إجراءات نعتزم اتخاذها بشأن ما تبقى من تهديدات بالصواريخ والطائرات المسيّرة، ولن أتطرق إليها هنا».

في المقابل، حَظَرَ ترمب على تل أبيب قصف لبنان، وأكد أن بلاده «ستتعامل مع (حزب الله) بالطريقة المناسبة»، و«ستمنع إسرائيل من قصف لبنان مجدداً»؛ لأن «الكيل قد طفح». ووعد بـ«جعل لبنان عظيماً مرة أخرى».


العراق يترقب مرشحاً لرئاسة الحكومة

التحالف الحاكم يعجز عن اختيار رئيس حكومة جديد في العراق (موقع «الإطار التنسيقي»)
التحالف الحاكم يعجز عن اختيار رئيس حكومة جديد في العراق (موقع «الإطار التنسيقي»)
TT

العراق يترقب مرشحاً لرئاسة الحكومة

التحالف الحاكم يعجز عن اختيار رئيس حكومة جديد في العراق (موقع «الإطار التنسيقي»)
التحالف الحاكم يعجز عن اختيار رئيس حكومة جديد في العراق (موقع «الإطار التنسيقي»)

تتجه الأنظار، اليوم (السبت)، إلى اجتماع حاسم لقوى «الإطار التنسيقي» في بغداد، وسط انقسامات متصاعدة وضغوط دستورية لتسمية رئيس الوزراء الجديد خلال مهلة محدودة.

ويُعقد اللقاء في منزل عمار الحكيم، أحد قادة التحالف الحاكم، بعد تأجيل سابق، في ظل تنافس بين ثلاثة خيارات: تجديد ولاية محمد شياع السوداني، أو ترشيح نوري المالكي أو من يمثله، أو التوافق على شخصية ثالثة.

وتشير مصادر إلى طرح صيغة تقضي باعتماد مرشح يحظى بدعم ثُلثي قادة التحالف؛ لتفادي الانقسام، رغم تعقيد التوازنات. وقالت المصدر إن هناك صيغة تفاهم أولية قيد النقاش، تقضي بأن المرشح الذي يحصل على دعم ثُلثَي قادة «الإطار التنسيقي» (8 قادة من أصل 12) سيتم اعتماده، على أن تلتحق بقية القوى لاحقاً بالقرار في محاولة لتفادي الانقسام.


الشرع يؤكد العمل على «اتفاق أمني» مع إسرائيل

الشرع متحدثاً خلال منتدى أنطاليا الدبلوماسي (أ.ب)
الشرع متحدثاً خلال منتدى أنطاليا الدبلوماسي (أ.ب)
TT

الشرع يؤكد العمل على «اتفاق أمني» مع إسرائيل

الشرع متحدثاً خلال منتدى أنطاليا الدبلوماسي (أ.ب)
الشرع متحدثاً خلال منتدى أنطاليا الدبلوماسي (أ.ب)

أكد الرئيس السوري أحمد الشرع، الجمعة، أن بلاده تعمل حالياً على إبرام «اتفاق أمني» مع إسرائيل، مشدداً على ضرورة انسحابها من مناطق حدودية سيطرت عليها في أعقاب سقوط نظام بشار الأسد في ديسمبر (كانون الأول) عام 2024.

وقال الشرع، خلال جلسة حوارية في إطار الدورة الخامسة لمنتدى أنطاليا الدبلوماسي الذي انطلق في جنوب تركيا، أمس، إن الجولان أرض سورية محتلة من جانب إسرائيل باعتراف المجتمع الدولي، ولا يمكن لأي دولة الاعتراف بأحقية إسرائيل فيها، وسيكون هذا الاعتراف باطلاً. وتابع أن إسرائيل تنتهك اتفاق فض الاشتباك و«نعمل حالياً على الوصول إلى اتفاق أمني» يضمن عودتها إلى خطوط 1974.

في السياق ذاته، قال المبعوث الأميركي إلى سوريا، السفير توم براك، إن سوريا لم تُطلق منذ 8 ديسمبر 2024 رصاصة واحدة على إسرائيل، بل على العكس صرّح الرئيس الشرع، مراراً، بأنهم منفتحون على اتفاق عدم اعتداء وتطبيع العلاقات مع إسرائيل.