مطالبات عالمية متكررة بتسهيل تدفق المساعدات إلى غزة لا تحظى باستجابة إسرائيلية

خبراء تحدثوا عن استمرار «تعنت» تل أبيب في عرقلة نفاذ الإغاثات عبر رفح

شاحنات تحمل مساعدات خلال اصطفافها في وقت سابق عند معبر رفح قبل عبورها لغزة (أ.ب)
شاحنات تحمل مساعدات خلال اصطفافها في وقت سابق عند معبر رفح قبل عبورها لغزة (أ.ب)
TT

مطالبات عالمية متكررة بتسهيل تدفق المساعدات إلى غزة لا تحظى باستجابة إسرائيلية

شاحنات تحمل مساعدات خلال اصطفافها في وقت سابق عند معبر رفح قبل عبورها لغزة (أ.ب)
شاحنات تحمل مساعدات خلال اصطفافها في وقت سابق عند معبر رفح قبل عبورها لغزة (أ.ب)

تتصاعد وتيرة المطالبات الدولية لإسرائيل بضرورة تسهيل نفاذ المساعدات الإغاثية برياً عبر معبر رفح إلى قطاع غزة، الذي بات يواجه شبح المجاعة، وفق تقارير أممية، دون أن تلقى تلك الدعوات والمطالبات استجابة إسرائيلية كافية.

وبينما انضمت محكمة العدل الدولية مجدداً إلى تلك المطالبات الدولية، حيث دعت المحكمة إسرائيل إلى اتخاذ الإجراءات اللازمة لإيصال المساعدات الإنسانية إلى قطاع غزة، توقع خبراء، تحدثوا لـ«الشرق الأوسط»، ألا تستجيب إسرائيل بشكل كافٍ لتلك الدعوات، في ظل إصرارها على استخدام «التجويع» سلاحاً للضغط على الفلسطينيين. وأشار الخبراء إلى استمرار «تعنت» تل أبيب في عرقلة نفاذ الإغاثات للقطاع عبر رفح.

وقالت محكمة العدل الدولية، في قرار جديد، الخميس، بناء على طلب من جنوب أفريقيا، إنه على إسرائيل ضمان عدم ارتكاب قواتها أي أعمال تشكل انتهاكاً لحقوق الفلسطينيين في غزة. وأشارت المحكمة إلى تفاقم الظروف المعيشية التي يواجهها الفلسطينيون في غزة، ولا سيما انتشار المجاعة، مطالبة إسرائيل بتقديم تقرير إليها بشأن جميع التدابير المتخَذة لتنفيذ قراراتها الجديدة خلال شهر واحد.

عرقلة دخول المساعدات

قرار المحكمة مثّل حلقة إضافية في سلسلة المطالبات التي أعلنتها دول عدة حول العالم، بعضها من حلفاء إسرائيل، إضافة إلى منظمات إنسانية دولية، دعت جميعاً إسرائيل إلى فتح المعابر، والكف عن عرقلة دخول المساعدات البرية، وتسهيل توزيع المساعدات في مختلف أنحاء القطاع، الذي يخضع لحصار إسرائيلي خانق منذ 7 أكتوبر (تشرين الأول) الماضي. وتقول الأمم المتحدة إن المجاعة «بات يصعب تلافيها» في القطاع، البالغ عدد سكانه 2.4 مليون نسمة معظمهم نازحون ويعيشون منذ نحو ستة أشهر أهوال الحرب والحصار اللذين أسفرا عن تدمير البنية التحتية، وحرمانهم من الغذاء والماء والوقود والكهرباء.

ودعا السكرتير العام للأمم المتحدة، أنطونيو غوتيريش، الذي زار معبر رفح مرتين خلال الأشهر الماضية، إسرائيل، إلى «عدم عرقلة دخول المساعدات». وانتقد، في مؤتمر صحافي، خلال زيارته الأخيرة للجانب المصري من المعبر، الأسبوع الماضي، عدم تجاوب إسرائيل بقوله: «إن الحكومة الإسرائيلية لا تفعل عادة ما أطلبه منها».

متطوعون في «الهلال الأحمر المصري» يعدون وجبات تمهيداً لنقلها إلى قطاع غزة (الهلال الأحمر المصري)

ومنذ اندلاع الحرب لا تسمح إسرائيل، التي تسيطر على المعابر، سوى بدخول عدد محدود من شاحنات المساعدة، التي يدخل معظمها عبر معبر رفح المصري، وتُخضعها السلطات الإسرائيلية لعمليات تفتيش مطولة كانت مثار انتقاد متكرر من جانب القاهرة، التي دعت، في أكثر من مناسبة، إلى «إدخال المساعدات بكميات كافية وبوتيرة منتظمة».

وتمتلك إسرائيل 6 معابر برية مع غزة، أعلنت إغلاقها جميعاً وبشكل فوري عقب هجمات 7 أكتوبر (تشرين الأول)، في حين لم تستجب لفتح معبر كرم أبو سالم، جنوب القطاع، والمخصص لدخول شاحنات البضائع؛ إلا بشكل محدود، قبل أن يتعرض للإغلاق بشكل متكرر.

وتقول إسرائيل إنها «سهّلت دخول أكثر من 350 شاحنة مساعدات إلى شمال غزة، خلال الشهر الماضي»، وتحرص على أن تُظهر للعالم أنها تسمح بدخول مزيد من المساعدات إلى غزة، لكنها تقول إنها «ليست مسؤولة عن حجم المساعدات التي تدخل فعلياً، أو عن قدرة الوكالات على توزيعها على الأرض».

وسبق أن حمّل فريق الدفاع الإسرائيلي أمام محكمة العدل الدولية، في يناير (كانون الثاني) الماضي، مصر المسؤولية عن عدم دخول المساعدات قطاع غزة، وهو ما استنكرته القاهرة، وشدد الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي مراراً على أن معبر رفح «مفتوح منذ بداية الحرب على مدار 24 ساعة ولم يغلق مطلقاً».

لقطة عامة في وقت سابق لمعبر رفح الحدودي من جهة غزة (د.ب.أ)

مماطلة إسرائيلية

وتباينت تقديرات الخبراء لمدى استجابة إسرائيل للمطالبات الدولية، وأحدثُها قرار محكمة العدل الدولية، ففي حين رأى سفير فلسطين الأسبق لدى مصر، بركات الفرا، أن سلطات الاحتلال «قد تستجيب جزئياً وتلجأ إلى تحسين دخول المساعدات لتفادي مزيد من الحرج الدولي»، أشار مساعد وزير الخارجية المصري الأسبق، السفير حسين هريدي، إلى أن «إسرائيل ستواصل مماطلاتها وتعنتها بعرقلة دخول المساعدات وتحدي الرغبة الدولية في هذا الصدد».

وأوضح الفرا، لـ«الشرق الأوسط»، أن إسرائيل بلغت «مرحلة غير مسبوقة من الغرور»، لكنها، في الوقت نفسه، قد تسعى لتخفيف حدة الحرج الدولي الذي تتسبب فيه إجراءاتها «القمعية والإبادية» بحق الفلسطينيين في قطاع غزة، عبر «تحسين نسبي» لمعدلات دخول المساعدات؛ تجنباً للتعرض لمزيد من الإحراج والامتعاض الدولي جراء استمرار التعنت في عرقلة دخول المساعدات القطاع.

من جانبه، قال هريدي، لـ«الشرق الأوسط»، إن إسرائيل سوف تستمر في عرقلة دخول المساعدات، وستواصل النهج نفسه الذي وصفه بـ«المراوغ»، إذ لن تلجأ إلى منع دخول المساعدات كلية، لكنها في الوقت نفسه ستحول دون دخول تلك المساعدات، وخصوصاً عبر معبريْ رفح وكرم أبو سالم بكميات كافية وسرعة معقولة لتلبية احتياجات القطاع، بل إنه توقع أن تستخدم سلطات الاحتلال الهجوم المتوقع على رفح الفلسطينية لإحداث تباطؤ كبير، وعرقلة لدخول المساعدات البرية.

وحول عدم استجابة إسرائيل للمطالبات الدولية، أو حتى القرارات الصادرة من مجلس الأمن ومحكمة العدل الدولية بشأن تيسير دخول المساعدات الإغاثية قطاع غزة، أوضح الفرا أن حكومة نتنياهو «بلغت حداً غير مسبوق من الغرور والرغبة في الانتقام من الفلسطينيين»، لافتاً إلى أن الحكومة الإسرائيلية الحالية «وصلت إلى مستوى خطير من الإفلات من المسؤولية القانونية الدولية». في حين تحدّث هريدي عن غياب أدوات الضغط الحقيقية التي تُجبر إسرائيل على الانصياع للالتزامات الدولية والإنسانية.

فلسطينيون خلال سيرهم في وقت سابق بعد غارات إسرائيلية على منازل بمخيم جباليا للاجئين شمال غزة (أرشيفية + رويترز)

وتبنّى مجلس الأمن الدولي، في ديسمبر (كانون الأول) الماضين قراراً يطالب بتسهيل إيصال المساعدات الإنسانية إلى جميع أنحاء قطاع غزة، وتعيين منسق لتسليم هذه المساعدات. ورغم ذلك لم تشهد آلية دخول المساعدات تحسناً يُذكر، في حين لجأت دول عربية وأجنبية إلى إنزال المساعدات جواً للتغلب على العراقيل الإسرائيلية أمام وصول المساعدات برياً، وخصوصاً إلى شمال غزة.

وتزداد المخاوف والتحذيرات الدولية من إقدام إسرائيل على اجتياح بري لمدينة رفح التي يتكدس فيها نحو 1.5 مليون فلسطيني نزح معظمهم إلى المدينة الملاصقة للحدود المصرية نتيجة استمرار الاستهداف الإسرائيلي المتواصل لجميع مناطق القطاع على مدى الأشهر الستة الماضية.

وتقول وكالات الإغاثة إن القطاع يحتاج إلى 500 شاحنة يومياً، وهو المعدل الذي كان يدخل قبل اندلاع الحرب الراهنة، في حين شكا عدد من المنظمات الأممية؛ ومنها وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين «أونروا»، من منع قوات الاحتلال أطقمها من توزيع المساعدات، وخصوصاً في مناطق شمال القطاع، كما قصفت القوات الإسرائيلية، أكثر من مرة، فلسطينيين كانوا يتجمعون لتلقي مساعدات غذائية، ما أدى لسقوط عشرات القتلى والمصابين.

وأعلن المفوض العام لوكالة «الأونروا»، فيليب لازاريني، الأسبوع الماضي، رفض الحكومة الإسرائيلية دخوله قطاع غزة لتفقُّد الوضع بمدينة رفح، كما كشف أن إسرائيل أبلغتهم بأنها «لن توافق بعد الآن على إرسال قوافل غذائية إلى شمال قطاع غزة». وطالب بـ«رفع هذه القيود».


مقالات ذات صلة

كوسوفو والبوسنة تعتزمان المشاركة في قوة إرساء الاستقرار بغزة

المشرق العربي مشيعون فلسطينيون يحملون جثمان شخص قُتل في غارة إسرائيلية على مدينة غزة (أ.ف.ب) p-circle

كوسوفو والبوسنة تعتزمان المشاركة في قوة إرساء الاستقرار بغزة

أعلنت كوسوفو والبوسنة، الجمعة، عزمهما على إرسال جنود إلى غزة في إطار قوة دولية مزمع تشكيلها لإرساء الاستقرار في القطاع، بإشراف «مجلس السلام» الذي أنشأه ترمب.

«الشرق الأوسط» (بريشتينا)
شؤون إقليمية وزير الخارجية المصري خلال لقاء سابق مع نظيره التركي (الخارجية المصرية)

وزير الخارجية المصري يزور تركيا لتنسيق المشاورات بشأن إيران وغزة

بدأ وزير خارجية مصر، بدر عبد العاطي، زيارة لتركيا تتخللها لقاءات ذات بعد إقليمي مرتبطة بتطورات الأوضاع في قطاع غزة، والمفاوضات المتعثرة بين واشنطن وطهران.

محمد محمود (القاهرة)
المشرق العربي صورة بالقمر الاصطناعي لميناء غزة (أرشيفية - رويترز)

اجتماعات وزارية إسرائيلية سرية بضغط أميركي لبحث «رؤية غزة الجديدة»

أوعز رئيس الوزراء الإسرائيلي، بنيامين نتنياهو، بعقد اجتماعَين سريَّين لكبار المسؤولين في وزارات عدة، بضغط أميركي؛ للتداول في مستقبل قطاع غزة.

«الشرق الأوسط» (تل أبيب)
شؤون إقليمية قوات الأمن الإسرائيلية تعاين موقع سقوط صاروخ إيراني في حي سكني بتل أبيب 1 أبريل 2026 (أ.ف.ب)

الإسرائيليون يشعرون بسوء وضعهم الأمني رغم شراكة الحرب مع أميركا

أظهر استطلاع بحثي، نشره معهد أبحاث الأمن القومي في تل أبيب، أن 29 في المائة فقط من الإسرائيليين أعطوا تقييماً إيجابياً للوضع الأمني الذي يعيشونه حالياً

نظير مجلي (تل أبيب)
خاص فلسطينيون إلى جوار جثماني الشقيقين عبد الملك وعبد الستار العطار اللذين قُتلا في غارة إسرائيلية قبل تشييعهما في مدينة غزة يوم الخميس (رويترز) p-circle

خاص «تهديد مبطن وتوتر»... ماذا دار في لقاء الحية ومسؤول أميركي بالقاهرة؟

كُشف النقاب عن لقاء عُقد في القاهرة، جمع رئيس فريق «حماس» المفاوض، خليل الحية، والدبلوماسي الأميركي آرييه لايتستون، شهد تهديداً وخيم عليه التوتر... فما كواليسه؟

«الشرق الأوسط» (غزة)

أميركا تفرض عقوبات تستهدف مقاتلين كولومبيين في السودان

وزارة الخزانة الأميركية (رويترز)
وزارة الخزانة الأميركية (رويترز)
TT

أميركا تفرض عقوبات تستهدف مقاتلين كولومبيين في السودان

وزارة الخزانة الأميركية (رويترز)
وزارة الخزانة الأميركية (رويترز)

فرضت الولايات المتحدة، اليوم (الجمعة)، عقوبات على خمس شركات وأفراد قالت إنهم متورطون في تجنيد عسكريين كولومبيين سابقين ​للقتال لصالح «قوات الدعم السريع» في السودان.

وقالت وزارة الخزانة الأميركية، في بيان نقلته وكالة «رويترز»: «لقد غذّت هذه الشبكة الصراع الذي أفضى إلى واحدة من أسوأ الأزمات الإنسانية وحالات المجاعة في العالم».

وأضافت الوزارة أن الولايات المتحدة حثّت الجيش السوداني و«قوات الدعم السريع» على قبول هدنة إنسانية ‌لمدة ثلاثة أشهر ‌من دون شروط.

وتسببت الحرب ​الضارية ‌المستمرة ⁠منذ ​ثلاث سنوات ⁠بين الجيش السوداني و«قوات الدعم السريع»، فيما تقول جماعات إغاثة إنها أصبحت الآن أسوأ أزمة إنسانية في العالم.

وقالت وزارة الخزانة إن مئات من أفراد القوات الكولومبية السابقين ذهبوا إلى السودان لدعم «قوات الدعم السريع» في أدوار قتالية وفنية، وشاركوا ⁠في معارك بأنحاء البلاد.

ومن بين ‌المستهدفين بالعقوبات المعلنة، ‌الجمعة، شركة «فينيكس هيومن ريسورسز ​إس إيه إس»، وهي وكالة ‌توظيف مقرها بوغوتا في كولومبيا، ومديرها خوسيه ليباردو ‌كيخانو توريس، والكولونيل السابق في الجيش الكولومبي خوسيه أوسكار جارسيا بات، وهو مالك شركة تجنيد مقرها بوغوتا، وشركة «غلوبال كوا البشريا إس إيه إس»، ومديرها عمر فرناندو غارسيا باتي.

وتعني ‌العقوبات أن جميع الممتلكات والمصالح العائدة للأشخاص والشركات المشمولين بالعقوبات داخل الولايات ⁠المتحدة ⁠أصبحت خاضعة للتجميد.

وقال وزير الخارجية الألماني يوهان فاديفول، يوم الأربعاء، إن مؤتمراً دولياً لحشد تمويل للسودان أسفر عن تعهدات بتقديم أكثر من 1.5 مليار يورو، أي 1.77 مليار دولار، من المساعدات الإنسانية.

ومع تزايد الضغوط على الإنفاق في مجال التنمية من قبل الجهات المانحة التقليدية، فقد عُقد المؤتمر، الذي أعقب اجتماعات سابقة في لندن وباريس، بهدف تسليط الضوء على السودان، وذلك ​بعد تحول الاهتمام العالمي ​في الآونة الأخيرة نحو الصراع في أوكرانيا والحرب على إيران.


مسؤولة أممية: حرب السودان متروكة وليست منسية

منسقة الشؤون الإنسانية للأمم المتحدة في السودان دينيز براون (أ.ف.ب)
منسقة الشؤون الإنسانية للأمم المتحدة في السودان دينيز براون (أ.ف.ب)
TT

مسؤولة أممية: حرب السودان متروكة وليست منسية

منسقة الشؤون الإنسانية للأمم المتحدة في السودان دينيز براون (أ.ف.ب)
منسقة الشؤون الإنسانية للأمم المتحدة في السودان دينيز براون (أ.ف.ب)

في وقت تتفاقم فيه تداعيات الحرب في السودان مع دخولها عامها الرابع، تتصاعد التحذيرات الأممية من كارثة إنسانية غير مسبوقة، وسط اتهامات بضعف الاهتمام الدولي، واستمرار العوامل التي تؤجج الصراع وتطيل أمده.

وفي هذا السياق، حذّرت منسقة الشؤون الإنسانية للأمم المتحدة في السودان، دينيز براون، من أن البلاد تواجه حالة من «التخلي الدولي»، فيما أكد وكيل الأمين العام للأمم المتحدة، المدير المساعد لبرنامج الأمم المتحدة الإنمائي، هاوليانغ شو، أن السودان يشهد واحدة من أخطر حالات الطوارئ الصحية العامة في العالم.

وأوضحت براون، في تصريحات لـ«وكالة الصحافة الفرنسية»، من العاصمة الخرطوم، أن وصف الأزمة السودانية بأنها «منسية» لم يعد دقيقاً، مضيفة أن «الأدق هو أنها أزمة متروكة»، مشيرة إلى أن حجم الانتهاكات التي وثقتها الأمم المتحدة، بما في ذلك العنف الجنسي الممنهج والمجازر الجماعية، يفرض تحركاً دولياً عاجلاً. كما لفتت إلى وجود تدفق مستمر للأسلحة من خارج البلاد، في انتهاك لحظر التسليح المفروض على إقليم دارفور، الأمر الذي يسهم في إطالة أمد النزاع.

براون ومن مكتبها في الخرطوم، الذي يُعد من المباني القليلة التي لا تزال تعمل في وسط العاصمة الذي يشبه مدينة ما بعد الدمار تساءلت عن أسباب غياب تحرك دولي فاعل، مقارنة بأزمات أخرى شهدت تفاعلاً شعبياً ورسمياً واسعاً، قائلة إن «العالم لم يتحرك بعد بالقدر المطلوب لوقف ما يجري».

وأشارت إلى أن إقليم دارفور لا يزال يشهد بعضاً من أسوأ أعمال العنف، بما في ذلك هجمات على مخيمات النازحين وعمليات قتل جماعي ذات طابع عرقي، في حين انتقلت حدة القتال خلال الفترة الأخيرة إلى إقليم كردفان، حيث تتسبب الضربات المتكررة في سقوط أعداد كبيرة من الضحايا، مع تفاقم خطر المجاعة، وورود تقارير عن ارتفاع معدلات وفيات الأطفال، لا سيما في مدينة الأبيض التي تستقبل أعداداً متزايدة من الفارين من مناطق النزاع.

أكبر أزمة جوع ونزوح

من جانبه، قال هاوليانغ شو، في تصريحات لـ«الشرق الأوسط»، إن نحو 34 مليون شخص في السودان باتوا في حاجة ماسة إلى المساعدة، أي ما يقارب ثلثي السكان، في حين يعاني نحو 19 مليوناً من انعدام الأمن الغذائي الحاد، وتجاوز عدد النازحين 13 مليون شخص، واصفاً الوضع بأنه «أكبر أزمة إنسانية في العالم، وأكبر أزمة جوع ونزوح».

وكيل الأمين العام للأمم المتحدة المدير المساعد لـ«برنامج الأمم المتحدة الإنمائي» هاوليانغ شو (الشرق الأوسط)

وأضاف المسؤول الأممي أن الحرب أعادت الاقتصاد السوداني إلى الوراء أكثر من 30 عاماً، مع تجاوز معدلات الفقر المدقع مستوياتها المسجلة في ثمانينات القرن الماضي، مؤكداً أن هذه الأزمة لا يمكن معالجتها بالمساعدات الإنسانية وحدها، بل تتطلب استثمارات مستدامة في القطاعات الحيوية، مثل الرعاية الصحية والزراعة والطاقة والحوكمة.

وفي هذا الإطار، أوضح أن برنامج الأمم المتحدة الإنمائي يعمل على دعم المزارعين من خلال توفير البذور والأدوات والتدريب، وإعادة تأهيل أنظمة الري وتزويدها بالطاقة الشمسية، إلى جانب دعم المشاريع الصغيرة عبر التدريب والأدوات الرقمية وتسهيل الوصول إلى الأسواق، مع التركيز على تمكين النساء والشباب.

وأشار إلى أن هذه الجهود أسهمت خلال عام 2025 في الوصول إلى نحو 1.75 مليون مستفيد من المزارعين والعاملين وأصحاب المشاريع الصغيرة، من بينهم 25 ألف امرأة تمكنّ من الانتقال إلى مصادر دخل مستدامة، بما يعزز قدرة الأسر على الاعتماد على نفسها وتقليل الاعتماد على المساعدات.

وفي ما يتعلق بالتحديات، لفت شو إلى أن القيود الأمنية تعيق الوصول إلى مناطق النزاع، في ظل مقتل 130 عاملاً إنسانياً منذ اندلاع الحرب، معظمهم من السودانيين، فضلاً عن أن النزوح الواسع يفرض إعادة تقييم مستمرة للبرامج الإنسانية والتنموية. كما أشار إلى صعوبة حشد التمويل اللازم، رغم إطلاق الأمم المتحدة نداءً إنسانياً لعام 2026 بقيمة 2.9 مليار دولار لمساعدة 20 مليون شخص، لم يُموَّل منه سوى 16 في المائة، ما أدى إلى تفاقم معاناة السكان في مجالات الغذاء والرعاية الصحية والتعليم.

هاوليانغ شو في أثناء مشاركته في افتتاح مقر الأمم المتحدة في العاصمة الخرطوم (الشرق الأوسط)

ورغم ذلك، أكد أن برنامج الأمم المتحدة الإنمائي حافظ على وجوده داخل السودان من خلال 10 مكاتب وأكثر من 100 موظف، مستفيداً من شراكات محلية ممتدة لعقود، ما مكّنه من الوصول إلى نحو 5 ملايين شخص، بينهم 1.2 مليون تلقوا خدمات صحية منقذة للحياة، و3.6 مليون استفادوا من الطاقة الشمسية، ونحو 820 ألفاً حصلوا على مصادر مياه آمنة.

وفي ظل غياب مسار سياسي واضح، تواصل الأمم المتحدة دعم المبادرات المحلية للوساطة في النزاعات، بهدف خفض التوترات والحفاظ على قنوات الحوار داخل المجتمعات المتضررة، إلى جانب تقييم احتياجات العدالة والمساءلة، في محاولة لتهيئة الظروف أمام أي تسوية مستقبلية تنهي النزاع.


«الوحدة» تترقب ردَّ إيطاليا بشأن نقل سجناء ليبيين

جانب من مصادقة الجانب الليبي على اتفاقية تبادل السجناء مع إيطاليا (وزارة العدل بحكومة الوحدة)
جانب من مصادقة الجانب الليبي على اتفاقية تبادل السجناء مع إيطاليا (وزارة العدل بحكومة الوحدة)
TT

«الوحدة» تترقب ردَّ إيطاليا بشأن نقل سجناء ليبيين

جانب من مصادقة الجانب الليبي على اتفاقية تبادل السجناء مع إيطاليا (وزارة العدل بحكومة الوحدة)
جانب من مصادقة الجانب الليبي على اتفاقية تبادل السجناء مع إيطاليا (وزارة العدل بحكومة الوحدة)

تترقب السلطات في العاصمة الليبية طرابلس تفعيل إيطاليا اتفاقية تبادل السجناء بين البلدين، على الرغم من دخولها حيز التنفيذ بعد اعتمادها من البرلمان الإيطالي في 30 ديسمبر (كانون الأول) 2024.

وكانت محكمة إيطالية قد قضت في 6 ديسمبر 2015 بالسجن 30 عاماً على 5 لاعبين ليبيين، هم علاء فرج الزغيد من نادي أهلي بنغازي، وعبد الرحمن عبد المنصف، وطارق جمعة العمامي من نادي التحدي الليبي، واللاعب محمد الصيد من طرابلس، ومهند نوري خشيبة من طرابلس أيضاً، بتهم «الاتجار في البشر والهجرة غير المشروعة».

السجين الليبي الموقوف في إيطاليا مهند خشيبة (صورة متداولة على حسابات نشطاء)

وسعى رئيس مجلس النواب، المستشار عقيلة صالح، خلال زيارته إلى روما نهاية نوفمبر (تشرين الثاني) 2024، إلى فتح ملف السجناء الخمسة خلال مناقشاته مع وزير العدل الإيطالي، كارلو نوردو، لكن قضيتهم لم يطرأ عليها جديد.

وسعياً منها لاطلاع الرأي العام الليبي على تطورات هذا الملف، قالت وزارة العدل بحكومة «الوحدة» المؤقتة، مساء الخميس، إنها سبق أن أرسلت وفداً إلى إيطاليا للبدء في إجراءات نقل السجناء بالتنسيق مع سفارة وقنصلية ليبيا في روما، بعد استيفاء المسوغات المطلوبة كافة وفقاً لبنود الاتفاقية. وقالت إن «الأمر حالياً متوقف على الجانب الإيطالي، حيث لا تزال طلبات الموافقة على نقل السجناء الليبيين منظورة أمام القضاء الإيطالي للموافقة على طلبات النقل إلى ليبيا».

كما أوضحت الوزارة أنها «تعمل على متابعة دقيقة ومتواصلة لأوضاع السجناء الليبيين في إيطاليا»، لافتة إلى توقيع اتفاقية تبادل السجناء بين البلدين في 29 سبتمبر (أيلول) 2023، دخلت حيز النفاذ بعد أن اعتمدها البرلمان الإيطالي في 30 ديسمبر 2024.

ولا تزال قضية اللاعبين الخمسة تراوح مكانها منذ الحكم عليهم، وسط تباين أسباب توقيفهم؛ فالسلطات الإيطالية وجهت إليهم اتهاماً بـ«الاتجار في البشر»، لكن أسرهم تؤكد أنهم «كانوا يستهدفون الهجرة للاحتراف بأحد الأندية الأوروبية».

وعادت قضية اللاعبين الخمسة إلى دائرة الاهتمام بعد رواج مقطع فيديو يُظهر إقدام خشيبة على تكميم فمه بالخيوط، والدخول في إضراب عن الطعام تنديداً بسجنه وشعوره باليأس، وسط مطالبات بتحرك السلطات الليبية. وعقب ذلك، جاء تأكيد وزارة العدل بأنها «تعمل على متابعة أوضاع السجناء الليبيين في الخارج، وضمان عودتهم إلى بلدهم وقضاء محكومياتهم في مؤسسات الإصلاح والتأهيل داخل ليبيا، وفقاً لما تقضي به اتفاقيات التعاون القضائي الثنائية».

وانتهت الوزارة مؤكدة أنها «لن تدخر جهداً في سبيل متابعة أوضاع المواطنين الليبيين في الخارج، وتوفير الحماية القانونية الكافية بما يضمن احترام حقوقهم».

النائب العام الليبي والمدعي العام لدى المحكمة العليا الإيطالية (أرشيفية من مكتب الصور)

وكانت أسر اللاعبين الخمسة قد أوضحت أنهم «فشلوا في الحصول على تأشيرة سفر، فاضطروا إلى الهجرة غير المشروعة»، عن طريق ركوب أحد القوارب مع بعض المهاجرين في مدينة زوارة (120 كيلومتراً غرب العاصمة) إلى إيطاليا، مشيرين إلى أنهم سقطوا في يد السلطات الأمنية بمجرد دخولهم البلاد، وبعد أن خضعوا للمحاكمة حُكِم عليهم بالسجن 30 عاماً، بتهمة «الهجرة غير النظامية والمتاجرة في بيع البشر».

وسبق أن أطلقت وزارة الخارجية بالحكومة المكلفة من مجلس النواب حملة دولية تضامناً مع الليبيين المسجونين في إيطاليا.