مكسيم غوركي ينشر قصائد الريحاني بترجمة كراتشكوفسكي!

غوركي
غوركي
TT

مكسيم غوركي ينشر قصائد الريحاني بترجمة كراتشكوفسكي!

غوركي
غوركي

كان لقائي الأول بأمين الريحاني في إحدى الجرائد الصغرى ببيروت سنة 1910م وكان قد رجع من أميركا، وقد أحسست بتعمقه في التأمل، وأن لديه مقدرة كبيرة ترتفع فوق مقدرة صحافيين وخطباء مشهورين في سوريا... تبين هذا الإحساس عندما ظهرت - وقتذاك - مجموعة مقالاته وأشعاره المنشورة في جزأين، كما أنه ارتاد مبكراً كتابة قصيدة النثر في ديوانه «هتاف الأودية» سنة 1910م متأثراً بالشاعر الأميركي والت ويتمان في ديوانه «أوراق العشب»... فأراد كراتشكوفسكي تعريف القراء الروس بالريحاني في كتاب يحتوي ترجمته، لكن ذلك ظهر في فترة صعبة قبل أسبوعين من ثورة أكتوبر (تشرين الأول) 1917م، فكان كالنغمة النشاز - كما يُعَبِّر- تدُقّ في غير أوانها، فلم ينل سوى الزجر والتأنيب على صفحات الجرائد... بل إنه تعرض في أعقاب الثورة سنة 1922م للاعتقال بتهمة وجود صلة بين زوجته وأسرة فنلندية، غير أن كراتشكوفسكي استثمر تدخل أكاديمية العلوم الروسية، التي لم تفلح في إطلاق سراحه، فراح يقرأ في كتب مختصة باللغة العربية والتاريخ الإسلامي! حتى أُخليت سبيله بعدما ثبتت براءته وزوجته من التهمة الكيدية... وحين رجوعه إلى عمله في معهد الاستشراق، تواصل هو والريحاني عبر مراسلات بينهما، فأرسل إليه كتابه بعدما رجع في تأليفه إلى أشعار الريحاني التي ترجمها ونشرها في مجلة «الشرق» التي أسسها مكسيم غوركي 1868 – 1936م.

كراتشكوفسكي

كانت نظرة مؤلف رواية «الأم» التي بشّرت بالرواية الواقعية إثر ثورة أكتوبر الاشتراكية، أكثر إنصافاً لكراتشكوفسكي والريحاني، من نظرة أولئك النقاد الذين دشنوا بين سنة 1917 و1918م بداية انطلاق مرحلة النقد «الآيديولوجي».

هذا ملخص ما ذكره إغناطيوس كراتشكوفسكي 1883 – 1951م في كتابه الممتع «مع المخطوطات العربية» سارداً بأسلوبه الأدبي الجذّاب، مغامراته المثيرة مع عالم المخطوطات المتجهم الجاف.

وقتذاك وصل إلى روسيا ميخائيل نعيمة، بعدما أنهى السيمنار الروسي بتفوق في دار المعلمين بالناصرة... وهي وغيرها من مدارس تابعة للطائفة الأرثوذكسية، كانت تدار من حكومة القياصرة مباشرة... وقد حصل نعيمة وفق ذلك على بعثة دراسية لاستكمال دراسته في بلادهم، فتفاعل مع حياة زملائه الروس وشاهد إرهاصات ثورتهم البلشفية، قارئاً - بتأثر - روائع الروايات الروسية المكتوبة بلغتها... كما فصّل ذلك في كتاب رحلته الثانية إلى موسكو منتصف الخمسينات «أبعد من موسكو ومن واشنطن».

وفي سياق التبشير بالحضور الروسي في الشرق العربي، سجّل قبل ذلك رحَّالة وكُتَّاب وشعراء روس انطباعاتهم عن الأرض المقدسة... ومن بينهم شاعر روسيا البارز ميخائيل ليرمنتوف 1814 – 1841م الذي كتب قصيدة بارعة بعنوان «غصن فلسطين» يقول فيها:

حدثني يا غصن عن فلسطين

أين كنت تنمو وأين كنت تزهر

أي وديان وهضاب كنت تزين...

هل كان أبناء القدس الفقراء

يصلون بصوت خافت

عندما يجدلون وريقاتك

أمين الريحاني

وكان كراتشكوفسكي ممن وفد إلى فلسطين ولبنان وسوريا سنة 1908م... ربما لغرض تبشيري... ومع ذلك فقد كان الكتاب العربي - المخطوط منه خاصة - همه الأكبر بحثاً وتنقيباً وتحقيقاً، متواصلاً مع المهتمين به والمقتنين لذخائره... الأب لويس شيخو في لبنان وأحمد تيمور في مصر، وغاشياً المكتبات العامة التي تضم مخطوطات عربية في القدس ودمشق وبيروت والقاهرة والإسكندرية... كاشفاً النقاب عن المجهول من نفائسها.

يذكر أنس خالدوف 1929 – 2001م المحقق الأكاديمي التتري مؤلف كتاب «معجم المخطوطات العربية في روسيا»، وهو يعتني بتحقيق ونشر كتاب «المنازل والديار» لأسامة بن منقذ لأول مرة برعاية المتحف الآسيوي ببطرسبرغ سنة 1961م، أن الفضل في ذلك يعود إلى من أصبح واحداً من أنشط عمداء المتحف... يعني كراتشكوفسكي الذي نَبَّه المحققين من المستشرقين والعرب إلى وجود أصل مخطوطة الكتاب بخزانة المتحف، في مقال له نشره في مجلة المجمع العلمي بدمشق سنة 1925م... كما أن كتاب «البديع» لابن المعتز، ما كان له أن ينتشر بين أوساط المهتمين بدروس البلاغة العربية، لولا كشف كراتشكوفسكي أصل مخطوطته ونشرها... وكذلك فعل مع الشاعر المتفلسف الذي فُتِنَ به أبو العلاء المعري في كتابه «رسالة الملائكة»... وغيرهما من كتب محققة ودراسات أدبية عن الشعر العربي القديم والأدب العربي الحديث في عدة كتب بحثية، يأتي على رأسها كتابه الضخم «تاريخ الأدب الجغرافي العربي» (بجزأيه) المُعتَمَد مرجعاً للباحثين في البلدانيات والمواقع، التي ذكرها الجغرافيون ووقف عندها الرحَّالة في مختلف الحقب.

وفي سياق الحج الروسي إلى فلسطين يذكر بيوتر غريز نيفيتش الباحث الروسي في بحثه «القرآن في روسيا» المنشور في الكتاب الصادر سنة 1986م من أكاديمية العلوم السوفياتية بعنوان «أبحاث جديدة للمستعربين السوفيات»، أن الرحَّالة والدبلوماسيين والمستشرقين الروس كانوا يعودون إلى بلدهم، وهم مأخوذون بحياة الشعوب الإسلامية وفكرها الديني في العالم العربي، واصفين في كتاباتهم عمارة المساجد والطقوس والأعياد الدينية في مجتمعاتها، بما في ذلك وصف مكة المكرمة والمدينة المنورة... ولهذا تمت بين القرنين الخامس عشر والسابع عشر أولى ترجمات القرآن الكريم إلى البيلاروسية، وتحمس باني روسيا وإمبراطورها المُجدِّد بطرس الأول 1672 – 1725م في سياق علاقة بلده التجارية بالشرق العربي، نحو طباعة القرآن الكريم بلغته العربية، بعدما أمر سنة 1712م بإنشاء مطبعة بحروف عربية خاصة بذلك، وترجمته - رغم موقفه المتحامل على الإسلام - إلى الروسية؛ إذ كانت ترجمة القرآن إلى الفرنسية هي الشائعة في أوساط النخبة من دبلوماسيين وكتاب وشعراء، وفي الطليعة ممن قرأ بها القرآن الكريم شاعر الأمة الروسية الأكبر ألكسندر بوشكين 1799 - 1837م المُتَحَدِّر «حبشياً» من والدته حفيدة أبرام بتروفيتش جانيبال، الذي ضمه بطرس الأكبر إلى جملة موظفيه وخدمه في قصره.

لقد فُتِن بوشكين عبر الترجمات، بقصص الحب والأساطير العربية والليالي المصرية، وبُهِر كثيراً بنظم القرآن وبلاغته وإيقاعه، فراح يستلهمه في قصائده... بل إنه قام بإعادة صياغة سورة «الحجرات» في واحدة من قصائده التي تعارف عليها دارسو شعره بقصائد «محاكاة القرآن»، وقد عدّه ملهمه الأول الذي أذهل مخيلته... يقول في بعض شعره القرآني:

في المغارة السرية

في يوم الهروب

قرأت آيات القرآن الشاعرية

فجأة هدأت روعي الملائكة

وحملت لي التعاويذ والأدعية

كذلك يبدو التأثر القرآني واضحاً هنا:

أقسم بالشفع وبالوتر

أقسم بالسيف ومعركة الحق

أقسم بنجمة الصبح

أقسم بصلاة العصر...

ألست أنا الذي سقيتك

من ماء الصحراء يوم العطش

ترك القرآن الكريم أبلغ الأثر لا في شعر بوشكين وحده وإنما في الأدب الروسي... وعمل كراتشكوفسكي على ترجمة معاني القرآن الكريم من العربية إلى الروسية

لقد ترك القرآن أبلغ الأثر لا في شعر بوشكين وحده وإنما في الأدب الروسي، وكان من بينهم كراتشكوفسكي الذي عمل هو الآخر على ترجمة معاني القرآن من العربية إلى الروسية، وقد أتقن اللغة العربية والكتابة بخطها النسخي، مؤكداً أصالة بلاغتها من أي تأثر يوناني - كما ذهب إلى ذلك قدامة بن جعفر 873 - 948م في كتابه «نقد الشعر» - محاولاً تصحيح الأخطاء التي وقعت فيها ترجمات القرآن السابقة.

أما أمين الريحاني 1876 – 1940م الذي اهتم كراتشكوفسكي بأدبه وشعره، قبل ثورة أكتوبر الاشتراكية وبعدها، فقد هزه هذا الحدث العالمي المزلزل، فطفق يعالج أسبابها ونتائجها في كتابه «تحدر البلشفية» محاولاً تلمس جذور هذه الثورة الشيوعية في بعض الفرق الإسلامية (القرامطة والحشاشون وغيرهما من عقائد برزت قبل مجيء الإسلام)، متبنياً الموقف الغربي وإعلامه المناوئ لثورة أكتوبر، مؤلفاً كتابه هذا باللغة الإنجليزية، وهو في أميركا سنة 1920م حين بدأ اسمه يلمع في الصحافة الأميركية، وقبل ذلك برز سنة 1911م بروايته «كتاب خالد» التي كتبها كذلك باللغة الإنجليزية، معالجاً فيها هجرة اللبنانيين إلى المهجر الأميركي - من بعلبك إلى نيويورك - داعياً فيها إلى استلهام الديمقراطية الأميركية، بمواءمتها مع الثقافة العربية في مشروع العرب الإصلاحي النهضوي المنتظر... لذلك حذر الريحاني المجتمع الأميركي في كتابه «تحدر البلشفية» من عقابيل الثورة الشيوعية في روسيا، وقد توقع سقوطها وحكمها البلشفي سنة 1950م في مقال ضَمَّنه في الجزء الأول من كتابه «الريحانيات»؛ لأنها شرعت «حكم العمال على عرش الحكم الاستبدادي»، حسب تعبيره، عادّاً أن الحكم الاشتراكي سوف يتبعه نوع من الحكم يأخذ بالأصلح من الأشكال السابقة... مستوحياً في حكمه وتوقعه هذا، ما جرى من نكسات في أعقاب «الثورة الفرنسية» التي ألف كتابه نبذةً عنها.

حذر الريحاني المجتمع الأميركي من عقابيل الثورة الشيوعية في روسيا... وقد توقع سقوطها وحكمها البلشفي سنة 1950م

هل لهذا عدّه الشاعر العراقي الثائر محمد مهدي الجواهري جاسوساً للأميركان؟! والريحاني يحل في «قلب العراق» سنة 1922م ضيفاً على الملك فيصل الأول إثر تتويجه عرش العراق برعاية البريطانية المس غيروتد بيل وقتذاك... مع هيمنة الاستعمار البريطاني والفرنسي على الشرق العربي ومغربه، بدأت الأفكار الماركسية تتسلل إلى أوساط المثقفين والحركيين في تلك الدول العربية المستعمرة، وقد قام أول حزب شيوعي عربي في مصر سنة 1922م، غير أن كتاب الريحاني عن «تحدر البلشفية» رغم ذلك لم يترجمه إلى اللغة العربية - وقتها - بل انبرى لترجمته - أخيراً - ليس ابن أخيه أمين الريحاني العاكف على تحقيق ونشر تراث عمه... بل انبرى لذلك سنة 1988م مترجمان لبنانيان آخران، بحماس دار نشر عُرِفَت بميولها الآيديولوجية، لكن ذلك تم بعد رحيل الريحاني بقرابة نصف قرن. وكانت بيريسترويكا غورباتشوف - بعد انتهاء فترة حكم بريجنيف المتجمدة - تلوح في الأفق، متأخرة عن توقع أمين الريحاني بقرابة أربعة عقود.

هذا، ولم تنسَ روسيا الريحاني، رغم مرور السنين وتعاقب الأحداث، عندما أقامت مكتبة بوريس باسترناك سنة 2010م أمسية موسيقية وأدبية من أماسي موسكو النوستالجية، احتفالاً بأمين الريحاني شاعراً وناثراً، قرئت فيها نصوص «ريحانية» اختارتها المستشرقة ماريا نيكولاييفا باللغتين الروسية والعربية، مشيرةً إلى أن ما قرأته مأخوذ من ترجمة المستعرب الروسي كراتشكوفسكي، الذي افتتح دراسته أدب الريحاني سنة 1917م بترجمة قصائده النثرية إلى الروسية، فوق صفحات مجلة مكسيم غوركي الأدبية.


مقالات ذات صلة

الرواية الاستباقيّة... التحذير من الكارثة

ثقافة وفنون Stephen Markley

الرواية الاستباقيّة... التحذير من الكارثة

الرواية الاستباقيّة (Preemptive Novel) مفهومٌ يقترنُ عضوياً بالمستقبل؛ لذا من المناسب البدءُ بالمستقبل. لم يكن المستقبل في تاريخ الرواية الحديثة محضَ زمنٍ لم…

لطفية الدليمي
ثقافة وفنون «رسالة اللاغفران»... العناوين تهرع لإنقاذنا

«رسالة اللاغفران»... العناوين تهرع لإنقاذنا

يُقال في علم عناوين الكتب (Titology): «كلما تساءلنا كيف نتحدث عن الكتب هرعت العناوين لإنقاذنا»، ولكنني الآن لا أهرع إلى عنوان هذا الكتاب «رسالة اللا غفران

محمد أمير ناشر النعم
يوميات الشرق مدير عام الإدارة لقطاع الأدب في هيئة الأدب والنشر والترجمة خالد الصامطي

كُتاب عرب وعالميون يشاركون في لقاءات مباشرة مع المؤلفين الشباب

أكد مسؤول في هيئة الأدب والنشر والترجمة بالسعودية أن الهيئة تسعى لتخريج 20 كاتباً وتعريفهم للجمهور، كاشفاً أن الهيئة تعمل على ضخّ المزيد من الطاقات الشبابية

سعيد الأبيض (جدة)
ثقافة وفنون كتّابنا قرأوا ماركيز... لكن هل تأثروا به حقاً؟

كتّابنا قرأوا ماركيز... لكن هل تأثروا به حقاً؟

حين سُئل ماركيز عن سبب عدم انتشار رواية «مائة عام من العزلة» شعبياً في فرنسا، أجاب: «ربما بسبب الديكارتية. أنا أقرب إلى حماقات رابليه مني إلى صرامة ديكارت.

نوزاد حسن
ثقافة وفنون بلند الحيدري

هل الذاكرة عقلانية؟

حين فاتحني الصديق الدكتور عارف الساعدي برغبته في أن أشارك في ذكرى مرور مائة عام على ميلاد الشعراء الثلاثة (السياب والبياتي وبلند الحيدري)

عبد الله الغذامي

الرواية الاستباقيّة... التحذير من الكارثة

Stephen Markley
Stephen Markley
TT

الرواية الاستباقيّة... التحذير من الكارثة

Stephen Markley
Stephen Markley

الرواية الاستباقيّة (Preemptive Novel) مفهومٌ يقترنُ عضوياً بالمستقبل؛ لذا من المناسب البدءُ بالمستقبل.

لم يكن المستقبل في تاريخ الرواية الحديثة محضَ زمنٍ لم يأتِ بعدُ، بل كان دائماً مساحةً اختباريّةً للأفكار، ومُختبراً أخلاقيّاً تُقاسُ فيه عواقبُ الحاضر ومفاعيلُهُ المُتوقّعة. (الرواية الاستباقية) تحتلُّ موقعاً خاصّاً داخل نطاق الرواية المستقبليّة. هذه الرواية لها خصوصيّةٌ مميّزة: هي لا تكتبُ المستقبل بدافع الفضول أو التخييل الحرّ بل بدافع القلق الواعي.

إنها روايةٌ تنطلق من الخوف؛ لكن ليس ذلك النمط من الخوف الذي يشلُّ قدرات الإنسان وعقله عن الفعل؛ بل هو الخوفُ الذي يستحثُّ دافعيّة التفكير ومساءلة المسارات المتوقّعة قبل أن تتحوّل إلى أقدار كارثيّة مشهودة على الأرض.

الرواية الاستباقية لا تعلنُ الهزيمة من الواقع بل تلاحقُهُ إلى نهاياته الممكنة، وتضع القارئ أمام سؤال يعبثُ براحته الممتدّة وكسله المعيب: هل ما نعيشُهُ اليوم يقودنا، بالضرورة أو بالاعتياد، إلى هذا المصير الذي تتوقّعه الإحصائيات ودراساتُ معاهد الفكر ومراكزُ التفكير الاستراتيجيّ؟

ما قدّمتُهُ أعلاه هو وصفٌ للرواية الاستباقيّة، وهو لا يُغني عن تقديم تعريف تقني لها. تُعرَّفُ الرواية الاستباقية بأنّها شكلٌ سرديٌّ يتناول المستقبل القريب أو المتوسّط، لا بوصفه تنبؤاً غيبيّاً، ولا نبوءة أدبية، بل بوصفه نتيجة منطقية لمسارات قائمة في الحاضر. ليس من شأن هذه الرواية أو اهتماماتها الإبداعيّة أن تخترع عالماً كاملاً من مادّة الخيال الخالص، بل تعملُ على تصوّر شكل المستقبل عبر تضخيم عناصر واقعيّة قائمة، منها على سبيل المثال: السلطة، البيروقراطية، التقنيّة، السوق، الإعلام، الخوف، أو حتى اللغة نفسها. بهذا الفهم لن تكون الرواية الاستباقيّةُ خيالاً علميّاً بالضرورة وإن وظّفت بعض أدواته. لو شئنا الاختصار سنقول إنّها أدبٌ تحليليٌّ نقديٌّ ذو طبيعة استشرافيّة، تتناول الديستوبيا الكارثيّة في معظم الحالات، وتتّخذُ من السرد وسيلةً بديلةً عن الأطروحات الأكاديميّة، ومن المستقبل فضاءً روائيّاً لزمن مشخّص دون الماضي والحاضر.

ثمّة تمييزان ضروريّان في هذا الميدان. تختلفُ الرواية الاستباقية عن كثير من أدب المستقبل (Literature of Future) في كيفية توظيف الخيال. الخيالُ في الرواية الاستباقيّة ليس غاية بل وسيلةٌ فحسب مثلما هو في رواية المستقبل. يبدو أنّ هذا هو السبب الذي يجعلُ الروايات الاستباقيّة قاتمة أو مزعجة لأنّها لا تقدّمُ عزاءً، ولا بطلاً منقذاً، ولا نهاية مطمْئِنة. هي تضعُ القارئ أمام بُنْية كاملةٍ من الفشل الجماعي، حيث لا تكون الكارثة نتيجة شرّ فردي الطابع بل حصيلةُ نظامٍ، واعتياد، وقبولٍ طوعيّ طويل الأمد.

لا بدّ أيضاً من التمييز الواضح بين الرواية الاستباقيّة ورواية التاريخ البديل (Alternate History Novel). رواية التاريخ البديل تعيدُ فتح ملفّات الماضي، وتتناولهُ بوسائلها السرديّة؛ منطلقةً من سؤال افتراضي:

ماذا لو لم يحدث ما حدث؟ وهي بذلك تعيد تخيّل التاريخ عبر نقطة انعطاف محددة، غالباً بهدف الملاعبة السرديّة المحضة أو مساءلة فكرة الحتّمية التاريخية (سعياً لتفنيد هذه الفكرة ودحضها). الرواية الاستباقية، وعلى العكس من رواية التاريخ البديل، تنطلق في خطّ الشروع من الحاضر، وسؤالُها المركزيُّ ليس: ماذا لو تغيّر الماضي عند واقعة مفصليّة فيه؟ بل: ماذا لو لم يتغيّر الحاضر ومضى في مساراته الحاليّة؟ الرواية الاستباقيّةُ هي روايةُ الاستمرارية الخطِرة، حيث لا تنشأ الكارثةُ من حدث استثنائي بل من الاعتياد، والتطبيع مع الفكر الكارثي، والتأجيل المتكرّر لمحفّزات المخاطر الوجوديّة المستقبليّة؛ لذا فهي أكثر التصاقاً بالواقع، وأكثر قدرة على إزعاج القارئ لأنّها لا تقصد طمأنته أبداً. يمكنُ إضافةُ ملاحظة أخيرة: الرواية الاستباقيّة، حسب الأنماط الشائعة منها، هي رواية ديستوبية وكارثيّة. دعونا نسمِّها رواية التحذير من الديستوبيا الكارثيّة.

*****

من المناسب هنا تقديمُ نماذج كلاسيكية من الرواية الاستباقيّة. المثيرُ والغريبُ معاً أنّ كثرةً من الروايات التي شاعت في الأدب العالمي هي روايات استباقيّة معياريّة. رواية «1984» إحدى هذه الروايات. لم يكتب أورويل عن مستقبل بعيد بل حلّل آليّات الشمولية الحديثة: السيطرة على اللغة، وإعادة كتابة الحقيقة، وتحويل المراقبة إلى أسلوب حياة. الأخ الأكبر في الرواية ليس فرداً بل بنية سلطةٍ شاملةٍ تبدأ من الوعي قبل أن تصل إلى الجسد. «عالم جديد شجاع» نموذجٌ ثانٍ. في مقابل القمع الشموليّ الذي يكتب عنه أورويل، يقدّمُ ألدوس هكسلي عالماً قائماً على اللذّة المُنَظّمة. السيطرةُ هنا لا تُمارَس بوسائل عنفيّة بل بالإشباع والاستهلاك في نطاق مجتمع يتخلّى عن الحرية لأنّهُ لم يَعُدْ قادراً على تحمّل قلق خياراتها الكثيرة. «حكاية الخادمة» نموذجٌ ثالث. رواية استباقية سياسية - نسوية، أعادت فيها مارغريت آتوود تركيب أشكال قمع تاريخية حقيقية في مستقبل قريب، مؤكّدَةً أنّ الاستبداد لا يولَدُ من فراغ بل يُعادُ إنتاجُهُ حين تتغيّرُ اللغة وتُبرَّرُ السيطرة باسم الأخلاق أو المسعى الخلاصي. «فهرنهايت 451» نموذجٌ رابع. هذه ليست رواية عن حرق الكتب فحسب بل عن مجتمعٍ يتخلّى عن التفكير طواعيّةً، حيث تصبح الرثاثةُ فضيلة، ويغدو التفكّرُ العميق تهديداً للاستقرار. «نحن»، روايةُ يفغيني زامياتين نموذجٌ خامس. تعدُّ هذه الروايةُ إحدى الروايات التأسيسيّة للرواية الاستباقية، حيث تتحولُ فيها العقلانية المطلقة إلى أداة لسحق الفرد باسم النظام والشفافية.

لو شئتُ اختيار رواية استباقيّة نموذجية في القرن الحادي والعشرين فسأختارُ رواية «الطوفان»، Deluge، المنشورة عام 2023، ومؤلّفها هو الروائيّ - الصحافي الأميركي ستيفن ماركلي Stephen Markley. تمثل رواية «الطوفان» ذروة معاصرة للرواية الاستباقية؛ إذ تجري وقائعها في مستقبل قريب للغاية يكاد يكون امتداداً مباشراً للَّحظة الراهنة. تتابعُ الرواية مصائر شخصيات متعددة على شاكلة نشطاء بيئيين، وعلماء، وسياسيين، ورجال أعمال، ومواطنين عاديين، في عالم ينهار تدريجيّاً تحت وطأة التغيّر المناخي؛ غير أنّ الكارثة هنا لا تأتي على شكل نهاية مفاجئة بل كعملية بطيئة مؤلمة. تكشف الرواية عن كيف تتحول الأزمات البيئية إلى أزمات سياسية وأمنية، وكيف تُستخدَمُ حالةُ الطوارئ لتبرير أنماط جديدة من السيطرة. إنّها رواية لا تحذّرُ من الديكتاتور الفرد بل من نظام كاملٍ يتغذّى على الخطر ويطيلُ تأثيره لدى الناس.

*****

لا تعمل الرواية الاستباقية على مستوى التخييل السياسي فحسب؛ بل تؤدّي وظيفة أعمق تختصُّ بإعادة تشكيل الوعي الجمعي. هي لا تخاطبُ القارئ بوصفه فرداً معزولاً بل بوصفه جزءاً من هيكل مؤسّساتي: دولة، سوق، ثقافة، أو شبكة تقنية. هي تقول للقارئ من غير تصريح مكشوف: أنت لست بريئاً بالكامل من الكارثة المقبلة. أنت تسرّعُ في قدومها بفعل القبول بالوضع السيّئ الراهن، والتكيّف معه، واللامبالاة المُفْجعة، وإيثار السلامة الشخصية على الصالح العام.

يمكنُ اعتبارُ الرواية الاستباقية نوعاً من أدب مقاومة (Resistance Literature). تنبعُ خاصيّة المقاومة في هذه الرواية من أنّها غيرُ محايدة وإنّما منحازةٌ أخلاقيّاً إلى الإنسان بوصفه قيمة مُهَدّدَة. تتعزّزُ جرعة المقاومة فيها من حقيقة أنّها لا تقدّمُ حلولاً جاهزة بقدر ما تنشغلُ بتعرية المسارات الكارثية الراهنة المنذرة بكوارث مستقبليّة أعظم.

فتحت النماذج الروائيّة الاستباقيّة الكلاسيكيّة أمامنا نوافذ عظيمة لمكاشفة أنفسنا بشأن المستقبل، وأظنّنا في أشدّ الحاجة اليوم إلى هذه الرواية؛ فالمستقبل لم يَعُدْ بعيداً كما يُزيّنُ لنا تقاعسُنا عن الفعل، ولأنّ الكارثة لم تَعُدْ استثناءً. إنها لا تنفكُّ تذكّرُنا بأنّ التاريخ لا يقفز فجأة إلى المشهد بل ينزلق بصمت.

حين يتقدّم السردُ على التاريخ في الرواية الاستباقيّة فهو لا يفعل ذلك بدافع الرغبة في التفوّق بل بدافع الإنذار الخطير: قد يكونُ هناك وقتٌ؛ لكنْ لا تتوهّموا أبداً. ليس وقتاً طويلاً. الاسترخاءُ والكسل والاعتياد ليست خيارات مناسبة، ونحنُ إزاء مستقبلٍ يحملُ نُذُرَ الكارثة العالميّة التي قد تكون أعظم بكثير من قدرتِنا على التحمّل فضلاً على المواجهة. يمكنُ اعتبارُ الرواية الاستباقية نوعاً من أدب المقاومة... إنّها غيرُ محايدة وإنّما منحازةٌ أخلاقيّاً

إلى الإنسان بوصفه قيمة مُهَدّدَة


«رسالة اللاغفران»... العناوين تهرع لإنقاذنا

«رسالة اللاغفران»... العناوين تهرع لإنقاذنا
TT

«رسالة اللاغفران»... العناوين تهرع لإنقاذنا

«رسالة اللاغفران»... العناوين تهرع لإنقاذنا

يُقال في علم عناوين الكتب (Titology): «كلما تساءلنا كيف نتحدث عن الكتب هرعت العناوين لإنقاذنا»، ولكنني الآن لا أهرع إلى عنوان هذا الكتاب «رسالة اللا غفران نقدٌ ثقافي على تخوم مضطربة» لحسام الدين محمد، بوصفه منقذاً، ولكن لأنّه عنوان يفرض نفسه بنفسه ويغرينا بالحديث عنه.

يصعب علينا أن نتناول هذا العنوان بالتحليل والتأويل من غير أن نستدعي عنوان كتاب «رسالة الغفران» لأبي العلاء المعري (ت: 449 هـ)، لأننا أمام إحالة تراثية بيّنة يستند العنوان إليها بجلاء ويستثمر فيها بذكاء. وكتاب «رسالة الغفران» عملٌ نثريٌّ فريد في التراث العربي، يجمع بين السرد التخيّيلي، والنقد الأدبي واللغوي، والتأمّل الفلسفي، وقد كُتب جواباً على رسالة ابن القارح، لكنه تجاوز إطار المناسبة ليطوّف في رحلة أخروية متخيَّلة إلى عوالم الجنة والنار كاشفاً عن وعيٍ مبكِّر بدور الخيال بوصفه أداة نقد معرفي لا مجرد وسيلة ترفيه.

يستدعي المعري في هذه الرحلة عدداً لا بأس به من الشعراء كشعراء المعلقات ولبيد والأعشى، واللغويين كالفراهيدي والأصمعي، والنحاة كسيبويه والكسائي، والمتكلّمين كأبي الهذيل العلاف وأبي الحسين البصري، وسواهم من شخصيات مختلفة من آل البيت أو الصحابة أو الخلفاء أو رجال السلطة، ومن خلال ما يورده من أخبار ومناقشات يمتحن عدالة الأحكام البشرية، ويتأمل في القيم الأخلاقية، وسلطة اللغة في إنتاج المعنى متوسّلاً المفارقات اللغوية، والتلاعب الأسلوبي، والتهكّم العميق شبه المكتوم، ليقول ما لا يُقال وهو يفضح هشاشة الفهم البشري من غير أن ينتهي إلى إنكار الإيمان الديني.

في «رسالة اللا غفران» نحن أمام رحلة أيضاً، لكنّها غير متخيلة ولا ساخرة ولا متهكمة. رحلة في عوالم شخصيات متنوعة تراثية ومعاصرة: شعراء وأدباء وفلاسفة ومفكرين عرباً وغربيين، وفي أثناء تلك الرحلة يمور الكتاب بالمقاربات اللّماحة والمقارنات المحفزة: المتنبي وابن هانئ الأندلسي، فراس السواح وفاطمة المرنيسي، المسيح وغيفارا، جان جاك روسو وبرتراند راسل، فوكو ودولوز، محمود درويش وسليم بركات، جمال عبد الناصر وسيد قطب، ماو وهتلر، وسواهم.

يشير عنوان «رسالة اللا غفران» إلى أننا أمام مساءلة أخلاقية لا تصالحية، ترفض التسويات الرمزية، وتعارض ثقافة التسويغ والتسامح المجاني، ولا تتجاوز الحدّ الذي ينقلب فيه الغفران من فضيلة إلى رخاوة وتساهل، وهذا يتناغم تماماً مع توصيف الكتاب الفرعي: نقد ثقافي على تخوم مضطربة. وهذه التخوم هي العنف، والسلطة، والشر، والتواطؤ الثقافي، والتدليس الفكري، والانحراف القيمي، وهي مناطق لا يصلح معها خطاب الغفران السهل.

فلا غفران لأدونيس وهو يؤلّه نفسه، أو يخوض معركة التفكيك والنقد والمساءلة لفكر طائفة معينة بدعوى أنّ فكرها فكر اتِّباع، ويغض الطرف عن فكر طائفة أخرى هي بحاجة أيضاً للتفكيك والنقد والمساءلة بدعوى أن فكرها فكر إبداع. ولا تهاون مع الكاتبين بو علي ياسين ونبيل سليمان في أطروحتهما الأدب والآيديولوجيا التي استخدما فيها النظرية الماركسية الناجزة والمكتفية فتحول الأدباء السوريين موضوع دراستهما إلى مجرد: رجعيين، أو ليبراليين رأسماليين، أو برجوازيين صغار مضللين، أو أدباء تقدميين. وفي تحليلهما لأسباب النكسة يوجهان السياط إلى «التخلف»، ويقتصر نقدهما لقائدي النكسة صلاح جديد وحافظ الأسد على قصورهما وانحرافهما عن الفكر الاشتراكي.

في «رسالة اللا غفران» نقرأ عن الماغوط، وكيف قبل رئاسة تحرير «مجلة الشرطة»، وحيدر حيدر وحرب الثقافات السورية، ومظفر النواب الذي شرعن الغوغائية وأعطاها لبوس الأدب، وعن حكم البابا ذلك الثوري النزق الذي كان سيصيب المعري نفسه بالحيرة في الحكم عليه، فكثير من حسنات جرأته وشجاعته وتصديه للسلطة الأسدية واضحة، وكثير من سيئاته وأذيته وأخطائه السياسية فاضحة، ويشابهه في ذلك رسام الكاريكاتير علي فرزات الذي يهوي من عبقرية الرسم إلى قاع شتّامي «الفيس بوك» ممن قرّر أن يتبارى معهم، أو سعدي يوسف الذي تخلفت مواقفه العملية عن مواقفه النظرية الثورية.

يأتي عنوان «رسالة اللا غفران» في خضم حديث الشارع السوري عن العدالة الانتقالية ليقول بأنّ الغفران ليس قيمة أخلاقية بريئة، بل قد يكون أداة لإغلاق الملفات، أو تقنية لمحو الذاكرة، أو لغة لتبييض الجرائم، أو شرطاً للاستقرار الزائف، وعليه، فإن «رسالة اللا غفران» تعني: رفض تحويل الثقافة إلى محكمة تصالحية بلا عدالة، وهذا ينسجم مع موضوعات الكتاب العديدة التي تناولت الإبادة، والفن، والسلطة، والمثقف، والاستبداد، والشر، والمسؤولية.

أما العنوان الفرعي «نقد ثقافي على تخوم مضطربة»، فيطرح النقد الثقافي بوصفه تجاوزاً للنقد الأدبي التقليدي حين بدا هذا الأخير عاجزاً عن الإحاطة بما يتجاوز النص من أنساق وسلطات وتمثيلات تعمل في عمق الخطاب. فالنقد الثقافي لا ينطلق من سؤال الجمال أو البلاغة أو القيمة الفنية وحدها، بل من الأسئلة الكبرى: من يتكلم؟ باسم من؟ ولصالح أي سلطة؟ وكيف تُنتج المعاني وتُشرعن؟ وهنا يأتي النقد الثقافي ليقدم قراءةً تفكيكيةً للخطابات، فتتعامل مع النصوص الأدبية على اختلاف أجناسها بما هي نصوص ثقافية تخضع لمنطق التمثيل والهيمنة، فالنص، في هذا المنظور، ليس بريئاً، ولا معزولاً، بل محمّل بأنساق مضمَرة: نسق السلطة، ونسق الذكورة/الأنوثة، ونسق المركز/الهامش، ونسق الاستعمار/التحرر، ونسق العقلانية/الأسطرة.

الميزة الجوهرية للنقد الثقافي أنّه لا يسأل: هل النص جميل؟ بل يسأل: ما الذي يمرّره النص دون أن يصرّح به؟ وأهم ما يكشفه النقد الثقافي أنه يفضح تواطؤ الأدب أحياناً مع السلطة أو القيم المهيمنة، وهذا ما أنجزه حسام الدين محمد في نصوص هذا الكتاب.

يفعّل كاتبنا النقد الثقافي بتوسيع مفهوم «النص»، فالحدث السياسي، أو الخطاب الإعلامي، أو الشخصية العامة، أو حتى الجدل حول شاعر أو روائي يتحوّل عنده إلى نصّ ثقافي قابل للقراءة والتحليل، واكتشاف أنساقه الثقافية التي تنتج الحدث وتمنحه شرعيته ودلالته، فحين يكتب عن الصراع السوري، أو عن التاريخ الإسلامي المبكر، أو عن الإبادة في البوسنة، أو عن التعقيدات الهائلة بين السيرة والفكر لدى بعض الشعراء أو الفلاسفة فهو لا يتعامل مع الوقائع بوصفها معطيات سياسية فقط، بل بوصفها خطابات محمّلة بتمثيلات وقيم وأساطير، وبهذا المعنى، يحقق كاتبنا جوهر النقد الثقافي، وعلى سبيل المثال لا يقف في تناوله لصعود ترمب أو الشعبوية الغربية عند شخصية الرئيس أو قراراته، بل يعمل على تفكيك النسق الثقافي الذي سمح بصعوده: نسق الخوف. نسق التفوق الأبيض. نسق تآكل العقلانية الليبرالية. هنا تصبح الحالة الترمبية علاوة على كونها «شذوذاً سياسياً» عرضاً ثقافياً لخلل أعمق في بنية الوعي الغربي.

تجدر الإشارة هنا إلى أسلوب الكاتب البياني الذي امتاز بلغة تحليلية واعية بوظيفتها، قليلة الزخرفة، حذرة من الإيقاع الخطابي، وهذا يتماشى مع النقد الثقافي الذي يرى اللغة أداة سلطة، ولذلك استخدمها برصانة واتّزان.

في علم عناوين الكتب يُقرأ العنوان ثلاث مرات دلالياً: قبل قراءة الكتاب على سبيل التوقّع، وفي أثناء قراءته لاختبار هذا التوقع، وبعد القراءة لإعادة بنائه، وبإمكاننا القول: إذا لم نكن في «رسالة الغفران» للمعري أمام دعوة للغفران، بل أمام نقد ومساءلة لمنطق الغفران نفسه، فهذا يعني أنّ عنوان كتاب حسام الدين محمد «رسالة اللا غفران» هو امتداد لروح «رسالة الغفران» النقدية، ولكن دون توسّل التهكم الغائم أو الخفي، وكأنّ الغفران الساخر هو نفسه اللا غفران الجاد.

* كاتب سوري


رحيل أحمد عبد الملك أحد رواد الحركة الإعلامية والروائية في قطر

الإعلامي والروائي القطري الراحل د. أحمد عبد الملك
الإعلامي والروائي القطري الراحل د. أحمد عبد الملك
TT

رحيل أحمد عبد الملك أحد رواد الحركة الإعلامية والروائية في قطر

الإعلامي والروائي القطري الراحل د. أحمد عبد الملك
الإعلامي والروائي القطري الراحل د. أحمد عبد الملك

ودّعت الأوساط الثقافية في قطر، ودول الخليج، يوم الأحد، الإعلامي والروائي القطري الدكتور أحمد عبد الملك، الذي وافته المنية بعد معاناة مع المرض عن (75 عاماً).

مثّل الدكتور أحمد عبد الملك، نموذجاً للإعلامي والمثقف والكاتب الذي لا يكل ولا يمل، فقد سخّر حياته كلها للعمل الإعلامي والإذاعي ومعها اشتغل بكتابة الأعمال السردية، من القصة والرواية والمسرح، التي ملأت فضاء الخليج إبداعاً، وعبرت عن الروح القطرية والخليجية، كما عبّرت عن هموم الناس وتطلعاتهم... وكان صوته تعبيراً صادقاً عن ضمير المثقف.

وقد نعته وزارة الثقافة القطرية وقالت إنها «تنعى ببالغ الحزن والأسى وفاة أحد رواد الحركة الإعلامية والروائية في دولة قطر الدكتور أحمد عبد الملك الحمادي».

كما نعاه الدكتور حمد بن عبد العزيز الكوّاري، وزير الثقافة القطري الأسبق، (وزير دولة حالياً)، معتبراً أن الراحل الدكتور أحمد عبد الملك، كان «أحد أعلام الأدب الذين لم يخفت بريقهم، وصوتاً ثقافياً ظلّ حاضراً في الوجدان القطري والخليجي والعربي».

وتحدث عن تعيينه مديراً للدائرة الإعلامية في مجلس التعاون الخليجي بالرياض، «فكان خير من يمثل بلده، عمل بإخلاص وتفانٍ واقتدار»، ثم عاد ليعمل في وزارة الثقافة القطرية، «فاشتغلنا معاً في هذه المجالات الحيوية بنشاطٍ لا ينقطع وهمّة لا تفتر».

وقال إن عبد الملك «كان إلى جانب حضوره الإعلامي، مسؤولاً ومثقفاً ملتزماً، وإعلامياً بارزاً، ومقدّم برامج، ومشاركاً دائماً في الحوارات الفكرية والثقافية، وناقداً أدبياً وروائياً مميزاً، ترك بصمته في المشهد الثقافي بكتاباته الجريئة وأعماله السردية التي لامست هموم الإنسان والمجتمع. حظي بقرّاء ومتابعين أوفياء في قطر والخليج والعالم العربي، وكان قلمه جسراً للحوار والتنوير، وصوته معبّراً عن وعي المثقف ومسؤوليته».

كما نعاه الناقد العراقي الدكتور عبد الله إبراهيم، (الذي كان مقيماً في قطر)، واصفاً الأديب الراحل بأنه «كان غزير المشاعر، طيب السريرة، وافر الكرم (...) وكان أديباً واسع المعرفة، وإعلامياً حقيقياً. ترك أثراً ثقافياً كبيراً في بلده، (...) بذل جهده في رفع اسم قطر».

د. أحمد عبد الملك

سيرة إبداعية

الدكتور احمد عبد الملك (مواليد 1951)، حصل على درجة الماجستير في الإعلام التربوي من جامعة مدينة نيويورك - بافلو - بالولايات المتحدة سنة 1983، ثم حصل على الدكتوراه في الصحافة من جامعة ويلز في بريطانيا عام 1989.

في عام 1972 بدأ العمل رسمياً مذيعاً في تلفزيون قطر عام 1972، وشغل منصب رئيس وحدة النصوص والترجمة، ثم شغل منصب رئيس قسم الأخبار عام 1976. وشغل منصب رئيس تحرير جريدتين قطريتين. كما عمل مديراً للشؤون الإعلامية بمجلس التعاون الخليجي من عام 1993 إلى عام 1999، وعمل مستشاراً في المجلس الوطني للثقافة والفنون والتراث وأستاذاً مشاركاً لمواد الإعلام بجامعة قطر من عام 1983 إلى عام 2004، وأستاذاً مشاركاً لمواد الإعلام في كلية المجتمع عام 2014.

للدكتور أحمد عبد الملك عدد من التجارب الروائية، من بينها: «أحضان المنافي» (2005)، و«القنبلة» (2006)، و«فازع شهيد الإصلاح في الخليج» (2009)، و«الأقنعة» (2011)، و«الموتى يرفضون القبور» (2016)، و«شو» 2016، و«غصن أعوج» 2017، ومن مؤلفاته الأدبية، في النثر الفني: «رسائل إلى امرأة تحترق» 1982، و«مهاجر إلى عينيك» 1992، و«شيء من الهمس» 1993، و«امرأة الفصول السريعة» 2002، و«مدينة القبور» 2007. وفي القصة القصيرة له: «الغرفة 405» 1997، و«أوراق نسائية» (جزآن) 2001–2002، و«وشوشات الروح» 2012، و«نوافذ على شرفة الروح» 2014. وفي المسرح: «المعري يعود بصيراً» 2005.

كما كتب عدداً من الدراسات في مجال الإعلام من بينها: «المذيع التلفزيوني: مبادئ ومواصفات»، 1983، و«الجانب الآخر لنشرة الأخبار التلفزيونية» 1986، و«أغسطس الرعب»، (توثيق غزو الكويت) 1991، و«فضائيات» 2000، و«قضايا إعلامية» 1999، و«دراسات في الإعلام والثقافة والتربية» 2002، و«اتجاهات صفحات الإذاعة والتلفزيون في الصحف القطرية» 2003، و«إعلاميون من طراز جديد» 2003، و«كيف تكون مذيعاً ناجحاً؟» 2004.

كما كتب في النقد الأدبي عدة كتابات بينها دراسته «الرواية القطرية... قراءة في الاتجاهات» التي صدرت في كتاب عام 2015، وترصد وتحلل الإنتاج الروائي القطري على مدى 22 عاماً منذ عام 1993 حين صدرت الرواية القطرية الأولى «العبور إلى الحقيقة» للكاتبة شعاع خليفة.

وحازت روايته «ميهود والجنية» على جائرة «كتارا» للرواية العربية.