«متحف البراءة» نسخة «نتفليكس»... أَنصفَت رواية باموق ولم تتفوّق على سِحرها

قصة حب كمال وفوسون المأثورة إلى الشاشة بإشراف الكاتب أورهان باموق (نتفليكس)
قصة حب كمال وفوسون المأثورة إلى الشاشة بإشراف الكاتب أورهان باموق (نتفليكس)
TT

«متحف البراءة» نسخة «نتفليكس»... أَنصفَت رواية باموق ولم تتفوّق على سِحرها

قصة حب كمال وفوسون المأثورة إلى الشاشة بإشراف الكاتب أورهان باموق (نتفليكس)
قصة حب كمال وفوسون المأثورة إلى الشاشة بإشراف الكاتب أورهان باموق (نتفليكس)

عبرت روايات أورهان باموق القارّات، وتُرجمت إلى عشرات اللغات، وتُوجت بجائزة نوبل للآداب. إلا أنّ حلماً لطالما راودَ الكاتب التركي بأن تتحوّل إحدى حكاياته إلى مسلسل.

الإنتاج الدراميّ التركي غزير، لكنّ باموق (73 سنة) لا يرضى بما هو عادي، وتجاريّ. يريدُ لأدبِه إطلالة تلفزيونية تليق به. وهذا أمرٌ مستحَقّ، خصوصاً إذا كانت الرواية المختارة هي «متحف البراءة»، إحدى روائع باموق، ومن بين أجمل قصص الحب التي رواها الأدب.

عشيّة عيد الحب، بدأت «نتفليكس» عرضَ الحلقات الـ9 من مسلسل «متحف البراءة». باستثناء اللغة، لا شيء فيه يُشبه الدراما التركية التي تغزو المنصات، والشاشات. شكلاً ومضموناً، أخلصَ المسلسل لرواية باموق، فنقلَها حَرفياً إلى حدٍّ مبالَغٍ فيه أحياناً. كيف لا، والأديبُ التركيّ هو شخصياً مَن أشرفَ على تفاصيل العمل التلفزيوني.

منذ صدرت عام 2008، ثم تحوّلت في 2012 إلى متحفٍ يوثّق القصة، ويزوره العشرات يومياً في إسطنبول، حطّمت الرواية أرقام المبيعات عالمياً. أغرَت حكايةُ العشق المتّقد بين «كمال» و«فوسون» شركات الإنتاج التركية. قبل 6 سنوات، تلقّى باموق من إحداها ملخّص حبكة تلفزيونية خاصة بـ«متحف البراءة». ما إن وضع عينَيه على الورَق، حتى أصيب بالذُعر الممزوج بالغضب. لقد تصرّفت شركة الإنتاج بالرواية إلى درجة اختراع أحداثٍ غير واردة فيها أصلاً. أدّى ذلك إلى مقاضاته الشركة رابحاً الدعوى في 2022.

بعد أن استرجع حقوق الاقتباس التلفزيوني، بدأ باموق مفاوضاتٍ مع شركة «آي يابيم» التركية المعروفة، والتي وعدت بنَقل الحكاية إلى فضاء «نتفليكس» الواسع. التزمت الشركة بشروط الكاتب كافةً، ولم تمانع أن يتحكّم بعمليّة الإنتاج، بما في ذلك عدم توقيع أي عقد تعاون قبل وضع ملاحظاته على السيناريو، ومَنحه الموافقة النهائية عليه، إضافةً إلى اشتراطِه حَصر المسلسل بموسم واحد. ونزولاً عند رغبة باموق، استعانت الشركة بالمخرجة التركية زينب غوناي، وهي المفضّلة لديه.

الكاتب التركي الحائز على نوبل أورهان باموق في صورة تعود إلى عام 2010 (رويترز)

في إسطنبول السبعينات حيث الفقرُ كثير، والثراءُ استثناء، يستعدّ «كمال»، وهو ابنُ أحد رجال الأعمال الأثرياء، لخطوبته من «سيبيل» الأرستقراطية هي أيضاً، والتي أنهت دراستها الجامعية في باريس، ثم عادت إلى بلدها محمّلةً بكثيرٍ من العصريّة والانفتاح.

قبل أسابيع من الخطوبة، يقصد متجر أزياء لابتياع حقيبة يد أعجبت سيبيل، فتقع عيناه على الموظّفة «فوسون» التي تخطف أنفاسه وقلبه منذ النظرة الأولى. ويشاء القدَر أن تربط الشابةَ بكمال صِلةُ قرابة بعيدة انقطعت بفِعل السنوات.

انطلق عرض المسلسل على «نتفليكس» عشية عيد الحب (نتفليكس)

من تلك اللحظة تنقلب حياة كمال رأساً على عقب. أصابَ سهمُ الحبّ كيانَه، وهكذا حصل لفوسون التي تصغره بـ12 عاماً. يصبح الموعد يومياً بينهما تحت مظلّة أنه يدرّسها مادة الرياضيات استعداداً لدخولها الجامعة. لفَرط هوَسه بها، يبدأ كمال بسَرقة أغراضٍ تعود لها كأقراط الأذن، أو مظلّتها، ويحتفظ بكلِ ما يذكّره بها. لكن رغم اتّقاد المشاعر بينهما، لا يلغي كمال حفل خطوبته، بل يدعوها وعائلتها إليه.

في اليوم التالي، تختفي فوسون وتنقضي مواعيد اللقاء من دون أن تطرق بابه كالعادة، فتبدأ رحلة شقائه الطويلة. تتدحرجُ علاقته بسيبيل التي تكتشف خيانته لها، وتمنحه فرصاً لترميم ما دُمّر من دون جدوى. يجوبُ شوارع إسطنبول زقاقاً زقاقاً مقتفياً أثرَ الحبيبة الضائعة، ومتخيّلاً إياها في كل الوجوه.

الممثل التركي صلاح الدين باشالي بشخصية كمال (نتفليكس)

تنجح المخرجة غوناي في تحويل الأجواء من زهريّة إلى رماديّة بلَمح البصر بعد اختفاء فوسون، كما تبرع في نقل تفاصيل حقبة السبعينات أزياءً، وديكورات، وأنماطاً اجتماعية، وفي تصوير زوايا إسطنبول بأبنيتها القديمة، ووجوه مُسنّيها، وأزقّتها الضيّقة. إلا أنّ السردَ الدراميّ يغرق في الإطالة. كثيرٌ من الحَرفيّة، والإخلاص للرواية، حتى وإن كان ذلك بطلبٍ من كاتبها، قد يؤدّي إلى الملل أحياناً.

مَن قرأ رواية «متحف البراءة» سيرى في غالبيّة مَشاهد المسلسل انعكاساً دقيقاً لِما نسجت مُخيّلته من صوَر، لا سيّما في موقع بيت فوسون، وفي كلِ تفصيلٍ داخل ذاك البيت المتواضع، حيث استرجع كمال حبّه المفقود، وعادته القديمة في سرقة مقتنيات حبيبته.

لكنّ مشكلة كمال في المسلسل أنه انهزاميّ، يعاني بعضَ الرخاوة والضعف. بأنانيةٍ حاول الحفاظ على خطيبته، والسعي خلف فوسون في آنٍ معاً، وعندما جمعه القدَر بمحبوبته من جديد بدت العلاقة بينهما سامّة من الجهتَين. هذا ليس تفصيلاً عابراً، وهو إلى جانب إشكاليّة الإطالة، يُفقد الرواية جزءاً من سِحرها الأصليّ.

لا يعني ذلك أنّ أداء الممثل صلاح الدين باشالي يشكو أي شائبة، فقد اختار باموق وفريق الإنتاج أحد أكثر الوجوه التركية المحبوبة لتقديم شخصية كمال. أما أيلول كانديمير فتنقل روح فوسون بإقناع، لا سيّما في النقلة بين النسخة الفرِحة والإيجابية إلى تلك القاتمة التي خذلتها الحياة.

الممثلة التركية أيلول كانديمير بشخصية فوسون (نتفليكس)

أما المفاجأة، فهي مشاركة أورهان باموق تمثيلاً، مقدّماً شخصيته الحقيقية في الحلقتَين الأولى والأخيرة. فهو يظهر في الرواية موثّقاً حكاية كمال العاشق، وكيف تحوّلت قصته وفوسون إلى متحفٍ للحب يضمّ كل أغراض الحبيبة، بما فيها أعقاب السجائر الـ4213 التي دخّنتها.

وفي دلالةٍ على الحماسة للمسلسل، نقلت صحيفة «حرييت» التركية أنّ عدد زوّار «متحف البراءة» قد تضاعف منذ اقتراب موعد العرض. ووفق ما صرّح باموق لصحيفة «نيويورك تايمز» الأميركية، فهو يأمل في أن يجذب المسلسل مزيداً من الزوّار إلى المتحف الذي جمع أغراضه شخصياً على مدى سنوات، ليخلّد من خلاله قصة كمال وفوسون حجارةً، وذكرياتٍ محسوسة، وليست فقط حبراً على ورق.


مقالات ذات صلة

دوا ليبا... حبٌ وأدب وعريسٌ يخرج من بين صفحات كتاب

يوميات الشرق المغنية البريطانية - الألبانية دوا ليبا تزوجت وافتتحت مكتبة في الشهر ذاته (إنستغرام)

دوا ليبا... حبٌ وأدب وعريسٌ يخرج من بين صفحات كتاب

في عصر الشاشات والهواتف، تقود المغنية دوا ليبا ثورةً ناعمةً عنوانُها الكتاب. ويشاركها شغفها هذا زوجها الممثل كالوم تورنر.

كريستين حبيب (بيروت)
ثقافة وفنون 
مايك والاس

رحيل مايك والاس... مؤرخ التحوّل من الإقطاع إلى الرأسمالية

رحل يوم الأحد في مكسيكو سيتي عن 83 عاماً مايك والاس، المؤرخ، صاحب السيرة التاريخية الضخمة لمدينة نيويورك والمعنونة «غوثام» -

سام روبرتس
ثقافة وفنون تفصيل من فسيفساء قصر هشام تقابله لوحة توثيقية لمجمل مكوّناته

فسيفساء قصر هشام في البادية الفلسطينية

تحوي البادية الفلسطينية صروحاً أموية عدة، أهمها صرح يعود إلى عهد الخليفة هشام بن عبد الملك، كشفت عنه بعثة بريطانية في خربة تُعرف باسم «خربة المفجر»،

محمود الزيباوي
ثقافة وفنون اوكتافيو باث

أدباء اكتشفوا في باريس جوهر هويتهم اللاتينية

لم تكن باريس في ستينات وسبعينات القرن العشرين مجرد مدينةٍ أوروبيةٍ، بل كانت «المِرجلَ» الذي انصهرت فيه طموحاتِ أدباء أميركا اللاتينية، لتولد من رحمِ غربتها

شاكر نوري
ثقافة وفنون «سيدي الحب»... تركة التاريخ الثقيلة

«سيدي الحب»... تركة التاريخ الثقيلة

في رواية «سيدي الحب» (دار ديوان للنشر - القاهرة) للكاتبة والروائية المصرية رشا زيدان، تبدو ظلال قصة الحب التي كتبها محمود درويش في قصائده عن «ريتا» وكأنها تؤطر

منى أبو النصر (القاهرة)

50 سفيراً يزورون «شارع الفن» في ذكرى تأسيس القاهرة التاريخية

جانب من فعاليات شارع الفن (وزارة الثقافة المصرية)
جانب من فعاليات شارع الفن (وزارة الثقافة المصرية)
TT

50 سفيراً يزورون «شارع الفن» في ذكرى تأسيس القاهرة التاريخية

جانب من فعاليات شارع الفن (وزارة الثقافة المصرية)
جانب من فعاليات شارع الفن (وزارة الثقافة المصرية)

في إطار الاحتفالات بالعيد القومي الـ1057 لمحافظة القاهرة، شاركت وزارة الثقافة، ممثلةً في «أكاديمية الفنون» بتقديم برنامج فني متميِّز ضمن فعاليات «شارع الفن» بوسط المدينة، بحضور أكثر من 50 سفيراً ومبعوثاً دبلوماسياً.

​وقدَّمت أكاديمية الفنون خلال الاحتفالية «باقةً متنوعةً من العروض الإبداعية التي عكست ثراء وتنوع الهوية المصرية، حيث تضمَّنت الفعاليات مزيجاً فنياً راقياً جمع بين سحر التخت الشرقي والأغاني التراثية، وبين رقي الغناء الأوبرالي واللوحات الاستعراضية المبهرة»، وفق بيان للأكاديمية.

​وقالت رئيسة أكاديمية الفنون، الدكتورة نبيلة حسن: «إن وجود الأكاديمية شريكاً فاعلاً في هذه الاحتفالية الوطنية ترجمة لرسالتنا في مدِّ جسور التواصل بين الفن والمجتمع»، مؤكدة حرص الأكاديمية الدائم على دعم الفعاليات التي تثري الحياة الثقافية في العاصمة.

وشهد برنامج «شارع الفن»، الخميس، فعاليات متنوعة عكست ثراء وتنوع الإبداع المصري، حيث استمتع الضيوف بعروض الفنون الفلكلورية الشعبية، وفنون السمسمية، والغناء الأوبرالي، إلى جانب باقة من الأغنيات المصرية الأصيلة، في لوحة فنية جسَّدت أصالة التراث المصري وتنوعه.

ويُعدُّ مشروع «شارع الفن» إحدى أهم المبادرات الثقافية التي تتبناها أكاديمية الفنون، التابعة لوزارة الثقافة المصرية؛ لنشر الفنون في الفضاء العام، وتعزيز التواصل مع مختلف فئات المجتمع، وتقديم صورة حضارية تليق بمكانة مصر الثقافية، وفق رئيسة الأكاديمية، مشيرة إلى أنَّ استضافة هذا العدد الكبير من السفراء والدبلوماسيين تعكس نجاح المشروع في تقديم القوة الناعمة المصرية بصورة مشرفة أمام ضيوف مصر من مختلف دول العالم.

وبدأت عروض «شارع الفن» بالموسيقى والغناء بمشاركة المعهد العالي للموسيقى العربية، والمعهد العالى للكونسرفتوار، والفرقة القومية للموسيقى الشعبية، والفنانة ليديا سليمان، وتنوعت الفقرات بين الغناء الشرقي، والأوبرالي، والفلكلور الشعبي.

فعاليات شارع الفن تضم فقرات مختلفة (محافظة القاهرة)

كما اشتمل البرنامج على عروض فنون الأداء الاستعراضي، بمشاركة المعهد العالي للفنون الشعبية والمعهد العالي للباليه، وتضمنت استعراضات فلكلورية وإسبانية، إلى جانب أنشطة الفنون التفاعلية والبصرية، التي شملت ورشاً للرسم والتلوين، والرسم على الوجه، بمشاركة المكتبة المتنقلة لمكتبة مصر الجديدة، ومدرسة الفنون للتكنولوجيا التطبيقية.

واختُتمت الفعاليات بعروض فنون الأداء، والتي تضمَّنت عروض المطبخ الصيني، والسيرك القومي، و«شو ماريونت» الذي يقدمه مسرح القاهرة للعرائس.

وكان محافظ القاهرة، الدكتور إبراهيم صابر، استقبل في حديقة الأزهر نحو 50 سفيراً، ومبعوثاً دبلوماسياً، وعدداً من أعضاء السلك الدبلوماسي بالقاهرة، شاركوا في احتفالات محافظة القاهرة بعيدها القومي 1057.

واصطحبهم المحافظ في جولة حول سور القاهرة التاريخي داخل حديقة الأزهر، أعقبتها زيارة مسجد المارديني، والجامع الأزرق اللذين يعدان من أقدم المساجد التاريخية بمنطقة الدرب الأحمر، وانتهت الجولة بالتوجه لحضور احتفالية «شارع الفن» بمنطقة الشريفين بوسط المدينة.

وافتتح رئيس الوزراء المصري، مصطفى مدبولي، فعاليات «شارع الفن» في مايو (أيار) الماضي بوصفه برنامجاً يتضمَّن فعاليات فنية تعزِّز القوى الناعمة المصرية، وتثري السياحة التراثية في منطقة القاهرة الخديوية (وسط البلد)، خصوصاً مثلث البورصة وشارع الشريفين.

وسبق أن وقعت محافظة القاهرة وأكاديمية الفنون المصرية بروتوكول «التعاون الفني المشترك ضمن استراتيجية جسور الإبداع لإتاحة الفنون واحتضان المواهب في ربوع القاهرة»، وتنفيذ عدد من المبادرات النوعية، من أبرزها مبادرة «شارع الفن»، التي تستهدف تحويل شوارع العاصمة إلى منصات مفتوحة للإبداع والفنون.


أكسل بيرثا: استلهمتُ «ضد الطبيعة» من جريمة حقيقية

اعتمد الفيلم على الصمت بشكل كبير لإيصال فكرته (الشركة المنتجة)
اعتمد الفيلم على الصمت بشكل كبير لإيصال فكرته (الشركة المنتجة)
TT

أكسل بيرثا: استلهمتُ «ضد الطبيعة» من جريمة حقيقية

اعتمد الفيلم على الصمت بشكل كبير لإيصال فكرته (الشركة المنتجة)
اعتمد الفيلم على الصمت بشكل كبير لإيصال فكرته (الشركة المنتجة)

قال المخرج المكسيكي، أكسل بيرثا، إن فيلمه الروائي الطويل الأول «ضد الطبيعة» (Against Nature) انطلق من واقعة قتل حقيقية وقعت في شمال المكسيك، لكنه لم يكن معنياً بإعادة سرد تفاصيل الجريمة أو البحث في ملابساتها، بقدر ما رأى فيها مدخلاً للتأمل في أسئلة تتعلق بالعنف والطبيعة البشرية وعلاقة الإنسان بالعالم.

وأضاف بيرثا، في حديث مع «الشرق الأوسط» عبر «زووم»، أن فكرة إخراج فيلمه الأول كانت تراوده منذ سنوات، إلا أنه لم يكن قد عثر على القصة التي يرغب في تقديمها، حتى صادف تقريراً صحافياً عن جريمة قتل، فشعر أن الواقعة تحمل ما هو أبعد من الحدث نفسه، وهو ما دفعه إلى قضاء فترة طويلة في المنطقة التي شهدت الحادثة، حيث ترك المكان وسكانه أثراً مباشراً في تطور السيناريو، حتى أصبح الفيلم عملاً مستقلاً يستلهم الواقع دون أن يعيد تقديمه.

ويُعرض فيلم «ضد الطبيعة» ضمن الدورة التاسعة والخمسين من مهرجان «كارلوفي فاري السينمائي الدولي» في التشيك، وتدور أحداثه حول «جوناس» الذي يعود إلى بلدته ويعمل في نحت الحجارة، قبل أن يجد نفسه منجذباً إلى قوة خفية تتغلغل في المكان والناس والزمن، بينما ينزلق تدريجياً نحو مأساة تبدو وكأنها امتداد لصراع قديم بين الإنسان وطبيعته.

وأوضح المخرج المكسيكي أن اختياره الابتعاد عن معالجة الجريمة بوصفها حدثاً بوليسياً كان قراراً مقصوداً، إذ رأى أن الواقعة لم تكن سوى الشرارة التي أطلقت خياله، بينما تشكل الفيلم الحقيقي من خلال معايشة المكان والاقتراب من تفاصيل الحياة اليومية في تلك المنطقة، وهو ما جعله يبتعد تدريجياً عن الحادثة الأصلية ليقدم رؤية سينمائية تتناول الإنسان أكثر مما تتناول الجريمة.

وكشف بيرثا أن تصوير الفيلم كان من أصعب التجارب التي خاضها، موضحاً أنه «جرى في منطقة شبه صحراوية شمال المكسيك، حيث واجه فريق العمل ظروفاً مناخية قاسية، تراوحت بين البرودة الشديدة وحرارة الشمس والغبار المستمر، إلى جانب صعوبة الوصول إلى مواقع التصوير، وهو ما فرض تحديات إنتاجية متواصلة طوال فترة التنفيذ».

بدأت فكرة الفيلم من حادثة حقيقية (الشركة المنتجة)

وأضاف أن «التحديات لم تقتصر على طبيعة المكان، وإنما شملت أيضاً الاعتماد على ممثلين غير محترفين من أبناء المنطقة، إلى جانب التصوير وسط الحيوانات الطبيعية، ومواكبة تغير الفصول، فضلاً عن استخدام خام (35 ملم)، الأمر الذي فرض عدداً محدوداً للغاية من اللقطات، وجعل كل مشهد يحتاج إلى قدر كبير من الدقة قبل التصوير».

وأشار إلى أن فريق العمل لم يتجاوز 10 أشخاص، وهو ما وفّر قدراً من المرونة وساعد الجميع على التفرغ للحظة التصوير نفسها، موضحاً أن الفريق كان ينتظر أحياناً الوقت المناسب للحصول على الضوء الطبيعي المطلوب، بجانب مشاركة الجميع في أكثر من مهمة داخل موقع التصوير، ما خلق حالة من التفاهم والترابط بينهم طوال فترة العمل.

وأرجع بيرثا اختيار شخصية «جوناس» قليلة الكلام لاعتقاد البعض أن الإنسان عاش ملايين السنين قبل ظهور اللغة، واستطاع خلالها التكيف مع العالم وبناء حياته، بينما جاءت اللغة لاحقاً لتسرّع تطور الحضارة والفنون والثقافة، لكنها في الوقت نفسه خلقت مسافة بين الإنسان والواقع، لأن الكلمات لا تنقل الأشياء كما هي، بل تقدم لها صوراً ورموزاً ذهنية.

وأكد المخرج المكسيكي أن السينما تمنحه فرصة لاستعادة هذا الاتصال المباشر بالعالم، «لأنها قادرة على التعبير بالصورة والصوت والإيقاع والمونتاج، دون الحاجة إلى كثير من الحوار، وهو ما دفعني إلى تقليل الكلمات في الفيلم إلى الحد الأدنى، لإفساح المجال أمام المشاعر والإحساس بالمكان، بحيث يعيش المشاهد التجربة بدلاً من أن يتلقى شرحاً لها»، وفق تعبيره.

وتحدث بيرثا عن تجربته مع الممثلين غير المحترفين، مؤكداً أنه كان يبحث منذ البداية عن أشخاص ينتمون إلى البيئة التي تدور فيها الأحداث، حتى تبدو الشخصيات جزءاً طبيعياً من المكان، لأن هدفه لم يكن تدريبهم على الأداء التقليدي، وإنما منحهم الحرية الكاملة للتصرف بعفوية، وهو ما أدى في كثير من الأحيان إلى تغير بعض المشاهد أثناء التصوير.

وأوضح أنه كان يراقب الطريقة الطبيعية التي يتعامل بها كل ممثل مع الموقف، محاولاً أن يفاجئه الأداء بدلاً من فرض تصور مسبق عليه، ما جعل كثيراً من اللحظات التي ظهرت في الفيلم تبدو كنتيجة لتفاعل الممثلين مع المشهد أكثر من التزامهم الحرفي بما كُتب في السيناريو.

يعرض الفيلم للمرة الأولى في التشيك (الشركة المنتجة)

وأكد أن هذه العفوية كانت جزءاً أساسياً من رؤيته الإخراجية، لأنها سمحت للفيلم بالاقتراب أكثر من الواقع، ومنحت الشخصيات حضوراً إنسانياً يصعب الوصول إليه من خلال الأداء التقليدي.

وعدّ بيرثا أن «العنف يمثل أحد المحاور الرئيسية في الفيلم»، لكنه لا ينظر إليه باعتباره نتاجاً للظروف الاجتماعية وحدها، أو نتيجة لطبيعة الإنسان فقط، بل يراه سؤالاً مفتوحاً رافق البشرية عبر تاريخها، مشيراً إلى تأثره بأفكار الفيلسوف الألماني فريدريش نيتشه، خصوصاً ما يتعلق بفكرة الانتقام والمعاملة بالمثل.

ولفت المخرج المكسيكي إلى أن التاريخ الإنساني يكشف عجز البشر عن التخلص من العنف، رغم التطور الحضاري الذي حققوه، مشيراً إلى أن امتلاك الإنسان في العصر الحديث وسائل قادرة على تدمير العالم، مثل السلاح النووي، يجعل التفكير في هذه القضية أكثر إلحاحاً من أي وقت مضى، خصوصاً في ظل ما يشهده العالم من صراعات متزايدة تقوم على الهيمنة والعدوان.

وحول ترك كثير من مشاهد الفيلم مفتوحة أمام التأويل، أوضح بيرثا أنه لا يؤمن بالأفلام التي تقدم إجابات جاهزة، وإنما يفضل الأعمال التي تستمر في مرافقة المشاهد حتى بعد انتهاء العرض، مشيراً إلى أن الفيلم، بالنسبة له، «يبدأ فعلياً عندما يغادر الجمهور قاعة السينما، لأن لحظة التفكير والتأمل ومحاولة تفسير ما شاهده لا تقل أهمية عن المشاهدة نفسها»، على حد تعبيره.

وأشار إلى أنه لم يتعمد الغموض من أجل إضفاء طابع فلسفي على العمل، وإنما سعى إلى تقديم تجربة تسمح لكل مشاهد بأن يبني قراءته الخاصة، لافتاً إلى أن أكثر الأفلام التي أثّرت فيه كانت تلك التي تركت لديه أسئلة أكثر مما قدمت له إجابات.


مصر: صنّاع محتوى في قفص الاتهام مجدداً لترويج «أفكار صادمة»

توقيف صانعة محتوى بمصر (وزارة الداخلية)
توقيف صانعة محتوى بمصر (وزارة الداخلية)
TT

مصر: صنّاع محتوى في قفص الاتهام مجدداً لترويج «أفكار صادمة»

توقيف صانعة محتوى بمصر (وزارة الداخلية)
توقيف صانعة محتوى بمصر (وزارة الداخلية)

تجددت وقائع القبض على صناع محتوى بمصر بسبب ارتكاب مخالفات وصفتها بيانات وزارة الداخلية وخبراء بأنها مرتبطة بترويج أفكار «صادمة» تتنافى وقيم المجتمع، بغرض تحقيق أرباح مادية، مع ظهور قضايا في فترات سابقة تنوعت بين ترويج الأفكار التي «تنال من قيم المجتمع»، وفق التوصيف القانوني لها، ونشر صور وفيديوهات تتضمن مقاطع «خارجة»، وصدرت على بعض الحالات أحكام بالحبس.

ورصدت وزارة الداخلية المصرية قيام صانعة محتوى بنشر مقاطع فيديو على صفحاتها بمواقع التواصل الاجتماعي تتضمن قيامها بالترويج لما أسمته «فوائد تعدد الأزواج والزوجات والإنجاب غير المُنسب بصورة تحريضية تتنافى مع الآداب العامة والقيم المجتمعية»، وفق بيان وزارة الداخلية.

وعقب تقنين الإجراءات، تم ضبط صانعة المحتوى المقيمة بدائرة قسم شرطة المطرية بالقاهرة وضبط بحوزتها هاتف محمول «بفحصه تبين احتواؤه على دلائل تؤكد نشاطها الإجرامي»، وفق بيان الوزارة، وبمواجهتها اعترفت بارتكابها الواقعة على النحو المشار إليه ونشرها مقاطع الفيديو عبر صفحاتها بمواقع التواصل الاجتماعي لزيادة نسب المشاهدات وتحقيق أرباح مالية.

ووصفت الخبيرة القانونية، هبة عادل، رئيسة مؤسسة «المحاميات المصريات لحقوق المرأة» الدعوات التي تروج لتعدد الأزواج أو غيرها من الأفكار التي تمس النظام العام والأسرة المصرية، بأنها «سلوك يتعارض مع القيم الدستورية والاجتماعية، حال ثبوت مخالفتها للقانون، وقد يرقى إلى صور من التحريض على الإفساد المجتمعي، بما يستوجب تطبيق القانون في إطارٍ من احترام ضمانات المحاكمة العادلة».

وأضافت لـ«الشرق الأوسط» أن «مواجهة الجرائم المرتكبة عبر منصات التواصل الاجتماعي لم تعد تقتصر على العقوبات التقليدية السالبة للحرية، وإنما تتطلب تطوير السياسة العقابية لتشمل تدابير تتناسب مع طبيعة الجريمة الرقمية، مثل تمكين القضاء من الأمر بحجب أو إغلاق الحسابات المستخدمة في ارتكاب الجريمة، أو تقييد استخدامها لفترات محددة، وفرض قيود على استخدام وسائل التواصل الاجتماعي أو الأجهزة الإلكترونية في الحالات التي يجيزها القانون».

وأكدت أن «المرحلة الحالية تستدعي أيضاً دراسة منح الجهاز القومي لتنظيم الاتصالات اختصاصات أوسع في مجال الضبطية القضائية، وفق ضوابط قانونية ورقابة قضائية تكفل تحقيق التوازن بين حماية الحقوق والحريات العامة، وإنفاذ القانون والتصدي للجرائم الإلكترونية والمحتوى الضار».

القبض على بلوغر لنشر فيديوهات بملابس خادشة للحياء في مصر (وزارة الداخلية)

وتنتشر هذه الظاهرة بشكل مطرد، أخيراً؛ إذ نشرت وزارة الداخلية المصرية على صفحاتها بوسائل التواصل نحو 5 حالات توقيف «بلوغرز» في مناطق مختلفة خلال 24 ساعة، لرصد ارتكابهن مخالفات خادشة للحياء، من بينها قيام صانعة محتوى بنشر مقاطع فيديو على صفحاتها بمواقع التواصل الاجتماعي تتضمن قيامها بالرقص بملابس خادشة للحياء تتنافى مع القيم المجتمعية.

ويرى الخبير في «السوشيال ميديا» والإعلام الرقمي محمد فتحي، أن «اقتصاد المنصات الرقمية القائم على المشاهدات والتفاعل قد يدفع بعض المؤثرين إلى تصعيد المحتوى المثير للجدل»، مضيفاً لـ«الشرق الأوسط»: «يبقى التحدي أمام الجهات التنظيمية هو تحقيق توازن بين حماية المجتمع، وصون حرية التعبير، وتطبيق القانون على الجميع وفقاً للضوابط والإجراءات القضائية».

وقال فتحي إنه «يجب على صناع المحتوى أن يكون لديهم الوعي والدراية الكافيَين لعدم التعرض لمحتوى جدلي أو خارج إطار القانون المحلي الذي يبث فيه المؤثر محتواه، فما يكون مسموحاً في مجتمع قد لا يكون مسموحاً في غيره».