«لا تنتظر ساعي البريد»... أنسي الحاج يتشكل بين ذاكرتين

فضاء تتجاور فيه الفلسفة والشعر والفكر في رسائل بين ندى الحاج وفريد الزاهي

فريد الزاهي
فريد الزاهي
TT

«لا تنتظر ساعي البريد»... أنسي الحاج يتشكل بين ذاكرتين

فريد الزاهي
فريد الزاهي

ليس كتاب «لا تنتظر ساعي البريد! رسائل بين ندى أنسي الحاج وفريد الزاهي» الصادر حديثاً في بيروت (دار نلسن - 2026) مجرّد مجموعة رسائل متبادلة بين شاعرة لبنانية وكاتب مغربي، نشأت بينهما صداقة أدبية بدأت من القراءة قبل أن تتحوّل إلى مراسلة، وتغذّت على ما كتب الزاهي وترجم، ولا سيّما ترجمته لكتابَي المستشرق الفرنسي هنري كوربان «الخيال الخلاّق في تصوّف ابن عربي»، و«مقدمة لمؤلفات شهاب الدين السهروردي الفلسفية والصوفية».

فمثل هذه القراءة، على الرغم من وجاهتها، تفوّت البنية العميقة للكتاب. إذ خلف الصداقة التي تنمو بين بيروت والمغرب، ثمة شخصية ثالثة لا تكتب رسالة واحدة فيه، ولا تظهر كموضوعٍ مباشر، لكنها حاضرة في تكوينه، عنيت شخصية الأب والصحافي والشاعر الغائب، أنسي الحاج، «موطن ندى»، على حدّ قول الزاهي، الذي جعله الرحيل أكثر حضوراً، وربما أكثر استعصاءً على الغياب.

ندى الحاج

تبدأ الحكاية، إذاً، من علاقة ابنة بأبيها، لكنها سرعان ما تتجاوز حدود السيرة العائلية، لتطرح سؤال الوجود وجمال المعرفة واللغة والأدب والموسيقى والترجمة والكلمات والتصوّف والحقيقة والروح والجسد والحرب والموت والأديان والكتابة والقراءة الورقية في زمن التقنيات الرقمية، ودور المقهى والصحافة واللقاء الثقافي في تشكيل الذاكرة الأدبية وغيرها من أسئلة الحياة. لذلك تبدو الرسائل في هذا الكتاب ذات وجهين متكاملين: رسائل تُوجَّه إلى فريد الزاهي، وردودٌ تخرج عن «المسالك المعبَّدة للكتابة»، تحلّق في فضاء رحب تتجاور فيه الفلسفة والشعر والفكر، وتتداخل فيه التجربة الإنسانية مع التأمل في الأسئلة الوجودية الأعمق، مستعيدةً بذلك تقليداً أصيلاً في الحوار، يعود إلى قرون بعيدة مع رسائل سينيكا إلى لوقيليوس ورسائل أبيقور إلى تلاميذه ومريديه، ورسائل شيشرون إلى أتيكوس، وديكارت ولوك، وروسو وديدرو، وفلوبير وجورج صاند، وصولاً إلى رسائل ألبير كامو وماريا كاساريس وسواهم، التي تجاوزت وظيفتها التواصلية صائرةً «وسيطاً للتفكير» واستكشاف الذات في حوار غير متزامن يتجاور فيه الحضور والغياب.

منذ الصفحات الأولى للكتاب يتبين أن الرسائل لا تنشأ من فراغ. إنها تأتي من تاريخ من الشعر والكتابة والذاكرة، ومن علاقة طويلة بين ندى وإرث أبيها. لكن الزاهي لا يكتفي بمجاراة ندى في استدعاء أنسي الحاج. لعله يعيد قراءة تجربتها في إعادة تركيب لما تفتحه الرسائل من أفقٍ تأمليّ وثقافيّ واسع. ولهذا فإن الحوار معه لا يمكن فصله عن السؤال الآتي: ماذا تفعل الابنة حين يكون الأب شخصاً تحبه، وكاتباً وشاعراً سبقها إلى اللغة، واسماً صار جزءاً من هويتها الأدبية؟

هنا تحديداً تتجاوز الرسائل بعدها الشخصي لتصبح نصّاً عن الميراث الشعري، والأبوة، والغياب، وفعل الحب، وتكوّن الذات والنسب الأدبي.

ومنذ الردّ الأول على رسالة «سَفرُ المرايا»، يلتقط الزاهي ما يتصل بالكتابة والشعر والنقد والترجمة والدين والرمزية، ليفتح فضاءً مشتركاً للشعر والفكر، مؤكداً أن الكتابة الحقيقية كشفٌ واكتشاف، وأن النّص حين يكون حيّاً يتحول من «شريك» إلى «فكر»، ومن تجربة فردية إلى معرفة. والأهم أن الزاهي لا يقرأ ندى بمعزل عن أبيها. فهو يعرف الحاج من داخل تجربته الثقافية، ويعرف موقعه في المشهد الشعري والفكري العربي. فإذا كانت ندى تملك الذاكرة الحميمة، فإن الزاهي يملك ذاكرة القارئ. وبين الذاكرتين يتشكل أنسي الحاج الذي لا يعود شخصية أحادية. إنه الأب الذي عاش في البيت، والشاعر الذي عاش في اللغة، والاسم الذي ترك أثراً في جيل كامل من الشعراء والكتّاب. ولذلك فإن رسائل الزاهي تبدو أحياناً وكأنها تحاول أن تحمي ندى من اختزال نفسها في نسبها الأدبي، دافعاً الحوار باتجاه ما فعلته الابنة بهذا الإرث وخطواتها على طريق الاستقلال عنه.

وتتجلى شخصية الزاهي بصورة أوضح في رسائله التي تتناول تجربته المغربية، والقراءة والكتابة والترجمة، وعلاقته بلبنان وبالتراث العربي. ففي رسالته «خطّ وقدر»، يستعيد تاريخ علاقته بالورق والقلم، ثم ينتقل إلى القرآن، وإلى بدايات وعيه باللغة والحفظ وإلى تجربته مع الكتابة اليدوية والصحافة والترجمة. هذه الاستطرادات ليست خارج موضوع المراسلة، إنها تكشف شيئاً جوهرياً: الزاهي لا يفسر تجربة ندى من الخارج، بل يضع سيرته وتجربته الخاصة إزاء تجربتها، فيصبح الحوار تبادلاً للسيرتين. ندى تتحدث عن الذاكرة، فيستدعي الزاهي ذاكرته كما في «جنوحٌ نحو القصيدة»؛ تتحدث عن الأب، فيستعيد هو أباه الأمي وسيرته وطفولته وآباءه الثقافيين؛ تتحدث عن الكتابة في «حرية وخفّة»، فيعود إلى تاريخ كتابته وقراءاته؛ تتحدث عن لبنان وبيروت والتجاور والتعايش الديني، فيعود إلى المغرب ومدنه ومساجده ومواقعه وأديرته المسيحية ومكتاباتها العامرة زمن الوجود الفرنسي وانفتاحها على الآخر كما في رسالته حول «التجاور الديني»، التي يقرأ فيها فضاء المغرب التاريخي والثقافي والديني، مستعيداً علاقته بالتراث المسيحي، ليصل إلى فكرة أعمق عن التعدد والحوار. وفي المقابل تستجيب ندى لهذه الرؤية من موقعها اللبناني، فيصبح المغرب ولبنان تجربتين مختلفتين لكنهما تلتقيان في سؤال التعدد والتعايش والذاكرة؛ وتتحدث عن الروحانية والتوق إليها، فيدخل معها إلى نصوص وحكم محي الدين بن عربي، وتردّ ندى محدثةً إياه عن تآلفها مع روح القرآن، وقد أتيح لها قراءته وحضور حلقات ذكر للشيخ النقشبندي محمد هشام قبّاني. فيحدثها الزاهي عن قراءاته للكتاب المقدس وتعاليمه وتأثيرها على بعض من تحوَّل إليها. وهكذا لا تسير الرسائل في خط مستقيم من سؤال إلى جواب، وإنما في «دوائر متراكبة»، كأن تفتح كل رسالة باباً لا يغلقه ردّ الزاهي بقدر ما يفتح باباً آخر يزخر بشتّى أنواع المعارف، معرّجاً على أسماء أدباء وفنانين كبار تأثروا بالثقافة المغربية الأصيلة التي فتنت «العابر والمقيم»، وغدت «منبعاً لمتخيل أدبي وبصري لا ينضب».

وتتناول الرسائل أيضاً موضوعات الجفاف والمطر والتقنيات الرقمية وتدويناتها النرجسية وتجارب الفنانين الكبار كبول كلي وماتيس وثقافته الفلسفية والكتابة السيرية والصمت والحب الذي يربطه الزاهي باللغة والزمن والوجود. ففي رسالة بعنوان «الحبُّ الجارف» يقارب الزاهي الحب كقوة تتجاوز إمكانية امتلاكها أو تحديدها، فيصله بالحياة وبالعلاقة بالآخر، ثم يجد له أفقاً صوفياً في قراءة ابن عربي الذي يفتح أمام ندى صورة أخرى للأبوة: أبوة روحية وثقافية تُكتسب بالاختيار والقراءة، لا بالدم. فإذا كان أنسي الحاج هو الأب الذي جاءت به الحياة، فإن ابن عربي واحد من الآباء الذين تختارهم الروح. هكذا يتسع مفهوم النسب، نسب الجسد، ونسب الشعر، ونسب الروح الذي يخرج علاقة ندى بأبيها من حدود العائلة إلى فضاء أوسع تتداخل فيه القراءة والتلمذة والبحث عن الذات. وهذا تحديداً ما يجعل الزاهي طرفاً ضرورياً في الكتاب: إنه لا يرد على ندى، بل يعيد صياغة أسئلتها. فإذا كانت الحاج تنطلق من التجربة لكي تصل إلى الفكر، فإن الزاهي كثيراً ما ينطلق من الفكر لكي يعود إلى التجربة، وبين الاتجاهين تنشأ حركة الكتاب كلها.

إن رسائل الزاهي تؤدي في الكتاب وظيفة «المرآة النقدية». لكنها ليست مرآة تعكس ندى كما هي؛ إنها مرآة تغيّر زاوية النظر إليها وإلى الأسئلة التي تثيرها. ولعل هذه الازدواجية هي التي تمنع الكتاب من التحول إلى سيرة وجدانية صائراً سؤالاً أدبياً وفكرياً يهم القارئ أينما كان.

ولا بدّ في هذا السياق من الإشارة إلى أن الزاهي ليس «المخاطَب» في هذه المراسلات فحسب؛ إنه «القارئ الأول الذي يشارك في صناعة النصّ». فمن خلاله تنتقل رسائل ندى من حميمية المراسلة إلى أدبية الحوار، ومن الاعتراف الشخصي إلى التفكير في الشعر والكتابة والذاكرة والموت. فالزاهي الآتي من خارج ذاكرة ندى العائلية، يستطيع أن يرى ما تعجز الذاكرة الحميمة أحياناً عن رؤيته. لذا يصبح شاهداً وقارئاً ورفيقاً في إعادة بناء المعنى. ولعله في قراءته لما تقوله ندى، يعيد السؤال إليها في صورة أخرى أو حركة متبادلة تمنح الكتاب حيويته، بحيث يصبح حواراً يتسع كلما اختلف الصوتان.

ومن الخاص إلى العام يمتد الكتاب نحو لبنان. وطن ندى الحاضر هنا كذاكرة وجرح وتجربة عيش. الأزمة اللبنانية، وانهيار الحياة العامة، والشباب الذين يحاولون مواصلة حياتهم وسط الانهيار، كلها تدخل في نسيج المراسلات. الكتابة تصبح مقاومة لفقدان المعنى؛ وحين يهدد الواقع بتفكيك الحياة، تستعيد الرسالة قدرتها على بناء علاقة وذاكرة وصوت للبنان الذي يظهر في هذه الصفحات كوطن محبوب ومجروح في آن، والذي تصعب مغادرته حتى حين يصبح العيش فيه امتحاناً يومياً عسيراً.

تنبع جاذبية الكتاب الأدبية من صعوبة وضعه في خانة واحدة. هو رسائل، وتأملات، واعترافات، وحوار فكري، ونصّ شعري موزع بين صوتين يفتحان جسوراً بين لبنان والمغرب، وبين الشعر والموسيقى والترجمة، وبين التراث والحداثة، والحوار الديني والتجربة الصوفية، والعيش المشترك والعبور بين الثقافات. قيمته في جعله الفكر يحدث أمامنا كتجربة حيّة لا تنتهي عند صفحاته الأخيرة. ذلك أن الحوار الحقيقي يبدأ حين يصمت كاتبا الرسائل، ويتركان للقارئ فسحةً يواصل فيها التفكير، ليكتشف أن الكتابة متصلة بالحياة اتصالاً عميقاً، وأنها إحدى الوسائل التي يعيد الإنسان من خلالها صياغة علاقته بذاته، وبالآخر، وبالماضي؛ متجذّراً في ما وراءه، وممتدّاً نحو ما ينتظره، وساعياً إلى آفاق فكرية لا حدَّ لها.

* كاتبة لبنانية


مقالات ذات صلة

تهافت الكتابة والنشر والتوقيع على الفراغ

ثقافة وفنون عراقيون يعاينون كتباً معروضة بشارع أبو نواس وسط بغداد ضمن فعالية «أنا عراقي أنا أقرأ» حيث وزع 30 ألف كتاب مجاناً (أ.ف.ب)

تهافت الكتابة والنشر والتوقيع على الفراغ

تكتسب الكتابة أهميتها البالغة من كونها خروجاً بالكلام من مستوى المشافهة والارتجال إلى مستوى التأليف والتركيب والمزاوجة غير العادية بين الألفاظ،

شوقي بزيع
ثقافة وفنون مجسمات أنثوية أموية من بوادي الشام

مجسمات أنثوية أموية من بوادي الشام

شيّد خلفاء بني أمية سلسلة من المنشآت المعمارية في نواحٍ متفرقة من بوادي بلاد الشام، خربت مع مرور الزمن، وتحوّلت إلى أطلال منسية بدت مجهولة الهويّة،

محمود الزيباوي
ثقافة وفنون تاريخ العنف في رواية سريلانكية

تاريخ العنف في رواية سريلانكية

صدر أخيراً عن «دار صفصافة للنشر»، في القاهرة، رواية «أقمار مالي ألميدا السبعة»، للروائي السريلانكي شيهان كاروناتيلاكا، بترجمة الشاعر والمترجم المصري ميسرة صلاح

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
ثقافة وفنون مهرجان «فريز» وصياغة الوعي البصري في سوق الفن العالمي

مهرجان «فريز» وصياغة الوعي البصري في سوق الفن العالمي

في قلب العاصمة البريطانية، لندن، وحتى قبل أن تتساقط الأوراق الخريفية بالكامل لتفرش دروب حديقة ريجنت بسجادها الذهبي،

فيء ناصر (لندن)
ثقافة وفنون «انخدعنا»... الحب والمدينة فوق سطح العالم الروائي

«انخدعنا»... الحب والمدينة فوق سطح العالم الروائي

تبدأ رواية «انخدعنا» (دار الشروق - القاهرة) للكاتبة المصرية دينا شحاتة من عتبة غنائية، تستعير عنوانها من أغنية للمطرب الشعبي الراحل حسن الأسمر،

منى أبو النصر (القاهرة)

هل يعيد الكتاب الصوتي رسم مستقبل القراءة؟

هل يعيد الكتاب الصوتي رسم مستقبل القراءة؟
TT

هل يعيد الكتاب الصوتي رسم مستقبل القراءة؟

هل يعيد الكتاب الصوتي رسم مستقبل القراءة؟

لم يعد الكتاب الصوتي يقف على هامش عالم النشر، بوصفه نسخة أخرى من كتاب سبق أن اكتملت حياته على الورق. ففي معرض فرانكفورت للكتاب، الذي أقيم بين السابع والحادي عشر من أكتوبر (تشرين الأول) 2026، احتلّ موقعاً بارزاً، لا بوصفه ابتكاراً في وسائل الإتاحة فحسب، بل بوصفه تجربة ثقافية تعيد طرح أسئلة القراءة نفسها: كيف نتلقّى الأدب حين نسمعه؟ وماذا يضيف صوت الراوي إلى النص؟ وهل تستطيع الحكاية، حين تغادر الصفحة إلى الأذن، أن تبلغ قرّاء لم تكن تصل إليهم من قبل؟

اللافت، أن المعرض منح هذا التحوّل حيّزاً أوسع ضمن «فرانكفورت أوديو»، فجمع بين مركز جديد للقاء الناشرين والمنتجين والمنصّات، ومساحات تتيح للجمهور اكتشاف الأعمال المسموعة والاقتراب من أصحابها. ولم يقتصر البرنامج على مناقشة الأسواق ووسائل الإنتاج؛ بل شمل لقاءات بين الكتّاب والرواة، وفضاءً للاستماع إلى أدب الفانتازيا.

حين يصبح الصوت جزءاً من الكتاب

ليس الكتاب الصوتي نصًّا مطبوعاً أضيف إليه تسجيل فحسب. ففي المسافة بين الكلمة المكتوبة والكلمة المنطوقة، ينشأ عمل آخر يشتغل على المعنى: نبرة تكشف التردّد، ووقفة تمنح الصمت ثقله، وإيقاع يقرّب الشخصيات أو يباعد بينها. لا يكتب الراوي الحكاية من جديد، لكنه يقترح سبيلاً إلى سماعها، ويصبح أداؤه ضرباً من التأويل؛ فقد يلتقط المستمع في جملة مألوفة سخرية خفيّة أو حزناً لم ينتبه إليه على الصفحة.

وتزداد هذه العلاقة خصوصية حين يقرأ الكاتب سيرته بنفسه. ففي النسخة المسموعة من «وأصبحت» لميشيل أوباما، التي أدّتها بصوتها، يغدو الاستماع لقاءً بين رواية الحياة والصوت الذي يستعيدها. وكانت دار «بنغوين راندوم هاوس» قد وصفت النسخة المسموعة من مذكراتها بأنها الأسرع مبيعاً بين كتبها الصوتية آنذاك.

أما الأعمال الروائية التي ارتبط بها القرّاء طويلاً، فتفتح النسخة المسموعة باباً آخر للعودة إليها. ومن الأمثلة الدالّة اهتمام «فرانكفورت» بعالم «هاري بوتر»؛ إذ تضمّن برنامجه لقاءً مع الأصوات التي أدّت الكتب بالألمانية. هنا لا يأتي الجمهور لاكتشاف الحكاية وحدها، بل للتعرّف إلى من منح شخصياتها حضورها المسموع؛ كأنّ للرواية ذاكرة صوتية تضاف إلى ذاكرتها المكتوبة.

على أن خصوصية هذه التجربة لا تجعل الاستماع أعلى منزلة من القراءة البصرية أو أدنى منها. فقارئ الورق يضبط سرعته، ويتوقّف عند عبارة، ويعود بعينه إلى صفحة سابقة، في حين يختبر المستمع زمناً يصوغه الأداء، وإن استطاع إيقافه أو استعادته. إنهما علاقتان مختلفتان بالنص، ليست امتحاناً لإثبات أفضلية أحدهما على الآخر. وتكمن جاذبية الكتاب الصوتي أيضاً في أنه يوسّع الأوقات التي يمكن للأدب أن يجد فيها مكاناً: في الطريق، وأثناء المشي، وبين الأعمال اليومية.

جمهور يتّسع... ومبيعات يصعب حصرها

تقدّم فرنسا صورة دالّة على اتّساع هذه الصلة. فحسب بارومتر «صوفيا» والنقابة الوطنية للنشر وجمعية أهل الأدب لاستخدامات الكتاب الرقمي والكتاب الصوتي، الذي أنجزه معهد «ميديامتري» ونُشر في 2026، استمع نحو 10.1 مليون شخص، أي 17 في المائة من السكان بين 6 و80 عاماً، إلى كتاب صوتي رقمي خلال الاثني عشر شهراً الماضية. وتكشف الدراسة أيضاً عن أن جمهور هذا النوع من الكتب أصغر سنًّا، في المتوسط، من جمهور الكتاب المطبوع. والأهم ثقافيًّا ليس الرقم وحده، بل ما يفتحه من سؤال: هل يصبح الصوت مدخلاً إلى الأدب لدى فئات لا تجعل القراءة الورقية عادة ثابتة؟

رأت لور ساجيه، المديرة العامة لدار «أوديوليب»، في اتّساع العرض فرصة لتجديد الجمهور. وقالت لصحيفة «لوموند»، في نوفمبر (تشرين الثاني) 2024، إن هذا التطوّر «سيجعل جمهور الكتاب الصوتي أصغر سنًّا، ويوسّع انتشاره». وربطت ذلك بإمكان تجربة مؤلّفين وأجناس مختلفة، بدلاً من حصر الاختيار منذ البداية في عنوان واحد. بهذا المعنى، قد تقود عتبة الاستماع السهلة إلى مغامرة أدبية: قصّة قصيرة لم يكن المتلقّي ليشتريها منفردة، أو كتاب للأطفال، أو كاتب يلتقيه للمرة الأولى.

غير أن عدد المستمعين لا يساوي عدد المشترين، ولا يكفي وحده لقياس مكانة الكتاب الصوتي في اقتصاد النشر. ففي مقالها «سبوتيفاي يربك عالم الكتاب الصوتي» المنشور في 26 نوفمبر (تشرين الثاني) 2024، أوضحت «لوموند» أن السوق الفرنسية لا تُقاس بدقّة، بسبب امتناع منصّات رئيسية عن نشر بياناتها، وقدّرتها آنذاك بنحو اثنين في المائة من قطاع النشر. وفي المقابل، تُظهر بيانات جمعية ناشري الكتب الصوتية الأميركية استمرار نموّ الإيرادات في الولايات المتحدة خلال 2025؛ إذ ارتفعت 9 في المائة لتبلغ 2.43 مليار دولار، بما يؤكّد أن الكتاب الصوتي لم يعد تجربة عابرة في أسواق النشر الكبرى. لكنّ نجاحه الثقافي يظلّ أوسع من حصيلته التجارية.

مَن يتحكّم في بوابة الاستماع؟

خلف الألفة التي يصنعها صوت الراوي، تقف وساطة أخرى أقلّ ظهوراً: المنصّة التي يكتشف عبرها المستمع كتابه. في فرنسا، رسّخت «أوديبل»، التابعة لـ«أمازون»، موقعاً مهيمناً في هذا المجال. وقدّرت صحيفة «لو فيغارو»، في مقالها «سبوتيفاي يستثمر مليون يورو لإنتاج كتب صوتية في أوروبا»، المنشور في 11 أبريل (نيسان) 2025، حصّتها آنذاك بنحو ثلثي السوق الفرنسية. وتناول المقال نفسه استثماراً أعلنت عنه «سبوتيفاي» لدعم الإنتاج في أسواق من بينها فرنسا وهولندا. وفي حديثها إلى «لوموند»، وصفت لور ساجيه عرضَي «أوديبل» و«سبوتيفاي» بأنهما «عرضان متكاملان»، يتيحان بيع كتب مختلفة. وأوضحت أن الاضطرار إلى مفاضلة حاسمة قد يدفع إلى اختيار الكتب الأشهر أو الأطول، في حين يشجّع إمكان التجربة على التنقّل بين مؤلّفين وأجناس أدبية قبل الاستقرار على عمل بعينه.

الناشرون بين توسيع الجمهور وحماية القيمة

لا يقف الناشرون خارج هذا التحوّل؛ فهم من يصنع مادّته الأدبية ويختار الأصوات التي تحملها. وفي فرنسا، تعمل دور متخصّصة، من بينها «أوديوليب» المرتبطة بهاشيت وألبان ميشيل، و«ليزي» التابعة لإديتيس، إلى جانب نشاط مجموعة «مادريغال»، على توسيع حضور الكتاب الصوتي. وقد ربط مسؤولو هذه الجهات وصول منصّات جديدة بإمكان تنويع الجمهور وإعادة تحريك أعمال من رصيدهم المنشور، لا بالاكتفاء بمرافقة الإصدارات الحديثة.

وفي هذا السياق، قال إريك ماربو، مدير المبيعات الرقمية في مجموعة «مادريغال»، لصحيفة «لوموند» إن العرض الجديد يتيح «استقطاب مستمعين عرضيّين جدد»، ولاحظ «تنوّعاً جميلاً في الأعمال المستمع إليها»، مرحّباً خصوصاً بالتفات الجمهور إلى عناوين أقدم في فهارس المجموعة. وهذه نقطة جوهرية في الرهان الثقافي: أن يمنح الصوت الكتاب حياة إضافية، وأن يعيده إلى التداول بعدما يكون قد ابتعد عن واجهات المكتبات.

وقد أعادت الكتب الصوتية إلى بعض روائع الأدب الكلاسيكي قرّاءً جدداً؛ فاستعادت «البؤساء» لفيكتور هوغو و«الكونت دي مونت كريستو» لألكسندر دوما حضورها بين المستمعين، كما سهّلت التسجيلات الصوتية الاقتراب من «البحث عن الزمن المفقود» لمارسيل بروست. وشهدت «كبرياء وهوى» لجين أوستن ارتفاعاً ملحوظاً في الاستماع، بما يثبت أن الصوت قادر على إحياء النصوص القديمة وإعادة الشباب إليها.

وبعيداً عن التفاؤل التجاري الذي يحمله هذا القول، فإن جمهور الكتاب الصوتي ليس كتلة واحدة؛ فتعدّد منافذ الوصول يمكن أن يتيح طرائق متباينة للقاء الأدب، بشرط أن يصاحبه تعدّد حقيقي في الأعمال المعروضة. ومن هنا يتّصل السؤال الثقافي بالتجاري: كيف تصل رواية أقلّ شهرة إلى الأذن التي قد تحبّها؟ وما الذي يضمن بقاء مكان للقصّة القصيرة، وللأعمال التي تحتاج إلى إصغاء صبور، حين يصبح الإقبال معياراً حاسماً في الاختيار؟ إن زيادة المعروض فرصة، لكنها لا تكفي وحدها لصون التنوّع. فليست قيمة الكتاب في قدرته على جمع ساعات الاستماع فحسب، بل في التجربة التي يتركها، ولو لدى جمهور محدود.


«صبرا وشاتيلا»... من منظور روائي

«صبرا وشاتيلا»... من منظور روائي
TT

«صبرا وشاتيلا»... من منظور روائي

«صبرا وشاتيلا»... من منظور روائي

يوثِّق كتاب «كتابة المذبحة... أشكال تناول صبرا وشاتيلا»، الصادر عن المركز القومي للترجمة بالقاهرة، للباحثة سمية ممدوح الشامي، الكثير من وقائعها، كما يأتي مواكباً للذكرى الرابعة والأربعين لحدث اختلط فيه السياسي بالإنساني بالثقافي، وتعددت بشأنه السرديات والشهادات، لكن المؤكد أنه يظل وصمة عار على جبين كل حر، حتى لو لم يعاصر وقائع إبادة المخيمين اللذين كانا يضمان لاجئين فلسطينيين في بيروت بين يومي 16 و18 سبتمبر (أيلول) 1982.

وحسب تقارير الأمم المتحدة، دخل مسلحون من «القوات اللبنانية»، الجناح العسكري لـ«حزب الكتائب»، إلى صبرا وشاتيلا، واستمرت عمليات القتل الجماعي نحو 43 ساعة لتخلف أعداداً غير مسبوقة من الضحايا، بينهم جثامين أطفال ونساء، لكن الكتاب الذي كان في الأصل آخر رسالة علمية بالإنجليزية ناقشتها الكاتبة والأكاديمية الراحلة رضوى عاشور قبل أسابيع من رحيلها في 30 نوفمبر (تشرين الثاني) 2014، يعيد تفكيك سردية المذبحة من منظور ثقافي ليرصد تجلياتها في التحليل الغربي والرواية العربية، على حد سواء.

يتوقف الكتاب، الذي ترجمته نسمة محمد دياب وياسمين أسامة الشيمي وراجعه عمرو زكريا عبد الله، بشكل خاص، عند تجارب ثلاثة مثقفين غربيين اختاروا أن ينظروا إلى المأساة الفلسطينية من خارج القوالب الجاهزة، وأن يستندوا إلى ما شاهدوه وقرأوه وعايشوه، بدلاً من الاكتفاء بإعادة إنتاج الخطاب الإعلامي السائد آنذاك.

على رأس هؤلاء يأتي الكاتب الفرنسي جان جينيه، لا سيما مقاله «أربع ساعات في شاتيلا» الذي يصف فيه، بلغة مشحونة بالألم، تفاصيل الصدمة التي خلفتها المشاهد التي رآها، كما توقف مطولاً عند إشكالية اللغة التي استخدمها الخطاب السياسي في وصف الفلسطينيين، وكيف يمكن لكلمة أو توصيف مختزل أن يحجب إنسانية الضحية ويطمس هويتها، كما ذهب إلى أن الواقعة تحولت من منظوره إلى مواجهة أوسع مع الاستبداد، بعد أن بات «يشتم رائحة الموت تنبعث من جسده»، وفق تعبيره.

وفيما يتعلق بالصحافي البريطاني روبرت فيسك، فقد اقترب من مأساة المخيم بأدوات التحقيق الصحافي الميداني، إذ توجه إلى المكان وعاين آثار المذبحة وطرح أسئلة مباشرة حول الروايات التي قُدمت لتفسير ما حدث، ومن بين ما لفت انتباهه الطريقة التي جرى بها استخدام اللغة، مثل استبدال تعبير فضفاض هو «أحداث» بكلمة «مذبحة»، أو حذف كلمة «فلسطيني» من بعض الصياغات، بما يسهم في طمس حقيقة ما جرى.

أما المفكر الأميركي نعوم تشومسكي، فيركز على الروايات الرسمية والحجج التي قُدمت حول المذبحة، محاولاً تفكيك ما اعتبره «تناقضات داخل بنيتها»، عبر أدوات التحليل والسخرية للكشف عن الفجوات بين ما قيل وما حدث على الأرض. كما توقف كذلك عند الطريقة التي يمكن أن يتحول بها الجدل السياسي إلى وسيلة لإغلاق النقاش، من خلال وضع «منتقدي الصهيونية» تلقائياً في مواجهة اتهامات بـ«معاداة السامية»، بما يصرف الانتباه عن مناقشة الظروف السياسية التي أحاطت بالمذبحة، على حد تعبيره.

في المقابل، تتوقف الباحثة عند ثلاث روايات عربية، هي: «الحب في المنفى» لبهاء طاهر، و«الطنطورية» لرضوى عاشور، و«باب الشمس» لإلياس خوري، إذ تتناول تلك النصوص المأساة من زوايا مختلفة، وتقدم سردية أدبية إبداعية لما حدث بالفعل، من خلال منظور فني يستند إلى سردية الواقع.

تضع «الحب في المنفى» الواقعة في سياق إنساني يتجاوز حدود فلسطين ولبنان، فالرواية تربط بين ما يواجهه المعارضون في العالم العربي وبين مآسٍ شهدتها شعوب أخرى، من تشيلي وغينيا إلى إسبانيا، لتصبح «صبرا وشاتيلا» واحدة من صور القمع التي يتعرض لها الإنسان عندما يتم إخضاع الآخرين وسلب حقوقهم بالقهر. وتقدم «الطنطورية» معالجة مختلفة، إذ تمتد أحداث الرواية زمنياً من نكبة 1948 إلى تحرير الجنوب اللبناني عام 2000، عبر حكايات الشخصيات وذكرياتها وما عاشته من تهجير وفقد، عبر سردية تمتزج فيها التفاصيل التاريخية مع جوانب من الحياة اليومية والتراث الشعبي الفلسطيني، مما يمنح الأحداث بعداً إنسانياً لافتاً. وتعيد «باب الشمس» بناء جانب واسع من تاريخ النكبة من خلال قصص الفلسطينيين وذاكرتهم، مثل سقوط قرى: عين الزيتون والبروة والشعب خلال عام 1948، فالكاتب هنا لا يتوقف فقط عند الأحداث الكبرى المحفورة في الوجدان العام، إنما يهتم أيضاً بالتفاصيل الصغيرة التي حفظها أصحابها، من أسماء الأماكن إلى حكايات العائلات وتجارب النزوح.


الشرق وتحولاته بعيون رحالة بريطاني

الشرق وتحولاته بعيون رحالة بريطاني
TT

الشرق وتحولاته بعيون رحالة بريطاني

الشرق وتحولاته بعيون رحالة بريطاني

تحت عنوان «الصراع حول أفريقيا»، صدر عن المركز القومي للترجمة في القاهرة الجزء الأول من كتاب «يوميات ويلفريد بلنت - سردية شخصية للأحداث من 1888 حتى 1914»، من تأليف الرحالة والشاعر والدبلوماسي البريطاني ويلفريد سكاون بلنت، ترجمة أسامة الغزولي.

يعد الكتاب سجلاً تاريخياً واجتماعياً يلتقي فيه الخاص بالعام، والسفر بالتأمل السياسي، عبر مفارقة نادرة لرجل انحاز للشرق وتعاطف معه ضد سياسات بلاده الاستعمارية، كما يكتسب أهمية خاصة للقارئ العربي لأنه يقدم شهادة شخصية مباشرة على مرحلة شديدة الاضطراب من تاريخ المنطقة، تمتد في الأصل إلى الفترة من 1888 إلى 1914.

عاش بلنت في الفترة من 1840 حتى 1922، وعمل في السلك الدبلوماسي البريطاني بين عامي 1858 و1869، ثم اتجه لاحقاً إلى السفر والكتابة، وارتبط اهتمامه بالشرق بعلاقته بزوجته الليدي آن بلنت، حفيدة الشاعر الإنجليزي لورد بايرون، إذ جاب الزوجان مناطق واسعة من الشرق الأوسط، وأسسا لاحقاً مزرعة لتربية الخيول العربية.

ورغم ذلك، لم يكن اهتمامه بالشرق مجرد شغف بالرحلات أو بالحياة البدوية، فقد تطور تدريجياً إلى موقف سياسي ناقد للإمبريالية البريطانية، بالتزامن مع موقف أقرب إلى الانبهار بالثقافة العربية.

وتكمن قيمة الكتاب في أن مؤلفه لم يكن مؤرخاً يكتب بعد عقود من وقوع الأحداث، وإنما رجل تحرك داخل دوائر سياسية واجتماعية متعددة، وشاهد شخصيات وأحداثاً وصراعات كانت لا تزال في طور التشكل، ولذلك تبدو اليوميات أقرب إلى كاميرا تتحرك بين لندن والقاهرة ومناطق الشرق، فتسجل الانطباعات والمحادثات والأخبار والقرارات، ثم تربطها بسياق سياسي أكبر.

ينتقل المؤلف إلى تونس وليبيا، في خطوة من شأنها توسيع زاوية النظر من مصر إلى شمال أفريقيا في الوقت الذي كانت فيه القوى الأوروبية تتنافس على المنطقة، كما أولى شبه الجزيرة العربية اهتماماً خاصاً، في إطاراهتمامه بالخيول العربية والمجتمعات البدوية، إذ انتقد النظرة الغربية المنحازة سلفاً ضد المجتمعات المحلية.

يتسع المشهد ليشمل السودان أيضاً، من خلال فصل «أم درمان وفاشودة»، حيث تدخل اليوميات في قلب التنافس البريطاني الفرنسي في أفريقيا، ضمن محطات التوتر بين القوتين في نهاية القرن التاسع عشر، مع تحول موقف المؤلف من «الاستشراق الرومانسي» في شبابه إلى بلورة موقف نقدي أكثر تماسكاً للسياسة الاستعمارية.

ولأنه شاعر في الأساس، لا يمكن فصل الحس الأدبي عن طريقة كتابة اليوميات لدى ويلفريد بلنت فحتى عندما يتناول الشأن السياسي المباشر لا يكتفي بتسجيل أسماء المسؤولين أو القرارات، إنما يهتم بالشخصيات وطباعها وعلاقاتها بما وراء التصريحات الرسمية، عبر لغة تجمع بين الصورة الأدبية ودقة المؤرخ والحس التوثيقي.

على هذه الخلفية، يصعب التعامل مع الكتاب بوصفه وثيقة محايدة فيما يتعلق بتناول الشأن المصري تحديداً، فالمؤلف نفسه شخصية سياسية ذات مواقف واضحة، فقد عاش خصماً للسياسة الإمبراطورية البريطانية، ومناصراً لثورة الزعيم الوطني أحمد عرابي، وهو ما يعني أن اختياراته لما يسجله وطريقته في وصف الشخصيات والأحداث تأثرت برؤيته الفكرية كناقد للإمبريالية ومتعاطف مع الحركة الوطنية المصرية.

من هنا تكتسب المواجهة بين بلنت واللورد كرومر، المندوب السامي البريطاني في القاهرة، أهمية خاصة لأنها تكاد تكون مواجهة بين رؤيتين متناقضتين لمصر بعيون إنجليزية، فالثاني يمثل الإدارة الاستعمارية ويدافع عن تجربتها في مستعمرات الشرق، بينما كان بلنت يرى أن الوجود البريطاني تحول إلى سيطرة سياسية تتعارض مع حق المصريين في تقرير مستقبلهم.

اللافت أن هذه اليوميات تجعل التاريخ أقل تجريداً وحيادية كما تمنحه بعداً شخصياً ملموساً، فبدلاً من أن نقرأ الاحتلال البريطاني للبلدان العربية في صورة تواريخ ومعاهدات وأسماء حكام، نراه من خلال رجل يتحرك بين لندن والشرق، ويتابع العلاقات بين القوى السياسية، ويراقب المجتمع والناس، ويكتب عن صراع الإمبراطوريات وهي تتوسع، على نحو يثبت أن الاستعمار لم يكن مجرد احتلال عسكري، وإنما شبكة من النفوذ المالي والإداري والسياسي والثقافي.