رفع أسعار المحروقات في مصر يعمّق المخاوف من الغلاء

الزيادة الجديدة أربكت الأسر وفجّرت اهتماماً وجدلاً «سوشيالياً»

مصريون يتخوفون من الغلاء بعد ارتفاع أسعار المحروقات (الشرق الأوسط)
مصريون يتخوفون من الغلاء بعد ارتفاع أسعار المحروقات (الشرق الأوسط)
TT

رفع أسعار المحروقات في مصر يعمّق المخاوف من الغلاء

مصريون يتخوفون من الغلاء بعد ارتفاع أسعار المحروقات (الشرق الأوسط)
مصريون يتخوفون من الغلاء بعد ارتفاع أسعار المحروقات (الشرق الأوسط)

ما إن تأكد سائق السيارة الأجرة (الميكروباص) المتوجهة من مدينة منوف بمحافظة المنوفية (في دلتا النيل) إلى القاهرة، صباح الجمعة، من اكتمال عدد ركابها، حتى أخبرهم وهو يهم بغلق باب السيارة أن «الأجرة زادت لـ25 جنيهاً»، وهي العبارة التي «أغضبت الركاب» اعتراضاً على رفع الأجرة 5 جنيهات كاملة، وذلك عقب قرار رفع أسعار المحروقات في مصر، مساء الخميس.

وعمق قرار الزيادة الجديدة على البنزين والسولار مخاوف المصريين من غلاء جديد يطول السلع والمنتجات والخدمات، كما أربك الأسر، وفجر اهتماماً وجدلاً على «السوشيال ميديا» ليتصدر هاشتاغ «#البنزين» منصة «إكس» الجمعة.

وقررت لجنة تسعير المنتجات البترولية في مصر، مساء الخميس، تحريك سعر البنزين والسولار، وأشارت إلى أن «القرار يأتي تماشياً مع الأسعار العالمية». وحسب مراقبين، فإن رفع سعر المحروقات سوف «ينعكس على تعريفة استقلال سيارات الأجرة والنقل العام». وقدر المراقبون الزيادة الجديدة بـ«نسب تتراوح ما بين 8 إلى 33 في المائة».

ومع تحرك سيارة الأجرة، تعالت أحاديث الركاب، ليقول أحدهم: «بعد تراجع سعر الدولار في السوق السوداء استبشرنا الخير، والآن مع تحرك المنتجات البترولية ستزيد أسعار السلع كافة». وأشار راكب آخر إلى أن «المشكلة أن أسعار المواصلات كافة سوف ترتفع، وبالتالي تحمل مصروفات وأعباء جديدة»، وبينما توقع أحد الركاب «ارتفاع أسعار تذاكر مترو الأنفاق وقطارات السكك الحديدية الفترة المقبلة»، ردت إحدى الراكبات بقولها إن «غلاء السلع خلال الأشهر الماضية سبب لنا ربكة، فما بالنا بالزيادات المتوقعة على السلع والمنتجات، خصوصاً وأننا في شهر رمضان، حيث يرتفع فيه إنفاق الأسر على السلع».

ومطلع مارس (آذار) الحالي سمح البنك المركزي المصري للجنيه بالانخفاض بما يصل لنحو 50 جنيهاً للدولار الواحد، وإعلانه التحول إلى نظام صرف مرن، وفق «آليات السوق»، بالتزامن مع توقيع مصر برنامج قرض بقيمة 8 مليارات دولار مع صندوق النقد الدولي. (الدولار يساوي 46.6 جنيه مصري حتى مساء الجمعة).

واستقبل المصريون شهر رمضان هذا العام في ظل أعباء اقتصادية، عقب ارتفاعات متتالية في أسعار السلع منذ بداية العام الحالي، خصوصاً المواد الغذائية، ومنتجات الألبان، واللحوم، والدواجن، كما رفعت وزارة النقل المصرية أسعار تذاكر مترو الأنفاق مطلع يناير (كانون ثاني) الماضي.

الخبير الاقتصادي المصري، الدكتور أشرف غراب، يرى أن «التوترات الجيوسياسية والحروب التي يشهدها العالم تسببت في رفع أسعار النفط والغاز عالمياً، وبالرغم من أن الدولة المصرية زادت من مخصصات دعم أسعار البنزين والسولار والمواد البترولية الأخرى في الموازنة العامة للعام المالي الجديد، لكن الزيادة العالمية في سعر الوقود فاقت هذه الزيادة، خصوصاً بعد استمرار هجمات الحوثيين على السفن بالبحر الأحمر، التي تسببت في رفع تكلفة الشحن والنقل والتأمين وزادت من سعر النفط عالمياً».

أيضاً شهد الفضاء الإلكتروني نقاشات مماثلة، الجمعة، حيث فجر التسعير الجديد للمنتجات البترولية اهتماماً وجدلاً على «السوشيال ميديا»، ومعه ارتفع إلى صدارة التريند، «هاشتاغات»: «#البنزين»، و«#المواد البترولية»، «#المواصلات العامة»، التي وجدت تفاعلاً كبيراً من رواد التواصل الاجتماعي.

«زيادة رسوم جميع المواصلات العامة، على جميع المواطنين ربط الأحزمة»، قالتها «نور» عبر حسابها بموقع «إكس»، في إشارة إلى زيادة أسعار المحروقات، تعليقاً على تصريحات وزير التنمية المحلية المصري، هشام آمنة، حول متابعته مع المحافظين الإجراءات المتخذة عقب تحريك أسعار المواد البترولية.

وأكد الوزير المصري أن المحافظات شهدت، الجمعة، عقد اجتماعات موسعة للمحافظين مع الأجهزة التنفيذية والمعنية بالمحافظات لتحديد أسعار تعريفة الركوب الجديدة، ووجه المحافظين بـ«تكثيف حملات الرقابة على مواقف السيارات، لمتابعة الالتزام بتعريفة الركوب الجديدة والتصدي لمحاولات الزيادة بصورة منفردة أو تقسيم خطوط السير».

ووفق الزيادة الجديدة على المحروقات، تقرر تحريك سعر البنزين والسولار جنيهاً واحداً، لتصبح قيمة لتر بنزين 80 بعد الزيادة 11 جنيهاً، وبنزين 92 بعد الزيادة 12.50 جنيه، وبنزين 95 بعد الزيادة 13.5 جنيه. كما تم زيادة سعر السولار جنيهاً و75 قرشاً للتر الواحد ليصبح سعر لتر السولار 10 جنيهات.

بينما قال حساب باسم «ابن النيل» إن تحريك أسعار المواد البترولية يُحدث «انعكاساً سلبياً على ارتفاع الأسعار وعدم تحجيمها».

وحسب الخبير الاقتصادي المصري، فإن «رفع أسعار السولار سيزيد من تكلفة الشحن والنقل للبضائع والسلع، لأنه يتم نقلها على سيارات النقل التي يتم تموينها بالسولار، وبالتالي ستزداد أسعار النقل والشحن، وهذا يؤدي لرفع أسعار السلع، ما ينعكس بالسلب على معدلات التضخم فيزيد». وأظهرت بيانات الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء أن التضخم السنوي لأسعار المستهلكين في المدن المصرية قفز إلى 35.7 في المائة في فبراير (شباط) الماضي من 29.8 في المائة في يناير الماضي، مدفوعاً بشكل أساسي بارتفاع أسعار المواد الغذائية والمشروبات.

ودخل رجل الأعمال المصري، نجيب ساويرس، على خط التعليقات، قائلاً عبر حسابة على «إكس»: «المفروض إن بنزين 95 يزيد بنسبة أعلى، لأن من يستعمله الطبقات الأغنى والسيارات الفارهة»، وهي «التغريدة» التي لاقت تفاعلاً كبيراً من جانب المتابعين له.

كما تعددت التعليقات التي ربطت بين الزيادات الجديدة للمحروقات برواتب الموظفين الرسميين في البلاد، وقال حساب باسم «راجي عفو الله» إن «مشكلة رفع سعر البنزين والسولار إن أكثر واحد متضرر منها هم الموظفون».

عودة إلى غراب، الذي قال لـ«الشرق الأوسط» إنه للتحكم في أسعار السلع «لا بد من تحديد هامش للربح لأغلب السلع، خصوصاً بعد انخفاض أسعار الدولار بالسوق السوداء وتوافره في البنوك الرسمية للمستوردين والصناع والمنتجين بسعر أقل، وبالتالي كان من المفترض أن تنخفض أسعار السلع الفترة المقبلة، لذا لا بد من فرض رقابة صارمة على الأسواق لعدم التلاعب واستغلال ارتفاع أسعار السولار وزيادة الأسعار بمعدلات تؤثر بالسلب على معيشة المواطن».

أيضاً أكد عضو لجنة الشؤون الاقتصادية بمجلس النواب المصري (البرلمان)، النائب عمرو هندي، لـ«الشرق الأوسط»، أنه «لتقليل مخاوف المصريين من الغلاء بعد تحريك أسعار المحروقات، لا بد أن تُشدد الحكومة المصرية من الرقابة على الأسواق، وأن يكون لها دور رقابي أكبر، فالمغالاة في أسعار السلع يتسبب فيها التجار، وهو ما رأيناه خلال الشهور الماضية، أما في الوقت الحالي فلا مبرر للتجار لرفع الأسعار مجدداً بعد تراجع الدولار في السوق السوداء».

كما حضرت السخرية أيضاً على «السوشيال ميديا» بسبب أسعار المحروقات، وقال حساب باسم «سامح عسكر» تعليقاً على ما ذكرته «لجنة التسعير» بأن الزيادة تأتي نتيجة الأسعار العالمية، «ما تخلوا الرواتب برضه تماشياً مع الأسعار العالمية». وكذلك سخر حساب باسم «سارة الحسيني»، قائلاً: «بمناسبة عيد الأم قررنا رفع أسعار المواد البترولية».


مقالات ذات صلة

متهم في قضية «التآمر على أمن تونس» يبدأ إضراباً عن الطعام

شمال افريقيا الناشط الحقوقي التونسي العياشي الهمامي (متداولة)

متهم في قضية «التآمر على أمن تونس» يبدأ إضراباً عن الطعام

أعلن المحامي والناشط الحقوقي التونسي البارز، العياشي الهمامي، الموقوف بسجن المرناقية وسط تونس العاصمة، اليوم (الجمعة)، الدخول في إضراب عن الطعام.

«الشرق الأوسط» (تونس)
شمال افريقيا من أول اجتماع للحكومة بعد نهاية عطلتها السنوية (الرئاسة)

الحكومة الموريتانية تستأنف اجتماعاتها وسط جدل سياسي محتدم

عادت الحكومة الموريتانية إلى اجتماعاتها الأسبوعية، الأربعاء، بعد 3 أسابيع من التوقف بسبب عطلة الرئيس محمد ولد الشيخ الغزواني ونصف أعضاء الحكومة.

الشيخ محمد (نواكشوط)
لمسات الموضة داريو فيتالي (تصوير: جانيت مونتغومري بارون)

داريو فيتالي مديراً إبداعياً لـ«إمبوريو أرماني»

خرج المصمم الإيطالي داريو فيتالي من دار «فيرساتشي» بعد مجموعة واحدة. والآن عُيّن مديراً إبداعياً لخط «إمبوريو أرماني»،.

«الشرق الأوسط» (لندن)
شمال افريقيا الرئيس الموريتاني محمد ولد الشيخ الغزواني (الرئاسة)

موريتانيا تستدعي السفير الإيراني بسبب «تحركاته»

استدعت وزارة الخارجية الموريتانية السفير الإيراني في نواكشوط، جواد أبو علي، وأبلغته الاحتجاج على «بعض التصرفات والتحركات» التي قام بها.

الشيخ محمد (نواكشوط)
لمسات الموضة بين دقة التفصيل وجنون التفاصيل (ألكسندر ماكوين)

«ألكسندر ماكوين» تعود إلى أسبوع لندن للموضة

بعد غياب استمر نحو 4 سنوات منذ آخر عرض قدمته دار «ألكسندر ماكوين» في العاصمة البريطانية.

«الشرق الأوسط» (لندن)

الرئيس الموريتاني يدعو إلى مراجعة النظام والمؤسسات السياسية في البلاد 

الرئيس الموريتاني محمد ولد الشيخ الغزواني (الرئاسة)
الرئيس الموريتاني محمد ولد الشيخ الغزواني (الرئاسة)
TT

الرئيس الموريتاني يدعو إلى مراجعة النظام والمؤسسات السياسية في البلاد 

الرئيس الموريتاني محمد ولد الشيخ الغزواني (الرئاسة)
الرئيس الموريتاني محمد ولد الشيخ الغزواني (الرئاسة)

دعا الرئيس الموريتاني محمد ولد الشيخ الغزواني، الأحد، إلى إعادة النظر في النظام والمؤسسات السياسية في بلاده لمواءمتها مع متطلبات الحقبة الراهنة.

وقال في خطاب ألقاه في مدينة إطار، في مستهل زيارة لولاية آدرار، إن الحوار الوطني الشامل المرتقب يجب أن يفضي إلى «إجماع واسع» حول القضايا الوطنية الكبرى، وأن يسهم في تعزيز المواطنة والعدل والإنصاف وتقوية مؤسسات الدولة.

وأوضح أنه يأمل في أن «يوفق الحوار الوطني الشامل، الذي ينعقد قريبًا، في الخروج بإجماع واسع حول كبريات قضايانا الوطنية».

وجاءت دعوة الغزواني قبيل إنطلاق الحوار الذي يجري الإعداد له منذ أشهر، بعد اعتماد «الدليل العملي للحوار» الذي حدد أربعة محاور رئيسية للنقاش، تتعلق بالوحدة الوطنية والانسجام الاجتماعي، والنموذج الديمقراطي، والحوكمة، وإدماج الفئات الهشة والوقاية من المخاطر والتهديدات.

وقال ولد الغزواني إن الهدف من الحوار هو تعزيز «العقد الوطني» بما يجعله أكثر قدرة على استيعاب التحولات التي يشهدها المجتمع وأكثر تعبيرًا عن تطلعات الأجيال الجديدة، مؤكدًا أن ذلك «لا يعني إعادة تعريف الوطن» أو المساس بأسسه ومبادئه الجمهورية وهويته الثقافية والحضارية.

وأضاف أن المطلوب هو أن تخرج المشاركات والنقاشات بما «يقوي لمة المجتمع، ويعزز رباط المواطنة، ويرسخ العدل والإنصاف، ويجعل مؤسساتنا أكثر قوة وانسجامًا وفعالية».

وشدد الرئيس على أن الحوار يجب أن يكون «شاملًا وجادًا»، وألا يخضع لمحظورات أو «توجيهات إملائية» من أي جهة، وأن تأتي مخرجاته حصراً من مداولاته.

وكانت المعارضة قد هددت بمقاطعة التحضيرات الجارية للحوار إذا تضمن النقاش المساس بمواد الدستور المحصنة التي تحظر على رئيس الجمهورية ممارسة أو البقاء في السلطة لأكثر من فترتين رئاسيتين متتاليتين مدة كل واحدة منهما خمس سنوات وهو ما تسعى أحزاب الموالاة إلى تعديله للسماح للغزواني بالترشح لولاية ثالثة.


تساؤلات حول تشكيل السلطة التنفيذية الجديدة في ليبيا بعد اتفاق «4+4»

المبعوثة الأممية لدى ليبيا هانا تيتيه خلال اجتماعها مع أعضاء من المجلس الأعلى للدولة - 19 سبتمبر (البعثة الأممية)
المبعوثة الأممية لدى ليبيا هانا تيتيه خلال اجتماعها مع أعضاء من المجلس الأعلى للدولة - 19 سبتمبر (البعثة الأممية)
TT

تساؤلات حول تشكيل السلطة التنفيذية الجديدة في ليبيا بعد اتفاق «4+4»

المبعوثة الأممية لدى ليبيا هانا تيتيه خلال اجتماعها مع أعضاء من المجلس الأعلى للدولة - 19 سبتمبر (البعثة الأممية)
المبعوثة الأممية لدى ليبيا هانا تيتيه خلال اجتماعها مع أعضاء من المجلس الأعلى للدولة - 19 سبتمبر (البعثة الأممية)

تترقب الأوساط السياسية في ليبيا الخطوات المقبلة لتطبيق اتفاق «4+4» الذي وافق عليه مجلس النواب الأسبوع الماضي، وسط تساؤلات عن موعد وآلية تدشين السلطة التنفيذية الموحدة التي تقود البلاد نحو الانتخابات العامة، وإنهاء الانقسام السياسي والحكومي.

ووفق مسودة اتفاق «4+4»، الموقعة نهاية أغسطس (آب) الماضي، برعاية البعثة الأممية وممثلين عن شرق ليبيا وغربها، فإنه يتعين إجراء انتخابات تشريعية ورئاسية خلال فترة لا تتجاوز 24 شهراً في ظل سلطة تنفيذية واحدة ومؤسسات وطنية موحدة، لكن الاتفاق لم يكشف تفاصيل آلية بناء هذه السلطة، وهل ستكون حكومة تكنوقراط، أم توافقية تضم شخصيات مقربة من القوى الفاعلة.

آلية لحسم الملف

يرى رئيس حزب «صوت الشعب»، فتحي الشبلي، أن البعثة لا تزال تحتاج إلى وقت للكشف عن تفاصيل خطتها لنقل الاتفاق من مرحلة التوقيع إلى التطبيق على الأرض، وإنهاء الانقسام الراهن، منوهاً بأن كيفية تشكيل السلطة التنفيذية وموعد انطلاقها أمر يحظى باهتمام من النخب السياسية التي سألت البعثة بدورها عن الأمر دون تلقِّي إجابة واضحة حتى الآن.

ويعتقد الشبلي بوجود «تضارب» بين حديث نائبة المبعوثة الأممية، ستيفاني خوري، عن تشكيل حكومة جديدة، وما يتحدث عنه المقربون من حكومة «الوحدة» و«الجيش الوطني» بشأن سلطة تنفيذية تضم مجلساً رئاسياً وحكومة، وتقاسم مقاعد الأخيرة بشكل توافقي بين الطرفين، معبراً عن قناعته «بوجود مؤشرات قوية تدعم الطرح الأخير».

وتعيش ليبيا انقساماً بين حكومة «الوحدة الوطنية» المؤقتة في طرابلس برئاسة عبد الحميد الدبيبة، وأخرى برئاسة أسامة حماد تدير شرق البلاد وبعض مناطق الجنوب بتكليف من البرلمان ودعم من «الجيش الوطني» بقيادة المشير خليفة حفتر.

نائبة المبعوثة الأممية ستيفاني خوري خلال لقاء مع مجموعة من فريق «الحوار السياسي والمصالحة» في ليبيا الأسبوع الماضي (البعثة الأممية)

بدوره، توقع المحلل السياسي الليبي حسام الدين العبدلي، أن تسعى البعثة الأممية إلى تشكيل لجنة حوار سياسي جديدة تضم نحو 47 عضواً، بوصف ذلك آلية لحسم ملف السلطة التنفيذية، في تكرار لسيناريو اتفاقَي «الصخيرات» و«جنيف» اللذين رعتهما البعثة.

وأشار في تصريح لـ«الشرق الأوسط»، إلى أن لقاءات البعثة الأخيرة مع قوى سياسية واجتماعية وممثلي مكونات ثقافية عززت توجهها نحو تشكيل تلك اللجنة، لكنه يعتقد أن الصياغة النهائية لشكل هذه اللجنة ومعايير اختيارها لم تحدد بعد.

وقال: «إدراك البعثة تخوفات مجلسي (النواب) و(الأعلى للدولة) من تجاوز دورهما في المرحلة المقبلة قد يجعلهما، كعادتهما، يعرقلان أي توافق؛ وبالتالي خططت من البداية لعدم رهن تطبيق الاتفاق بمواقفهما».

واستبعد العبدلي وجود خلاف بين القوى الفاعلة في شرق ليبيا وغربها على مقاعد الحكومة المقبلة، معرباً عن قناعته بـ«تدخل دولي، تحديداً من أميركا، لحسم الحقائب السيادية، كالدفاع والداخلية والخارجية والمالية، في ظل تراجع الوضع الاقتصادي للبلاد».

واعتبر أن أي خلافات أخرى «لن تكون ذات جدوى، خصوصاً مع وجود تفاهمات ترضي الطرفين»، وسط توقعات بمنح القيادة العامة لـ«الجيش الوطني» رئاسة المجلس الرئاسي، ووجود الدبيبة على رأس الحكومة الموحدة.

إلا أنه لفت إلى أن الخلاف قد ينشب إذا اقتصر الاتفاق على حكومة موحدة دون مجلس رئاسي جديد، ويرى أن ممثلي «الجيش الوطني» لن يرضوا بذلك.

لجنة للحوار السياسي

كانت الممثلة الخاصة للأمين العام للأمم المتحدة، هانا تيتيه، قد بحثت مع أعضاء من المجلس الأعلى للدولة مستجدات الوضع السياسي والاقتصادي وسبل تنفيذ «خريطة الطريق» الأممية عقب اتفاق «4+4»، مؤكدة التزام البعثة بالعمل مع جميع الأطراف الليبية، وفق توصيات «الحوار المهيكل» لتهيئة الظروف الملائمة لإجراء الانتخابات الوطنية.

ورغم توافقه مع الآراء السابقة بشأن احتمالية توجه البعثة إلى تشكيل «لجنة حوار سياسي لإخراج السلطة التنفيذية الجديدة ومنحها غطاءً سياسياً»، توقع المحلل السياسي الليبي محمد محفوظ أن يواجه ذلك عقبات.

ولفت محفوظ في حديث لـ«الشرق الأوسط»، إلى أن البعثة قد تجري قريباً اجتماعات منفصلة مع الوفدين الممثلين لحكومة «الوحدة» و«الجيش الوطني» بشأن السلطة التنفيذية.

ولفت مراقبون إلى أن اجتماعات البعثة المقبلة قد تمتد إلى قوى إقليمية ودولية مؤثرة، كالقاهرة وأنقرة وموسكو، في ضوء مراقبتها الدقيقة لأي تحرك يمس مصالحها السياسية والاقتصادية.

وكان كبير مستشاري الرئيس الأميركي للشؤون الأفريقية، مسعد بولس، قد قال إن المبادرة التي طرحها بشأن ليبيا والمبادرة الأممية «مكملتان بعضهما لبعض»، ولفت إلى أن المبادرة الأميركية «ستركز على كيفية إدارة مرحلة العامين التحضيرية للانتخابات، تحديداً توحيد المؤسسات».


معلمو ليبيا يلوّحون بالإضراب العام

وزير التعليم بحكومة «الوحدة» محمد عبد السلام القريو مجتمعاً مع عدد من مراقبي التربية والتعليم بالمنطقة الغربية والوسطى يوم الأحد (الوزارة)
وزير التعليم بحكومة «الوحدة» محمد عبد السلام القريو مجتمعاً مع عدد من مراقبي التربية والتعليم بالمنطقة الغربية والوسطى يوم الأحد (الوزارة)
TT

معلمو ليبيا يلوّحون بالإضراب العام

وزير التعليم بحكومة «الوحدة» محمد عبد السلام القريو مجتمعاً مع عدد من مراقبي التربية والتعليم بالمنطقة الغربية والوسطى يوم الأحد (الوزارة)
وزير التعليم بحكومة «الوحدة» محمد عبد السلام القريو مجتمعاً مع عدد من مراقبي التربية والتعليم بالمنطقة الغربية والوسطى يوم الأحد (الوزارة)

تواجه حكومة «الوحدة الوطنية» الليبية المؤقتة اعتصاماً جديداً يُضاف إلى سلسلة من الأزمات والاحتجاجات المتصاعدة في البلاد، مع تمسك المعلمين بمطالبهم ورفضهم ما وصفوه بـ«تحويل حقوقهم إلى وعود مؤجلة». ويأتي التحرك في وقت تواجه فيه السلطات ضغوطاً متزايدة على ملفات خدمية وأمنية ومعيشية عديدة.

جانب من اعتصام معلمي مدرسة شهداء الانتصار للتعليم الأساسي في «أبو سليم» بطرابلس يوم الأحد (من مقطع فيديو بثته النقابة العامة للمعلمين)

وأعلن رئيس «حراك المعلمين» في ليبيا، أشرف الهادي، استمرار الاعتصام السلمي المنظم الذي ينفذه المعلمون حتى انتهاء المهلة المحددة للحوار مع الجهات الرسمية، مؤكداً أن الهدف هو الوصول إلى حلول حقيقية وتنفيذ مطالب المعلمين، وليس تعطيل العملية التعليمية.

وقال الهادي في تصريحات نقلتها وسائل إعلام محلية إن الإضراب العام «يظل أحد الخيارات المطروحة إذا انتهت المهلة دون استجابة جدية ونتائج ملموسة». وأضاف: «الحراك يُفضّل الحوار، لكنه يشترط أن يتحول إلى قرارات واضحة وجدول زمني وآليات محددة للتنفيذ».

وتشمل مطالب المعلمين معالجة المرتبات، وتسوية الفروقات والمستحقات المالية، وتوفير التأمين الصحي، وتحسين الوضع الوظيفي والمعيشي، وإصدار قانون لحماية المعلم.وفي السابع من سبتمبر (أيلول) الجاري، أعلن الحراك عن مهلة 15 يوماً لتنفيذ مطالب المعلمين.

وأوضح الهادي أن باب التفاوض مفتوح بشأن آليات التنفيذ، وليس حول أصل الحقوق، وأكد أن الحراك لم يتلقّ تواصلاً رسمياً مباشراً بالقدر المطلوب حتى الآن، داعياً الجهات صاحبة القرار إلى «فتح حوار جاد ومسؤول»، كما ناشد المعلمين الحفاظ على وحدتهم والالتزام بالسلمية والتنظيم خلال المرحلة المقبلة.

يأتي هذا في خضم موجة احتجاجات واعتصامات واسعة النطاق بدأت مع انطلاق العام الدراسي الجديد في منتصف الشهر الجاري، وامتدت من العاصمة طرابلس ومدن المنطقة الغربية مثل مصراتة وبني وليد وأبو سليم إلى بنغازي ومناطق أخرى في الشرق والجنوب.

وأعلنت نقابات معلمين في بلديات الغرب اعتصاماً مفتوحاً وإضراباً عن العودة إلى الدراسة، قائلة إنه جاء نتيجة «استمرار تجاهل حقوق المعلمين، وليس بهدف عرقلة التعليم».

وأدت هذه التحركات إلى إرباك انطلاق الدراسة في كثير من المدارس، حيث ظلت أبوابها مغلقة أو شبه فارغة في الأيام الأولى من العام الدراسي، فيما يشكو المعلمون من أن مرتباتهم، التي لا تتجاوز في كثير من الحالات 2000 دينار شهرياً، لم تعد تتناسب مع ارتفاع تكاليف المعيشة، إضافة إلى تأخر صرف المستحقات وغياب التأمين الصحي الفعال. والدولار يساوي 6.33 دينار في السوق الرسمية، و9.56 دينار في السوق الموازية.

في مقابل ذلك عقد وزير التربية والتعليم بحكومة «الوحدة»، محمد عبد السلام القريو، اجتماعاً موسعاً مع عدد من مراقبي التربية والتعليم بالمنطقتين الغربية والوسطى، الأحد، لمتابعة انطلاقة العام الدراسي الجديد الذي بدأ في 13 من الشهر الجاري، والوقوف على جاهزية المؤسسات التعليمية.

وقالت الوزارة في بيان، الأحد، إن القريو أكد أن المعلم «يمثل الركيزة الأساسية للعملية التعليمية»، مشدداً على «التزام الوزارة الكامل بحماية حقوقه، وتحسين أوضاعه المهنية والمعيشية، وتمكينه من أداء رسالته بكفاءة».

كما أشار إلى أن «ضمان حق الطلاب في تعليم جيد وعادل وشامل، داخل بيئة آمنة ومحفزة، يُعد أولوية وطنية لا تنازل عنها»، منوهاً إلى أن استقرار المؤسسات التعليمية وانتظام الدراسة مسؤولية مشتركة تستوجب تكثيف المتابعة الميدانية، وترسيخ الانضباط والمساءلة، إلى جانب تفعيل منظومة الحوافز للقيادات والمدارس المتميزة.

ويحذر مراقبون من أن استمرار الاحتقان داخل صفوف المعلمين دون حلول ملموسة قد يؤدي إلى تصعيد أوسع يشمل إضراباً عاماً، مما يفاقم الضغط على العملية التعليمية في البلاد.