انقطاع الطمث لدى الحيتان قد يفسر هذه الحالة لدى النساء

حوت يقفز من الماء في البحر بالقرب من راوسو هوكايدو اليابان (رويترز)
حوت يقفز من الماء في البحر بالقرب من راوسو هوكايدو اليابان (رويترز)
TT

انقطاع الطمث لدى الحيتان قد يفسر هذه الحالة لدى النساء

حوت يقفز من الماء في البحر بالقرب من راوسو هوكايدو اليابان (رويترز)
حوت يقفز من الماء في البحر بالقرب من راوسو هوكايدو اليابان (رويترز)

يمكن لتفسير انقطاع الطمث لدى أنواع معينة من الحيتانيات أوردته دراسة حديثة أن يلقي الضوء على سبب هذه الحالة الطبيعية لدى النساء، إذ إن هذه السمة الخاصة قد ترتبط بطول العمر المتوقع لدى إناث الحيتان والبشر.

يتساءل العلماء عن الآلية التي تمنع الأنثى من التكاثر رغم أنه لا تزال أمامها سنوات طويلة لتعيشها، في حين تغتنم معظم الحيوانات كل فرصة للتكاثر، وفقا لما ذكرته وكالة «الصحافة الفرنسية».

ويزداد الغموض لأنه من بين خمسة آلاف نوع من الثدييات، يطال انقطاع الطمث فقط النساء وخمسة أنواع من الحيتانيات المسنة، بما فيها الحيتان القاتلة (الأوركا) وكركدن البحر. ولكن ذلك لا يطال الدلافين بين هذه الحيتانيات ذوات الأسنان.

وقارن فريق من الباحثين البريطانيين بين هاتين المجموعتين لمحاولة فهم سبب وصول إحداهما إلى انقطاع الطمث، وما يمكن استخلاصه عن الآلية لدى النساء.

فعلى الرغم من اختلافاتنا، يشترك البشر في «مسار حياة متقارب» مع هذه الحيوانات البحرية لا بد أنه شجّع على ظهور انقطاع الطمث، على ما توضح الدراسة التي نشرتها أخيراً مجلة «نيتشر».

وتستند الدراسة إلى فرضيات عدة تفسر انقطاع الطمث، خصوصاً تلك المتعلقة بمتوسط العمر المتوقع.

«فرضية الجدة»

تعيش إناث الأنواع الخمسة من الحيتانيات المسنة مع انقطاع الطمث حوالى 40 عاماً أطول من الحيتانيات الأخرى من الحجم نفسه. كما أنها تعيش بشكل عام أعماراً أطول من الذكور من جنسها.

ذيل الحوت الأحدب يظهر في مضيق غيرلاش في القارة القطبية الجنوبية (أ.ف.ب)

وأوضح المعد الرئيسي للدراسة صامويل إليس من جامعة إكستر، في مؤتمر صحافي أن إناث الحيتان القاتلة «تعيش عادةً ما بين 60 أو 70 عاماً، لكن الذكور جميعاً تفارق الحياة قبل سن الأربعين».

يدعم هذا الواقع «فرضية الجدة» التي بموجبها تعتني الإناث الأكبر سنا بأحفادها، مع ميزة يولّدها انقطاع الطمث.

«الجزء الثاني من القصة يدور حول المنافسة»، بحسب المعد المشارك في الدراسة دارن كروفت الذي قال إنه عند «تكاثر الأم والابنة لدى حيتان الأوركا في الوقت نفسه، فإن متوسط العمر المتوقع لصغار الأنثى الأكبر سنا يكون أقصر بسبب التنافس على الغذاء».

ولذلك فإن هذا النوع «تطوّر نحو متوسط عمر متوقع أكبر مع فترة تكاثر أقصر»، بحسب دارن كروفت.

وأضاف: «إنه نوع مسار الحياة نفسه الذي نلاحظه عند البشر». ويبدو أن أوجه التشابه في الهياكل الاجتماعية لهذه الأنواع المختلفة «مذهلة».

تعايش الإخوة والأخوات

وبحسب كروفت، تلعب «الأمهات القدامى» دوراً بارزاً في العملية... فالخبرة المكتسبة خلال حياتها تساعد الحيوانات الأخرى في مواجهة المصاعب مثل نقص الطعام.

لكن وجود مجتمع أمومي ليس كافيا. فعلى سبيل المثال، تستمر إناث الفيلة المسنة في التكاثر بشكل جيد في سن الشيخوخة.

العالم الكولومبي دييغو موخيكا من مؤسسة مالبيلو يلتقط صورا للحوت الأحدب في مضيق غيرلاش (أ.ف.ب)

وثمة فرق بين النوعين هو أن إناث الحيتانيات المسنّة تستمر في رعاية أبنائها، بينما تترك الأخيرة المجموعة لدى الأفيال.

كما أن استمرار الإخوة والأخوات في التعايش (حتى مرحلة البلوغ المبكر) يمكن أن تكون سمة شائعة وفريدة من نوعها بين أنواع الحيتانيات الخمسة والبشر المتأثرين بانقطاع الطمث.

ومع ذلك، فإن كل هذا «لا يقدم إجابة محددة لسؤال كيفية تطور انقطاع الطمث»، كما علقت عالمة الأنثروبولوجيا ريبيكا سير، من كلية لندن للصحة والطب الاستوائي، في مقال مصاحب للدراسة في مجلة نيتشر.

حيتان بالقرب من راوسو هوكايدو اليابان (رويترز)

وحذرت سير من أنه من الصعب للغاية دراسة الحيتانيات، وأن الكثير من البيانات المستخدمة في الأبحاث تنتج عن الجنوح الجماعي لهذه الحيوانات.

وأشارت أيضاً إلى قلة الاستثمار في الأبحاث المتعلقة بانقطاع الطمث، بسبب التحيز في توجيه الدراسات نحو الآليات التي تؤثر على الرجال.


مقالات ذات صلة

هل تحتاج إلى بروتين أقل لتعيش عمراً أطول؟ دراسة تجيب

صحتك 3 أحماض أمينية أساسية قد يكون تقليلها مفيداً للصحة والشيخوخة الصحية (بيكسلز)

هل تحتاج إلى بروتين أقل لتعيش عمراً أطول؟ دراسة تجيب

تشير مراجعة علمية جديدة إلى أن تقليل إجمالي البروتين الغذائي أو بعض الأحماض الأمينية الأساسية قد يساعد في تعزيز الصحة وإطالة العمر

«الشرق الأوسط» (نيويورك)
صحتك السمات الفسيولوجية للقلب التي تجعله مختلفاً عن باقي أعضاء الجسم هي ذاتها التي تكفل له الحماية من الأورام السرطانية (بيكساباي)

لماذا يعد سرطان القلب من الأمراض النادرة التي تصيب البشر؟

ما الذي يجعل سرطان القلب مرضاً نادر الحدوث؟ يقول العلماء إن السمات الفسيولوجية للقلب التي تجعله مختلفاً عن باقي أعضاء الجسم هي ذاتها التي تكفل له الحماية

«الشرق الأوسط» (سان فرانسيسكو)
يوميات الشرق المدرسة الداخلية تقليدٌ متوارث عبر أجيال العائلة البريطانية المالكة (القصر الملكي البريطاني) p-circle 01:32

من تشارلز إلى جورج... كيف صارت المدرسة الداخلية تقليداً ملكيّاً في بريطانيا

لماذا تحرص العائلة البريطانية المالكة على إرسال أبنائها وبناتها إلى مدارس داخلية؟ وهل تكون رحلة الأمير جورج إليها أسهل من الكابوس الذي عاشه جدّه الملك تشارلز؟

كريستين حبيب (بيروت)
يوميات الشرق سخونة القدمين ليلاً شكوى شائعة نسبياً (مجلة بريفنشن)

9 أسباب لسخونة القدمين ليلاً تنذر بالخطر

قد يشعر بعض الأشخاص بسخونة في القدمين في أثناء الليل، ما يدفعهم إلى إخراجهما من تحت الأغطية بحثاً عن بعض الراحة.

«الشرق الأوسط» (القاهرة )
يوميات الشرق يشيع اضطراب إدمان الألعاب الإلكترونية بشكل خاص بين طلاب الجامعات (آنسبيلاش)

«التأمل» يحدّ من إدمان الشباب لألعاب الإنترنت

أظهرت دراسة جديدة أن برنامجاً تدريبياً يجمع بين التأمل الذهني والعلاج المعرفي استطاع الحد من إدمان الإنترنت لدى الشباب.

«الشرق الأوسط» (القاهرة )

إطلاق الفقاعات يساعد حيتان العنبر على عدم الطفو إلى السطح خلال الاسترخاء

مجموعة من حيتان العنبر وهي تسبح قبالة ساحل ميلاتسو الصقلي (رويترز)
مجموعة من حيتان العنبر وهي تسبح قبالة ساحل ميلاتسو الصقلي (رويترز)
TT

إطلاق الفقاعات يساعد حيتان العنبر على عدم الطفو إلى السطح خلال الاسترخاء

مجموعة من حيتان العنبر وهي تسبح قبالة ساحل ميلاتسو الصقلي (رويترز)
مجموعة من حيتان العنبر وهي تسبح قبالة ساحل ميلاتسو الصقلي (رويترز)

يعلم أي شخص حاول إبقاء سدادة من الفلين مغمورة تحت الماء أن ذلك يتطلب جهداً، لكن حيتان العنبر تستطيع أن تظل تحت سطح المحيط على الرغم من امتلاكها رؤوساً ضخمة مملوءة بالزيت والشمع والهواء، مما يبدو أنها ستدفعها للطفو صعوداً، وهو إنجاز يعتقد العلماء الآن أنه أصبح ممكناً بفضل نفخ الفقاعات.

وحيتان العنبر هي الحيتان الوحيدة المعروفة التي تستريح في الوضع العمودي في الماء ورؤوسها متجهة نحو الأعلى. ويعتقد العلماء أن هذا الوضع يسهم في حمايتها من حركة الأمواج السطحية دون الحاجة إلى الطاقة اللازمة للغوص إلى أعماق أكبر، لكن الطريقة الدقيقة التي تبقى بها مغمورة ظلت غير واضحة. واكتشف الباحثون الآن أن الحيتان تطلق الفقاعات لتنظيم طفوها في أثناء استراحتها في وضع عمودي تحت سطح المحيط مباشرة.

وقال باتريك ميلر، الباحث في الثدييات البحرية بجامعة سانت آندروز في اسكوتلندا، إن الباحثين يشيرون إلى هذا السلوك بـ«الاسترخاء» بدلاً من «النوم»؛ لأن النوم يؤكد عادة بقياس نشاط الدماغ، وهو أمر لم يتسنَّ التحقق منه بعد في حالة حيتان العنبر. وميلر هو المعد الرئيسي للدراسة المنشورة في دورية (جورنال أوف إكسبيريمينتال بايولوجي) العلمية. ويعتقد العلماء أن هذه الحيوانات نائمة، لكنهم يفضلون استخدام المصطلح الأكثر حذراً لأن الأمر لم يثبت بنحوٍ قاطع.

ولتحري كيفية بقاء الحيتان مغمورة بالمياه في أثناء الاسترخاء، ثبّت الباحثون أجهزة تتبع صغيرة مزودة بكؤوس شفط على حيتان العنبر قبالة سواحل النرويج. وسجلت هذه الأجهزة بيانات الصوت والحركة ثلاثية الأبعاد، مما سمح للعلماء برصد انبعاث الفقاعات ومحاكاة تأثيراتها على وضع هذه الثدييات البحرية في الماء.

ووجد الباحثون أن الفقاعات تقلل من الطفو الإيجابي للحوت؛ أي ميله للاتجاه نحو الأعلى في الماء.

وتميل حيتان العنبر بطبيعتها إلى الطفو بسبب الكميات الكبيرة من زيت العنبر، وهو مادة شمعية موجودة في رؤوسها. ومع انجراف الحيتان ببطء إلى الأعلى في وضع الاسترخاء، تتوسع الغازات الموجودة في رئتيها بسبب انخفاض ضغط الماء قرب السطح. ويساعد إطلاق الفقاعات على مواجهة هذا التأثير، مما يسمح للحيتان بالبقاء شبه معدومة الوزن تحت سطح المياه.

وقال ميلر إن إطلاق الفقاعات يبدو متعمداً. وأضاف أن بعد أكثر من عقدين من تتبع حيتان العنبر باستخدام أجهزة تسجيل الصوت المثبتة عليها «لا نسمع إطلاق الفقاعات إلا في سياق سلوكي محدد للاسترخاء؛ لذا فإن الإطلاق العرضي للغازات هو أمر لا يبدو أن حيتان العنبر تفعله».

ويشتبه العلماء أيضاً في أن هذا السلوك قد يساعد الحيتان على نقل الغازات الزائدة مثل ثاني أكسيد الكربون والنيتروجين من الأنسجة إلى الرئتين، مما قد يؤدي دوراً في تبادل الغازات في عملية الأيض.

وحيتان العنبر هي أكبر الحيتان ذات الأسنان في العالم ويمكنها الغوص إلى أعماق سحيقة بحثاً عن فرائس مثل الحبار العملاق، وتعتمد في التنقل داخل المياه المعتمة على تقنية تحديد الموقع بالصدى؛ إذ تطلق أصوات نقر عالية ثم تستمع إلى الأصداء العائدة لرسم خريطة لمحيطها.

وقال ميلر: «تقضي حيتان العنبر نحو 80 في المائة من وقتها في الغوص إلى أعماق سحيقة بحثاً عن فرائسها. وبسبب الضغط الشديد في أثناء تلك الغطسات، يميل جسمها إلى مراكمة غازات غير مرغوب فيها مثل النيتروجين وثاني أكسيد الكربون التي قد يستغرق انتقالها من الدم إلى الرئتين وقتاً طويلاً. ونظراً لأنها تستريح على مسافات ضحلة جداً، فإن هذه هي الظروف المثالية لتفريغ تلك الغازات غير المرغوب فيها الناتجة عن بحثها عن الطعام في الأعماق».

وأضاف ميلر أن هذه الفكرة يمكن اختبارها في أبحاث مستقبلية.

وتترك الدراسة الجديدة بعض الأسئلة دون إجابة. فعلى سبيل المثال، لا يزال يتعين إثبات ما إذا كانت الحيتان تطلق الفقاعات عمداً، وماهية الإشارات التي تنبهها إلى الحاجة إلى إجراء تعديل.

ويأمل الباحثون أيضاً في تحديد ما إذا كانت حيتان العنبر تنام بنصف دماغ واحد في كل مرة، كما تفعل الدلافين، أم أن نصفي الدماغ ينامان معاً. ويمكن للدراسات المستقبلية استخدام أجهزة استشعار موجات الدماغ أو مراقبة عيون الحيتان في أثناء الاسترخاء للمساعدة في الإجابة عن هذا السؤال.

وفي الوقت الحالي، تشير النتائج إلى أن حيتان العنبر، مثل البشر، قد تكون على استعداد لفعل أي شيء للحصول على قسطٍ جيد من الراحة.


انخفاض قياسي في معدل إزالة غابات الأمازون البرازيلية

عمّال يعملون على إعادة تشجير مساحات من غابات الأمازون في ولاية بارا البرازيلية (رويترز)
عمّال يعملون على إعادة تشجير مساحات من غابات الأمازون في ولاية بارا البرازيلية (رويترز)
TT

انخفاض قياسي في معدل إزالة غابات الأمازون البرازيلية

عمّال يعملون على إعادة تشجير مساحات من غابات الأمازون في ولاية بارا البرازيلية (رويترز)
عمّال يعملون على إعادة تشجير مساحات من غابات الأمازون في ولاية بارا البرازيلية (رويترز)

انخفض معدل إزالة الغابات في منطقة الأمازون البرازيلية العام الماضي، إلى أدنى مستوى له منذ عقد، وفقاً لبيانات رسمية صدرت الجمعة، وهو أحدث تراجع تشهده المنطقة في ظل حكم الرئيس لويس إيناسيو لولا دا سيلفا.

وسجل المعهد الوطني لأبحاث الفضاء إزالة 2874 كيلومتراً مربعاً من الغطاء النباتي لأكبر غابة استوائية في العالم في الفترة من أغسطس (آب) 2025 إلى يوليو (تموز) 2026، ما يمثل انخفاضاً بنسبة تقارب 37 في المائة مقارنة بالعام السابق.

وكان المعهد قد بدأ تتبع عمليات إزالة الغابات عبر الأقمار الاصطناعية منذ عام 2016.

وتعهد لولا الذي سيسعى لإعادة انتخابه في أكتوبر (تشرين الأول)، بإنهاء إزالة الغابات بطرق غير قانونية بحلول عام 2030.

وقال أثناء عرض البيانات الجديدة في ساو باولو: «تشير الأرقام إلى أننا إذا حافظنا على الوتيرة الحالية وبالجدية التي أظهرناها ومع توفير الموارد اللازمة، يمكننا تحقيق ذلك».

يُذكر أن معدلات إزالة الغابات في الأمازون ارتفعت بشدة في عهد سلفه اليميني جايير بولسونارو، ووصلت إلى ذروتها عام 2022 مع إزالة 12500 كيلومتر مربع.

وأضاف لولا الجمعة: «في هذا البلد، نحن نتعامل مع قضية المناخ بجدية بالغة، لأننا لا ننكر الحقائق. نحن نرى بأعيننا ما يحدث»، في إشارة إلى الظواهر المناخية المتطرفة.

وسيواجه لولا في الانتخابات الرئاسية المقبلة منافسه فلافيو بولسونارو، نجل الرئيس السابق، ويتقدم السياسي اليساري المخضرم بفارق طفيف في أحدث استطلاعات الرأي.

غير أن نشطاء في مجال البيئة يأخذون على لولا دعمه التنقيب عن النفط على نطاق واسع قبالة ساحل الأمازون، وفق «وكالة الصحافة الفرنسية».


علماء أميركيون يكتشفون طريقة جديدة لإزالة المواد الكيميائية «الأبدية»

علماء أميركيون يكتشفون طريقة جديدة لإزالة المواد الكيميائية «الأبدية»
TT

علماء أميركيون يكتشفون طريقة جديدة لإزالة المواد الكيميائية «الأبدية»

علماء أميركيون يكتشفون طريقة جديدة لإزالة المواد الكيميائية «الأبدية»

في عام 2020، ومباشرة بعد أن اشترى وينسلو ولورا روبنسون مزرعة في ولاية مين، فوجئا بمعلومة تفيد بأن مياه الصرف الصحي كانت تُستخدم سماداً في تلك الأرض قبل عقود، وأن هذه المياه خلّفت وراءها مواد كيميائية تُعرف بـ«المواد الكيميائية الأبدية» (forever chemicals) التي ظلت عالقة في التربة.

أراضٍ زراعية أميركية ملوثة كيميائياً

كان مزارعو ولاية مين في طليعة من كشفوا عن هذه المشكلة التي تعاني منها الأراضي الزراعية في جميع أنحاء البلاد؛ إذ استُخدمت مياه الصرف الصحي - الناتجة عن محطات معالجة المياه العادمة - على نطاق واسع في المزارع منذ سبعينيات القرن الماضي، وذلك بهدف تحويلها بعيداً عن مكبات النفايات وتوفير سماد رخيص للمزارعين.

وتُباع هذه المواد أيضاً - تحت اسم «المواد الصلبة الحيوية» أو «biosolids» - في بعض متاجر مستلزمات الحدائق كسماد منزلي، وربما تكون أنت نفسك تستخدمها في حديقة منزلك دون أن تدري. غير أن مياه المجاري هذه قد تحتوي على مستويات عالية من مركبات «بيرفلورو ألكيل» و«بولي فلورو ألكيل» (PFAS)، وهي المواد التي تُلقب بـ«الكيميائيات الأبدية» لأنها لا تتحلل كما تنتقل من التربة إلى الغذاء. ورغم أن الآثار المترتبة على وجود هذه المركبات في الغذاء لم تُفهم بالكامل بعد، فإنها ارتبطت بأمراض الكبد والسرطان وأمراض أخرى.

البحث عن طريقة أقل تكلفة

وفي سياق إزالة هذه المواد الضارة الأبدية، تقترح دراسة جديدة أجرتها جامعة ييل ونُشرت في دورية «وقائع الأكاديمية الوطنية للعلوم» (PNAS) طريقة منخفضة التكلفة يمكن للمزارعين من خلالها معالجة هذه المشكلة والمساهمة في الوقت نفسه في مكافحة التغير المناخي.

وتُعد الطرق الحالية لمعالجة التربة الملوثة بمركبات PFAS باهظة التكلفة للغاية - إذ قد تصل أحياناً إلى مليون دولار للفدان الواحد - وعادة ما تُستخدم فقط في مواقع محددة مثل المطارات أو القواعد العسكرية، كما أنها تتطلب إزالة التربة ونقلها؛ ومن ثم، فإن تنظيف ملايين الأفدنة من الأراضي الزراعية الأميركية بهذه الطريقة ليس أمراً عملياً أو ممكناً.

قرر نوح بلانافسكي، أستاذ الكيمياء الجيولوجية في جامعة ييل والمتخصص في دراسة صحة التربة، العمل على هذه المشكلة بعد أن اطلع على تفاصيلها من المزارعين. ويقول بلانافسكي: «كان المزارعون يشعرون بقلق عميق إزاء هذا الأمر، وشعروا بأنهم لا يحصلون على معلومات دقيقة، وأنهم يواجهون مشكلة هائلة بينما يتم تجاهلهم أو التلاعب بعقولهم وتضليلهم».

زراعة محاصيل تمتص السموم

اختبرت الدراسة نهجاً بسيطاً لمعالجة التربة الملوثة، يتمثل في قيام المزارعين بزراعة محاصيل معروفة بقدرتها على امتصاص مركبات PFAS بسرعة، مثل القنب وعباد الشمس. ويضيف المزارعون أيضاً صخوراً قلوية مسحوقة إلى التربة لرفع مستوى الأس الهيدروجيني (pH)، ما يساعد النباتات على امتصاص كميات أكبر من المواد الكيميائية. وعند حصاد المحاصيل، فإنها تُعرَّض لدرجات حرارة عالية جداً في غياب الأكسجين، مما يؤدي إلى تفكيك مركبات «بيرفلورو ألكيل» PFAS.

يقول بلانافسكي: «على الرغم من أنها تُعرف بـ(المواد الكيميائية الأبدية) - نظراً لكونها مركبات شديدة الثبات والمتانة - فإنه يمكن تدميرها عند درجات حرارة مرتفعة، وهي حقيقة موثقة جيداً». وتنتج عن هذه العملية مادة «الفحم الحيوي» (biochar)، التي يمكن إعادتها إلى التربة للمساعدة في احتجاز المزيد من المركبات الأبدية.

خفض مستويات التلوث إلى الحدود الآمنة في غضون عقد من الزمن

ويُقدّر العلماء أن هذه الطريقة قد تؤدي، في بعض الحالات، إلى خفض مستويات التلوث إلى الحدود الآمنة في غضون عقد من الزمن.

وثمة تحدٍ آخر يتمثل في أن مياه الصرف الصحي لا تزال تُستخدم في بعض المزارع في معظم الولايات. ولا عجب في شيوع استخدامها تاريخياً؛ إذ تقول لورا روبنسون، وهي مزارعة عضوية في ولاية مين شاركت في دراسة جامعة ييل: «بالكاد يغطي المزارعون نفقاتهم؛ فالزراعة لا تدر أرباحاً كبيرة. لذا، إذا عُرض عليك سماد مجاني لمساحات شاسعة من حقول القش، فمن الطبيعي أن تقبل به، خاصة وأن الجهات المعنية كانت تؤكد سلامته».

هل تكلفة عمليات المعالجة والتنقية معقولة؟

تتميز الطريقة التي يتبعها العلماء بأن تكلفتها أقل بكثير (بفارق هائل في التكلفة) مقارنة بالأساليب الأخرى المستخدمة لإزالة المواد الكيميائية الأبدية، كما أنها تنطوي على ميزة إضافية: إذ تساهم إضافة الصخور المسحوقة إلى التربة في احتجاز ثاني أكسيد الكربون.

وتجدر الإشارة إلى أن «بلانافسكي» يجري أبحاثاً أيضاً حول هذا النوع من إزالة الكربون - المعروف باسم «التجوية الصخرية المعززة» - كما شارك في تأسيس شركة ناشئة تدعى «ليثوس» Lithos تعمل بشكل منفصل على استخدام غبار الصخور في مزارع أخرى.

ومن الناحية النظرية، يمكن أن تساهم عائدات بيع أرصدة إزالة الكربون في تمويل عمليات معالجة التربة من المواد الأبدية. ويقول بلانافسكي: «نحن بحاجة إلى إزالة مليارات الأطنان من ثاني أكسيد الكربون لتحقيق أهدافنا المناخية. وهناك أيضاً إجماع علمي على أن وجود مواد PFAS في المنظومة الغذائية يثير مخاوف صحية حقيقية على نطاق عام واسع... وأعتقد أن معظم الناس يتفقون على أن التمويل المخصص لهذين الأمرين غير كافٍ».

* مجلة «فاست كومباني».