«الذهب الأخضر»... إرث ثقافي يتحول إلى رافد اقتصادي

مساحات شاسعة لتلبية الطلب المحلي والدولي على البن السعودي

زراعة البن مهنة توارثتها الأجيال في جنوب السعودية (الشرق الأوسط)
زراعة البن مهنة توارثتها الأجيال في جنوب السعودية (الشرق الأوسط)
TT

«الذهب الأخضر»... إرث ثقافي يتحول إلى رافد اقتصادي

زراعة البن مهنة توارثتها الأجيال في جنوب السعودية (الشرق الأوسط)
زراعة البن مهنة توارثتها الأجيال في جنوب السعودية (الشرق الأوسط)

مَن مِنا لا يحب القهوة ورائحتها؟ هي رفيقة الصباح... ومصدر إلهام الكتّاب والمفكرين، في دوامات عملهم المضنية... وهي المسكّنة في أوقات الشدة... والدليل على ذلك أن نحو نصف تریلیون فنجان يتم استهلاكها سنوياً في العالم، بحيث باتت القهوة، بمذاقاتها المختلفة، جزءاً أساسياً في حياة الفرد بشكل يومي، ومن الأكثر تداولاً في العالم.

من هنا، جاءت تسمية البن الذي تتكون منه القهوة، بـ«الذهب الأخضر»، حيث إنه يمثل مصدراً كبيراً للدخل في كثير من البلدان، ويزرع على مساحة تزيد على 10 ملايين هكتار في أكثر من 50 دولة.

وتعدّ البرازيل الأولى عالمياً في تصدير البن، وتشكل حصتها نحو 30 في المائة من حجم التصدير العالمي.

وكان تقرير «منظمة القهوة الدولية» الصادر في ديسمبر (كانون الأول) 2023، ذكر أن إنتاج القهوة العالمي زاد بنسبة 5.8 في المائة، إلى 178 مليار دولار، مقارنة بـ168.2 مليار دولار، خلال الفترة نفسها من عام 2022.

السعودية من أكبر المستهلكين

وتولي السعودية اهتماماً بتعزيز حضور القهوة بوصفها من أهم عناصر الثقافة الوطنية التي ارتبطت بالمجتمع عبر التاريخ. وهو ما يفسر إطلاقها «عام القهوة السعودية 2022» بدعم من برنامج جودة الحياة، أحد برامج تحقيق «رؤية 2030». وفي هذا الإطار، أسس «صندوق الاستثمارات العامة»، في مايو (أيار) 2022، الشركة السعودية للقهوة، بهدف دعم المنتج المحلي والارتقاء به إلى المصاف العالمية في المستقبل، حيث ستعمل الشركة على تطوير الزراعة المستدامة في منطقة جازان الواقعة جنوب المملكة.

وتعدّ المملكة ضمن أكثر 10 دول في العالم استهلاكاً للقهوة. وبحسب الدراسات التي أعلنتها وزارة البيئة والمياه والزراعة خلال العام الماضي، تشهد السعودية نمواً سنوياً لاستهلاك القهوة بنحو 4 في المائة، للفترة بين عامي 2016 و2021. بينما يتوقع أن ينمو قطاع البن بنسبة 5 في المائة خلال السنوات المقبلة، ليصل إلى 28.7 ألف طن بنهاية عام 2026، وهو ما يخلق فرصاً استثمارية جاذبة له.

هذا الأمر دفع بالحكومة إلى إقرار برامج ومبادرات خاصة تستهدف دعم زراعة البن من أجل تطوير القطاع وزيادة الإنتاج. وحالياً، تنتج المملكة أكثر من 400 ألف شجرة بُن الأرابيكا ما يتجاوز 800 طن سنوياً، فيما المستهدف زراعة 1.2 مليون شجرة بُن بحلول 2026.

«حبوب القهوة» تزرع في مساحات واسعة جنوب البلاد (الشرق الأوسط)

وتحتضن جنوب السعودية أكثر من 2535 مزرعة بُن، وما يزيد على 500 مزرعة نموذجية، في وقت تسعى فيه المملكة إلى جعل 15 محافظة في الجزء الجنوبي الغربي مصدراً مهماً لإنتاج البُن من نوع الأرابيكا - وهو نوع يمتاز بالجودة عن بقية الأنواع - ورفع نسبة إنتاج محصوله في المملكة كداعم للاقتصاد الوطني وفق مستهدفات «رؤية 2030».

وقد بلغ إنتاج البن نحو 492 طناً توزعت على عدد من المناطق، جنوباً، في مقدمتها منطقة جازان التي تنتج 415 طن، وفيها أكثر من 384 ألف شجرة بن مثمرة، بالإضافة إلى منطقة عسير التي تنتج 50 طناً من 45 ألف شجرة مثمرة، ومنطقة الباحة بإنتاج يصل إلى 27 طناً من 25 ألف شجرة.

هذه الأرقام كشف عنها لـ«الشرق الأوسط»، المتحدث الرسمي في وزارة البيئة والمياه والزراعة صالح بن عبد المحسن بن دخيّل، شارحاً أنه من بين أشهر أنواع البن التي تنتجها هذه المناطق؛ البن الخولاني، والشدوي، والعديني.

وتتم زراعة البن في فصل الشتاء، ويبدأ إزهاره في الربيع والصيف، في السنة الثالثة من زراعته.

وأكد دخيّل أن زراعة البن تشهد نمواً ملحوظاً تماشياً مع خطط الوزارة لتطوير المحاصيل ذات الميز النسبية، وتطبيق تقنيات حصاد مياه الأمطار ونظم الري الحديثة، إلى جانب الاستفادة من المياه المجددة في الزراعة، بهدف المساهمة في رفع الناتج المحلي وتحقيق عوائد اقتصادية مرتفعة.

وبيّن أن الوزارة تعمل على تعزيز إنتاج البن في المدرجات الزراعية، من خلال تشجيع المزارعين ودعمهم ببرامج كثيرة، ومن أبرزها برنامج التنمية الريفية الزراعية المستدامة (ريف السعودية)، الذي أطلق عام 2020، بهدف تحسين القطاع الزراعي الريفي، ودعم تطوير البن ورفع كفاءته الإنتاجية وتسويقه، ورفع مستوى معيشة صغار المزارعين وتحسين نمط حياتهم، مما أسهم في توفير فرص استثمارية كبيرة في القطاع.

ولفت دخيّل إلى أن هذه البرامج حفّزت المزارعين على التوسع في زراعة البن، واستصلاح مدرجاتهم الزراعية، حيث تم إنشاء 60 مزرعة نموذجية للبن، لزيادة الإنتاج وتعزيز الأمن الغذائي في المناطق الريفية.

أهداف استراتيجية

من ناحيتها، شرحت رئيسة مجلس إدارة جمعية البن بمنطقة عسير، نوره آل عائض، الأهداف الاستراتيجية التي حددتها الجمعية من أجل زراعة 14 ألف هكتار بزراعة مليوني شجرة وإنتاج نحو 4 آلاف طناً على الأقل، بدءاً من الوقت الراهن وحتى عام 2027.

وتأسست الجمعية، في نوفمبر (تشرين الثاني) 2022، من قبل مجموعة من مزارعي البن في عسير ينتمون إلى عدة محافظات رئيسية، للمساهمة في تطبيق أحدث منهجيات العمل لتنمية قطاع البن في المنطقة.

وزارة البيئة والمياه والزراعة تعمل على تعزيز إنتاج البن في المدرجات الزراعية (الشرق الأوسط)

وأكدت آل عائض في حديثها لـ«الشرق الأوسط»، أن أهداف الجمعية تعكس التزام المملكة بتطوير وتعزيز قطاع البن، وتبرز الجهود المبذولة لزيادة الإنتاجية وتلبية الطلب المحلي والدولي على منتجات القهوة.

وكانت جمعية البن بمنطقة عسير أعلنت نمو القطاع بقفزة وصلت إلى 262 في المائة في 2023، وذلك بعدد المزارع وإنتاجية البن، بحسب بياناتها الإحصائية عن المنطقة.

وأشارت آل عائض إلى مساهمة زراعة البن في دعم الإنتاج ورفع الناتج المحلي غير النفطي، وتشجيع التسويق المحلي والتصدير، «شرط دعم الفلاحين بالتدريب والتكنولوجيا، وتحسين البنية التحتية للزراعة... فلرفع القدرة الإنتاجية للبن السعودي، يمكن اتباع خطوات عدة منها تحسين التقنيات الزراعية، وتوفير الدعم التقني بتقديم دعم فني واستشارات للفلاحين حول أفضل الممارسات والتقنيات الزراعية المتقدمة، إضافة إلى خلق بيئة ملائمة للاستثمار في القطاع الزراعي وتقديم الحوافز والتسهيلات، وتعزيز التسويق من خلال تطوير استراتيجيات فعّالة للتسويق لتسهيل تداول وتسويق البن المحلي».

ولفتت إلى أن «تعزيز التسويق المحلي والتصدير يدعم التحول نحو اقتصاد غير نفطي... كما أن الاهتمام بقطاع البن يسهم في تعزيز التنمية المستدامة عبر توفير فرص عمل جديدة وتعزيز دور القطاع الزراعي في الاقتصاد المحلي».

تعزيز الهوية الوطنية

وبحسب آل عائض، فإن تعزيز الهوية الوطنية مهم، عن طريق توصيف وتسجيل سلالات البن السعودي الذي يسهم في تعزيز الهوية الثقافية والاقتصادية للمملكة على المستوى الدولي، إضافة إلى تسجيل السلالات المحلية معياراً دولياً يفتح أبواب الاستثمار والتصدير للبن المحلي إلى الأسواق الدولية.

وأوضحت آل عائض أن معدل إنفاق السعودیین على إعداد القھوة أكثر من ملیار ریال (266 مليون دولار)، بواقع یتجاوز 80 ألف طن، وذلك بفعل ارتباط القهوة بالإرث الثقافي للمملكة، عبر تاریخ حافل بالعادات والتقالید، وقیم الكرم والضیافة، والحضور الإنساني والجمالي والفني في الأغاني والقصائد واللوحات، حتى أصبحت عنصراً رئیسياً في الثقافة والموروث الشعبي السعودي، وعلامةً ثقافیةً تتمیز بھا المملكة، سواء من خلال زراعتھا، أو طرق تحضیرھا وإعدادھا وتقدیمھا للضیوف.

توقعات بمزيد من النمو

من جهته، أبان المدير الفني والتجاري في شركة «ديوان القهوة التجارية» علي الديواني، أن السوق المحلية شهدت إقبالاً كبيراً وزيادة في الطلب من قبل المواطنين والمقيمين والزائرين في المملكة، إضافة إلى دخول جهات محلية من شركات وجمعيات من أجل المساهمة في توفير البن الأخضر، وكذلك جهود المحامص في تحويله للقهوة السعودية أو السوداء بمختلف مشروباتها.

وأكد أن مستقبل هذا القطاع محلياً يبشر بنمو كبير للاتجاه نحو التصدير مستقبلاً، مشيراً إلى أن الطابع الجبلي والزراعي في البلاد سيوفر فرصة جيدة للسوق العالمي بتجربة البن السعودي عالي الجودة وذي النكهات الفريدة.

ختاماً، لا شك أن جهوداً كبيرة تبذل من أجل تعزيز قطاع البن في السعودية ورفع مستوى المملكة عالمياً في هذا المجال، بينما تبقى مواصلة تأمين جودة الإنتاج وتوفير متطلبات استمرارية المزارعين على زراعة البن من أبرز المقوّمات التي تؤمّن الأرضية الضرورية لاستدامة هذا القطاع، ولتستمر القهوة السعودية ورائحتها المتميزة مصدراً لجذب المستثمرين والذواقة من جميع أنحاء العالم.


مقالات ذات صلة

الصادرات السعودية من النفط الخام تسجل أعلى مستوى في 5 أشهر خلال أغسطس

الاقتصاد مركز الملك عبد الله المالي في الرياض (الشرق الأوسط)

الصادرات السعودية من النفط الخام تسجل أعلى مستوى في 5 أشهر خلال أغسطس

ارتفعت صادرات السعودية من النفط الخام في أغسطس (آب) بنحو 7.9 في المائة مقارنة بشهر يوليو (تموز)، لتبلغ 4.451 مليون برميل يومياً، وهو أعلى مستوى منذ مارس.

«الشرق الأوسط» (لندن)
الاقتصاد رئيس الهيئة العامة للنقل المهندس فواز السهلي خلال جولته في المعرض المصاحب للمؤتمر بجدة (الهيئة)

«النقل» السعودية: القطاع البحري أثبت صموده أمام اضطرابات التجارة العالمية

استطاع القطاع البحري السعودي إثبات قدرته على الصمود أمام الاضطرابات التي شهدتها حركة التجارة والملاحة العالمية خلال عام 2026.

أسماء الغابري (جدة)
خاص طريق الملك فهد في العاصمة الرياض (واس)

خاص القطاع الخاص يعزز نمو السعودية بين اقتصادات «العشرين»

مدفوعةً بزخم القطاع الخاص وتوسع الأنشطة غير النفطية، تتجه السعودية إلى تصدّر اقتصادات مجموعة العشرين من حيث النمو في عام 2027.

بندر مسلم (الرياض)
الاقتصاد مركز الملك عبد الله المالي في الرياض (الشرق الأوسط)

السعودية تتصدَّر مجموعة العشرين بتوقعات نمو 7.9 % في 2027

تتصدَّر السعودية دول مجموعة العشرين في توقعات النمو الاقتصادي لعام 2027، وفق تقديرات صندوق النقد الدولي.

«الشرق الأوسط» (الرياض)
الاقتصاد المبنى الرئيسي لشركة كيان السعودية للبتروكيماويات (الشركة)

«كيان السعودية» تقلص خسائرها 72 % بدعم من ارتفاع أسعار بيع المنتجات

قلصت شركة «كيان السعودية للبتروكيماويات» خسائرها بنسبة 72 %، خلال الربع الثالث من عام 2026، لتبلغ 94.2 مليون ريال (25.1 مليون دولار).

«الشرق الأوسط» (الرياض)

ترمب يستعرض جهود مكافحة عمليات الاحتيال بالعملات المشفرة الآتية من الخارج

الرئيس الأميركي دونالد ترمب في المكتب البيضاوي للإعلان عن برنامج لحماية المبلغين عن المخالفات (رويترز)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب في المكتب البيضاوي للإعلان عن برنامج لحماية المبلغين عن المخالفات (رويترز)
TT

ترمب يستعرض جهود مكافحة عمليات الاحتيال بالعملات المشفرة الآتية من الخارج

الرئيس الأميركي دونالد ترمب في المكتب البيضاوي للإعلان عن برنامج لحماية المبلغين عن المخالفات (رويترز)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب في المكتب البيضاوي للإعلان عن برنامج لحماية المبلغين عن المخالفات (رويترز)

يستعرض الرئيس الأميركي، دونالد ترمب، الأربعاء، جهود إدارته لمكافحة الشبكات الإجرامية الأجنبية التي تستدرج الأميركيين إلى استثمارات احتيالية في العملات المشفرة، وفق ما أفاد به مسؤول في البيت الأبيض «رويترز»، في إطار فعالية أوسع نطاقاً بشأن مكافحة الجرائم الإلكترونية.

ومن المتوقع أن يستعرض ترمب وعدد من أعضاء حكومته، خلال فعالية في البيت الأبيض، جهود الحكومة لمصادرة مواقع إلكترونية تُستخدم في عمليات احتيال استثماري بالعملات المشفرة، إلى جانب المساعي الرامية إلى وقف عمليات الاحتيال عبر انتحال الهوية على الإنترنت، وفق المسؤول.

وأضاف مسؤول في الإدارة الأميركية أن من المتوقع حضور وزير الأمن الداخلي ماركواين مولين، ومدير «مكتب التحقيقات الاتحادي» كاش باتيل، ووزير الدفاع بيت هيغسيث، والمدعي العام تود بلانش. كما يُتوقع حضور كبيرة موظفي البيت الأبيض سوزي وايلز، ونائب رئيس الموظفين ستيفن ميلر، والمدير الوطني لـ«الأمن السيبراني» شون كيرنكروس.

وقدّم الأميركيون أكثر من مليون شكوى إلى «مكتب التحقيقات الاتحادي» بشأن عمليات الاحتيال عبر الإنترنت العام الماضي، بزيادة قدرها 17 في المائة مقارنة بعام 2024، وفقاً لتقرير صادر عن «المكتب» أشار أيضاً إلى أن الخسائر المالية التي أبلغ عنها المشتكون بلغت مستويات قياسية.

وتشارك عائلة ترمب على نطاق واسع في استقطاب استثمارات العملات المشفرة.

وخلص تحقيق أجرته «رويترز» إلى أن ترمب ونجليه أضافوا ما لا يقل عن 2.3 مليار دولار إلى ثروة العائلة من خلال مشروعاتهم الرئيسية في مجال العملات المشفرة، في حين تكبّد المستثمرون الذين استقطبتهم العائلة خسائر بلغت 2.3 مليار دولار.

وقالت المتحدثة باسم البيت الأبيض آنا كيلي، في بيان لـ«رويترز» رداً على التحقيق، إن «جميع الإجراءات التي يتخذها الرئيس ترمب وإدارته تصب في مصلحة الشعب الأميركي».

وفي أكتوبر (تشرين الأول) 2025، أصدر ترمب عفواً عن تشانغبينغ تشاو، المؤسس المدان لمنصة «بينانس» لتداول العملات المشفرة، بعدما ترك منصبه إثر إقرار الشركة بالذنب في قضية تتعلق بالإخفاق في الحفاظ على برنامج فعّال لمكافحة غسل الأموال.

وفي مارس (آذار) الماضي، وجّه ترمب وزارة العدل، بموجب أمر تنفيذي، إلى إعطاء الأولوية لتحديد هوية المحتالين الذين يرتكبون جرائم عبر الإنترنت وملاحقتهم قضائياً. كما وجّه لاحقاً وزارة الأمن الداخلي إلى العمل مع شركات خاصة لمراقبة مجموعات القرصنة الإلكترونية الأجنبية.


تراجع مخزونات النفط والبنزين الأميركية بأكثر من التوقعات

خزانات لتخزين النفط في مصفاة «ماراثون بتروليوم» في لوس أنجليس (رويترز)
خزانات لتخزين النفط في مصفاة «ماراثون بتروليوم» في لوس أنجليس (رويترز)
TT

تراجع مخزونات النفط والبنزين الأميركية بأكثر من التوقعات

خزانات لتخزين النفط في مصفاة «ماراثون بتروليوم» في لوس أنجليس (رويترز)
خزانات لتخزين النفط في مصفاة «ماراثون بتروليوم» في لوس أنجليس (رويترز)

أعلنت إدارة معلومات الطاقة الأميركية، الأربعاء، أن مخزونات النفط الخام والبنزين في الولايات المتحدة انخفضت خلال الأسبوع الماضي بأكثر من التوقعات، في حين ارتفعت مخزونات المقطرات.

وأوضحت الإدارة، في تقريرها الأسبوعي الذي يحظى بمتابعة واسعة، أن مخزونات النفط الخام تراجعت بمقدار 3.06 مليون برميل لتصل إلى 412.5 مليون برميل في الأسبوع المنتهي في 16 أكتوبر (تشرين الأول)، وذلك مقارنة بتوقعات المحللين في استطلاع أجرته وكالة «رويترز» بانخفاض قدره 820 ألف برميل.

كما أشارت الإدارة إلى ارتفاع مخزونات النفط الخام في مركز التسليم في كوشينغ بولاية أوكلاهوما بمقدار 987 ألف برميل خلال الأسبوع نفسه.

وذكرت إدارة معلومات الطاقة أن كميات النفط الخام التي تمت معالجتها في المصافي ارتفعت بمقدار 34 ألف برميل يومياً.

وانخفضت معدلات تشغيل المصافي بنسبة 0.1 نقطة مئوية خلال الأسبوع لتصل إلى 93.4 في المائة. وفقاً للبيانات.

وفيما يتعلق بالبنزين، أفادت الإدارة بأن المخزونات الأميركية انخفضت بمقدار 2.95 مليون برميل لتصل إلى 205.3 مليون برميل، مقابل توقعات بانخفاض قدره 443 ألف برميل.

وأظهرت البيانات ارتفاع مخزونات المقطرات -التي تشمل الديزل وزيت التدفئة- بمقدار 1.68 مليون برميل لتصل إلى 104.3 مليون برميل، مخالفةً بذلك توقعات كانت تشير إلى انخفاض قدره 1.16 مليون برميل.

كما ذكرت إدارة معلومات الطاقة أن صافي واردات الولايات المتحدة من النفط الخام ارتفع بمقدار 837 ألف برميل يومياً.

وعلى الفور، تحولت العقود الآجلة لخام برنت والخام الأميركي إلى الارتفاع وسط تداولات متقلبة شهدتها جلسة الأربعاء، وذلك فور صدور التقرير.


ضوابط قضائية صارمة تحاصر قانون الفجوة المالية في لبنان

مبنى المجلس الدستوري في بيروت (صورة أرشيفية)
مبنى المجلس الدستوري في بيروت (صورة أرشيفية)
TT

ضوابط قضائية صارمة تحاصر قانون الفجوة المالية في لبنان

مبنى المجلس الدستوري في بيروت (صورة أرشيفية)
مبنى المجلس الدستوري في بيروت (صورة أرشيفية)

أعاد قرار المجلس الدستوري في لبنان إبطال المادة الثالثة من قانون إصلاح المصارف وإعادة تنظيمها، استجابةً للطعن المقدّم من رئيس الجمهورية جوزيف عون، رسم مسار معالجة الفجوة المالية واسترداد الودائع، بما قد ينعكس على صياغة القانون المرتقب والمفاوضات مع صندوق النقد الدولي للتوصل إلى اتفاق تمويلي.

ويعيد القرار مصرف لبنان إلى موقع محوري في إدارة عملية إعادة هيكلة المصارف، في تطور تتجاوز تداعياته قانون إصلاح المصارف إلى مشروع قانون الانتظام المالي واسترداد الودائع، الذي يُعدّ من المرتكزات الأساسية لمعالجة الفجوة المالية وتحديد المسؤوليات عن الخسائر وتوزيع أعبائها.

وتكمن الأهمية الاستثنائية للقرار في إعادة الاعتبار إلى المضمون الأساسي للقانون رقم 23، الصادر في صيف العام الماضي، والذي يُلزم بالتقيد بأحكام قانون النقد والتسليف، ويستهدف «تعزيز استقرار النظام المالي، ومعالجة حالات التعثر، وحماية الودائع في عملية التصفية والإصلاح، والحدّ من استخدام الأموال العامة في عملية إصلاح أي مصرف متعثر». وبذلك، يشطب القرار عملياً استهلالية التعديل المطعون به، والتي نصت على «وضع إطار قانوني حديث يتلاقى مع المعايير الدولية المتبعة».

الرئيس اللبناني جوزيف عون (د.ب.أ)

وليس خافياً، وفق قراءة مسؤول مالي معنيّ، أن تداعيات القرار لا تقتصر على بُعده القانوني البحت، ولا على واقع الرفض الضمني للتعديل الوارد من قبل فريق الصندوق الدولي، بل تمتدّ تلقائياً إلى اختلاف المقاربات السياسية والقطاعية في إعداد مندرجات مشروع قانون الفجوة المالية الذي يفترض أن تشرع اللجان النيابية بمناقشته قريباً، سواء بنسخته المحالة من الحكومة بنهاية العام الماضي، أو بعد اكتمال المراجعة المرتقبة من قبل الفريق الاقتصادي الحكومي، وبالاستناد إلى خلاصات المداولات مع حاكمية البنك المركزي ومؤسسات مالية دولية.

ويشير المسؤول المالي إلى أن القرار يشدد الضوابط القضائية على مسار المعالجات المطروحة، ويتكامل في هذا السياق مع مطالعة سابقة لمجلس شورى الدولة، تم إعادة تثبيتها قبل أشهر، وتقضي بأنه لا يمكن شطب الودائع أو إلغاء ديون والتزامات مصرف لبنان المركزي بقرار حكومي دون سند تشريعي صريح وضمانات دستورية تحفظ حق الملكية الفردية. كما رفض المجلس تحميل المودعين وحدهم كلفة الخسائر المالية، مؤكداً مسؤولية الدولة ومصرف لبنان في الأزمة المالية.

بذلك، اكتسبت الخشية من العودة إلى نقطة «الصفر» التي أوردتها «الشرق الأوسط» ضمن ترقباتها المسبقة لمنحى القرار، دفعاً قوياً بتأثيره الفوري واللاحق على القانون الارتكازي لمعالجة الفجوة، ولا سيما لجهة وصف المسؤوليات، وبالتبعية تحديد الأحمال على ثلاثي الدولة، والبنك المركزي، والمصارف، فيما تنحو توجيهات صندوق النقد، بتأييد حكومي غير مضمر وفقاً لما ورد في مشروع القانون، إلى تضييق المساهمة بالأموال العامة لأبعد حدود.

الرئيس عون مستقبلاً وفداً من جمعية المصارف (أرشيفية - الرئاسة اللبنانية)

ومن المرجح، حسب مصادر معنية ومنحى المعطيات المحدثة، انحسار التطلعات لتجديد عقد اتفاق أولي مع صندوق النقد خلال الأشهر القليلة المقبلة، بالنظر إلى ربط توقيعه بدخول قانون معالجة أوضاع المصارف حيز التنفيذ، والمشروط قانونياً بصدور قانون معالجة الفجوة المالية، مع اشتراط توافقها مع المعايير الدولية. فضلاً عن الحاجة إلى إقرار موازنة العام المقبل، واعتماد إطار مالي متوسط الأجل يتوافق مع استدامة الدين العام في البلاد.

وتكشف الأرقام المرتبطة بالفجوة المالية عن حجم المأزق الذي تواجهه الحكومة اللبنانية في ظل الضغوط المتواصلة من صندوق النقد الدولي، وسط تباين في وجهات النظر بشأن كيفية توزيع الخسائر ومعالجة العجز المالي لدى الأطراف المعنية، وهي الدولة ومصرف لبنان والمصارف. وفي خضم هذه الخلافات، تبقى حقوق المودعين معلّقة إلى حين إقرار القانون الذي يحدد آليات التعامل مع مدخراتهم العالقة، المقدّرة بنحو 80 مليار دولار.

ويقابل هذه الودائع حجم مماثل من توظيفات المصارف لدى مصرف لبنان، استُخدم معظمها في تمويل الدولة، التي استجرّت أموالاً تُقدّر بنحو 64 مليار دولار، وفق الأرقام الواردة في المعطيات المالية للأزمة.

وفي الأساس، ثمة «فجوة» عميقة في توصيف الأزمة وخلفياتها، حسب المسؤول المالي المعني، بينما تفترض التداعيات وموجبات إيفاء الحقوق، التوافق الناجز على تعريف «الأزمة النظامية» التي أقر بها صندوق النقد، وباعتبار أن المسألة لا تتعلق بتعثر مصرف واحد، أو حتى عدد من المصارف، وفق تأكيد حاكم المركزي، كريم سعيد، بل بانهيار متزامن للقدرة المالية للدولة، وللمركز المالي لمصرف لبنان، ولسيولة القطاع المصرفي، ولثقة المواطنين، بحيث أصبحت كل هذه العناصر تغذي بعضها، وصولاّ إلى انهيار شامل. كما ينبغي التنويه في سياق المقاربات العلاجية، بأن تخلّف الدولة عن سداد السندات الدولية في ربيع عام 2020، والبالغة حينها نحو 31 مليار دولار، ثم انهيار سعر صرف العملة الوطنية بنسبة قاربت 98 في المائة، الذي محا تقريباً ديون الدولة بالليرة، منحا الدولة فترة سماح طويلة نسبياً لعزل موجبات الديون عن الموازنة العامة، لكن ذلك يؤجل الاستحقاقات فقط ولا يشطبها، بأي حال، مع وجود شريحة واسعة من الدائنين الدوليين، مما يوجب ضم الملف إلى مشروع قانون الانتظام المالي.