تاريخ الدولة السعودية في مراحلها الثلاث... البناء على ما بنى الأوائل

TT

تاريخ الدولة السعودية في مراحلها الثلاث... البناء على ما بنى الأوائل

مسجد في الطائف (الشرق الأوسط)
مسجد في الطائف (الشرق الأوسط)

بين روايات التأسيس والتوحيد وحكايات البناء والتطوير روابط ووشائج، وتاريخ دولة متصل لأكثر من 300 عام فيه الكثير من الصفحات المضيئة والقصص الملهمة، ومن يغص في أعماقه وينقب في وثائقه ويستجلي أوضاعه، ويقرأه وفق سياقه التاريخي وظرفه الزماني والمكاني، يدرك أبعاد اتجاهاته السياسية وتحولاته الاجتماعية ونهضته الفكرية، وملاحمه التنموية بل وحتى رؤيته الممتدة. كيف لا وهو تاريخ دولة وسيرة أمة.

أمة غُيّب دورها فنهضت من كبوتها لاستعادة أمجادها، ودولة أعادت لجزيرة العرب اعتبارها ووصلت ما انقطع من تاريخها العربي، أشرقت شمسها ثم أفلت وتكرر ذلك مرتين في حالة نادرة؛ بل فريدة.

من هنا أطلق المؤرخون المعاصرون على الحقب أو الأدوار الثلاثة للدولة السعودية مصطلحات «الأولى والثانية والثالثة» وتداولوها بوصفها حقباً تاريخية مع أنها لم تكن أسماءً رسمية، وبمحاولة تتبع متى بدأ استخدام هذا التقسيم يتبين أنه حديث نسبياً (في عهد الملك فيصل) وأن أول من استخدمه القانوني والمؤرخ الدكتور منير العجلاني. وإن كان ذلك يتطلب مزيداً من التدقيق والبحث، لكن سبق وأن استخدم مصطلح (الدور الأول) و(الدور الثاني) في عهد الملك عبد العزيز عند مؤرخين مثل أمين الريحاني وفؤاد حمزة.

مراحل بناء الدولة السعودية في أدوارها الثلاثة (الشرق الأوسط)

لكن ماذا عن سنوات ضعف أو غياب الدولة؟ لأنها هي سبب هذا التقسيم المنطقي من الناحية التاريخية، مع أنني أراها سنوات الربط بين الأدوار. ولا بد - قبل ذلك - من إدراك «حجم الرصيد التاريخي الذي أسسته الدولة (الأولى)» والذي استفادت منه «الثانية» و«الثالثة» وبنتا عليه. من هنا تأتي أهمية استذكار تاريخ الدولة السعودية بكل مراحله وتحولاته، واستحضار إرثه العريق ورصيده الكبير وجذوره الراسخة في ذكرى يوم التأسيس، وإلقاء مزيد من الضوء على جوانب لم تستوف حقها من ذلك التاريخ العريق.

مبادئ الدور الأول من الدولة السعودية

يرى الكاتب والباحث السياسي جبران شامية أن مشروع الدولة النهضوي في دورها الأول تضمن مبادئ لا يمكن تجاهلها، منها «الاهتمام بالعلم والمعرفة بالمعنيين الديني والدنيوي، والإصلاح القضائي وتوفير الأمن، وكسر التقليد وإعلان حق العقل في فهم النصوص، وتقييد القرار والإدارة السياسية بالأصول الدستورية، والإصلاح التربوي والاجتماعي، والكفاح من أجل الوحدة أو الاتحاد وتجاوز الإقليمية وتوسيع الاتصال بالعالم الخارجي».

ويوجز شامية حديثه عن «الدولة السعودية الأولى» فيما يلي من نقاط:

أولاً، إنها «كانت دولة عربية إسلامية ونداً عربياً قوياً على مستوى الحكم للشعوبية التركية وغيرها. وثانياً أنها نشأت في ظروف عالمية وعربية ومحلية شديدة التعقيد، وصمدت في وجه حملات القمع والتخذيل. ثالثاً أنها قدمت صورة جديدة بالنسبة للقرون الماضية من صور الحكم الإسلامي، ونمطاً متقدماً من أنماط الحكم السعودي في الجزيرة العربية. ورابعاً أنها تركت بصماتها الواضحة في التطورات العقلية والاجتماعية التي حدثت في جزيرة العرب من بعد، كما تركت آثارها العميقة في محيطها الأقرب (الخليج العربي)، ودائرتها المحيطة (الوطن العربي)، ومجالها العريض (العالم الإسلامي)».

ويؤيد ذلك السير هارفرد جونز بريدجز المقيم السياسي في بغداد (1798 - 1806م) بقوله: «إن النظام الذي سارت عليه الدولة السعودية هو نظام حر بكل ما في الكلمة من معنى. وأن العدل والأمن والانضباط كان أهم عناصر التحول التي أدخلتها تلك الدولة في حياة عرب الصحراء». ويقارب ذلك أستاذ التاريخ الدكتور عبد الكريم الغرايبة بقوله: لقد نجح آل سعود بنقل عرب الجزيرة نحو المدنية، «الأمر الذي لم يحققه أي نظام حكم في التاريخ، واستتب الأمن والنظام والوحدة في بلاد لم تعرف هذه الأمور من قبل».

 

أفراد من المجتمع السعودي بأزيائهم المختلفة (الشرق الأوسط)

وهذه التوطئة مهمة لفهم أسباب استمرارية الدولة رغم محاولات إنهائها وتدمير عاصمتها ومحو تراثها والتنكيل بأبنائها، والمفارقة الكبرى أننا أمام حالة نادرة في التاريخ فيما يتعلق باستمرار الدولة السعودية حضوراً وغياباً. فعمر الدولة منذ تولي الإمام محمد بن سعود إمارة الدرعية 297 عاماً ومجموع سنوات ضعفها أو غيابها لا يتجاوز 17 عاماً على أعلى التقديرات، أي بنسبة أقل من 6 في المائة من إجمالي عمر الدولة، وتلك السنوات وإن كانت غياب الحكم على الأرض، فإنها كانت سنوات الاستعداد لاسترداد الحكم وحضور رمزية الدولة مع حكامها الشرعيين بغض النظر عن مكانهم. ويقول المؤرخ عبد الرحمن الرويشد:

«كان آل سعود في غيبتهم يحملون الراية السعودية ولا يتخلون عنها»، وأورد عدة قصص عن ذلك، منها ما رواه عن القبطان البريطاني آي أر بيرس، ووصفه لراية آل سعود قرب الكويت عام 1901: «كانت راية آل سعود خضراء اللون، وكتب عليها (لا إله إلا الله محمد رسول الله)».

سنوات الضعف

وفي سنوات ضعف الدولة (وأؤكد هنا على كلمة ضعف لأنني أرى أن الشرعية لم تسقط)، كان غياب آل سعود قسرياً لكن دورهم كان حاضراً ومحاولاتهم لاسترداد الحكم لم تنقطع، وقد يكون هذا ما قصده أستاذ التاريخ الدكتور عبد الفتاح أبو علية بقوله إن «المفهوم الزمني للدور (السعودي) أوسع وأعم من مفهوم الدولة الزمني».

وإذا كانت أسباب غياب الدولة مفهومة، فالسؤال الذي يجب أن يُسأل لماذا عادت الدولة؟

يجيب الدكتور أبو علية: «مع أن الدولة السعودية الأولى انهارت من الوجهة والمفهومية السياسية، فإنها تركت في البلاد النجدية مقومات الدولة السعودية الثانية، إذ ظلت أفكار دعوتها ماثلة في أذهان الناس، وظل المجتمع النجدي يكن الولاء للأسرة السعودية». كذلك يرى الدكتور الغرايبة: «إن الدرعية انتصرت بانتحارها المشرف لا بجيوشها»، وأن «تضحياتها لم تذهب عبثاً... فلولا البطولات التي أبداها آل سعود دفاعاً عن بلدهم، ولولا سمو الفكرة التي دعوا إليها»، لما استطاع عبد العزيز آل سعود أن يؤسس ملكه في القرن العشرين».

وفي سنوات ضعفها وغيبتها لم تكن الدولة حاضرة في ذهن قادتها فحسب، بل أيضاً في وجدان الناس. ومن جميل ما مر علي في هذا الباب، ما سمعته من أستاذ التاريخ السعودي الدكتور عبداللطيف الحميد: «أن عدداً من تجار نجد وأغنيائها كانوا يحملون زكاتهم للكويت أثناء إقامة الإمام عبد الرحمن فيها ويدفعونها له، بصفته الحاكم الشرعي». ولعل ذلك هو ما دفع المؤرخ الفرنسي فيلكس مانجان إلى القول، بعد تدمير الدرعية:

«مع أن أسرة سعود قد تفرقت، ومع أن الفوضى تعم بين الزعماء، فما زال هناك أس خصب يمكن للزمن والأحداث أن تجعله يتفتح من جديد». ويواصل مانجان توقعاته عن عودة الحكام الشرعيين: «وإذا كان الرعب الذي تنشره اليوم جيوش محمد علي يضمن خضوع المهزومين، فإنه مما لا شك فيه أنهم بعد موت ذلك الأمير سيستفيدون من الحماسة الحربية التي هي الميزة الطبيعية لكل الأجيال الجديدة لاستعادة مملكة كانوا يستطيعون الدفاع عنها أمداً طويلاً».

لم تخب توقعات مانجان، فاسترد الإمام تركي بن عبد الله بن محمد بن سعود الحكم الذي أسسه جده الإمام محمد بن سعود بعد مدة قصيرة من ذلك التنبؤ، كما استرده عبد العزيز بن عبد الرحمن بن فيصل بن تركي بعد ذلك، فالأس الخصب الذي أشار إليه مانجان تَفَتَحَ من جديد. لكن مملكة عبد العزيز أتت متفوقة بتجاوزها الإمارة والسلطنة، وحكمه كان مختلفاً. فلم يركن إلى الإرث والرصيد التاريخي لأجداده فقط وإنما قرأ التاريخ أيضاً، ووعى مساره واستوعب دروسه واستفاد من تجارب أسلافه فبنى هياكل دولته وطور أدواتها وممارساتها تماشياً مع مقتضيات عصره، مع المحافظة على أصالتها وركائزها. والأهم يبقى أنه أسس مدرسته الفريدة في الحكم والسياسة التي تلقى فيها أبناؤه الملوك مهارات الحكم وفنون السياسة، ناهيك عن كونهم امتداد لبيت ملك عريق ينتمي لأرض الجزيرة العربية، يؤمن بمبادئها ويعرف قيمها وشمائلها وحاجات إنسانها، ويستحضر كل منهم فلسفة عبد العزيز التي كانت مختلفة فعدلّت أبيات المتوكل الليثي:

لسنا وإن أحسابنا كرمت يوماً على الأحساب نتكل

نبني كما كانت أوائلنا تبني ونفعل (فوق) ما فعلوا

«نحن نبني يا حضرة الأستاذ كما كانت تبني أوائلنا، ولكننا نفعل فوق ما فعلوا»، هكذا قال مخاطباً الأديب المهجري أمين الريحاني الذي يلخص اختلاف عبد العزيز عن سابقيه:

«الحق يقال إن السلطان عبد العزيز آل سعود استعاد في دوره الأول، دور الفتوحات، ملك أجداده، وعزز هذا الملك بالعدل والأمن، وبالدين الذي هو في نجد مصدر الاثنين، فلا يخطئ ولا يموه إذا قال: نبني كما كانت تبني أوائلنا، ولكنه في تحضيره البدو، وفي تأسيس الجديد من المدن والقرى التي تدعى الهجر، وفي استخدامه من يحسن الخدمة مهما كان مذهبه، وفي إعطاء امتياز (الأحساء) لشركة أجنبية، وفي إرساله فتياناً من نجد إلى مصر ليتلقنوا فيها العلوم الحديثة، وفي استحضاره إلى الرياض السيارات وبعض الأطباء والمهندسين؛ في كل هذا ما يثبت قوله إنه يفعل فوق ما فعل أجداده ولا يبالي إذا كان المشايخ والعلماء لا يرضون دائماً عن هذه الخطة. إذ ليس لهم أن يعترضوه بشيء في سياسته الداخلية والخارجية التي لا تمس الدين. وهو، وإن قيل إنه شديد التعصب لمذهبه، يحسن المداراة فيتجاهل فيما لا يضر، ويتساهل فيما هو مفيد لبلاده. قد يفوه أحد العلماء أحياناً بكلمة فيها بعض ما يكنه من الوجد والأسى فيقول مثلاً: في أيام أجدادكم يا طويل العمر كانت الدنيا مستريحة من هذه المشاكل الجديدة كلها، فيسمع عبد العزيز ويبتسم ثم يسير في سبيله ليتم مقاصده. وقلما يكترث مما يشيعه عنه الأعداء وفيهم من الأدباء من يجهلون نجد الحديث. لذلك تضاربت الآراء في كثير من الشؤون التي تتعلق به وببلاده».

كتب الريحاني كلامه هذا عام 1924، أي قبل 100 عام بالتمام، ويظل كثير مما قاله ينطبق على واقعنا اليوم، ولا بد من التأكيد على نقطتين جوهريتين تتعلقان بمنجز الملك عبد العزيز لم تنل حقهما من الدراسة والإبراز: الأولى أنه أسس نهجاً دستورياً لانتقال الحكم في الدولة، والثانية أن التغيير الاجتماعي الذي أحدثه كان كبيراً بمقاييس عصره، وبالمقارنة مع التطورات الاجتماعية التي حدثت في الدور الأول للدولة السعودية.

أعراف متطورة

وسار أبناء عبد العزيز على نهجه مستحضرين فلسفته في التفوق، فأدى كل ملك من ملوك المملكة العربية السعودية دوره وسلم الأمانة كاملة وأفضل مما تسلمها. وهذه مفارقة أخرى لا نراها في كثير من الدول، لذا علينا ألا ننسى أن المملكة العربية السعودية دولة عريقة لكنها ليست جامدة؛ بل مُجددة ومتجددة، طورت عبر قرون تاريخها وعقود دولتها الحديثة كماً من الأعراف والتقاليد الملكية، التي تتميز بها الأنظمة ذات الجذور الراسخة، واستفادت من كل ما هو جديد ومفيد، متكئة على إرثها العظيم ورصيدها التاريخي الكبير. وهي تتميز الآن بتوجهات تجديدية وإبداعية تكرس تقاليدها الملكية وتزيد عليها أو تعيد تقديم بعضها بما يتناسب وتوجهات العصر.

ولا أدل على ذلك من النهضة الكبرى التي تعيشها اليوم بقيادة خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبد العزيز، وبإشراف ومتابعة من سمو ولي العهد الأمير محمد بن سلمان، كما أن التحولات الاجتماعية التي يمر بها المجتمع السعودي الآن تفوق أي تحول سابق. لذا أرى أن محاولة فصل هذه الإنجازات عن أبعادها التاريخية، تعد تجاوزاً لطبيعة هذه المآثر الملكية العريقة والمتصلة لثلاثة قرون، ولتاريخها الممتد لستة قرون، والذي يحتفل السعوديون بأحد إنجازاتها الفريدة وأيامها المجيدة، يوم التأسيس.

وعن مراجعة تقسيمات تاريخ الدولة التي أرى أنها وضعت لاستيعاب حقب التاريخ، فأدت ببعض المؤرخين المتأخرين أن يجعلوه تاريخ ثلاث دول بينما هو تاريخ متصل لدولة واحدة مرت بأدوار وعهود عدة وظلت مستمرة على مبادئها التي أسست عليها رغم كل ما مرّ بها.


مقالات ذات صلة

تدشين كتاب «سلمان: قراءة في فكر ملك» باللغتين الإنجليزية والفرنسية

ثقافة وفنون الدكتور إبراهيم المطرف بجانب كتابه «سلمان: قراءة في فكر ملك» في 3 إصدارات باللغات العربية والإنجليزية والفرنسية (الشرق الأوسط)

تدشين كتاب «سلمان: قراءة في فكر ملك» باللغتين الإنجليزية والفرنسية

تزامناً مع الاحتفاء بيوم «التأسيس» السعودي، دشنّ الدكتور إبراهيم المطرف كتابه «سلمان: قراءة في فكر ملك» في 3 إصدارات باللغات العربية والإنجليزية والفرنسية.

«الشرق الأوسط» (الدمام)
الخليج خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبد العزيز (الشرق الأوسط)

الملك سلمان: تأسيس دولتنا قام على التوحيد والعدل وجمع الشتات

أكد خادم الحرمين الشريفين، الملك سلمان بن عبد العزيز، أن الدولة السعودية قامت على كلمة التوحيد، وتحقيق العدل، وجمع الشتات تحت راية واحدة.

«الشرق الأوسط» (جدة)
رياضة سعودية الأمير عبد العزيز بن تركي الفيصل (وزارة الرياضة)

الفيصل مهنئاً بيوم التأسيس: السعودية ستواصل مسيرة التمكين

رفع الأمير عبد العزيز بن تركي الفيصل وزير الرياضة رئيس اللجنة الأولمبية والبارالمبية السعودية، خالص التهنئة والتبريكات للقيادة في البلاد بمناسبة يوم التأسيس.

«الشرق الأوسط» (الرياض)
الخليج مئات الوثائق في وسط الجزيرة العربية تؤكد تمسك وتشدد السكان بالدين (صور من الباحث)

فقدان التاريخ السياسي لم يغيب المظاهر الدينية في المنطقة

عدَّ الباحث الدكتور راشد بن عساكر، في حديث، لـ«الشرق الأوسط»، أن فقدان التاريخ السياسي وسط الجزيرة العربية لم يغيّر المظاهر الدينية

بدر الخريف (الرياض)
رياضة سعودية رونالدو محتفلا مع لاعبي النصر بعد الفوز على الحزم (موقع النادي)

«بشت التأسيس» يزين احتفالات رونالدو بصدارة النصر

قاد الأسطورة البرتغالي كريستيانو رونالدو احتفالات النصر باستعادة صدارة الدوري السعودي للمحترفين، مرتديا البشت السعودي بطرازه القديم والتاريخي.

«الشرق الأوسط» (الرياض )

خليل الحية... قيادة مفاجئة لـ«حماس» في مرحلة تحولية

رئيس المكتب السياسي لحركة «حماس» خليل الحية (أرشيفية - أ.ب)
رئيس المكتب السياسي لحركة «حماس» خليل الحية (أرشيفية - أ.ب)
TT

خليل الحية... قيادة مفاجئة لـ«حماس» في مرحلة تحولية

رئيس المكتب السياسي لحركة «حماس» خليل الحية (أرشيفية - أ.ب)
رئيس المكتب السياسي لحركة «حماس» خليل الحية (أرشيفية - أ.ب)

قبل السابع من أكتوبر (تشرين الأول) 2023، كان اسم خليل الحية (65 عاماً تقريباً) بارزاً ومهماً في أوساط حركة «حماس»، لكنه -وفق تقديرات من داخل وخارج الحركة- لم يكن بالدرجة التي تضعه كمرشح كبير لقيادتها، وفق مآلات الأمور آنذاك.

غير أن انطلاق «طوفان الأقصى» غيّر في ديناميكيات الأشخاص، والأدوار، كما بدّل في جغرافيا القطاع، وما خارجه؛ وبات الحية راهناً رئيساً للمكتب السياسي لـ«حماس»، وقائداً لها في واحدة من أكثر مراحلها التحولية الحساسة.

بعد منافسة مع القائد السابق للحركة، والاسم البارز بين قياداتها، خالد مشعل، أُعلن فوز الحيّة في يوليو (تموز) الماضي، في حدث مثّل مفاجأة للبعض خارج «حماس»، وتوقعه آخرون داخلها، خاصة من نمو سيطرة ما يسمى بـ«قيادات غزة» -أي أبناء القطاع- على مفاصل أهم الملفات، والمناصب الحساسة والمهمة داخل الحركة.

خليل الحية (الثاني من اليمين) وإلى يمينه قائدا الحركة الراحلان إسماعيل هنية ويحيى السنوار يصلون إلى معبر رفح الحدودي في سبتمبر 2017 (رويترز)

في لحظة إطلاق «طوفان الأقصى» كان الحية نائباً لقائد «حماس» في القطاع، يحيى السنوار، ومسؤولاً عن التواصل مع الفصائل الفلسطينية، والجهات الأممية والوسطاء فيما كان يتعلق بواقع قطاع غزة، وجولات التصعيد التي كان يشهدها مع إسرائيل.

ويسجل تاريخ الحركة أن أول ظهور لامع للحية تزامن مع دخول «حماس» إلى المنافسة في الانتخابات التشريعية التي جرت عام 2006، وما تبعها من سيطرة عسكرية للحركة على القطاع عام 2007، وبعدها تنقل في مناصب قيادية محلية داخل مدينة غزة، ثم على مستوى القطاع، ثم أصبح قيادياً عاماً، وكان يتلقى دعماً مستمراً من قيادات الجناح العسكري للحركة في غزة، مثل أحمد الجعبري، وعز الدين الحداد.

أين كان لحظة الهجوم... وهل عرف به؟

كان خليل الحية مثل الكثيرين من أعضاء المكتب السياسي بغزة، الذين طلب منهم السنوار قبل هجوم السابع من أكتوبر 2023 مغادرة القطاع والخروج من غزة لمتابعة ملفات معينة، لكن لم يكن أحد يعرف حقيقة ما يخطط له مفجر «طوفان الأقصى». وتؤكد مصادر من «حماس» لـ«الشرق الأوسط» أن الحية كان أكثر اطلاعاً مقارنة بغيره من أعضاء المكتب السياسي على بعض تفاصيل 7 أكتوبر «لكن معلوماته لم تكن كاملة، ولا دقيقة، إذ لم يكن يعرفها سوى السنوار، وقادة في الجناح العسكري كانوا على علاقة بجزئيات محددة تتعلق بالهجوم»، وفق ما حدد أحد المصادر.

يؤكد الحية في مقابلة نشرها «المركز الفلسطيني للإعلام» التابع لحركة «حماس» في أبريل (نيسان) 2024: أن «هجمات السابع من أكتوبر التي أشعلت حرب غزة كان المقصود منها أن تكون عمليةً محدودةً قامت بها (حماس) لأسر عدد من الجنود لمبادلتهم بأسرى فلسطينيين»، مضيفاً: «إن فرقة غزة في الجيش الصهيوني انهارت تماماً»، في إشارة إلى الجيش الإسرائيلي.

وقال مصدر قيادي من «حماس» في الخارج لـ«الشرق الأوسط» إن الحية «كان يعلم أن هجوماً واسعاً نسبياً قيد التحضير، لكنه لا يعلم التوقيت، ولا التفاصيل تماماً، وأنه كان ممن صوتوا مع قيادات على أن يتم الهجوم، لكن جميع من شاركوا في التصويت كانوا يعتقدون أنها مجرد عملية محدودة، وبمن فيهم إسماعيل هنية الذي كان رئيساً للمكتب السياسي، وكان يتجهز برفقة الحية ومشعل وغيرهما من القيادات للسفر من تركيا إلى العراق في أول زيارة لهم للبلاد».

خسائر شخصية وغيابات تنظيمية

لقد جرت في نهر «7 أكتوبر» -وفي أسرة خليل الحية- دماء كثيرة على مدار 3 سنوات من حرب إسرائيلية ضارية، كبّدت القطاع عموماً -والحية حتى وهو خارجه- خسائر فادحة؛ إذ ودع في مايو (أيار) الماضي ابنه عزام، وذلك بعد شقيقه همام في سبتمبر (أيلول)، واللذين قتلتهما إسرائيل في هجمات منفصلة، وانضما إلى ابنين آخرين هما حمزة، وأسامة، واللذان قتلتهما إسرائيل كذلك في عامي 2008 و2014 على الترتيب.

ويعتقد مصدر من «حماس» داخل قطاع غزة أن «الاستهدافات الإسرائيلية المتكررة لمنزل الحية في الحروب على القطاع، ومقتل عدد من أبنائه -خاصةً خلال الحرب الأخيرة- رفعا من أسهمه داخل الحركة، ورشحاه ليصبح قائداً لها على حساب شخصيات تاريخية أخرى».

لكن مصدراً آخر من «حماس» قال إن «غياب شخصيات مهمة عن الواجهة من المكتب السياسي بعد اغتيال إسماعيل هنية، وصالح العاروري، ثم مقتل يحيى السنوار في اشتباكات بشكل مفاجئ داخل القطاع، واغتيال شخصيات أخرى مثل روحي مشتهى وأسامة المزيني، وتغيب شخصيات أخرى لظروف صحية، مثل محمود الزهار وغيره، كل ذلك دفع بالحية ليكون الأكثر حضوراً لتولي المسؤوليات، خاصةً مع سيطرة قيادات من غزة على مناصب مهمة داخل المكتب السياسي، ومجلس الشورى».

واستدرك المصدر أن «هذا لا يعني التقليل من شخصية الحية؛ فالرجل أثبت قدرته على القيادة، وتحمل المسؤوليات في الكثير من الملفات والمناصب التي تولاها سابقاً، حتى بات شخصية مقربة جداً من إسماعيل هنية خلال وجوده بالقطاع، وكذلك عندما التحق به في الخارج، كما أنه تعرض لمحاولات اغتيال سابقاً، وأبرزها ما حدث أثناء وجوده في الدوحة (سبتمبر 2025)، حينما كان يدرس مع قيادات أخرى عرضاً أميركياً لوقف إطلاق النار.

ويضاف إلى المسوغات الشخصية، وفق المصدر الثاني، أن «تأييد الحية الدائم لما خطط له السنوار داخلياً وخارجياً منحه تأييداً أوسع داخل الحركة، خاصةً من المقربين، والمحسوبين على السنوار، وقيادة (كتائب القسام)».

ويؤكد المصدر أن قيادة «القسام» بغزة دعمت الحية ليكون رئيساً للحركة، كما أنها دفعت باتجاه انتخابه باعتباره يمثل خياراً مهماً داخل الحركة لما تراه قيادة غزة التي كان يجب أن تُكرم وتواصل قياداتها للحركة بعدما قادت معركة (طوفان الأقصى)، وضحت بقياداتها الكبار» كما قال.

علاقة الحية بإيران

يُعرف عن الحية في أوساط الفصائل الفلسطينية و«حماس» أنه من الشخصيات التي دعمت توجهات السنوار المدفوعة من قيادة «القسام» لإعادة توطيد العلاقات مع ما يُسمى بـ«محور المقاومة»، وخاصةً إيران، الأمر الذي كان فيما يبدو من أهم القضايا التي أسهمت في توسع نفوذه، حيث كان مسؤولاً عن الاتصالات مع النظام السوري السابق، وزار دمشق للقاء بشار الأسد، في أول زيارة لمسؤول من «حماس» للبلاد في أكتوبر 2022، بعدما كانت غادرتها عام 2012، مع تصاعد الاحتجاجات الشعبية آنذاك ضد النظام السابق.

ويقول مصدر قيادي من غزة إنه كان هناك إجماع داخل قيادة غزة من المستويين السياسي والعسكري للدفع باتجاه قرار إعادة العلاقات مع إيران، وكان الحية إلى جانب السنوار قد وضعا ثقلهما من أجل فتح علاقات جديدة مع النظام بطهران، وبتأييد جارف من قيادة «القسام» التاريخية، بدءاً من محمد الضيف، ومحمد السنوار، ووصولاً لكل قيادات المجلس العسكري.

المرشد الإيراني الراحل علي خامنئي يستقبل خليل الحية قائد «حماس» الحالي في طهران في فبراير الماضي (أ.ب)

وشرح مصدر في الخارج أن «هناك بعض الأصوات التي كانت مؤيدة لهذه الخطوة بتحفظ في ظل ما واجهته الحركة من معاناة في العلاقة مع إيران ببعض الفترات، ومطالبة الحركة باتخاذ قرارات تأييد لجهات موالية لإيران في ساحات أخرى، وهو أمر كانت ترفضه الحركة، وتؤكد استقلالية مواقفها».

تبدو قيادة الحية لـ«حماس» إذن أشبه بالمشي على الأشواك؛ فهو على المستوى الداخلي في القطاع أمام مسؤولية إنهاء الحرب، والتعامل مع الضغوط الإنسانية الهائلة بعد مقتل أكثر من 70 ألفاً من أبناء القطاع، واحتلال أكثر من 60 في المائة من مساحته. ومقابل الاستحقاق السابق يظهر الثمن؛ فالرجل يتفاوض عبر الوسطاء مع إسرائيل التي تقول إنها لن تتنازل عن نزع سلاح القطاع، وهو ما يمثل أحد أكثر التحولات في تاريخها.

«حماس» والحية إذن أمام معادلة صعبة للحفاظ على الوجود، والتماسك، وبينما هي مهددة وجودياً بفقدان السلاح كأهم أوراقها، يبدو كذلك أفق المشاركة السياسية ملبداً بالعقبات، فهي بحاجة إلى الالتزام باتفاقيات السلطة الوطنية مع إسرائيل، الأمر الذي يمثل محظوراً للحركة... بقدر ما كان يمثل وصول الحية إلى قيادة «حماس» متغيراً لافتاً، ومفاجئاً، تظهر فترة ولايته كتحدٍ إضافي سيحدد مصيره الشخصي، ومسار حركته على ما يبدو.


كيف دفع 7 أكتوبر عباس إلى تغيير وجه السلطة الفلسطينية؟

الرئيس الفلسطيني محمود عباس يلوح بيده خلال مراسم إحياء الذكرى الخامسة والخمسين لتأسيس حركة فتح في رام الله بالضفة الغربية عام 2019 (رويترز)
الرئيس الفلسطيني محمود عباس يلوح بيده خلال مراسم إحياء الذكرى الخامسة والخمسين لتأسيس حركة فتح في رام الله بالضفة الغربية عام 2019 (رويترز)
TT

كيف دفع 7 أكتوبر عباس إلى تغيير وجه السلطة الفلسطينية؟

الرئيس الفلسطيني محمود عباس يلوح بيده خلال مراسم إحياء الذكرى الخامسة والخمسين لتأسيس حركة فتح في رام الله بالضفة الغربية عام 2019 (رويترز)
الرئيس الفلسطيني محمود عباس يلوح بيده خلال مراسم إحياء الذكرى الخامسة والخمسين لتأسيس حركة فتح في رام الله بالضفة الغربية عام 2019 (رويترز)

مباشرة بعدما تولّى منصب رئيس السلطة الفلسطينية عام 2005، وفي جلسة سريعة في بيت لحم، طلب محمود عباس من كوادر تابعة لحركة «فتح» أن يأتوه بأي دليل يثبت أن أحد المسؤولين بالتحديد تورّط بالفساد بعدما كان الحاضرون كالوا له الكثير من التهم المرتبطة بدعم مشاريع إسرائيلية، وذلك كي يحاسبه فوراً. أراد عبّاس إيصال رسالة تؤكّد على أنه جاء لإصلاح السلطة التي كان اتهمها هو أيضاً بالفساد عندما كان رئيساً للوزراء، وأن لديه طريقته لتنفيذ ذلك.

الرئيس الفلسطيني محمود عباس يحضر مراسم إحياء الذكرى الخامسة والخمسين لتأسيس حركة فتح في مدينة رام الله بالضفة الغربية عام 2019 (أ.ب.أ)

وهكذا مع طول إقامته في موقعه، كرر عباس التعهد بإصلاح السلطة مراراً وتكراراً، لرؤساء الدول البعيدة والقريبة، ولحركة «فتح» التي يقودها، ولفصائل أخرى، وللمجتمع الدولي ومنظمات المجتمع المحلي، وأقام لذلك هيئة مكافحة الفساد، لكن من دون أي نتائج جلية على الأرض.

لقد كانت عملية موجودة بلا شك، لكنها طويلة وبطيئة وصعبة ومعقدة، مثلها مثل كل شيء في الأراضي الفلسطينية، قبل أن يأتي السابع من أكتوبر 2023 بعد 18 عاماً على حكم عباس، ويغير كل شيء.

شروط الإصلاح الثقيلة

لقد تحدّث عباس عن الإصلاح آلاف المرات، وتعهد بذلك آلاف المرات الأخرى خلال أعوامه الطويلة، لكنه لأول مرة يجد نفسه بعد 7 أكتوبر أمام مطالبات بالإصلاح من نوع آخر، نوع ثقيل، وبطريقة صعبة، مفادها البقاء مقابل الإصلاح.

وقال مسؤول فلسطيني رفيع لـ«الشرق الأوسط»: «لقد طلبوا الكثير من الإصلاحات. بعد الحرب على قطاع غزة، استغلوا هذا العنوان (الإصلاحات)، وأدرجوا تحته مطالبات لا علاقة لها بالإصلاحات الحقيقية... قطع رواتب وتغيير مناهج، وطالبوا أيضاً بانتخابات رئاسية وتشريعية، وكان كل هذا شرطاً للتعامل مع السلطة ودعمها... وقلنا نعم».

وأضاف: «لدينا ألف اعتراض على خطة الرئيس الأميركي دونالد ترمب في قطاع غزة، وقلنا نعم. لدينا ألف اعتراض على خطة الإصلاح المرتبطة بها، وقلنا نعم. يتعاملون معنا كأننا الدولة الوحيدة التي تحتاج إصلاحات. وقبلنا. ومضينا لأننا نريد وقف الحرب وسدّ الذرائع وإطلاق مسار سياسي. لم يكن وضعاً اخترناه. لكننا وافقنا ومضينا إلى الأمام. فهل يمضون هم، ويطبقون ما عليهم».

لم يكن عباس بحاجة إلى ضغوط كبيرة، فقد التقط جيداً مآلات السابع من أكتوبر، وفي حقيقة الأمر لم ينتظر طويلاً، حتى أطلق سلسلة إصلاحات ضخمة، راحت تغير وجه السلطة الفلسطينية برمتها.

كان الجميع بعد الحرب مختلفين على كل شيء، ومتفقين على شيء واحد، وهو إصلاح السلطة.

وقال مصدر مطلع إن عباس بدأ مبكراً تغييرات كبيرة في محاولة إظهار السلطة أيضاً كسلطة جديدة وشريك سياسي موثوق في المنطقة التي راحت تتغير بدورها.

إنقاذ اليوم التالي

كانت مسألة اليوم التالي حاضرة بقوة، واشترط الجميع على عباس - بحسب المصدر - أنه من دون إصلاح وتغيير السلطة لن يكون شريكاً ولن يكون طرفاً في أي شيء على الإطلاق. وبالتالي، لا سلطة ولا غزة ولا دولة مستقبلية، وهذا بالضبط ما كان يريده رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، الذي أراد بعد السابع من أكتوبر التخلص من عباس والسلطة واتفاق أوسلو.

فهم عباس ذلك، ليس عبر محادثاته مع الآخرين فحسب، لكن لأن الحرب التي شنّها نتنياهو ضد السلطة وفي الضفة الغربية، وتصريحه لاحقاً أن اتفاق أوسلو «كان خطأ إسرائيل الكبير»، أكدا كل شيء. ومنذ السابع من أكتوبر 2023، تتعامل إسرائيل مع السلطة الفلسطينية فعلاً كأنها غير موجودة.

آليات عسكرية إسرائيلية تسير على طريق في قرية رمون الفلسطينية شرق رام الله في الضفة الغربية المحتلة (أ.ف.ب)

صعّدت إسرائيل في الضفة الغربية، وهاجم الجيش مدناً ومخيمات وبلدات، واحتل بعضها بشكل دائم، وراح يقتل الفلسطينيين قصفاً بالطائرات ويعتقلهم، كما يدمر البنى التحتية، فيما تم إطلاق يد المستوطنين يقتلون ويهاجمون ويحتلون مناطق شاسعة بالقوة، قبل أن تمنع الأموال عن السلطة، وتعدل قوانين تتعلق بالسيطرة والحكم والصلاحيات في مناطق متعددة في قلب الضفة، في محاولة لإلغاء دور السلطة الفلسطينية وإعادة هندسة السيطرة على الضفة.

ووجدت السلطة نفسها في أسوأ مرحلة، وفي معادلة «تكون أو لا تكون». وحيال كل ذلك، لم يكن أمام عباس خيارات كثيرة، إما أن يحارب إسرائيل، أو يحل السلطة، أو يستجيب للعالم والأصدقاء.

من السلطة إلى الدولة

بما أن خيار الحرب ليس على جدول الأعمال، ولا تفكر السلطة بحلّ نفسها، ذهب عباس إلى تغيير ما أمكن تغييره.

بعد 4 أشهر فقط من بدء الحرب، في فبراير (شباط) 2024، قبِل عباس استقالة حكومة محمد أشتية، ولاحقاً شكّل حكومة جديدة برئاسة محمد مصطفى، تعهدت فوراً بالإصلاح المؤسسي، ومكافحة الفساد، وتعزيز الشفافية والمساءلة، وإصلاح القضاء والمالية العامة والأمن، وتوحيد المؤسسات بين الضفة الغربية وقطاع غزة.

كانت هذه خطوة عباس الأولى نحو إصلاح، توسع فعلاً بعد ذلك نحو تغيير السلطة، فأصدر مرسوماً بإعادة تشكيل لجنة الانتخابات المركزية، ثم إعلاناً دستورياً لتنظيم انتقال رئاسة السلطة في حال شغور المنصب، ثم قراراً بقانون أعاد تنظيم نظام المساعدات الاجتماعية، وبينها وقف رواتب أسرى ومقاتلين فلسطينيين، ثم استحدث منصب نائب رئيس اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير ونائب رئيس دولة فلسطين. بعد ذلك، شكّل لجنة لصياغة دستور مؤقت للمرحلة الانتقالية من «السلطة» إلى «الدولة»، ثم أصدر إعلاناً دستورياً جديداً نصّ على أنه في حال شغور منصب رئيس السلطة، يتولى نائب رئيس اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير، نائب رئيس دولة فلسطين، مهام الرئاسة مؤقتاً، ثم أطلق انتخابات محلية في الضفة وغزة، ودعا إلى انتخابات مجلس وطني، وحدّد 28 نوفمبر (تشرين الثاني) 2026 موعداً للانتخابات التشريعية، على أن تجرى الانتخابات الرئاسية في الربع الأول من 2027.

انتخابات «فتح» والتغيير الكبير

جاءت انتخابات «فتح» جزءاً من حملة التغيير الكبير. وإحدى أهم الخطوات كانت دفع حسين الشيخ العام الماضي نائباً لرئيس دولة فلسطين ورئيس اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير، قبل أن يدفعه هذا العام لمنصب نائب الرئيس في حركة فتح، بعد أن عقدت حركة فتح مؤتمرها الثامن، وجاءت بلجنة مركزية جديدة.

عباس في أثناء المؤتمر العام الثامن لحركة «فتح» بمدينة رام الله في 14 مايو 2026 (إ.ب.أ)

والدفع بالشيخ إلى كل هذه المناصب، في غضون عامين فقط، كرّسه كخليفة محتمل لعباس، وهو رجل مقبول لدى الأميركيين الذين يتواصلون معه بانتظام، وقريب جداً من مسؤولين وقادة عرب وازنين، ولديه خطوط اتصال مع المسؤولين الإسرائيليين أيضاً.

وجاء الشيخ بعد سلسلة تغييرات كبيرة داخل السلطة، شملت تعيين رؤساء جدد لجميع قادة الأجهزة الأمنية تقريباً، وإحالة مئات الضباط برتبة عميد، للتقاعد بمرسوم رئاسي.

إضافة إلى كل هذه التغييرات الهائلة، يجري العمل على تغيير المناهج التعليمية الفلسطينية.

وقال مصدر مطلع: «لقد أراد عباس ترتيب البيت الداخلي، فيما يستجيب لطلبات الإصلاح. ترتيب وضع السلطة الفلسطينية، وضمان انتقال سلمي وسلس. يخدم الجميع. داخلياً أولاً ثم الآخرين».

وإذا ما مضى عباس حتى النهاية، وأجرى انتخابات تشريعية ورئاسية، يكون بذلك أوفى بوعوده فيما يتعلق بتجديد الشرعيات والإصلاح.

ولكن، ليس معروفاً بعد إذا ما كانت الانتخابات ستجرى أم سيتم تأجليها.

وقالت مصادر إن مسألة تأجيل الانتخابات إذا ما تمت فستكون وفق توافق داخل مشاورات مع المجموعة العربية.

وأضافت المصادر، لـ«الشرق الأوسط»: «لن يكون تأجيلاً مفتوحاً، بل مرتبطاً بموعد آخر محدد».

وعدنا ووفينا... فماذا عنكم؟

بغضّ النظر عن إجراء الانتخابات، تحاول السلطة القول إنها استجابت لكل طلب بإصلاح سياسي ومالي، وفيما يخص تداول السلطة حتى الرواتب والمناهج، فما المطلوب أكثر من ذلك؟

الرئيس الفلسطيني محمود عباس في كلمة مسجلة عن بُعد وجهها إلى اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة المنعقدة في نيويورك (إ.ب.أ)

حين ألقى عباس خطبة مسجلة في الأمم المتحدة الشهر الماضي بعدما منعه الأميركيون من الوصول إلى بلادهم، قال للعالم: «أقول لكم اليوم بكل ثقة ومسؤولية: لقد أوفينا بما تعهدنا به. أنجزنا برنامج الإصلاح الوطني الذي التزمنا به أمام شعبنا والمجتمع الدولي، وعزّزنا حوكمة المؤسسات والمالية العامة والشفافية والمساءلة ومكافحة الفساد وسيادة القانون. وأنشأنا نظاماً وطنياً موحداً للحماية والرعاية الاجتماعية يقوم على أساس الحاجة، وأنهينا القوانين والأنظمة السابقة المتعلقة بذلك، وحصلنا على تدقيق دولي مستقل يؤكد صحة ما قمنا به. وواصلنا إصلاح نظام التعليم وتطوير المناهج وفق المعايير الدولية، وبالتعاون مع اليونيسكو، بما يعزز قيم السلام والتسامح واحترام الآخر، ويحافظ على هويتنا الوطنية وحقوق شعبنا. كما مضينا في طريق التجديد الديمقراطي وتمكين المرأة والشباب».

وأضاف: «لقد أجرينا انتخابات المجالس المحلية، وانتخابات الاتحاد العام لطلبة فلسطين، ونحن ذاهبون إلى الانتخابات التشريعية في 28 نوفمبر (تشرين الثاني) من هذا العام، وإلى استكمال تجديد مؤسسات المجلس الوطني الفلسطيني، ثم إلى الانتخابات الرئاسية».

كأن عباس بذلك يقول: نفّذت كل ما طلبتموه، فهلا تعطوني شيئاً مما أطلب؟


يحيى السنوار... الصورة «الشعبية» إذ تطاردها مشاهد الدمار

لافتة في طهران تحمل صورة زعيم «حماس» الراحل يحيى السنوار (إ.ب.أ)
لافتة في طهران تحمل صورة زعيم «حماس» الراحل يحيى السنوار (إ.ب.أ)
TT

يحيى السنوار... الصورة «الشعبية» إذ تطاردها مشاهد الدمار

لافتة في طهران تحمل صورة زعيم «حماس» الراحل يحيى السنوار (إ.ب.أ)
لافتة في طهران تحمل صورة زعيم «حماس» الراحل يحيى السنوار (إ.ب.أ)

​في الثلاثين من أبريل (نيسان) 2022، خرج يحيى السنوار (1962- 2024) رئيس المكتب السياسي لحركة «حماس» بقطاع غزة آنذاك، محذراً من حرب «إقليمية دينية» واسعة، إذا استمرت إسرائيل في الاعتداءات على الأقصى والقدس، ومطالباً ممثلي الفصائل وأجنحتها العسكرية الذين يستمعون إلى خطابه حينها بالاستعداد والجهوزية. ومع ذلك لم يتصور أحد أن يكون ذلك الاستعداد لمواجهة ما جرى بعد 18 شهراً، في السابع من أكتوبر (تشرين الأول) 2023.

وصحيح أنه يصعب الجزم أن فكرة السابع من أكتوبر كما ظهرت للعالم كانت متبلورة آنذاك في مخيلة السنوار، ولكنه تعهد في الخطاب ذاته بـ«تبييض السجون من كافة الأسرى الفلسطينيين، وبكسر الحصار بشكل كلي». ثم كرر المعنى ذاته في ديسمبر (كانون الأول) 2022 بالقول للإسرائيليين: «سنأتيكم بطوفان هادر... سنأتيكم بصواريخ دون عَد... سنأتيكم بطوفان جنود دون حد... سنأتيكم بملايين من أمتنا مداً بَعد مَد».

فلسطينيون يحتفلون فوق دبابة إسرائيلية على الجدار العازل قرب خان يونس جنوب قطاع غزة يوم 7 أكتوبر 2023 (أ.ب)

وفي تحقيق للصحافيَّين الإسرائيليَّين شلومي إلدار، وروت يوفال، نشراه في صحيفة «هآرتس» في سبتمبر (أيلول) الماضي، وهو جزء من كتاب لهما صدر مؤخراً بعنوان «مخطوفون– 843 يوماً من الإهدار»، أكدا أن السنوار حاول قبيل الهجوم توجيه تحذير عبر وسيط من حركة «فتح» لإسرائيل. وأوضحا أن اتفاقاً كان جاهزاً للتوقيع بين إسرائيل و«حماس» قبل الهجوم بأسابيع عدة، يتضمن صفقة تبادل أسرى وتهدئة أمنية طويلة، ولكن نتنياهو تراجع عنها، وراح يماطل بشأن المصادقة عليها؛ فأثار موقفه هذا غضب السنوار، فقرر شن الهجوم، ولكنه قبل ذلك وجَّه تحذيراً للحكومة الإسرائيلية بـ«رد سيُحدِث زلزالاً».

ويروي الكاتبان أنه في بداية سبتمبر 2023، قطع السنوار فجأة كل الاتصالات مع الطاقم الذي كان يُجري المفاوضات. وقال مسؤول رفيع في «الشاباك»: «لقد اختفى كلياً عن رادارنا، لقد تبخَّر».

تقطعت سُبل صفقة كبيرة مع إسرائيل إذن، بينما تواصل حصار غزة الذي بدأ عام 2006 وتضييق الخناق عليها، وقرر السنوار اللجوء إلى ما تصوَّر حينها أنه الزلزال، وفجَّر الطوفان.

استفتاء داخلي على الشعبية والمسار

ردَّت إسرائيل بكل قوة على السنوار وهجومه، وشنَّت حملة قصف عشوائية في أنحاء القطاع طولاً وعرضاً، ونفَّذت اغتيالات غير مسبوقة؛ بلغت قمتها حينها بقتل رئيس المكتب السياسي لـ«حماس» إسماعيل هنية، في يوليو (تموز) 2025، عبر عملية معقدة طالته في طهران. ويقول مصدر من «حماس» إن «قرار الحركة باختيار السنوار خليفة لهنية، كان بمثابة تفويض للرجل، ومحصلة استفتاء من الحركة وقيادتها على شعبيته ودعم مساره». وكانت «القسام» -ذراع «حماس»- لا تزال تواجه إسرائيل، وتكبدها خسائر تتناسب مع المواجهات الميدانية، إذا ما تم استبعاد غلبة الغارات الجوية والقصف الصاروخي.

صورة تُظهر قادة «حماس» إسماعيل هنية ويحيى السنوار ومحمد الضيف ومحمد السنوار (لقطة من فيديو نشرته كتائب القسام)

ومع قرب حلول العام الأول على الحرب المتواصلة على غزة، وصل السنوار و«حماس» إلى لحظة قتله فجأة، في مواجهة لم تخطط لها إسرائيل في أكتوبر 2024، ولكن مشهد نهايته لم يكن الأخير.

ولقد سعت إسرائيل إلى محو غزة عبر عملية «إبادة جماعية» وفق ما تتهمها به لجان أممية، وفي حربها على القطاع دمرت كلياً أو جزئياً 82 في المائة من مبانيه، و90 في المائة من بنيته التحتية، وقتلت 74 ألفاً من أهله، بينما تقدر تكلفة إعادة إعماره بنحو 71 مليار دولار.

تركت التكلفة الباهظة للحرب الإسرائيلية إذن بصمتها على صورة السنوار رغم غيابه، و«حماس» رغم توقيعها اتفاق وقف إطلاق النار في أكتوبر 2025.

على المستوى الشعبي الداخلي في غزة، تغيَّرت بلا شك صورة السنوار كثيراً بالنسبة للغزيين، وحتى في أوساط مؤيدي «حماس» غير التنظيميين، أظهرت مقاطع مصورة وشهادات ونقاشات محلية، خلال الشهور الأخيرة، هجوماً على قرار السنوار وانتقاداً للرجل الذي أصبح محطَّ اتهامات كثيرة.

لكن مصدراً من «حماس» يقول لـ«الشرق الأوسط»، إن «الهجوم الذي تعرض له السنوار طوال الحرب من شتائم وانتقادات حادة وغيره، كان ظالماً، ولا يمكن محاكمة رجل سعى لاتخاذ خطوة مهمة كان هدفها أن يشعر الجميع بما كانت تعاني منه غزة، من حصار وقتل يومي على يد إسرائيل».

استطلاعات وتراجعات

لم يصل الفلسطينيون إلى مرحلة التراجع النسبي عن تأييد هجوم 7 أكتوبر فجأة. هكذا تقول نتائج استطلاعين أجراهما «المركز الفلسطيني للبحوث السياسية والمسحية». ويظهر في استطلاع أُعلن في مارس (آذار) 2024 أن التأييد الإجمالي لـ«7 أكتوبر» كان لا يزال مرتفعاً إجمالاً، ولكنه انخفض في الضفة الغربية بمقدار 11 نقطة مئوية، وارتفع في غزة بنحو 14 نقطة.

وعزا التقرير الصادر في مارس ارتفاع نسبة التأييد إلى دافع آخر، يتمثل في أن «ثلاثة أرباع الفلسطينيين يعتقدون أن الهجوم قد وضع القضية الفلسطينية- الإسرائيلية في بؤرة الاهتمام، وقضى على سنوات من الإهمال».

لكن استطلاعاً آخر للجهة نفسها صدر في سبتمبر 2024، لمس تغييراً في نسبة تأييد الهجوم، وبلغ الانخفاض 13 نقطة مئوية في الضفة الغربية وغزة، ولكنه أكبر في قطاع غزة؛ حيث بلغ 18 نقطة مئوية، مقارنة بـ14 نقطة انخفاض في استطلاع مارس.

مسلحو «حماس» لدى تسليمهم المجندة الإسرائيلية أربيل يهود في خان يونس ضمن إطار عملية التبادل (أ.ب)

كما ينقل استطلاع آخر أجراه «المركز الفلسطيني للبحوث السياسية والمسحية»، خلال شهر أغسطس (آب) الماضي، تراجع شعبية حركة «حماس» إلى 24 في المائة، مقارنة بـ35 في المائة كانت قد حصلت عليها في استطلاع للمركز ذاته في أكتوبر2025، في وقت استقر فيه تأييد حركة «فتح» عند 24 في المائة خلال الاستطلاعين.

وتؤكد نتائج استطلاع «المركز الفلسطيني» تراجع تأييد «حماس» في الضفة الغربية من أكتوبر 2025 إلى أغسطس 2026، من 32 في المائة إلى 18 في المائة، بينما انخفضت في قطاع غزة من 41 في المائة، إلى 33 في المائة.

أما «مركز القدس للإعلام والاتصال»، وبالتعاون مع «مؤسسة فريدريش إيبرت»، فقد أشار استطلاع أعلنه في أغسطس الماضي إلى تراجع مماثل في مكانة وشعبية «حماس» بصورة لافتة؛ إذ بلغت نسبة من يثقون بالحركة إلى 6.7 في المائة، بعد أن كانت 12 في المائة في يونيو (حزيران) 2022، كما انخفضت نسبة من يثقون بحركة «فتح» إلى 22.3 في المائة، بعد أن كانت 28.8 في المائة.

هل راجعت «حماس» قرار السنوار؟

بعد 3 سنوات من «7 أكتوبر»، تؤكد ثلاثة مصادر من «حماس» داخل قطاع غزة، ومصدر رابع خارجه، أنه «لم تَجرِ أي مراجعات لما جرى، ولم يوجِّه أي من القيادات انتقادات لما حصل. ورغم أن كثيرين لم يكونوا يعلمون شيئاً، أو بشكل متفاوت، فإنهم لم يغيروا مواقفهم».

لكن مصدراً خامساً في الخارج قال إن «التأييد داخل (حماس) على المستوى الرسمي فقط، ولكن بعض الانتقادات كانت تتم أحياناً في جلسات خاصة بين بعض القيادات من مستويات مختلفة، ولكنها انتقادات في بعض النواحي، مثلما كان يجري بملف المفاوضات وغيره، ولكن ليس في جوهر الهجوم بحد ذاته، مع الاتفاق أو الرفض لشكله الواسع، وعدم حسبان ردة الفعل الإسرائيلية بشكل صحيح».

وعبَّر المصدر الأخير المقيم خارج غزة عن اعتقاده بأنه «رغم الدمار؛ فإن الفلسطينيين ربحوا الكثير من المواقف الدولية المؤيدة، وكَشْف حقيقة إسرائيل وإجرامها، الأمر الذي زاد من حالة التضامن مع فلسطين، وأعاد قضيتها للظهور في كل أنحاء العالم».

ويقول المحلل السياسي الفلسطيني المقيم في غزة، مصطفى إبراهيم، إن «الانتقادات الشعبية للسنوار والغضب إزاء قراره الذي اتخذه من دون دراسة، مستمرة، يضاف إليها ما عاشه السكان في القطاع، وفقدانهم منازلهم وممتلكاتهم». ويشير إلى أن «الفلسطينيين أو غيرهم خارج قطاع غزة، ربما يؤيدون ما فعله السنوار؛ لأنهم فقط لم يعيشوا الظروف نفسها من تدمير وقتل ونزوح وغيره».