لبنان يراهن على اجتماعات باريس للجم التهديدات الإسرائيلية

كيف تتعاطى الحكومة مع «الهدنة الغزاوية»؟ وهل تتفرغ لـ«1701»؟

هل تؤدي اجتماعات باريس إلى تبريد جبهة جنوب لبنان وإبعاد شبح توسعة الحرب مع إسرائيل؟ (أ.ف.ب)
هل تؤدي اجتماعات باريس إلى تبريد جبهة جنوب لبنان وإبعاد شبح توسعة الحرب مع إسرائيل؟ (أ.ف.ب)
TT

لبنان يراهن على اجتماعات باريس للجم التهديدات الإسرائيلية

هل تؤدي اجتماعات باريس إلى تبريد جبهة جنوب لبنان وإبعاد شبح توسعة الحرب مع إسرائيل؟ (أ.ف.ب)
هل تؤدي اجتماعات باريس إلى تبريد جبهة جنوب لبنان وإبعاد شبح توسعة الحرب مع إسرائيل؟ (أ.ف.ب)

لم يعد بيد حكومة تصريف الأعمال اللبنانية، سوى ورقة الرهان على توصل قادة أجهزة استخبارات الولايات المتحدة الأميركية ومصر وقطر وإسرائيل، في اجتماعاتهم المتواصلة في باريس، إلى اتفاق يقضي بموافقة تل أبيب و«حركة حماس»، على الدخول في هدنة تفتح الباب أمام الإفراج عن الرهائن الإسرائيليين في مقابل إطلاق سراح عدد من الأسرى الفلسطينيين؛ كون هذا الاتفاق، يُشكّل المعبر الوحيد، كما تقول مصادر وزارية لـ«الشرق الأوسط»، للجم اندفاع رئيس الحكومة الإسرائيلية بنيامين نتنياهو، نحو توسيع الحرب الدائرة في قطاع غزة، لتشمل الجبهة الشمالية المشتعلة بين إسرائيل و«حزب الله» في جنوب لبنان.

قذائف فوسفورية إسرائيلية تنفجر في الأراضي اللبنانية (رويترز)

وتواكب حكومة تصريف الأعمال، وفق المصادر الوزارية، الأجواء المسيطرة على النقاشات في اجتماع باريس، مبدية ارتياحها لما آلت إليه، وإن كانت النتائج النهائية تبقى في خواتيمها، مع أنها بدأت تحقق تقدُّماً لا يمكن تظهيره للعلن ما لم يُحسم الخلاف الدائر بين «حماس»، التي تطالب بالاتفاق على وقف طويل لإطلاق النار، وهذا ما أبلغته إلى القاهرة والدوحة، في مقابل إصرار إسرائيل على أن يبقى الاتفاق تحت سقف التوصل إلى هدنة برعاية مباشرة من الدول المشاركة في اجتماع باريس.

وتؤكد المصادر، أن مجرد التوصل إلى اتفاق لوقف إطلاق النار أو لهدنة طويلة، سينعكس هدوءاً على الجبهة الشمالية، نظراً لتمسك «حزب الله» بالترابط بين الحرب في غزة والمواجهة في جنوب لبنان، وهذا ما حصل في السابق، عندما توصلت «حماس» وإسرائيل، برعاية مصرية - قطرية، إلى اتفاق على الجبهة الغزاوية، أدى إلى التهدئة لفترة زمنية وجيزة.

وتلفت المصادر الوزارية، إلى أن لبنان الرسمي يتعامل بجدية مع التهديدات الإسرائيلية التي وصلته تباعاً من الموفدين الأوروبيين، أكانوا سياسيين رسميين أو أمنيين، يتهافتون على زيارة بيروت، ويحملون في جعبتهم تحذيرات إسرائيلية من العيار العسكري الثقيل، بذريعة أن نتنياهو يتعرض لضغط من المستوطنين الذين اضطروا لمغادرة المستوطنات الواقعة على الحدود مع لبنان، مطالبين بإعادتهم إلى أماكن سكنهم الأصلية.

تجمع لجنود إسرائيليين قرب الحدود مع لبنان (أ.ف.ب)

وتقول المصادر إن الرسائل النارية التي يحملها هؤلاء من تل أبيب، تتلازم مع ارتفاع منسوب المواجهة العسكرية بين «حزب الله» والجيش الإسرائيلي على طول الجبهة الشمالية، ما يدعوهم للطلب من الحكومة، الضغط على «حزب الله» لضبط النفس والامتناع عن توفير الذرائع لتوسعة الحرب، خصوصاً وأن ما يسمعونه على لسان نتنياهو وفريق حربه، لا يقتصر على تحذير لبنان من الانجرار إلى حرب مع إسرائيل، وإنما يتجاوزه إلى التهديد بشن حرب لا تقتصر على مناطق معينة في الجنوب، بل ستمتد إلى أخرى خارج هذه المناطق.

وتكشف المصادر نفسها، أن تهافت الأوروبيين، أكانوا على مستوى وزراء خارجية أو مسؤولين أمنيين، على زيارة لبنان لم يتوقف، وتؤكد أن كثيراً من الوفود الأوروبية تأتي سراً إلى بيروت وتعقد لقاءات، من دون أن يستثني بعضها قيادة «حزب الله»، كونه يمسك بزمام الأمور في الورقة الجنوبية، ويواصل مساندته لـ«حماس» والفصائل الفلسطينية في غزة،

وتضيف أن الموفدين الأوروبيين يقرأون في كتاب واحد، وهم يُسدون نصائحهم إلى حكومة تصريف الأعمال، وهي نصائح تقع في شقين أساسيين لا يمكن الفصل بينهما: الأول يتمحور حول امتناع «حزب الله» عن أخذ المبادرة بتوسعة الحرب، وهذا ما يلتزم به، ويشاركه في الرأي حلفاؤه في محور الممانعة، وصولاً إلى إيران. ويتعلق الثاني بضرورة تهيئة الظروف الأمنية والسياسية لتطبيق القرار الدولي «1701»، بوصفه الناظم الوحيد لإعادة تحديد الحدود بين لبنان وإسرائيل، شرط التزامها بإخلاء النقاط التي لا تزال تحتلها، وتقع ضمن خط الانسحاب المعترف به دولياً.

ميقاتي ووزير الخارجية عبد الله بوحبيب (رئاسة الحكومة اللبنانية)

وتؤكد المصادر الوزارية، أن الموفدين الأوروبيين، على اختلاف مناصبهم، يولون أهمية للدور الذي يُفترض أن يناط بالجيش اللبناني، بمؤازرة قوات الطوارئ الدولية «يونيفيل»، لضبط الوضع في الجنوب، بدءاً بمنطقة جنوب الليطاني، شرط أن تكون خالية من أي وجود مسلح غير شرعي. وتقول: تبدي دول الاتحاد الأوروبي، ومعها الولايات المتحدة الأميركية، كل استعداد لتطوير برامج المساعدات العسكرية واللوجيستية للجيش، إضافة إلى توفير الدعم المالي الذي يحتاج إليه لفتح دورات لتطويع عسكريين لصالحه، للتعويض عن النقص وتعزيز انتشاره في الجنوب.

وساطة هوكستين والقرار «1701»

وفي هذا السياق، تتعاطى المصادر الوزارية بجدية مع الدور المولج به الوسيط الرئاسي الأميركي آموس هوكستين لجهة مواصلة وساطته بين بيروت وتل أبيب، ليعيد الاعتبار لقرار «1701»، من خلال تطبيقه الذي يؤدي إلى تثبيت وقف إطلاق النار بصورة نهائية، خصوصاً وأن رئيس الحكومة، نجيب ميقاتي، ومعه وزير الخارجية عبد الله بوحبيب، يتعاطيان بإيجابية مع العرض الأمني الذي أعده للشروع بتطبيقه، بعد أن مضى على صدوره أكثر من 17 عاماً، وكان وراء وقف حرب يوليو (تموز) 2006.

لقاء سابق بين الوسيط الأميركي آموس هوكستين ورئيس البرلمان اللبناني نبيه بري (الوكالة الوطنية)

ويبقى السؤال: هل لنتنياهو مصلحة في التوصل إلى اتفاق في ختام اجتماعات باريس؟ وأين يقف «حزب الله»، الذي هو في حاجة، كما تقول مصادر سياسية لـ«الشرق الأوسط»، إلى هدنة لتقويم الوضع في الجنوب، ليكون في وسعه سد الثغرات «التكنولوجية» التي استخدمتها تل أبيب في استهدافها لهذا العدد الكبير من مقاتليه، وبينهم قادة ميدانيون...

وعليه، هل تتفرغ الحكومة لإدراج تطبيق قرار «1701» بوصفه أولوية على جدول أعمالها، استجابة للنصائح الغربية بتغليب الحل الدبلوماسي على الحل العسكري؛ لكبح جماح نتنياهو نحو توسعة الحرب، أم أن انقضاء الفترة الزمنية للهدنة، أو لوقف إطلاق النار، من دون الشروع في البحث عن حل سياسي لوقف العدوان على غزة، لن يبدل من واقع الحال اللبناني، ويبقى الشغور في رئاسة الجمهورية قائماً إلى أمد طويل، تحت وطأة تمديد الحزب للترابط بين غزة وجنوب لبنان؟


مقالات ذات صلة

عون متفائل باتفاق «أفضل الممكن»... وتعويل على الدور الأميركي

المشرق العربي الرئيس اللبناني جوزيف عون يستقبل قائد المنطقة الوسطى في الجيش الأميركي الأدميرال براد كوبر في القصر الرئاسي في بيروت (أ.ب)

عون متفائل باتفاق «أفضل الممكن»... وتعويل على الدور الأميركي

بعبارة واحدة، يرد الرئيس اللبناني جوزيف عون على منتقدي اتفاق الإطار الذي وقعه لبنان وإسرائيل الذي يعترف بأنه «ليس مثالياً»، وهي: «أعطوني البديل».

ثائر عباس (بيروت)
المشرق العربي عناصر من الجيش اللبناني ينتشرون على مدخل بلدة زوطر الغربية المدرجة ضمن المنطقة التجريبية في جنوب لبنان وتنتشر القوات الإسرائيلية على أطرافها (إ.ب.أ)

تراجع إسرائيل عن التزاماتها يعرقل مهام الجيش اللبناني في المناطق التجريبية

عرقل تراجع إسرائيل عن التزاماتها بالانسحاب من إحدى القرى المدرجة ضمن المنطقة التجريبية في جنوب لبنان، بدء الجيش اللبناني في تنفيذ التزامات الدولة اللبنانية.

نذير رضا (بيروت)
المشرق العربي مركبة عسكرية إسرائيلية تُناور على الجانب اللبناني من الحدود الإسرائيلية-اللبنانية كما تُرى من شمال إسرائيل (إ.ب.أ) p-circle

تقرير: أميركا ستراقب تحركات الجيشين اللبناني والإسرائيلي بقوات على الأرض

نقلت صحيفة «واشنطن بوست» عن مسؤول أميركي -اشترط عدم نشر اسمه- أن الولايات المتحدة ستضطلع بدور مباشر في مراقبة تحركات الجيشين اللبناني والإسرائيلي.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
المشرق العربي  الرئيس اللبناني جوزيف عون يستقبل قائد الجيش العماد رودولف هيكل (حساب الرئاسة اللبنانية عبر «إكس»)

عون: حملات التشكيك بالمؤسسة العسكرية وقيادتها لن تؤثر على أدائها

استقبل الرئيس اللبناني جوزيف عون قائد الجيش العماد رودولف هيكل، واطلع منه على نتائج المحادثات التي أجراها خلال زيارتيه إلى تركيا والمملكة المتحدة.

«الشرق الأوسط» (بيروت)
المشرق العربي أنصار لـ«حزب الله» يقطعون طريق المطار القديمة في الضاحية الجنوبية لبيروت بإطارات مشتعلة السبت احتجاجاً على الاتفاق الثلاثي الموقع بين الولايات المتحدة وإسرائيل ولبنان 2026 (أ.ف.ب)

قطبا «الثنائي الشيعي» يتفقان على رفض «اتفاق الإطار» مع إسرائيل ويختلفان بشأن استخدام الشارع اللبناني

يتجه الجدل الذي أثاره «اتفاق الإطار»؛ الموقّع بين لبنان وإسرائيل، إلى مرحلة جديدة، عنوانها كيفية تعاطي الثنائي «حزب الله» و«حركة أمل» مع الاستحقاق السياسي...

«الشرق الأوسط» (بيروت)

عون متفائل باتفاق «أفضل الممكن»... وتعويل على الدور الأميركي

الرئيس اللبناني جوزيف عون يستقبل قائد المنطقة الوسطى في الجيش الأميركي الأدميرال براد كوبر في القصر الرئاسي في بيروت (أ.ب)
الرئيس اللبناني جوزيف عون يستقبل قائد المنطقة الوسطى في الجيش الأميركي الأدميرال براد كوبر في القصر الرئاسي في بيروت (أ.ب)
TT

عون متفائل باتفاق «أفضل الممكن»... وتعويل على الدور الأميركي

الرئيس اللبناني جوزيف عون يستقبل قائد المنطقة الوسطى في الجيش الأميركي الأدميرال براد كوبر في القصر الرئاسي في بيروت (أ.ب)
الرئيس اللبناني جوزيف عون يستقبل قائد المنطقة الوسطى في الجيش الأميركي الأدميرال براد كوبر في القصر الرئاسي في بيروت (أ.ب)

بعبارة واحدة، يرد الرئيس اللبناني جوزيف عون على منتقدي اتفاق الإطار الذي وقعه لبنان وإسرائيل، نهاية الأسبوع الماضي، الذي يعترف بأنه «ليس مثالياً»، وهي: «أعطوني البديل». فلبنان يعاني منذ أكثر من 3 سنوات من مفاعيل جولات حروب الإسناد التي خاضها «حزب الله»؛ أولاً لإسناد غزة في نهاية عام 2023، ومن ثم لإسناد إيران في الثاني من مارس (آذار) الماضي بعد الحرب مع الولايات المتحدة وإسرائيل. ومع هذا فإن زوار الرئيس يخرجون بانطباع واضح عن تفاؤله بالمسار الذي انطلق مع توقيع الاتفاق.

ويقول مصدر لبناني رفيع إن الواقع الذي أفرزته جولات الحرب يزيد من العبء على لبنان، الذي كان يفاوض على انسحاب إسرائيل من خمسة تلال احتلتها في الجولة الأولى، إلى مفاوضات تحت النار والاحتلال الذي توسع ليبلغ تخوم مدينتي النبطية في الشرق وصور على الساحل، وابتلع مدينة بنت جبيل في المنتصف.

ويرمي المصدر بالمسؤولية المباشرة على اندلاع الحرب على «حزب الله» الذي «لولا صواريخه الستة (التي أطلقها في مارس الماضي) لما كنا اليوم في هذا الموقع. ويقول المصدر إن هذا الاتفاق هو ثمرة أمر واقع فرضه الميدان ووضع لبنان الذي ينوء تحت خسائر بشرية ومادية متعاظمة، من دون أي أفق للحلول.

اتفاق إطاري للتوجهات العامة

مع هذا، يؤكد المصدر أن الاتفاق «ليس سيئاً، وبالمعنى الأدق، لم يصبح اتفاقاً بعد. هو اتفاق إطاري يضع التوجهات العامة، بانتظار التفاصيل الدقيقة التي سيتم التفاوض حولها تباعاً، والتي يراهن لبنان على الاستفادة من الدينامية الأميركية الجديدة للضغط على الإسرائيليين لتقديم التنازلات بخصوصها».

صورة جوية تظهر بلدة فرون في جنوب لبنان التي ستكون ضمن المنطقة التجريبية (رويترز)

ولعل أهم ما يوحي بأن الاتفاق ليس سيئاً، «هو الرفض الإسرائيلي الشديد له في البداية، والذي لم يتحول إلى موافقة لولا الضغط الأميركي الكبير الذي مورس في الساعات الأخيرة قبل التوقيع». أما الإشارة الثانية، فهي مسارعة القادة الإسرائيليين إلى نسج روايتهم الخاصة للاتفاق، «والتي لا تمت إلى الحقيقة بِصلة». ويخلص المصدر إلى القول: «إن 90 في المائة مما صرح به (رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين) نتنياهو ليس صحيحاً».

الدعم الأميركي

ويرى لبنان أن الدعم الأميركي الواضح، هو سلاحه الأمضى في مواجهة عدم الرغبة الإسرائيلية بالحل، والجنوح نحو التصعيد الدائم. ولعل أبرز دلائل هذا الدعم، هو أن الرئيس الأميركي دونالد ترمب اتصل مرتين حتى الآن بالرئيس عون. وكلتا المكالمتان، كانت إيجابية للغاية. تماماً كما مكالمات القادة الأميركيين الآخرين، الذين اتصلوا بالرئيس عون أكثر من مرة كنائب الرئيس جي دي فانس، ووزير الخارجية ماركو روبيو الذي بقي على تواصل مستمر مع عون. ويقول المصدر: هل من الجائز أن نخاطر بفقدان الدعم الأميركي، في حين أن القاصي والداني يعلم أن الأميركي هو الوحيد القادر على الضغط الفعلي على الإسرائيليين؟

ويقول المصدر إن الرئيس الأميركي في اتصاله الأخير مع عون كان واضحاً جداً لجهة تبني مطالب لبنان بالانسحاب الإسرائيلي الكامل «رغم المشاغبات». وأوضح أن ترمب أبدى استعداده للمساعدة في إعادة إنعاش لبنان ووضعه على المسار الصحيح الذي يتضمن إعادة النازحين والإعمار وبسط سلطة الدولة بقواها الذاتية على كامل أراضيها، وهو مطلب لبناني قبل أن يكون مطلباً لأي أحد آخر.

مقر لقوات «اليونيفيل» في جنوب لبنان (إ.ب.أ)

خلية الدوحة... ممثل لـ«حزب الله»

ويتابع الأميركيون بدقة تطورات الوضع اللبناني عن كثب. ورغم فصلها المسارات بين ما يجري التوافق عليه في المسار الباكستاني عن المسار اللبناني - الإسرائيلي، فإنها تعمل توازياً على هذا الملف، لجهة إنشاء الخلية التي نص عليها التفاهم الأميركي - الإيراني لمراقبة وقف النار في لبنان. وكشف المصدر عن أن اللجنة ستعمل من نقطة ارتباط في العاصمة القطرية الدوحة، وستضم ممثلين للولايات المتحدة ولبنان وقطر وإيران، بالإضافة إلى ممثل لـ«حزب الله» يرجح أن يكون ممثل الحزب في طهران.

علي الطاهر... عقدة أمنية وسياسية

عند بدء المفاوضات العملية حول الانسحاب، طرح الرئيس عون فكرة بدء الانسحاب من منطقة كفرتبنيت وقلعة الشقيف الأثرية التي كانت آخر ما توغلت فيه القوات الإسرائيلية. كان الهدف الأساس من هذا الاقتراح هو إبعاد الإسرائيليين عن مدينة النبطية بعد أن باتوا على تخومها. لكن هذه الفكرة اصطدمت برغبة الإسرائيليين الجامحة بالوصول إلى مرتفعات علي الطاهر التي يعتقد أنها تحتوي في باطنها على منشأة عسكرية ضخمة لـ«حزب الله».

واتصل الرئيس عون بوزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو مقترحاً عليه أن يدخل الجيش اللبناني إلى المنطقة، على أن ينسحب الجيش الإسرائيلي إلى ما بعد نهر الليطاني. وتواصل روبيو مع الإسرائيليين، فيما تواصل عون عبر وسطاء مع «حزب الله». وأتى الجواب الإسرائيلي بالموافقة، فيما أتى من الحزب جوابان متناقضان؛ أولهما يوافق على انتشار الجيش من دون دخوله إلى المنشأة، والثاني رافض للفكرة تماماً. لاحقاً أصبح جواب الحزب واحداً: الأمر غير مقبول إطلاقاً، فسقطت الفكرة.

وتعود أهمية المنطقة، خلافاً لوجود منشأة الحزب، إلى أن تمركز الإسرائيليين فيها يعني إشرافهم المباشر على مدينة النبطية، فيما تشرف من الجهة الأخرى على المستوطنات الإسرائيلية وأهمها المطلة التي لا تبعد سوى كيلومترات قليلة عن مدينة النبطية.

وطويت صفحة الانسحاب من المنطقة لصالح انسحاب آخر من قرية زوطر الغربية والبدء بالمنطقة التجريبية في زوطر الغربية وبلدتي فرون والغندورية في القطاع الأوسط، كحل وسطي؛ لأن مسألة الانسحاب من خط الساحل تقع تحت المعادلة نفسها لقربها من الحدود الجنوبية، وبالتالي حساسيتها العالية لدى الإسرائيليين.


السوريون يترقبون اكتمال برلمانهم الجديد الأربعاء

صورة من الأرشيف لآخر جلسات مجلس الشعب السوري في عهد النظام السابق (مجلس الشعب)
صورة من الأرشيف لآخر جلسات مجلس الشعب السوري في عهد النظام السابق (مجلس الشعب)
TT

السوريون يترقبون اكتمال برلمانهم الجديد الأربعاء

صورة من الأرشيف لآخر جلسات مجلس الشعب السوري في عهد النظام السابق (مجلس الشعب)
صورة من الأرشيف لآخر جلسات مجلس الشعب السوري في عهد النظام السابق (مجلس الشعب)

ينتظر السوريون انطلاق عمل برلمانهم الجديد، الأربعاء؛ إذ يتوقع أن يعلن الرئيس أحمد الشرع قائمة النواب المعينين من قبله، والتي تضم عضواً ليكتمل بذلك نصاب مجلس الشعب ويبدأ عمله بعد طول انتظار.

ومن المتوقع أن يكون البرلمان في حالة انعقاد شبه دائمة في الأشهر الثلاث الأولى، نظراً إلى حجم الأعمال ومشاريع القوانين المتراكمة التي تنتظره.

ورجحت مصادر مطلعة في دمشق، تحدثت إلى «الشرق الأوسط»، أن تحقق «قائمة الرئيس» مستوى عالياً في الولاء لتوجهات السلطة التنفيذية أولاً، ومن ثم ترميم الاختلالات في تمثيل المكونات السورية.

إعلان نشره مجلس الشعب السوري على صفحته الرسمية

وأعلن مجلس الشعب السوري عبر معرفاته الرسمية، أن قائمة الرئيس، المتضمنة 70 اسماً، سيُعلن عنها الأربعاء 1 يوليو (تموز) 2026، في مؤتمر صحافي يعقد في مبنى المجلس وسط العاصمة.

وسيترأس الجلسة الأولى المرتقبة العضو الأكبر سناً، وتتضمن أداء اليمين القانونية للأعضاء، ثم انتخابات رئيس المجلس ونائبه وأعضاء مكتب السر.

مقاعد شاغرة

ويضم مجلس الشعب الجديد 210 أعضاء لفترة ولاية تبلغ 30 شهراً، وجرى اختيار 137 عضواً من قِبل هيئات ناخبة، وتوفي منهم مصطفى كلثوم، ممثل جسر الشغور، الأسبوع الماضي، ليصبح عدد المقاعد الشاغرة أربعة؛ منها ثلاثة لمحافظة السويداء التي لم تجر فيها الانتخابات بسبب الظروف الأمنية، فيما عين رئيس الجمهورية 70 اسماً بشكل مباشر بهدف معالجة النقص في التمثيل الناجم عن آلية الانتخابات غير المباشرة.

واستغرقت عملية اختيار الثلث الأخير وقتاً طويلاً في إجراء مقابلات ومشاورات موسعة لضمان تمثيل متوازن للتنوعات السورية السياسية والاجتماعية والثقافية.

ويُنتظر من «قائمة الرئيس» أن تضم كفاءات تقنية، وضمان حصص عادلة للمكونات لم تمثل على نحو مُرضٍ، لا سيما في المحافظات التي أثارت فيها نتائج الانتخابات جدلاً واسعاً حول عدالة التمثيل كمحافظة الحسكة شمال - شرق سوريا.

من عملية الاقتراع التي جرت في الحسكة (اللجنة العليا لانتخابات مجلس الشعب)

إلا أن مصادر مطلعة في دمشق قالت لـ«الشرق الأوسط» إن السلطة، وبعد نتائج الاقتراع، باتت في حاجة إلى «رفع مستوى الولاء لتوجهات السلطة التنفيذية في تشكيل مجلس الشعب، أكثر من حاجتها لترميم اختلال تمثيل المكونات السورية»، وحل معضلة التمثيل مثل تمثيل مكونات دينية أو عشائرية أو حتى تمثيل المرأة.

وعلى الرغم من تحديد نسبة تمثل المرأة بـ30 في المائة، ومطالبات برفعها إلى 50 في المائة، لم تحقق نتائج الاقتراع نسبة تمثيل للمرأة تتجاوز 6 في المائة رغم بلوغ نسبتهن في قوائم المرشحين 14 في المائة.

وكان الشرع قال إن أولى جلسات مجلس الشعب، ستعقد مع نهاية أبريل (نيسان) الماضي، لكن ذلك لم يحصل، ما عكس تأخراً في استكمال بناء المؤسسات الدستورية والتشريعية.

تدارك التأخير

إلا أن الوزارات حاولت تدارك التأخير ببدء العمل على وضع مشاريع القوانين بالتشاور مع أعضاء مجلس الشعب قبل انعقاد المجلس، كما انطلق مسار العدالة الانتقالية، وتم البدء بمحاكمة رموز النظام السابق قبل صدور قانون العدالة الانتقالية، وذلك استناداً إلى قانون أصول المحاكمات الجزائية السوري كمرجعيات إجرائية، بالتكامل مع القانون الدولي الإنساني والقانون الدولي لحقوق الإنسان كمرجعيات موضوعية.

وجرت الانتخابات للمرحلة الانتقالية وفق نظام انتخابي غير مباشر، اعتمد على آلية الاقتراع من خلال «هيئات ناخبة» بدلاً من التصويت الشعبي العام المباشر. واستغرقت إجراءات التحضير والاقتراع عاماً كاملاً منذ انطلاق عمل اللجان التحضيرية في يونيو (حزيران) 2025، وشملت جميع المحافظات السورية باستثناء محافظة السويداء.


تراجع إسرائيل عن التزاماتها يعرقل مهام الجيش اللبناني في المناطق التجريبية

عناصر من الجيش اللبناني ينتشرون على مدخل بلدة زوطر الغربية المدرجة ضمن المنطقة التجريبية في جنوب لبنان وتنتشر القوات الإسرائيلية على أطرافها (إ.ب.أ)
عناصر من الجيش اللبناني ينتشرون على مدخل بلدة زوطر الغربية المدرجة ضمن المنطقة التجريبية في جنوب لبنان وتنتشر القوات الإسرائيلية على أطرافها (إ.ب.أ)
TT

تراجع إسرائيل عن التزاماتها يعرقل مهام الجيش اللبناني في المناطق التجريبية

عناصر من الجيش اللبناني ينتشرون على مدخل بلدة زوطر الغربية المدرجة ضمن المنطقة التجريبية في جنوب لبنان وتنتشر القوات الإسرائيلية على أطرافها (إ.ب.أ)
عناصر من الجيش اللبناني ينتشرون على مدخل بلدة زوطر الغربية المدرجة ضمن المنطقة التجريبية في جنوب لبنان وتنتشر القوات الإسرائيلية على أطرافها (إ.ب.أ)

عرقل تراجع إسرائيل عن التزاماتها بالانسحاب من إحدى القرى المدرجة ضمن المنطقة التجريبية في جنوب لبنان، بدء الجيش اللبناني في تنفيذ التزامات الدولة اللبنانية ضمن اتفاق الإطار الموقع مع إسرائيل في الأسبوع الماضي، رغم جهوزية الجيش للانتشار وتنفيذ مهامه، بتنسيق مع السلطة السياسية التي لا تتسم علاقتها بأي تباينات مع المؤسسة العسكرية.

وعرض الرئيس اللبناني جوزيف عون مع قائد الجيش العماد رودولف هيكل، الثلاثاء، الأوضاع الأمنية في البلاد والمهمات المرتقبة للجيش في المرحلة المقبلة في ضوء نتائج المفاوضات اللبنانية - الأميركية - الإسرائيلية وما نتج عنها من «اتفاق الإطار» لإنهاء الحرب على لبنان.

ونوّه رئيس الجمهورية «بالدور الذي يقوم به الجيش، قيادة وضباطاً وأفراداً، لبسط سلطة الدولة وحفظ الأمن والاستقرار في البلاد وضبط الحدود وحماية السلم الأهلي»، مؤكداً أن «ما تتعرض له المؤسسة العسكرية وقيادتها من حين إلى آخر من حملات تشكيك وافتراء لن تؤثر على أدائها الوطني الملتزم قرارات السلطة السياسية، أو على ثقة المسؤولين واللبنانيين بها»، حسبما أفادت الرئاسة اللبنانية.

وينسق الجيش اللبناني مع السلطة السياسية بشكل فعال ووثيق، خلافاً لكل التقديرات عن اختلافات بوجهات النظر؛ إذ أكدت مصادر مقربة من الرئاسة اللبنانية ومصادر أمنية لـ«الشرق الأوسط» أنه «لا خلافات ولا تباينات مع السلطة السياسية»، شارحة أن مهام الجيش اللبناني «محصورة بالشق المتصل بالترتيبات الأمنية التي تواكب اتفاق الإطار»، مجددة تأكيدها أن الحديث عن خلافات أو تباينات «غير صحيحة بتاتاً».

واشنطن - بيروت - تل أبيب

وجاء اللقاء غداة مباحثات أجراها قائد المنطقة الوسطى في الجيش الأميركي الأدميرال براد كوبر في بيروت، مع الرئيس اللبناني وقائد الجيش، تركزت على الترتيبات الأمنية التي ستنفذ بموجب الاتفاق، والملحق الأمني وأهمية نجاحه في مرحلة مليئة بالتحديات الأمنية والعسكرية والسياسية.

وأكدت مصادر وزارية لـ«الشرق الأوسط» أن زيارة كوبر كانت مخصصة للتنسيق وإجراء ترتيبات عملانية، حيث اطلع على استعدادات الجيش اللبناني للانتشار والبدء بتنفيذ المهام، ويستكمل الاتصالات مع الجانب الإسرائيلي لتحضير الترتيبات اللازمة للبدء بتنفيذ الشق الأمني في اتفاق الإطار.

قائد الجيش اللبناني العماد رودولف هيكل يستقبل قائد القيادة المركزية في الجيش الأميركي الأدميرال براد كوبر الاثنين (أ.ف.ب)

وبحث كوبر في بيروت مع العماد هيكل، ثم مع الرئيس عون، تفاصيل المهمة؛ مثل الترتيبات الأمنية وآليات التحقق، على أن يكمل المباحثات في تل أبيب، بالنظر إلى أن هناك شقاً متصلاً بإسرائيل «غير واضح بعد»، فيما عرض الجانب اللبناني وجهة نظره للأمور. وقالت المصادر إن كوبر سيقوم بجدولة للمواقف والتصورات بعد جمع وجهات النظر والعناصر بأكملها، حتى يبني صورة كاملة عن الوضع، وإنجاز الترتيبات.

وينص اتفاق الإطار على أن يستعيد الجيش اللبناني بشكل تدريجي السيطرة ‌على كامل أراضي لبنان ‌وينزع سلاح «حزب الله» وأي جماعة ​مسلحة ‌أخرى. ووفق الاتفاق، ستبدأ ⁠المرحلة الأولى ​في ⁠منطقتين تجريبيتين، حيث سيبدأ الإعمار فيهما بينما يعود المدنيون بأمان إليهما.

مجموعة تنسيق بديلة عن «الميكانيزم»

ولم تكن زيارة كوبر إلى بيروت معدة لتذليل عقبات تحول دون البدء بالعمل في المناطق التجريبية، بقدر ما كانت معدة لبحث الترتيبات الأمنية، واثمرت إعلاناً عن تشكيل «مجموعة التنسيق العسكري لأجل لبنان» MCG4L التي ستحل مكان «الميكانيزم» التي أنشئت في وقت سابق بموجب اتفاق وقف إطلاق النار في نوفمبر (تشرين الثاني) 2024، وفقاً لما أكدت المصادر العسكرية، وستكون هذه المجموعة الجهة التي تنسق بين الطرفين في المرحلة المقبلة.

ونص الاتفاق على أن مجموعة تنسيق، بمشاركة الولايات المتحدة، ستشرف على التنفيذ. وقالت المصادر العسكرية لـ«الشرق الأوسط» إن التنسيق لن يكون مباشراً بين الجيشين اللبناني والإسرائيلي، بل عبر اللجنة الأميركية.

قوة من الجيش اللبناني تنتشر على مدخل بلدة زوطر الغربية المدرجة ضمن المنطقة التجريبية في جنوب لبنان وتنتشر القوات الإسرائيلية على أطرافها (إ.ب.أ)

وبحث كوبر في بيروت جانباً من هذا الأمر، وقالت المصادر الوزارية إن هناك مراقبين من الجيش الأميركي سيكونون في بيروت للإشراف على التنفيذ، ويضطلعون بمهام مراقبة الانسحاب الإسرائيلي وانتشار الجيش اللبناني، ويتدخل هؤلاء لتسهيل العملية وتنسيق مهام الانسحاب والانتشار. ولم يتم تحديد عدد القوة بعد، وهي أمور لا تزال قيد الدراسة.

الجيش اللبناني جاهز

وأكد مصدر عسكري لـ«الشرق الأوسط» أن الجيش «على جهوزية تامة للانتشار وتنفيذ المهام الموكلة إليه»، مؤكداً «أن هناك ألوية وأفواجاً عسكرية تنتشر في الجنوب، وجاهزة للبدء بعملياتها في المناطق التجريبية عندما يحين الوقت».

لكن الانتشار والبدء بتنفيذ المهام «تعرقلهما إسرائيل التي لم تنسحب من المواقع التي يفترض أن تنسحب منها بموجب الاتفاق، وقالت إنها ستؤجل الانسحاب»، وفقاً لما قال المصدر نفسه.

وأكد المصدر أن تأخير الجانب الإسرائيلي بتنفيذ التزاماته «أخّر البدء بتنفيذ الجيش اللبناني للمهام الموكلة إليه بموجب الاتفاق»، خصوصاً وأن الجيش الإسرائيلي أجّل الانسحاب لأسباب غير معروفة.

وإزاء هذا الواقع، بات واضحاً أنه حتى هذا الوقت، لم يبدأ أي إجراء عملي، ولم تسفر المباحثات عن تحديد جدول زمني للانسحاب أو للبدء بالعمل في المناطق التجريبية، بعدما تراجع الجيش الإسرائيلي عن التزاماته وأرجأ الانسحاب إلى عدة أسابيع. ويرى الجانب اللبناني أن هناك تناقضات في الداخل الإسرائيلي تعكسها تصريحات المسؤولين السياسيين والعسكريين المتباينة والمتناقضة.

جندي لبناني يتفقد الدمار في مدينة النبطية الناتج عن الغارات الإسرائيلية في جنوب لبنان (رويترز)

3 قرى في المنطقة التجريبية

وتضم المنطقة التجريبية ثلاث قرى هي فرون والغندورية اللتين لا تحتلهما إسرائيل، وبلدة زوطر الغربية التي توجد القوات الإسرائيلية على أطرافها. ورغم أن البلدتين غير المحتلتين لا يوجد الجيش اللبناني فيهما ضمن نقاط عسكرية ثابتة، فإنه ينفذ مهام عملياتية فيهما.

ومن المزمع أن ينفذ الجيش مهام عملانية في تلك البلدات بموجب الاتفاق، تشمل الكشف الهندسي والتفتيش وتفجير الذخائر وتنفيذ سائر العمليات المطلوبة.