دافوس: محادثات «بنّاءة ومشجعة» حول السلام في أوكرانيا

مدير مكتب زيلينسكي لـ«الشرق الأوسط»: لم يطالبنا حلفاؤنا بالتنازل عن القرم

مدير مكتب الرئيس الأوكراني أندري يرماك في مؤتمر صحافي بدافوس الأحد (إ.ب.أ)
مدير مكتب الرئيس الأوكراني أندري يرماك في مؤتمر صحافي بدافوس الأحد (إ.ب.أ)
TT

دافوس: محادثات «بنّاءة ومشجعة» حول السلام في أوكرانيا

مدير مكتب الرئيس الأوكراني أندري يرماك في مؤتمر صحافي بدافوس الأحد (إ.ب.أ)
مدير مكتب الرئيس الأوكراني أندري يرماك في مؤتمر صحافي بدافوس الأحد (إ.ب.أ)

رفض مدير مكتب الرئيس الأوكراني، أندري يرماك، قبول بلاده «صراعاً مجمّداً» مع روسيا، مؤكداً تمسّك حكومة فولوديمير زيلينسكي بوحدة الأراضي الأوكرانية. ونفى يرماك، في ردّه على سؤال لـ«الشرق الأوسط»، ممارسة حلفاء بلاده أي نوع من الضغوط لتقديم «تنازلات يعلمون أنها غير مقبولة بالنسبة لنا»، كالتخلي عن استعادة السيادة الأوكرانية على شبه جزيرة القرم.

جاء ذلك خلال مؤتمر صحافي عُقد في دافوس، مساء الأحد، عقب الجولة الرابعة والأخيرة من اجتماعات مستشاري الأمن القومي لبحث صيغة سلام في أوكرانيا. وبعد جولات المباحثات التي انعقدت في كل من كوبنهاغن وجدة ومالطا، شهد اجتماع دافوس أوسع مشاركة شملت ممثلين عن 83 بلداً، لبحث مقترح من 10 نقاط طرحه الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي لتحقيق السلام في بلاده بعد نحو عامين على الغزو الروسي.

مشاركة واسعة

ورغم وجود خلافات حول كيفية تحقيق «سلام شامل وعادل ودائم لأوكرانيا»، بدا يرماك متفائلاً حيال المحادثات التي وصفها بـ«المفتوحة والبنّاءة والمفصلة». وقال: «إننا متقاربون للغاية بشأن المبادئ الأساسية للاستقلال والسلامة الإقليمية والسيادة وقواعد القانون الدولي والنظام الأساسي للأمم المتحدة».

مدير مكتب الرئيس الأوكراني أندري يرماك (الثاني من اليسار) مع أعضاء الوفد الأوكراني في مؤتمر صحافي بدافوس الأحد (أ.ف.ب)

وأكد يرماك أنه لم يتعرض لضغوط من أجل أن تقدم أوكرانيا تنازلات عن أراضٍ، مضيفاً أن بلاده لا تزال تقاتل، وأنها «ستكسب بوضوح في هذه الحرب».

وأشاد يرماك بحجم المشاركة في محادثات دافوس، عادّاً أنه «من المهم جداً أن تحكم الدول المسؤولة على خطتنا، وتعلن أنها خطة واقعية».

في الوقت ذاته، أسف المسؤول الأوكراني لغياب ممثلين عن الصين في الاجتماعين الثالث والرابع لمستشاري الأمن القومي، لافتاً إلى مشاركتهم في اجتماع جدة في أغسطس (الماضي). كما كشف يرماك أن بلاده تدرس عقد قمم مع دول أفريقية وأميركية جنوبية لشرح موقف أوكرانيا.

ويتوقع أن يشارك كل من الرئيس زيلينسكي ورئيس الوزراء الصيني لي تشيانغ في المنتدى الاقتصادي العالمي، الذي ينطلق في دافوس مساء الاثنين، إلا أن يرماك لم يؤكد انعقاد اجتماع بينهما.

استمرار الدعم الغربي

اجتماع مستشاري الأمن القومي بشأن أوكرانيا بدافوس الأحد (إ.ب.أ)

في معرض حديثه عن الدعم الغربي لبلاده، قال يرماك إنه يتوقع استمرار تدفق المساعدات من الشركاء في أوروبا والولايات المتحدة، مشيراً إلى زيارة رئيس الوزراء البريطاني ريشي سوناك إلى كييف قبل أيام، وإلى «شعور إيجابي» بعد زيارة زيلينسكي الأخيرة إلى واشنطن، آملاً في الوقت نفسه في مصادقة الكونغرس على ميزانية تشمل مساعدات عسكرية جديدة لكييف.

وسألت «الشرق الأوسط» يرماك عما إذا كانت بلاده تتعرض لضغوط من الحلفاء لتقديم تنازلات قد تشمل التخلي عن استعادة السيادة الفورية على القرم. فجاء الرد حازماً: «حلفاؤنا يعرفوننا (...) ويعرفون ويحترمون مواقفنا. شاركت في جميع الاجتماعات رفيعة المستوى، بما فيها اجتماعات القادة، ولم يسبق أن سمعت أحد حلفائنا أو أصدقائنا يقترح علينا تنازلات يعلمون أنها غير مقبولة بالنسبة لنا. بما يشمل قضية القرم».

بدوره، قال وزير الدفاع الأوكراني روستم أوميروف، وهو من تتار القرم، رداً على السؤال نفسه: «لن نستسلم أبداً. ولو لم تغض الدول التي تدعمنا اليوم النظر عما حصل في القرم قبل 10 سنوات، لما حصل (...) الغزو».

«رأي روسيا»

قال وزير الخارجية السويسري، إغنازيو كاسيس، الذي شارك مع يرماك في إدارة محادثات مستشاري الأمن القومي، إن «83 دولة موجودة في دافوس لمناقشة السلام وسبل تحقيق السلام. السلام في أوكرانيا، وأيضاً في بلدان أخرى تشهد نزاعات. سلام يحتاج إليه الشعب الأوكراني بشدة».

وزير الخارجية السويسري إغنازيو كاسيس يتحدث خلال اجتماع مستشاري الأمن القومي بشأن أوكرانيا بدافوس الأحد (إ.ب.أ)

وأضاف كاسيس في تصريحات نقلتها «وكالة الصحافة الفرنسية»: «علينا أن نجد طريقة لانضمام روسيا. لن يكون هناك سلام من دون رأي روسيا... لكن هذا لا يعني أننا يجب أن... ننتظر روسيا لتفعل شيئاً. في كل دقيقة، يُقتل أو يُصاب عشرات المدنيين في أوكرانيا. ليس لدينا الحق في الانتظار إلى الأبد».

مع ذلك، قال الوزير السويسري إنه حتى الآن لا كييف ولا موسكو على استعداد للقيام بهذه الخطوة. وشدّد كاسيس في هذا الصدد على أهمية مشاركة البرازيل والهند وجنوب أفريقيا في المفاوضات بسبب وجودها إلى جانب روسيا ضمن مجموعة «بريكس». وقال إن «مشاركتها مهمة جداً؛ لأنها تتحدّث إلى موسكو وتحافظ على درجة معينة من الثقة معها».

ووفقاً لكاسيس، فإن خلق ديناميكية جماعية مع مجموعة واسعة من البلدان، خارج الدول الغربية، سيساعد في البحث عن مخرج من الصراع.

صورة جماعية لمستشاري الأمن القومي بشأن أوكرانيا بدافوس الأحد (إ.ب.أ)

وركّزت محادثات دافوس خصوصاً على اعتماد معايير لوضع حد للأعمال العدائية، وانسحاب القوات الروسية، وتحقيق العدالة إثر الجرائم المرتكبة، ومنع أي تصعيد جديد.

ورجّح كاسيس أن يكون اجتماع الأحد هو الأخير على مستوى مستشاري الأمن القومي، لافتاً إلى أنه ينبغي النظر في عقد اجتماع على مستوى أعلى.


مقالات ذات صلة

هل يعود ويتكوف وكوشنر إلى وساطة روسيا وأوكرانيا؟

أوروبا ويتكوف وكوشنر والمبعوث الرئاسي الروسي كيريل دميترييف وأوشاكوف يلتقون قبل الاجتماع مع بوتين في موسكو يوم 22 يناير 2026 (رويترز) p-circle

هل يعود ويتكوف وكوشنر إلى وساطة روسيا وأوكرانيا؟

هل يعود ويتكوف وكوشنر إلى وساطة روسيا وأوكرانيا في ظل التصعيد الميداني المتبادل؟ مع دمار للبنى التحتية وتهديدات أوروبية بمزيد من العقوبات.

إيلي يوسف (واشنطن)
أوروبا الرئيس الأميركي دونالد ترمب يتحدَّث مع الأمين العام لحلف «ناتو» مارك روته على هامش الاجتماع السنوي للمنتدى الاقتصادي العالمي في دافوس يوم 21 يناير 2026 (أ.ف.ب) p-circle

ترمب يُهيمن على قمة «ناتو» في أنقرة... وأوروبا تبحث سبل «احتوائه»

تلتئم قمة الحلف الأطلسي في أنقرة، يومَي الثلاثاء والأربعاء القادَمين، وسط مخاوف أوروبية من خطط الإدارة الأميركية بخفض الحضور العسكري الأميركي في أوروبا.

ميشال أبونجم (باريس)
أوروبا رجال إنقاذ يحملون جثة عُثر عليها تحت أنقاض مبنى سكني بعد غارات روسية في كييف (رويترز)

هجمات روسية تودي بحياة شخصين وتصيب 8 خلال الليل في أوكرانيا 

قال مسؤولون عبر منصة «تيليغرام» في الساعات ​الأولى من صباح اليوم الجمعة إن شخصين لقيا حتفهما وأصيب ثمانية آخرون في هجمات شنتها روسيا خلال ‌الليل على ‌أوكرانيا.

«الشرق الأوسط» (كييف)
الولايات المتحدة​ الرئيس الأميركي دونالد ترمب يسير للصعود على متن طائرة الرئاسة في أثناء مغادرته مطار بسمارك في الأول من يوليو 2026 في بسمارك بولاية نورث داكوتا (أ.ف.ب)

ترمب يدعو إلى وقف «القتل العبثي» في أوكرانيا

يسعى الرئيس الأميركي دونالد ترمب للتوصل إلى اتفاق سلام يُنهي «القتل العبثي» في أوكرانيا، وفق ما قال مسؤول أميركي، الخميس.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
أوروبا صورة من موقع ضربة صاروخية روسية في كييف بأوكرانيا يوم 25 يونيو 2026 (رويترز) p-circle

لماذا تعد أوكرانيا عنصراً أساسياً في الواقع الاستراتيجي الجديد لأوروبا؟

لماذا تعد أوكرانيا عنصراً أساسياً في الواقع الاستراتيجي الجديد لأوروبا؟ اكتسبت قواتها خبرة لا مثيل لها في الحروب، وتتجاوز خبرتها خبرة الكثير من دول الاتحاد.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)

فرنسا شهدت هذا العام أشدّ أشهر يونيو حراً

فرنسيون يقفزون في قناة سان مارتن بباريس مع ارتفاع درجات الحرارة لمستويات غير مسبوقة (أ.ب)
فرنسيون يقفزون في قناة سان مارتن بباريس مع ارتفاع درجات الحرارة لمستويات غير مسبوقة (أ.ب)
TT

فرنسا شهدت هذا العام أشدّ أشهر يونيو حراً

فرنسيون يقفزون في قناة سان مارتن بباريس مع ارتفاع درجات الحرارة لمستويات غير مسبوقة (أ.ب)
فرنسيون يقفزون في قناة سان مارتن بباريس مع ارتفاع درجات الحرارة لمستويات غير مسبوقة (أ.ب)

شهدت فرنسا هذا العام أشدّ أشهر يونيو (حزيران) حراً منذ البدء بتسجيل بيانات الطقس في عام 1947، إذ تجاوزت الحرارة 40 درجة في كثير من المناطق، بحسب ما أعلنت «هيئة الأرصاد الجوية»، الجمعة.

وبلغ متوسط درجات الحرارة في عموم البلاد 22.7 درجة، أي ما يُشكِّل ارتفاعاً قدره 3.8 درجة على المتوسط المُسجَّل بين عاميَ 1991 و2020، وفقاً لـ«وكالة الصحافة الفرنسية».

وأعلنت «هيئة الصحة العامة» في فرنسا، الجمعة، ارتفاع عدد الوفيات بنسبة 30 في المائة في البلاد خلال موجة الحر التي شهدتها أوروبا في يونيو، بينما أفادت السلطات في بلجيكا بتسجيل معدّل وفيات إضافي بنسبة 39 في المائة في الفترة ذاتها.

وأوضحت السلطات البلجيكية، في بيان، أنّه «وفقاً للبيانات الأولية، سجَّلت بلجيكا معدّل وفيات إضافي بنسبة 39 في المائة (1222 حالة وفاة إضافية) بين الخميس 18 يونيو، والاثنين 29 يونيو».

شخص يجلس أسفل نافورة قرب برج إيفل لتبريد جسمه مع ارتفاع درجات الحرارة في فرنسا (أ.ب)

من جانبها، أفادت «هيئة الصحة العامة» في فرنسا في تقرير جديد، عن «زيادة قدرها 29.1 في المائة، أي ما يعادل 2025 حالة وفاة إضافية في الأسبوع من 22 إلى 28 يونيو مقارنة بالأسبوع السابق»، مشيرة إلى أنَّ هذا الرقم «أقل من الواقع».

ويستند تقدير عدد الوفيات إلى شهادات الوفاة الإلكترونية، التي تُمثِّل ما يزيد قليلاً على نصف الوفيات في البلاد.

وتعكس نسبة الـ30 في المائة، حجم التداعيات الصحية لموجة الحر التي ضربت فرنسا لمدة 10 أيام تقريباً، وتخلّلتها 3 أيام شهدت أعلى درجات حرارة تمَّ تسجيلها في البلاد على الإطلاق.

ويبرز هذا الاتجاه بشكل خاص في منطقة إيل دو فرانس (منطقة باريس)، حيث ارتفعت الوفيات بأكثر من 62 في المائة، الأسبوع الماضي. وقد سُجِّل ارتفاع مماثل في منطقة بايي دو لا لوار (غرب فرنسا).

وكانت الهيئة الصحية أعلنت عن ألف حالة وفاة إضافية عن المعدل المعتاد، لكن هذا الرقم لم يشمل سوى نهاية الأسبوع. أما التقرير الجديد فيغطي الأسبوع بأكمله، على الرغم من أنَّ موجة الحر بدأت قبل ذلك ببضعة أيام.

شخص يقف تحت نافورة ماء في بروكسل لتهدئة حرارة جسمه مع ارتفاع درجات الحرارة بدول أوروبية عدة (أ.ف.ب)

وقالت وزيرة الصحة ستيفاني ريست، على قناة «تي إف 1»: «الأمر المهم للغاية هو أنَّه ضمن هذه الوفيات، البالغ عددها 2025 حالة، هناك زيادة بنسبة 91 في المائة من الوفيات في المنزل مقارنة بالأسبوع السابق».

وتسبَّبت موجة الحر، التي ضربت فرنسا في نهاية يونيو، في ظروف غير محتملة في كثير من المباني والمنازل. ومن المتوقع أن تعود درجات الحرارة للارتفاع خلال عطلة نهاية الأسبوع. وشهدت المتاجر، الخميس، تدافعاً ومشاجرات، بعد طرح 200 ألف مروحة ومكيّف هواء للبيع.

وتخطّت الحرارة في مناطق بأوروبا يقطنها 410 ملايين شخص عتبة 35 درجة مئوية مرة واحدة على الأقل خلال موجة الحر بين 15 و30 يونيو، أي أكثر من ثلثي السكان، وفق تحليل أجرته «وكالة الصحافة الفرنسية».

وخلال موجة الحر في عام 2003، بلغ 320 مليون شخص هذه المستويات من الحرارة في أوروبا، باستثناء تركيا، بين الأول و17 أغسطس (آب)، وفق حسابات أجرتها «وكالة الصحافة الفرنسية» استناداً إلى درجات الحرارة القصوى اليومية الصادرة عن المرصد الأوروبي للجفاف وبيانات السكان الصادرة عن مركز الأبحاث المشترك.

ومنذ أيام عدة، تُشدِّد السلطات الصحية والحكومة على مشكلة الوفيات المنزلية خلال موجة الحر.

وقد أودت موجة الحر التي ضربت البلاد في عام 2003 بحياة 15 ألف شخص في فرنسا، معظمهم من كبار السن، وكثير منهم في دور رعاية المسنين، بالإضافة إلى وفيات أخرى في منازلهم.

تحذيرات من الوصول إلى مستويات «قصوى» بالمملكة المتحدة

وحذَّر خبراء الأرصاد الجوية من أنَّ موجة الحر البحرية المستمرة منذ فترة طويلة، التي تشهدها المياه البريطانية خلال معظم عام 2026 يمكن أن تصل إلى مستويات قصوى، الأسبوع المقبل.

وقالت هيئة الأرصاد الجوية إنَّ مياه السطح في بحار شمال غربي أوروبا، تشهد حالياً ظروفاً من موجة حر بحرية تتراوح بين متوسطة وشديدة، حيث تمَّ تصنيف كثير من المناطق، حالياً بأنها «قوية» والبعض «شديدة»، حسب وكالة الأنباء البريطانية (بي إيه ميديا)، اليوم الجمعة.

وهذا يعني أنَّ المياه وصلت إلى درجات حرارة متوقعة عادة في أغسطس وهي أعلى درجتين مئويتين عن المعتاد.

وأضافت الهيئة أنَّ درجات الحرارة أعلى بأكثر من 4 إلى 5 درجات محلياً في بعض الأجزاء قبالة الشواطئ في سواحل إنجلترا وويلز.

ويقول خبراء إن درجات الحرارة القياسية من المتوقع أن يكون لديها تأثير واسع النطاق على أنماط الطقس والمناخ العالمي والأنظمة البيئية، مما يؤدي إلى تحولات في أعداد الأسماك وإلحاق الضرر بكثير من الأنواع البيئية.

كانت مناطق جنوب المملكة المتحدة قد شهدت في 24 من الشهر الماضي موجة حر شديدة، أدت إلى إغلاق المدارس، وتعطيل حركة السفر.


هل يعود ويتكوف وكوشنر إلى وساطة روسيا وأوكرانيا؟

زيلينسكي خلال جولة تفقدية للمواقع المتضرّرة (رويترز)
زيلينسكي خلال جولة تفقدية للمواقع المتضرّرة (رويترز)
TT

هل يعود ويتكوف وكوشنر إلى وساطة روسيا وأوكرانيا؟

زيلينسكي خلال جولة تفقدية للمواقع المتضرّرة (رويترز)
زيلينسكي خلال جولة تفقدية للمواقع المتضرّرة (رويترز)

تتزايد المؤشرات إلى احتمال عودة المبعوث الأميركي ستيف ويتكوف وجاريد كوشنر إلى ملف الحرب الروسية - الأوكرانية، مع تراجع الانشغال الأميركي النسبي بالمسار الإيراني، وفي وقت دخل فيه الصراع بين موسكو وكييف مرحلة جديدة من التصعيد العسكري والضغط الاقتصادي المتبادل.

وكان ويتكوف وكوشنر قد اضطلعا بدور أساسي في الاتصالات بين روسيا وأوكرانيا مطلع العام، وشاركا في آخر لقاء مباشر معلن بين مسؤولي البلدين في سويسرا في فبراير (شباط). لكن اندلاع المواجهة مع إيران في 28 فبراير نقل اهتمامهما إلى الشرق الأوسط، فيما أكد الرئيس دونالد ترمب لاحقاً أن إدارته قد تستأنف جهود إنهاء الحرب الأوكرانية بعد تجاوز المرحلة الأكثر سخونة في الملف الإيراني.

جاريد كوشنر وستيف ويتكوف قبيل اجتماع رباعي بين الولايات المتحدة وإيران وباكستان وقطر في سويسرا (أرشيفية - أ.ف.ب)

وتأتي العودة المحتملة وسط تغير واضح في موقع أوكرانيا الميداني. فقد أثبتت كييف قدرتها على ضرب أهداف عسكرية واقتصادية في مناطق بعيدة داخل روسيا، وألحقت أضراراً بمصافي النفط ومنشآت الوقود وخطوط الإمداد، في حين ردت موسكو بهجمات صاروخية وموجات كثيفة من المسيّرات على المدن الأوكرانية، مؤكدة أن الرئيس فلاديمير بوتين لا يزال يراهن على تحقيق أهدافه بالقوة.

قنوات أميركية محدودة

تكتسب عودة ويتكوف وكوشنر أهمية إضافية بسبب محدودية القنوات الدبلوماسية الأميركية العاملة على الملف؛ فمنصب السفير الأميركي في موسكو شاغر منذ أكثر من عام، كما استقال القائم بأعمال السفارة في كييف في أبريل (نيسان)، بينما ظل دور وزير الخارجية ماركو روبيو وكبار الدبلوماسيين محدوداً.

وبذلك أصبح المبعوثان، بفضل اتصالهما المباشر بترمب، من أهم قنوات التواصل التي يمكن لموسكو وكييف استخدامها للوصول إلى البيت الأبيض. وأفاد مسؤول أميركي بأنهما حافظا على اتصالات شبه يومية مع مسؤولين روس وأوكرانيين، وعقدا لقاءات غير معلنة خلال فترة انشغالهما بإيران، لكنهما لا يعتزمان السفر لمجرد عقد لقاءات رمزية من دون وجود مقترحات جديدة، بحسب «نيويورك تايمز».

ويتكوف وكوشنر والمبعوث الرئاسي الروسي كيريل دميترييف وأوشاكوف يلتقون قبل الاجتماع مع بوتين في موسكو يوم 22 يناير 2026 (رويترز)

وقال الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي، ​الخميس، إن المسؤول الكبير في وزارة الدفاع الأوكرانية رستم أوميروف أجرى محادثات مع كوشنر ​خلال ‌اليومين ⁠الماضيين. وفي ​كلمة ألقاها ⁠من أحد المواقع التي استهدفت في هجوم روسي مدمر على كييف، بينما كان رجال ⁠الإنقاذ يبحثون بين ‌الأنقاض، ‌قال زيلينسكي إنه ​لا ‌يزال يأمل في ‌أن يزور كوشنر وويتكوف أوكرانيا.

وفي موسكو، تبدو الرغبة قوية في استئناف هذا المسار. ويعتبر الكرملين ويتكوف قناة مباشرة إلى ترمب، خصوصاً في القضايا التي لا تستطيع الدول الأوروبية حسمها، مثل مستقبل عضوية أوكرانيا في حلف شمال الأطلسي ورفع العقوبات. غير أن مسؤولين روساً أبدوا أيضاً استياءهم من عدم انتظام الزيارات وغياب المتابعة المؤسسية، مطالبين بمفاوضات أكثر تنظيماً واستمرارية.

فانس يقف إلى جانب ويتكوف وكوشنر في سويسرا في 21 يونيو 2026 (أ.ب)

ضغط أوكراني متصاعد

وتختلف الظروف الحالية عن تلك التي أحاطت بجولات التفاوض السابقة. فقد وسعت أوكرانيا خلال الأشهر الماضية نطاق ضرباتها، مستفيدة من ارتفاع إنتاجها المحلي من المسيّرات والصواريخ بعيدة المدى، واستهدفت مصافي النفط ومستودعات الوقود والمصانع العسكرية داخل روسيا.

وأدت الهجمات إلى أزمة وقود واسعة، بدأت في شبه جزيرة القرم ثم امتدت إلى مناطق روسية عدة، بينها سيبيريا والشرق الأقصى. وأظهرت تقارير أن الضربات أخرجت ما بين 25 و33 في المائة من طاقة التكرير الروسية من الخدمة في منتصف يونيو، فيما شهدت محطات الوقود طوابير طويلة وتقنيناً في المبيعات وإغلاق عدد كبير من المحطات المستقلة.

كما صعدت كييف هجماتها على القرم، مستهدفة منشآت الكهرباء والوقود وخطوط الإمداد. وتسببت الضربات في انقطاعات للكهرباء والمياه، وفرض قيود شديدة على بيع البنزين، في وقت بات فيه جسر كيرتش يمثل خط الإمداد الرئيسي للمنطقة بعد تعرض المسارات البرية والبحرية الأخرى للخطر.

وتراهن القيادة الأوكرانية على أن تحويل الحرب إلى عبء يومي على الروس، وتهديد القرم التي تحمل قيمة سياسية ورمزية كبيرة لبوتين، قد يدفع الكرملين إلى قبول مفاوضات أكثر جدية. كما تقول كييف إن ضرباتها بعيدة المدى تمثل «عقوبات» تنفذها بالقوة بعدما عجزت الإجراءات الاقتصادية الغربية وحدها عن تغيير حسابات موسكو.

رد روسي عنيف

وتبادلت روسيا وأوكرانيا القصف، الجمعة، غداة أعنف هجوم شنّته موسكو على كييف بالمسيرات والصواريخ منذ بدء غزوها للبلاد وأودى بـ30 شخصاً. وأعلن الرئيس الأوكراني، الخميس، أن أوكرانيا سترد «بالتأكيد» على هذا الهجوم. وقال خلال جولة تفقدية للمواقع المتضرّرة: «تقصف روسيا أهدافاً مدنية كي تدفع أوكرانيا إلى التخلّي عن الدولة بكلّ بساطة، ولتحدث شرخاً بين المجتمع المدني والجيش. هذا ما كانت تعوّل عليه طوال الحرب. ولن يحدث ذلك أبداً».

وأسفرت ضربات جديدة على جانبي الحدود عن سقوط قتلى مدنيين في البلدين المتحاربين. وأعلنت وزارة الدفاع الروسية، الجمعة، أن منظومات الدفاع الجوي اعترضت ودمرت 155 طائرة مسيرة أوكرانية فوق الأراضي الروسية خلال الليل.

صورة من موقع ضربة صاروخية روسية في كييف بأوكرانيا 25 يونيو 2026 (رويترز)

وقُتل خمسة أشخاص، الجمعة، في هجوم أوكراني على سوق في جزء تحتله روسيا من منطقة زابوريجيا في جنوب أوكرانيا، وفق ما أفاد الحاكم المعين من الكرملين، وذلك غداة هجوم روسي واسع على العاصمة الأوكرانية. وقال الحاكم المعين من روسيا يفغيني باليتسكي عبر «تلغرام»: «تأكد حتى الآن مقتل خمسة سكان في هجوم معاد متعمد على سوق مدينة توكماك». لكن الضغوط الأوكرانية لم تؤد حتى الآن إلى تراجع روسي واضح. فقد كثفت موسكو هجماتها بالصواريخ والمسيّرات، واستهدفت كييف ومدناً أخرى، ما أوقع عشرات القتلى وألحق أضراراً واسعة بالبنية التحتية الأوكرانية.

أناس يحتمون في محطة مترو الأنفاق خلال غارة روسية ليلية على كييف (رويترز)

وتواصل القوات الروسية في الوقت نفسه محاولات التقدم في منطقة دونيتسك، رغم الخسائر البشرية المرتفعة. وتراهن موسكو على تفوقها في حجم الذخائر والصواريخ وقدرتها على استنزاف الدفاعات الجوية الأوكرانية، بينما لا تزال كييف تعتمد بصورة كبيرة على الدعم الغربي لحماية مدنها ومنشآتها الحيوية.

وكشف سفير المهام الخاصة في وزارة الخارجية الروسية، روديون ميروشنيك، عن مقتل ما يقرب من 8500 مدني روسي جراء هجمات شنتها القوات الأوكرانية منذ عام 2022.

واعترف بوتين بوجود نقص في الوقود، لكنه قلل من حجمه، معتبراً أن الهدف الأوكراني هو إثارة الانقسام داخل المجتمع الروسي وإجبار قواته على وقف تقدمها. ويشير هذا الموقف إلى أن الكرملين لا يزال يرى الأزمة قابلة للاحتواء، ولا يعدُّها سبباً كافياً لتعديل مطالبه المتعلقة بالأراضي الأوكرانية وعضوية الناتو والضمانات الأمنية.

وساطة بلا اختراق سريع

يمكن لتراجع أولوية الملف الإيراني أن يتيح لويتكوف وكوشنر استئناف تحركاتهما، خصوصاً أن موسكو تطالب بعودتهما، فيما أبدى الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي استياءه من عدم زيارتهما كييف حتى الآن، مطالباً واشنطن بأفعال تتجاوز التصريحات.

لكن العودة الأميركية لن تضمن اختراقاً سريعاً؛ فروسيا وأوكرانيا تدخلان أي مفاوضات محتملة وهما مقتنعتان بأن استمرار العمليات العسكرية قد يحسن شروطهما. موسكو تراهن على تقدمها البطيء وقدرتها على ضرب المدن، بينما تعتمد كييف على نقل الحرب إلى الداخل الروسي وإضعاف قطاع الطاقة والضغط على القرم. لذلك قد تركز المرحلة الأولى من الوساطة على احتواء التصعيد، وحماية منشآت الطاقة والبنية التحتية، واستئناف تبادل الأسرى والجثامين، بدلاً من التوصل إلى اتفاق سلام شامل. أما ملفات الأراضي والقرم والناتو، فستظل العقبات الأكبر أمام أي تسوية. وفي ظل غياب بديل دبلوماسي واضح، تبدو عودة ويتكوف وكوشنر مرجحة، لكنها ستكون عودة إلى حرب أكثر اتساعاً وتعقيداً، لا إلى مفاوضات أصبحت أقرب إلى الحل.

شخص يحتمي بمحطة مترو الأنفاق في أثناء الغارات الروسية على كييف ويتابع مباراة بلجيكا والسنغال (أ.ف.ب)

اجتماع الناتو في أنقرة

ويجتمع قادة حلف شمال ‌الأطلسي، الأسبوع المقبل، في أنقرة، حيث يسعى الأوروبيون إلى تنحية الخلافات مع الرئيس الأميركي دونالد ترمب جانباً حول عدة قضايا مشتركة بما في ذلك أوكرانيا، في وقت تقلص فيه واشنطن التزاماتها تجاه الحلف.

وقال الأمين العام لحلف شمال الأطلسي مارك روته إن القمة المقررة يومي الثلاثاء والأربعاء المقبلين ستظهر وفاء الدول الأوروبية بتعهداتها بزيادة الإنفاق الدفاعي لردع أي هجوم روسي محتمل، مشيراً إلى أنه سيتم توقيع صفقات تسليح بعشرات المليارات من الدولارات.

ومن المتوقع أيضاً أن يجدد القادة التزامهم بمواصلة تمويل إمدادات الأسلحة لأوكرانيا في مواجهة الغزو الروسي. وسيشارك الرئيس الأوكراني فولوديمير ‌زيلينسكي في مأدبة ‌عشاء يستضيفها الرئيس التركي رجب طيب إردوغان، ​الذي ‌سيعقد ⁠كذلك ​محادثات ثنائية مع ⁠ترمب. ويأمل زيلينسكي في عقد اجتماع مع ترمب على هامش القمة.


ترمب يُهيمن على قمة «ناتو» في أنقرة... وأوروبا تبحث سبل «احتوائه»

الرئيس الأميركي دونالد ترمب يتحدَّث مع الأمين العام لحلف «ناتو» مارك روته على هامش الاجتماع السنوي للمنتدى الاقتصادي العالمي في دافوس يوم 21 يناير 2026 (أ.ف.ب)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب يتحدَّث مع الأمين العام لحلف «ناتو» مارك روته على هامش الاجتماع السنوي للمنتدى الاقتصادي العالمي في دافوس يوم 21 يناير 2026 (أ.ف.ب)
TT

ترمب يُهيمن على قمة «ناتو» في أنقرة... وأوروبا تبحث سبل «احتوائه»

الرئيس الأميركي دونالد ترمب يتحدَّث مع الأمين العام لحلف «ناتو» مارك روته على هامش الاجتماع السنوي للمنتدى الاقتصادي العالمي في دافوس يوم 21 يناير 2026 (أ.ف.ب)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب يتحدَّث مع الأمين العام لحلف «ناتو» مارك روته على هامش الاجتماع السنوي للمنتدى الاقتصادي العالمي في دافوس يوم 21 يناير 2026 (أ.ف.ب)

تلتئم قمة الحلف الأطلسي في أنقرة، يومَي الثلاثاء والأربعاء القادَمين، وسط مخاوف أوروبية من خطط الإدارة الأميركية بخفض الحضور العسكري الأميركي في أوروبا، بالتوازي مع تنامي القلق مما تخطِّط له موسكو.

وما يفاقم النظرة الأوروبية التشاؤمية توقع أن يضاعف الرئيس الأميركي دونالد ترمب انتقاداته لحلفائه الأطلسيِّين، الذين لم يستجيبوا لطلبه بالانخراط في الحرب التي أطلقها مع إسرائيل ضد إيران من غير استشارتهم، صبيحة 28 فبراير (شباط) الماضي، ورفض بعض الحلفاء (مثل فرنسا وإسبانيا وبريطانيا وإيطاليا) السماح لواشنطن باستخدام مطاراتها لهبوط طائراتها الحربية، في طريقها إلى مسرح الحرب في الشرق الأوسط.

إلى ذلك، يدفع اشتداد الهجمات الروسية على أوكرانيا، كما حصل ليل الأربعاء إلى الخميس؛ حيث تعرَّضت كييف لأسوأ الهجمات الجوية منذ اندلاع الحرب في فبراير 2022، الأوروبيِّين لاستشعار الحاجة للحضور العسكري الأميركي الرادع، بينما واشنطن بدأت منذ شهر مايو (أيار) في تقليص عديد القوات ومنظومات السلاح المخصَّصة للجناح الأوروبي لـ«ناتو».

وأخيراً، تجدر الإشارة إلى الجدل الذي دخلت فيه رئيسة الوزراء الإيطالية مع ترمب على خلفية ادّعاء الأخير أنَّها توسَّلت له لالتقاط صورة معه، وأنَّه تحاشاها، وما أعقب ذلك من تضامن أوروبي مع جورجيا ميلوني ما قد تكون له تبعاته على أجواء القمة الأطلسية.

استياء الرئيس

عدّ الرئيس الأميركي دونالد ترمب، الخميس، أنَّه «من السخيف» استمرار الولايات المتحدة في علاقتها «الأحادية» مع حلف «ناتو». وكتب على منصته «تروث سوشال»: «لم نجدهم عندما احتجنا إليهم»، مشيراً إلى أنَّ «علاقة واشنطن بحلف (ناتو) ليست متبادلة».

إردوغان وترمب خلال قمة «ناتو» بلاهاي في يونيو 2025 (أ.ف.ب)

ويواصل ترمب انتقاد الحلفاء الأوروبيِّين؛ بسبب موقفهم من الحرب ضد إيران. كما شدَّد على أنَّه يريد من أوروبا أن تتولى المسؤولية عن دفاعها، وذلك بينما تعمل الولايات المتحدة على تقليص التزاماتها. وتضمَّن منشوره رسماً بيانياً يوضِّح حجم إنفاق حلف شمال الأطلسي، حيث تستثمر الولايات المتحدة مبالغ أكبر بكثير من عدد قليل من الدول الأعضاء الأخرى التي شملها الرسم. وبضغط من ترمب، اتّفق قادة «ناتو» في اجتماع العام الماضي على زيادة الإنفاق المتعلّق بالدفاع إلى 5 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي بحلول عام 2035. وستُعقَد قمة الحلف المقبلة، التي ستجمع الدول الـ32 الأعضاء، في العاصمة التركية في السابع والثامن من يوليو (تموز).

تقليص الوجود الأميركي

كثيرة هي التهديدات الترومبية للشركاء الأوروبيِّين منذ ولايته الأولى. وتتكاثر الشكاوى العابرة للمحيط الأطلسي التي مفادها بأنَّ الولايات المتحدة تتحمل العبء الأكبر من تكلفة الدفاع عن أوروبا. وخلال اجتماع وزراء الحلف في بروكسل، يوم الخميس الماضي، كشف وزير الحرب الأميركي، بيت هيغسيت، عمّا تخطِّط له واشنطن، إذ دعا الأوروبيِّين إلى إنشاء ما سماه «ناتو 3.0». وقال إنه «بعد انتهاء الحرب الباردة، يجب العودة إلى تحالف عسكري حقيقي يتمتَّع بقدرات عسكرية فعلية، قادر على تحقيق الردع هنا في القارة الأوروبية، وعلى تولي القيادة في الدفاع التقليدي عن أوروبا».

وبكلام أوضح، فإنَّ هيغسيت يُلقي عبء الدفاع التقليدي على عاتق الأوروبيَّين، بينما الردع النووي يبقى بيد الولايات المتحدة. وفي السياق نفسه، عدَّ القائد الأعلى لقوات «ناتو»، الجنرال الأميركي الطيار أليكسوس غرينكيفيتش، أنَّ الوضع الحالي لجهة التعويل على الشريك الأميركي «غير صحي»، خصوصاً أنَّ واشنطن قد تكون مضطرة للانخراط في أكثر من نزاع.

الرئيس الأميركي دونالد ترمب خلال اجتماعه مع نظيره الأوكراني فولوديمير زيلينسكي على هامش قمة لحلف «ناتو» في لاهاي يونيو 2025 (د.ب.أ)

ولأن واشنطن عازمة على السير فعلياً بخططها، فقد أعلمت الأوروبيِّين منذ أسابيع عدة بعزمها على تقليص حجم قواتها، الذي كانت تلتزم به في حال حصول نزاع. ونقلت «رويترز» عن مصدر عسكري أميركي، هذا الأسبوع، أنَّ التقليص سيطال طائرات التزوُّد بالوقود جواً، والمقاتلات، والطائرات المسيّرة، والسفن والقاذفات الاستراتيجية وعديد الجنود، مع احتمال إقفال بعض القواعد الأميركية في أوروبا.

وفي إطار نقمته على المستشار الألماني فريدريش ميرتس؛ بسبب الحرب على إيران، أعلن ترمب سحب 5 آلاف جندي من ألمانيا التي تستضيف نحو ثلث القوات الأميركية المرابطة في أوروبا، إضافة إلى أهم قاعدة جوية «رامشتاين». وسبق لترمب أن أعلن سحب قوات من بولندا، إلا أنَّه تراجع لاحقاً عن هذا القرار، لا بل أفاد بأنَّه سينشر 5 آلاف جندي إضافي في هذا البلد.

وأفاد مصدر لـ«رويترز» بأنَّ واشنطن سوف تُخفِّض عدد مقاتلاتها المُخصَّصة لـ«ناتو» بمقدار الثلث، ليصل إلى 99 طائرة، كما سينخفض عدد الطائرات المسيّرة إلى النصف ليبلغ 12 طائرة. وسيتراجع عدد طائرات التَّزوُّد بالوقود إلى 63 طائرة، والقاذفات الاستراتيجية إلى النصف، والحال نفسه تنطبق على المدمرات التي ستتراجع إلى النصف (9 مدمرات). كما ستُخصِّص البحرية الأميركية حاملة طائرات واحدة، بينما ستسحب الغواصة الوحيدة القادرة على حمل صواريخ «كروز».

روته: إطفائي «الأطلسي»

بالنظر لهذا الوضع «غير المريح» بالنسبة للأوروبيِّين، فإنَّ همهم الأول كما يقول مصدران أوروبيَّان في باريس، هو العمل على «إرضاء» ترمب خلال قمة أنقرة لتحقيق عدد من الأهداف الرئيسية: إبقاء الولايات المتحدة منخرطةً في الدفاع عن الجناح الأوروبي للحلف، واجتذاب ترمب مجدداً لتوفير الدعمَين العسكري والمالي لأوكرانيا، والبناء على ما تحقَّق في قمة «مجموعة السبع» الأخيرة في مدينة إيفيان الفرنسية، حيث بدّل ترمب لهجته ومقاربته للحرب في أوكرانيا وقبِل الاجتماع مرتين بالرئيس فولوديمير زيلينسكي.

في حمأة هذه التطورات، يلعب أمين عام الحلف الأطلسي، مارك روته، دور الإطفائي الساعي دوماً لاحتواء غيظ ونقمة ترمب على الأوروبيِّين. والعام الماضي، بمناسبة انعقاد القمة الأطلسية في لاهاي، في شهر يوليو، لم يتردَّد روته في تشبيه ترمب بـ«والدي». ولا يبدو أن روته وضع حدوداً لمحاولة إرضاء ترمب. فخلال زيارته الأخيرة للبيت الأبيض، منتصف الشهر الماضي، للتحضير لقمة أنقرة، حضر روته رسماً بيانياً بأحرف ذهبية حمل عبارة «تريليون ترمب» الذي يجمل زيادات الإنفاق العسكري الأوروبي منذ عام 2017، أي منذ وصول الرئيس الأميركي إلى البيت الأبيض المرة الأولى.

كذلك، ذكّره بأن الأوروبيين قبلوا برفع نسبة إنفاقهم الدفاعي إلى 5 في المائة (باستثناء إسبانيا)، بحلول عام 2035، بينما لا يزال إنفاق عضوَين أطلسيَّين (تشيكيا وسلوفاكيا) دون الحد الأدنى، أي 2 في المائة من الناتج المحلي الخام، بينما الدول الأخرى تجاوزت عتبة 3 في المائة.

وما يسعى إليه أمين عام الحلف الأطلسي هو نزع حجة ترمب الخاصة بتقاعس الأوروبيين عن الوفاء بالتزاماتهم إزاء النادي الأطلسي. ووفق قول مصدر أطلسي لـ«رويترز» الأربعاء، فإنَّ الأوروبيين نجحوا «إلى حد كبير» في سدّ الفراغ الناتج عن تقليص الحضور العسكري الأميركي، وإن ما تنقصهم هي القاذفات الاستراتيجية. وسبق لروته أن أكّد منتصف يونيو (حزيران) أن دولاً أوروبية أطلسية عزَّزت مساهماتها العسكرية، وتعمل على تغطية «الكثير» من الثغرات دون الكشف عن مزيد من تفاصيل.

مضيق «هرمز» مجدداً

ليس ما سبق سوى جانب مما يعتزم الأوروبيون القيام به من أجل «احتواء» الرئيس الأميركي. ذلك أنَّ في جعبتهم أوراقاً أخرى كإعلان الاستعداد لمساعدة واشنطن في ضمان حرية الإبحار في مضيق «هرمز»، من خلال مبادرة فرنسية - بريطانية لتشكيل تحالف بحري دولي يقوم بنزع الألغام من مياه المضيق، ومواكبة الناقلات والبواخر الراغبة بالخروج منه أو الدخول إليه.

وتؤكد باريس ولندن أن 12 دولة مستعدة للمساهمة في المهمتين، وأبرزها إيطاليا وألمانيا وهولندا. لكن العاصمتين متمسكتان بأن «المهمة» سلمية الطابع، ويجب أن تحظى بقبول الولايات المتحدة وإيران وعمان، وأن تكون «مستقلة» عمّا تقوم به القوات الأميركية في المنطقة.

ليس سراً أنَّ ترمب يهوى العقود الكبرى. لذا من المرتقب أن تعلن دول أوروبية عدة إبرام اتفاقات مع شركات السلاح الأميركية الرئيسية، الأمر الذي من شأنه أن يعكس الفائدة التي تجنيها واشنطن من حلفائها الأوروبيين من عقود التسلح، فضلاً عن تمتّعها بـ«حاملة طائرات أرضية من 30 دولة أوروبية». وثمّة مَن يهمس في باريس أنَّ الأوروبيين توافقوا على عدم إثارة أي ملف يمكن أن يُشعر ترمب بأنَّه يستهدفه، مُنوّهين ببراعة الرئيس الفرنسي الذي نجح من خلال دعوة ترمب إلى العشاء خلال «قمة إيفيان»، في إبقائه حتى نهاية أعمال القمة التي استمرت 3 أيام. لكن يبدو أن قمة أنقرة ستكون قصيرة نسبياً، باعتبار أن الرئيس الأميركي كان قد يمتنع عن المشاركة لو لم يكن الرئيس التركي رجب طيب إردوغان هو الجهة المستضيفة.