ابتكارات وتطويرات رائدة في عام 2023

تقنيات ووسائل مطورة في ميدان الصحة والتقنية والطاقة

الصورة الرئيسية
الصورة الرئيسية
TT

ابتكارات وتطويرات رائدة في عام 2023

الصورة الرئيسية
الصورة الرئيسية

تبصر أفكارٌ كثيرة النور في وادي السيليكون وغيره من مراكز التقنية الأميركية، ولكنّها تزدهر وتتطوّر لاحقّاً في أماكن أخرى.

يرّكز الكثير من الشركات الناشئة العالمية اليوم على مجالات واهتمامات قد يُصار إلى تجاهلها في مراكز الاستثمار التقني الأميركية - كالسماح لمراكز البحوث غير الربحية بالتعاون مع بعضها عن بعد مع الحفاظ على سريّة مواضيع بحوثها مثلاً. وقد فازت الشركات الرائدة التالية بجوائز التميّز من مجلة «فاست كومباني».

تقنيات صحية رائدة

إليكم 4 نقلات نوعية في عالم التقنية الصحية لعام 2023 ستغيّر وجه عالم الصحّة... من نسيج البنكرياس المطبوع حيوياً إلى خطط علاج الصحّة الدماغية المدعومة بالذكاء الاصطناعي.

لفاف "نيريفيو" حول العضد لتخفيف الصداع النصفي

لقد وصل قطاع العناية الصحية إلى مرحلة من التداخل الكامل مع الابتكار التقني. فسواء عبر السماح للأطباء بإمضاء المزيد من الوقت في التركيز على العلاج أو بتقديم تقنيات مبتكرة تعيد القوّة للمرضى، تتابع مراكز الاستثمار التقني جهودها في تطوير هذه الصناعة.

> علاج محتمل للسكري من النوع الأوّل باستخدام الطباعة الحيوية من شركة «أسبكت بيوسيستمز» Aspect Biosystems. نجح نسيج البنكرياس المطبوع حيوياً الذي ابتكرته شركة «أسبكت بيوسيستمز» بمجرّد زراعته، في شفاء السكري من النوع الأوّل في الجرذان. تعمل الشركة اليوم مع إدارة الغذاء والدواء لنقل هذا العلاج إلى البشر، ونجحت في جذب اهتمام عملاق أدوية السكري «نوفو نورديسك»، الذي وقّع معها شراكة بقيمة 2.6 مليار دولار تتيح له استخدام تقنية الطباعة الحيوية خاصتها لتطوير علاجات للسكريّ والسمنة.

> استكشاف طريقة لتحسين التعافي من الجلطة الدماغية في المنزل.

من شركة «برين كيو تكنولوجيز» BrainQ Technologies. تعمل شركة «برين كيو» على تطوير وتعزيز كفاءة علاج عصبي تأهيلي سهل الاستخدام في المنزل.

يزاوج ابتكار الشركة، الذي حاز تصنيف علاج الاختراق من إدارة الغذاء والدواء، نظاماً يعتمد على السحابة لتوصيل العلاج مع جهاز قابل للارتداء ينتج مجالاً كهرومغناطيسياً منخفض الطاقة مصمّم لتحسين اتصالات الدماغ خلال فترة العلاج الذاتي التي تصل إلى تسعة أسابيع. وعملت الشركة خلال العامين الماضيين على زيادة عدد المشاركين في تجاربها للتعافي من الجلطة الدماغية في 15 مستشفى أميركياً لتقييم فاعلية مقاربتها.

> أفكار رائدة للجيل المقبل من علاجات الصحة الدماغية من شركة «نكست سينس» NextSense.

استخدمت «نكست سينس» تقنية لتخطيط أمواج الدماغ من الأذن لتطوير أجهزة توصل علاجات مخصّصة لحالات كالاكتئاب المحيط بالولادة. وأيضاً، تملك منصّةً مخصّصة للمؤشرات الحيوية المرتبطة بالصحّة الدماغية توفّر معطيات قد تساهم في تطوير علاجات وأدوية جديدة. في عام 2022، بدأت الشركة بالسماح بالوصول إلى منصّة المؤشرات مقابل بدائل مالية، فجمعت عائدات وصلت إلى مليون دولار بعد أن استخدمتها شركات كـ«تيكد» و«أوتسوكا» لدعم عمليات صناعتها لأدوية للصحة الدماغية. وحصلت الشركة أيضاً على تصنيف الاختراق من إدارة الغذاء والدواء لعلاجها الذي ابتكرته للاكتئاب المحيط بالولادة.

> علاج الصداع النصفي لدى المراهقين من شركة «ثيرانيكا» Theranica.

الصداع النصفي مرهق، ومع ذلك، يركّز معظم العلاجات المتوافرة على البالغين. ولكنّ جهاز «نيريفيو» Nerivio القابل للارتداء الذي طوّرته شركة «ثيرانيكا»، يستهدف مائة مليون مراهق يعانون هذه الحالة حول العالم. يستخدم علاج الشركة الحائز ترخيص إدارة الغذاء والدواء، تطبيقاً هاتفياً ومنتجاً يلتفّ حول الجزء العلوي من ذراع المستخدم لتشغيل عملية طبيعية في الدماغ للسيطرة على ألم الصداع النصفي. تدوم جلسة العلاج الواحدة لمدّة 45 دقيقة، ويمكن استخدامه للوقاية أو للعلاج الحاد في بداية نوبة الصداع.

مبتكرات تقنية عالمية

إليكم عدداً من المبتكرات التقنية العالمية:

> تقنيات توصيل أجهزة إنترنت الأشياء بكلفة منخفضة ومن مسافات بعيدة من شركة «مورس ميكرو» Morse Micro.

تفكّر هذه الشركة الأسترالية على نطاق صغيرٍ وبطيء في مجال عرض النطاق لإنترنت الأشياء. فبدلاً من بيع تقنيات اتصال «واي - فاي» تقليدي، أو شبكات جيل رابع أو خامس خاصّة لتوصيل الأجهزة في مجالات الصناعة والزراعة والنقل وغيرها من الإعدادات التجارية، تقدّم «مورس ميكرو» اتصالاً زهيداً بعرض نطاق منخفض يغطي مسافات بعيدة باستخدام «واي - فاي هالو» Wi-Fi HaLow.

يستخدم هذا الفرع من معيار التشبيك اللاسلكي طيفاً بتردّد راديو أقلّ من 1 غيغاهرتز، تعزّز «مورس» قوّته باستخدام تصميمها «نظام على رقاقة» المضغوط الذي يستهلك كمية منخفضة من الطاقة.

> نباتات منزلية مهندسة جينياً لتنظيف الهواء في المنزل من دون استخدام أسلاك أو اتصال بالإنترنت، من شركة «نيو بلانتس» Neoplants.

لا تحتاج منتجات «نيو بلانتس» إلى كهرباء أو اتصال بالإنترنت؛ لأنّها عبارة عن نباتات منزلية مهندسة جينياً للتخلّص من المركّبات العضوية المتطايرة في الهواء. تعتزم الشركة بيع نبتتها «نيو بي.1» Neo P1– المشتقة من نبتة البطوس pothos المتدلّية التي تزيّن الكثير من المنازل – في وعاء مصمّم لمساعدتها على تأدية مهمّتها بشكلٍ أفضل وتقليل حاجتها للريّ لمرّة كلّ أسبوع أو اثنين. وتخطّط الشركة، التي تتخذ من باريس مقراً لها، للانتقال بنبتة «بي 1» من مراحل الطلب المسبق إلى المبيع بالجملة بعد التقارير التي تحدّثت عن رفع حرائق الغابات لنسبة تلوّث الهواء في الأماكن المقفلة.

> وسائل الحفاظ على الخصوصية عند التعاون البحثي في مجال الصحّة من شركة «أوكين» Owkin.

تسعى شركة «أوكين» الناشئة العابرة للأطلسي التي تملك مكاتب في فرنسا، وسويسرا، والمملكة المتحدة والولايات المتحدة؛ لمساعدة مختبرات البحث المختلفة في مشاركة نتائج بحوثها والتعاون في المجالات البحثية من دون الاضطرار إلى التنازل عن خصوصية المشاركين فيها أو مواضيع بحوثها. لهذه الغاية؛ تستخدم الشركة تقنيات التعلّم لاستخلاص المعلومات من البيانات البحثية من دون إخراج الأخيرة من مختبرها. صُمّم برنامجها «سابسترا» Substra المفتوح المصدر ليتعامل بحيادية مع البيانات وأطر العمل والمناهج مع الالتزام بقوانين تنظيم الخصوصية في جهتي المحيط الأطلسي.

تقنيات الاستدامة والطاقة

تحمل أزمة المناخ معها تفاقماً في الانبعاثات وفوضى الطاقة، ولهذا السبب؛ تعمل الشركات اليوم على دعم الموارد وتغيير الأنظمة عبر تصميم مواد مستدامة في عالم الموضة والبناء وإطلاق تقنيات طموحة لالتقاط الكربون، بينما تعيد أخرى التفكير في الطريقة التي يجب أن تعمل بها بنيتنا التحتية والأنظمة الشبكية في عصرنا الجديد وغير المسبوق.

إليكم أربع تقنيات مبهرة قادمة في مجال الاستدامة والطاقة لعام 2023

... من شحن المركبات الكهربائية إلى نظام لتحويل فضلات الطعام. وتسعى هذه التقنيات إلى جعل العالم مكاناً أكثر استدامة.

> تعزيز كفاءة الطاقة في المكاتب من شركة «إنلايتد» Enlighted.

تعي «إنلايتد» جيّداً أنّ المباني التجارية مسؤولة عن ثلث انبعاثات غازات الدفيئة؛ ما دفعها إلى استهداف هذه المساحات برفع كفاءة استخدامها للطاقة. تركّب الشركة أجهزة استشعار حائزة براءة اختراع في أضواء المكاتب، فتتحكّم بقوّتها ودرجة حرارة لونها.

تنتشر مصابيح الشركة الذكية حول العالم، وتستفيد منها مؤسسات كهيئة الخدمات الصحية الوطنية في بريطانيا، وجامعة كاليفورنيا سانتا باربارا، وشركة «جيوديس» العالمية للبناء والتي نجحت مكاتبها الفرنسية بتوفير 90 بالمائة من استهلاكها للطاقة.

> توسيع نطاق شحن العربات الكهربائية من «إتس إلكتريك» Itselectric.

تعدّ بنية الشحن الكهربائي التحتية متخلّفة عن الانتشار السريع الذي تشهده العربات الكهربائية. ولهذا السبب؛ اتجهت شركة «إتس إلكتريك» إلى مورد مدنيّ وفير: المباني، فحوّلتها وسيلة لدعم وصول الناس إلى الطاقة الكهربائية، لا سيّما في المناطق المهملة، حيث يفتقر ملايين السائقين إلى مساحات لركن السيارة.

طبّقت الشركة فكرتها في مناطق مثل ديترويت وبروكلين الاميركية، لوصل شواحنها غير المزعجة بالمباني باستخدام جزء من طاقة هذه المباني نفسها – وشاركت عائداتها معها لسدّ 80 في المائة من فاتورة طاقتها.

• تحويل فضلات الطعام إلى مصادر غذائية جديدة من «ميل» Mill

تفيض فضلات الطعام من مكبات النفايات وتفرز نسباً عالية من غاز الميثان الذي يفوق ثاني أكسيد الكربون قوّة بثمانين مرّة.

في هذا السياق، تقدم شركة «ميل» بديلاً دائرياً: نموذج عضوية بكلفة تبدأ من 33 دولاراً، يملأ المشتركون بموجبه حاويتهم التي يحصلون عليها من الشركة بفضلات الطعام لعدّة أسابيع، فتعمل الحاوية على تقليص الطعام وتجفيفه. وبعد امتلائها، تجمع «ميل» البقايا الجافّة وتعيد استخدامها كعلف للدجاج.

> ضمان إمدادات الطاقة لدى ملّاك المنازل من «سويل إنرجي» Swell Energy.

تؤمّن بطاريات الليثيوم أيون المنزلية من «سويل إنرجي» مصدر طاقة داعماً للمنازل والمؤسسات التجارية. تمنح هذه البطاريات أصحاب المنازل فرصة لمواجهة خطر انقطاع الطاقة في عصر التغيّر المناخي والاعتماد المفرط على الشبكة الكهربائية عبر السماح لهم بتخزين فائض الطاقة الشمسية والاحتفاظ به لاستخدامه في أوقات لاحقة - فيضمنون أمن الطاقة بكلفة مستقرّة.

وقّعت شركة «ميل» شراكات مع عدّة منشآت تمتدّ من نيويورك إلى هاواي لإنشاء «معامل طاقة افتراضية» تعتمد على آلاف البطاريات المنزلية لزيادة الموارد.

* «فاست كومباني»

خدمات «تريبيون ميدبا»



بقايا فيروسات قديمة في جينوم الإنسان تتنبأ بالاستجابة للعلاج الكيميائي

بقايا فيروسات قديمة في جينوم الإنسان تتنبأ بالاستجابة للعلاج الكيميائي
TT

بقايا فيروسات قديمة في جينوم الإنسان تتنبأ بالاستجابة للعلاج الكيميائي

بقايا فيروسات قديمة في جينوم الإنسان تتنبأ بالاستجابة للعلاج الكيميائي

قد تكشف «بقايا فيروسات» عمرها ملايين السنين سر استجابة مرضى سرطان الدم للعلاج الكيميائي؛ إذ أظهرت دراسة جديدة أن أنماط نشاط هذه التسلسلات الفيروسية القديمة داخل الجينوم، ترتبط بضعف الاستجابة للعلاج. وقد أدى إدراجها في نماذج الذكاء الاصطناعي إلى تعزيز القدرة على التنبؤ بالمرضى الأكثر عرضة لمقاومة العلاج.

وأجرى الدراسة باحثون من جامعة كينغز كوليدج لندن، حيث حللوا بيانات سريرية وبيولوجية لـ271 مريضاً مصاباً بابيضاض الدم النقوي الحاد acute myeloid leukemia (AML)، تلقوا العلاج الكيميائي المعتاد. ونُشرت النتائج بدورية «Blood Neoplasia» في أغسطس (آب) 2026، وأشارت إلى أن ما يُعرف بـ«الجينوم المظلم» قد يحمل مؤشرات إضافية تساعد مستقبلاً في تحسين اختيار العلاج وتطوير استراتيجيات أكثر تخصيصاً لمرضى سرطان الدم.

عندما لا ينجح العلاج

يبدأ سرطان الدم النقوي الحاد في نخاع العظم، ويمكن أن يتطور بسرعة ويؤثر في إنتاج خلايا الدم الطبيعية. ورغم استخدام مجموعة من الفحوصات لتقييم المرضى، فإن الأطباء لا يستطيعون حتى الآن التنبؤ بدقة بمن سيستجيب للعلاج الكيميائي ومن سيصاب بمرض مقاوم للعلاج.

وفي بعض الحالات لا يحقق المريض هدأة كاملة رغم تلقي العلاج. وتُعرف الحالة باسم ابيضاض الدم النقوي الحاد المقاوم للعلاج، ما يجعل اختيار الاستراتيجية العلاجية المناسبة تحدياً كبيراً.

ولبحث إمكانية تحسين التنبؤ، طور العلماء 3 نماذج متعددة الطبقات للتعلم الآلي أضافوا إليها تدريجياً أنواعاً مختلفة من المعلومات السريرية والبيولوجية، أما النموذج النهائي فأضيفت إليه بيانات تتعلق بنشاط بقايا الفيروسات القديمة الموجودة في الجينوم.

فيروسات من الماضي داخل جيناتنا

تعرف هذه البقايا باسم الفيروسات القهقرية الداخلية endogenous retroviruses (ERVs) وهي أجزاء متبقية من فيروسات قديمة أصابت أسلاف الإنسان قبل ملايين السنين، ثم اندمجت في المادة الوراثية وأصبحت جزءاً من الجينوم البشري.

وتوجد هذه التسلسلات بصورة رئيسية في الأجزاء غير المشفرة من الجينوم، وهي مناطق لا يزال العلماء لا يفهمون جميع وظائفها بشكل كامل، ويُشار إلى بعضها أحياناً باسم «الجينوم المظلم» (dark genome).

ولا تعني هذه البقايا بالضرورة وجود عدوى فيروسية نشطة، لكن نشاطها يمكن أن يؤثر في عدد من العمليات البيولوجية بما في ذلك تنظيم تشغيل الجينات والإشارات المناعية والالتهابية.

الذكاء الاصطناعي يكشف إشارة إضافية

وعندما أضاف الباحثون معلومات نشاط الفيروسات القهقرية الداخلية إلى البيانات السريرية والجزيئية الأخرى، تحسنت قدرة النموذج على التنبؤ باستجابة المرضى للعلاج الكيميائي.

كما سجل النموذج النهائي عدداً أقل من النتائج الإيجابية الكاذبة؛ أي الحالات التي يتنبأ فيها النموذج خطأً بأن المريض سيصاب بمرض مقاوم للعلاج رغم احتمال استجابته للعلاج الكيميائي.

ويرى الباحثون أن هذه النتائج تشير إلى أن المعلومات المخفية في أجزاء من الجينوم التي غالباً ما تحظى باهتمام أقل، قد تضيف قيمة إلى الأساليب التقليدية التي تركز على الجينات المعروفة.

هل تحاكي الخلايا عدوى فيروسية؟

يعتقد العلماء أن أحد التفسيرات المحتملة يرتبط بظاهرة تُعرف باسم «المحاكاة الفيروسية» (viral mimicry)، حيث تتصرف الخلية كما لو أنها تواجه نشاطاً فيروسياً حقيقياً. وقد يؤدي ذلك إلى تنشيط إشارات مناعية والتهابية داخل الخلية؛ وهي عمليات قد تساعد وفق الفرضية التي يدرسها الباحثون في الحفاظ على بعض خلايا سرطان الدم في حالة تجعلها أكثر مقاومة للعلاج الكيميائي.

لكن الدراسة لا تثبت حتى الآن أن نشاط هذه التسلسلات الفيروسية هو السبب المباشر لمقاومة العلاج، لذا تحتاج هذه الآلية إلى مزيد من الأبحاث والتجارب لتأكيدها.

وقال الدكتور محمد مهدي كريمي كبير المحاضرين في المعلوماتية الحيوية بجامعة كينغز كوليدج لندن والمؤلف الرئيسي للدراسة، إن معظم أبحاث السرطان تركز على الجينات التقليدية، بينما تظل أجزاء كبيرة من «الجينوم المظلم» أقل دراسة. وأضاف أن النتائج تشير إلى إمكانية استخدام بصمة مستمدة من التسلسلات الفيروسية القديمة، إلى جانب بيانات التعبير الجيني التقليدية للمساعدة في التنبؤ بالاستجابة للعلاج.

خطوة نحو علاج أكثر تخصيصاً

يؤكد الباحثون أن النتائج لا تعني أن تحليل الفيروسات القهقرية الداخلية أصبح اختباراً سريرياً جاهزاً لاتخاذ قرارات علاجية؛ فلا تزال هناك حاجة إلى دراسات سريرية أكبر للتحقق من دقة النموذج وفائدته لدى مجموعات مختلفة من المرضى.

وقد حصل الباحثون على بيانات المرضى من تجربة «Beat AML»، وهي دراسة بارزة في مجال الطب الدقيق لسرطان الدم أُطلقت عام 2016.

ويرى الباحثون أن دمج إشارات «الجينوم المظلم» مع المعلومات السريرية والجينية التقليدية قد يساعد مستقبلاً في التعرف المبكر على المرضى الأكثر عرضة لمقاومة العلاج ويدعم تطوير استراتيجيات علاجية أكثر تخصيصاً لسرطان الدم النقوي الحاد.


دراسة حديثة: الدماغ البشري ليس عضواً واحداً بل اثنان!

من المعروف أن المخ يتكون من نصفين دماغ أيمن ودماغ أيسر (بيكسلز)
من المعروف أن المخ يتكون من نصفين دماغ أيمن ودماغ أيسر (بيكسلز)
TT

دراسة حديثة: الدماغ البشري ليس عضواً واحداً بل اثنان!

من المعروف أن المخ يتكون من نصفين دماغ أيمن ودماغ أيسر (بيكسلز)
من المعروف أن المخ يتكون من نصفين دماغ أيمن ودماغ أيسر (بيكسلز)

من المتفق عليه على نطاق واسع في علم الأعصاب والطب أن الدماغ البشري عضو واحد. ومع ذلك، تُظهر الأبحاث الحديثة التي قادتها كلية الطب بجامعة ستانفورد نتائج تتعارض مع هذا الاعتقاد العلمي الراسخ منذ فترة طويلة؛ إذ تشير دراسة جديدة نُشرت في مجلة «العلوم العصبية الطبيعية» إلى أن الدماغ البشري نشأ من عضوين منفصلين، وهو اكتشاف قد يؤثر على خيارات العلاج المستقبلية للأمراض التنكسية العصبية واضطرابات الدماغ، وفقاً لموقع «سايكولوجي توداي».

قاد هذه الدراسة كايل لوه، الأستاذ المشارك في جامعة ستانفورد، وأجراها المؤلفان كارولين دوندس وريان جوكهاي، إلى جانب فريق من الباحثين من جامعة ستانفورد، وجامعة كاليفورنيا في سان فرانسيسكو، ومعهد كاليفورنيا للتكنولوجيا في باسادينا بكاليفورنيا.

قد يجد الشخص العادي أن هذا أمر معقول، فمن المعروف أن المخ يتكون من نصفين؛ دماغ أيمن ودماغ أيسر. ومع ذلك، فإن هذين ليسا المنطقتين اللتين يشير إليهما الباحثون في هذه الدراسة. بدلاً من ذلك، فإن العضوين هما مزيج من الدماغ الأمامي والدماغ المتوسط يعملان كوحدة واحدة، والدماغ الخلفي.

في علم التشريح العصبي، يتكون الدماغ من ثلاث مناطق رئيسية: الدماغ الأمامي، والدماغ المتوسط، والدماغ الخلفي. يقع أكبر جزء من دماغ الإنسان البالغ، وهو الدماغ الأمامي، في الجزء الأمامي من الدماغ، ويحتوي على مناطق الوظائف المعرفية العليا مثل الاستدلال، والكلام، وإدارة الحركات الإرادية، والعواطف، والتكاثر، والأكل، والنوم، ودرجة حرارة الجسم. وتُعد اللوزة الدماغية والحصين والوطاء (تحت المهاد) والمهاد والجهاز الحوفي جميعها جزءاً من الدماغ الأمامي.

وتُعتبر القشرة الحديثة، الواقعة في الدماغ الأمامي، الجزء الأحدث من الدماغ، وتظهر إلى حد كبير في الثدييات.

الدماغ (د.ب.أ)

ويربط بين الدماغ الأمامي الكبير والدماغ الخلفي منطقة أصغر بكثير تُسمى الدماغ المتوسط، وهو ينظم الرؤية والمعالجة الحسية والمنعكسات الحركية. وفي الجزء الخلفي من الرأس يقع الدماغ الخلفي، وهو ينظم وظائف الجسم الأساسية مثل إيقاع التنفس والنوم والحركة ومعدل ضربات القلب.

ويشير مصطلح «جذع الدماغ» إلى الجزء من الدماغ الذي يربطه بالنخاع الشوكي، وهو مزيج من الدماغ المتوسط وأجزاء من الدماغ الخلفي، والجسر، والنخاع المستطيل.

حتى وقت قريب كان يُعتبر أقدم جزء من الدماغ البشري هو جزء الزواحف من الدماغ، والذي يشمل جذع الدماغ والمخيخ. وقد شاع مفهوم «الدماغ الزواحف» بفضل نظرية الدماغ الثلاثي التي قُدمت عام 1969 في سلسلة من المحاضرات ألقاها عالم الفسيولوجيا والطبيب النفسي في جامعة ييل بول ماكلين (1913 - 2007). وتقسم نظريته الدماغ البشري وفق ثلاثة خطوط من التطور المتميز: مركب الزواحف المكون من جذع الدماغ، ومركب الثدييات القديم المكون من الجهاز الحوفي، ومركب الثدييات الحديث المكون من القشرة الحديثة.

ومع ذلك، بدأت نظرية الدماغ الثلاثي تفقد قبولها. وهناك دراسة مختلفة، نُشرت في مجلة «ساينس» عام 2022 من قبل باحثين من معهد ماكس بلانك لأبحاث الدماغ، تدحض مفهوم وجود منطقة دماغية أقدم بعد اكتشاف مجموعة من الخلايا العصبية المتشابهة بين الثدييات والسحالي، والموجودة في جميع أنحاء الدماغ، على الرغم من فترة 320 مليون سنة من التطور المنفصل.

كيف يتطور الدماغ؟

في هذه الدراسة الجديدة التي قادتها جامعة ستانفورد سعى الباحثون إلى فهم عملية تطور الدماغ وتحديد المرحلة التي تتمايز فيها مناطق الدماغ المختلفة، وتحديداً أرادوا معرفة ما إذا كان الدماغ بأكمله ينشأ من سلف واحد أم من عدة أسلاف.

والخلايا السلفية هي خلايا منقسمة يمكنها أن تتكاثر وتتمايز إلى أنواع مختلفة من الخلايا. وعلى عكس الخلايا الجذعية، فإن الخلايا السلفية مهيأة مسبقاً للتطور إلى نوع معين من الخلايا، ويمكنها تجديد نفسها عدداً محدوداً من المرات. أما الخلايا الجذعية فيمكنها التجدد إلى أجل غير مسمى، وهي قادرة على التمايز إلى مجموعة متنوعة من الخلايا.

أنشأ الفريق نموذجاً باستخدام الخلايا الجذعية البشرية متعددة القدرات (hPSCs) إلى جانب فئران المختبر. والخلايا الجذعية متعددة القدرات هي خلايا جذعية بالغة غير متمايزة تم تحفيزها لتكون أشبه بالخلايا الجذعية الجنينية.

وفي عام 2006 اكتشف شينيا ياماناكا طريقة الخلايا الجذعية المحفزة متعددة القدرات (iPSCs). وتمتلك هذه الخلايا الخاصة القدرة على التحول إلى أي نوع من الخلايا في جسم الإنسان، فضلاً عن تجديد نفسها.

واكتشفوا أنه أثناء تكوين المعيدة (مرحلة تكوين المعدة الجنينية)، ينشأ سلَفان دماغيان في الوقت نفسه وبالتوازي. وتكوين المعيدة هو المرحلة أثناء التطور الجنيني التي تحول الجنين من كرة مجوفة أحادية الطبقة من الخلايا، تُسمى الكيسة الأريمية، إلى معيدة متعددة الطبقات.

ويقدّر الباحثون أن عملية التطور المزدوج المتوازي هذه تعود إلى نحو 550 إلى 600 مليون سنة مضت، وأنها موجودة لدى العديد من الأنواع مثل الرئيسيات، والسمك المخطط، والفئران، والدجاج، وديدان البلوط.

وقد يكون هذا الاكتشاف محفزاً لتحول مهم في علم الأعصاب وعلم النفس والطب النفسي والطب. علاوة على ذلك، قد تؤدي القدرة على نمذجة خلايا عصبية وظيفية للدماغ الخلفي إلى تسريع تطوير علاجات جديدة لأمراض واضطرابات الدماغ في المستقبل.


هل يعرف الذكاء الاصطناعي أنه لا يعرف؟

ما لا تستطيع البيانات وحدها أن تعلّمه... حين تتحدث الخبرة الإنسانية
ما لا تستطيع البيانات وحدها أن تعلّمه... حين تتحدث الخبرة الإنسانية
TT

هل يعرف الذكاء الاصطناعي أنه لا يعرف؟

ما لا تستطيع البيانات وحدها أن تعلّمه... حين تتحدث الخبرة الإنسانية
ما لا تستطيع البيانات وحدها أن تعلّمه... حين تتحدث الخبرة الإنسانية

على مدى عقود، قيس تقدم الذكاء الاصطناعي في الغالب بما يستطيع فعله: كم سؤالاً يجيب عنه؟ وكم صورة يستطيع تفسيرها؟ وما مدى دقته في التنبؤ أو التشخيص؟ لكن سؤالاً مختلفاً بدأ يفرض نفسه على الباحثين: هل يستطيع النظام أن يعرف متى لا تكون لديه إجابة موثوقة؟

المشكلة في الذكاء الاصطناعي ليست أن يخطئ فحسب، بل أن يقدم أحياناً إجابة خاطئة بثقة توحي بأنها صحيحة. وفي المجالات الحساسة كالطب، يصبح الفرق جوهرياً؛ إذ إن النظام الذي يستطيع الإشارة إلى عدم يقينه قد يكون أكثر أماناً من نظام يعطي إجابة حاسمة عندما لا تكون الأدلة كافية.

ولهذا، يحاول اتجاه بحثي متنامٍ تطوير نماذج لا تكتفي بإنتاج الإجابة، بل تستطيع أيضاً تقدير مدى الثقة بها والتعبير عن عدم اليقين عندما تتجاوز المسألة حدود ما تستطيع معرفته بصورة موثوقة. وهنا يتغير السؤال. فبدلاً من أن نسأل فقط: هل يستطيع الذكاء الاصطناعي أن يجيب؟ يصبح السؤال الأكثر إثارة: هل يستطيع أن يعرف حدود ما يعرف... ومتى ينبغي له أن يقول «لا أعلم»؟

ما وراء المعرفة... حين يتعلّم الذكاء الاصطناعي معرفة حدود يقينه

من الذكاء إلى «ما وراء المعرفة»

• «ما وراء المعرفة». يطلق علماء الإدراك على قدرة الإنسان على التفكير في تفكيره وتقييم مدى ثقته بما يعرف اسم «الميتا معرفة» (Metacognition)، أو «ما وراء المعرفة». وهي التي تساعدنا على التمييز بين ما نعرفه بثقة، وما نرجحه، وما لا نملك عنه معلومات كافية.

وتظهر أهمية هذه القدرة بوضوح في الطب؛ فالطبيب الخبير لا يتميز بأنه يعرف الإجابة عن كل حالة، بل بأنه يدرك أيضاً متى لا تكفي الأدلة لاتخاذ قرار آمن؛ فيطلب فحصاً إضافياً، أو يعيد النظر في التشخيص، أو يستشير زميلاً قبل اتخاذ قرار قد يؤثر في حياة المريض. فمعرفة حدود اليقين جزء أساسي من الحكم السريري الرشيد.

واليوم، يحاول الباحثون بناء شيء يشبه هذه القدرة وظيفياً داخل أنظمة الذكاء الاصطناعي؛ ليس بأن تصبح الآلة واعية بما تعرفه، بل بأن تستطيع تقدير مدى موثوقية إجابتها، والتعبير عن عدم اليقين عندما لا تملك أساساً كافياً للإجابة بثقة.

وهنا تكمن الفكرة الجديدة: قد لا يكون الجيل الأكثر أماناً من الذكاء الاصطناعي هو الذي يجيب دائماً، بل الذي يستطيع أيضاً أن يتعرف على المواقف التي ينبغي فيها ألا يجيب بثقة.

• تعليم الآلة أن تقول: «لا أعلم». في دراسة بحثية نُشرت في 30 يونيو (حزيران) 2026 على منصة الأبحاث العلمية «arXiv»، طوّر فريق بقيادة الباحثة غابرييل كايلي ماي ليو إطاراً جديداً أطلق عليه «التعلّم المعزَّز بالتغذية الراجعة الميتا معرفية» (Reinforcement Learning with Metacognitive Feedback – RLMF)، بهدف معالجة مشكلة أساسية في النماذج اللغوية: أن تبدو واثقة من إجابتها حتى عندما تكون هذه الإجابة غير موثوقة.

ولا يعلّم هذا النهج الآلة «الوعي» بجهلها بالمعنى الإنساني، بل يدربها على تقدير أدائها بصورة أفضل ومواءمة مستوى الثقة الذي تعبّر عنه مع درجة عدم اليقين. وأظهرت التجارب أن هذا الأسلوب حسّن معايرة الثقة، وتفوّق على أساليب التعلم المعزز التقليدية بما يصل إلى 63 في المائة في بعض المقارنات، من دون التضحية بدقة الإجابات.

حين يعرف الذكاء الاصطناعي متى يتوقف... يبدأ دور الإنسان

ولم يبق السؤال محصوراً في دراسة واحدة؛ ففي 13 يوليو (تموز) 2026، نُشرت على «arXiv» مراجعة بحثية بعنوان Metacognition in LLMs: Foundations، Progress، and Opportunities، تناولت بصورة شاملة ما وصل إليه البحث في «الميتا معرفة» لدى النماذج اللغوية. وخلص الباحثون إلى أن المجال بدأ يطور طرقاً لقياس قدرة النماذج على مراقبة أدائها وتقدير عدم اليقين وتعديل سلوكها، لكن سؤالاً أساسياً ما زال مفتوحاً: متى، وكيف، وإلى أي مدى تستطيع هذه النماذج إظهار سلوك ميتا معرفي فعّال؟ وفي 15 أغسطس (آب) 2026، ظهر على «arXiv» بحث أحدث قدّم إثباتاً أولياً للمفهوم لإطار ميتا معرفي يجعل مجموعة من النماذج تراقب مؤشرات في أدائها، مثل احتمال صحة الإجابة ووجود معلومات متعارضة وتعقيد المشكلة، ثم تستخدم هذه الإشارات لتحديد ما إذا كانت المهمة تستدعي معالجة أكثر تدبراً. ولا يمثل ذلك بعدُ حلاً جاهزاً للاستخدام السريري، لكنه يكشف عن اتجاه البحث: ألا يكون الهدف فقط جعل النموذج أكثر قدرة على الإجابة، بل أكثر قدرة على تمييز الحالات التي لا تكفي فيها إجابته أو تحتاج إلى مزيد من التفكير والمعلومات.

وهنا تكمن أهمية التحول؛ فبدلاً من مكافأة النظام دائماً لأنه قدّم إجابة، قد يصبح أحد معايير جودة الذكاء الاصطناعي مستقبلاً قدرته على التوقف عندما لا تكفي الأدلة، أو طلب معلومات إضافية، أو الإفصاح عن عدم اليقين بدلاً من ملء الفراغ بإجابة واثقة.

• الثقة لا تقل أهمية عن الدقة. في الطب، لا تكفي الإجابة الصحيحة وحدها؛ فجزء أساسي من القرار السريري هو معرفة مدى قوة الأدلة التي تستند إليها، ودرجة الثقة التي تستحقها. فالطبيب الخبير قد يرجّح تشخيصاً معيناً، لكنه لا يتعامل مع كل الاحتمالات بالدرجة نفسها من اليقين. وقد يطلب تصويراً إضافياً أو تحليلاً مخبرياً، أو يستشير زميلاً، عندما يدرك أن المعلومات المتاحة لا تكفي لاتخاذ قرار آمن. وهنا لا يكون التردد ضعفاً في المعرفة، بل جزءاً من سلامة القرار الطبي.

حين يتعلّم الذكاء الاصطناعي أن يقول «لا أعلم»

وتواجه أنظمة الذكاء الاصطناعي مشكلة مشابهة، ولكن بصورة مختلفة؛ فقد ينتج النموذج إجابة صحيحة، وقد ينتج في أحيان أخرى معلومة غير صحيحة أو غير مدعومة، فيما يُعرف عادةً بـ«الهلوسة». والمشكلة الأكثر حساسية أن صياغة الإجابة قد تبدو واثقة ومقنعة حتى عندما تكون خاطئة.

ولهذا يميز الباحثون بين دقة الإجابة ومعايرة الثقة (confidence calibration)، فإذا قال النظام إنه واثق بنسبة مرتفعة، فهل تتوافق هذه الثقة فعلاً مع احتمال أن تكون إجابته صحيحة؟ وكلما اتسعت الفجوة بين الثقة والدقة، ازدادت احتمالات أن يثق المستخدم بإجابة لا تستحق هذه الثقة.

وفي الطب، تصبح هذه المسألة أكثر من مشكلة تقنية. فالنظام الآمن لا ينبغي أن يكون جيداً فقط في الحالات التي يعرفها، بل أن يكون قادراً أيضاً على رفع إشارة تحذير عندما تخرج الحالة عن نطاق موثوقيته، أو عندما لا تكفي المعلومات المتاحة لاتخاذ قرار.

الخبرة البشرية أعمق من البيانات

• ما لا تستطيع البيانات أن تعلّمه. لكن معرفة حدود الإجابة تفتح سؤالاً أعمق: هل كل ما يعرفه الإنسان يمكن تحويله أصلاً إلى بيانات وقواعد قابلة للتعلم؟

منذ قرون، انشغل الفلاسفة بطبيعة المعرفة وحدودها. ومن ابن رشد، الذي جعل للعقل والبرهان مكانة مركزية في النظر، إلى الفيلسوف والعالم مايكل بولاني الذي صاغ في القرن العشرين مفهوم «المعرفة الضمنية (Tacit Knowledge)»، واختصر فكرته بعبارته الشهيرة: «نعرف أكثر مما نستطيع أن نقول». فالخبرة المهنية لا تتكون من الكتب والمعلومات الصريحة وحدها. إنها تتشكل أيضاً من آلاف المواقف المتراكمة، ومن ملاحظة أنماط دقيقة قد يصبح الخبير قادراً على التقاطها قبل أن يستطيع شرح الأسباب التي قادته إليها بصورة كاملة.

قد يدخل طفل إلى قسم الطوارئ، وتبدو بعض قياساته الأولية ضمن الحدود المطمئنة، لكن طبيب الأطفال الخبير يلاحظ في مظهره أو سلوكه أو طريقة تنفسه شيئاً يدفعه إلى عدم الاطمئنان. وما نسميه أحياناً «الحدس السريري»، قد لا يكون حدساً غامضاً، بل حصيلة سنوات من التعرض لحالات وأنماط أصبحت جزءاً من الحكم المهني السريع.

وهنا يظهر تحدٍّ مختلف أمام الذكاء الاصطناعي؛ فالخوارزمية تستطيع التعلم من كميات هائلة من البيانات الممثلة رقمياً، لكن الخبرة البشرية تحتوي أيضاً على معرفة سياقية وضمنية يصعب أحياناً تدوينها وقياسها وتحويلها إلى بيانات تدريبية.

ولذلك، قد لا يكون السؤال فقط: كيف نعلّم الآلة مزيداً مما نعرف؟ بل أيضاً: كيف نعلّمها التعامل مع ما لم نستطع نحن أنفسنا تحويله إلى بيانات واضحة؟

• هل تعرف الآلة فعلاً حدود معرفتها؟ الإجابة حتى الآن: ليس بالمعنى الذي يعرف به الإنسان حدود معرفته؛ فالأبحاث الحديثة تشير إلى أن النماذج اللغوية يمكن تدريبها على تقدير درجة عدم اليقين في إجاباتها ومعايرة مستوى الثقة بها بصورة أفضل. لكن ذلك لا يعني أن النموذج أصبح واعياً بما يعرف وما يجهل، ولا أن تقديره لعدم اليقين يماثل إدراك الإنسان لحدود معرفته.

وهنا ينبغي التمييز بين نوعين مختلفين من «عدم المعرفة»؛ الأول عدم يقين يمكن تقديره حسابياً: كأن تكون الأدلة متعارضة، أو تكون احتمالات عدة إجابات متقاربة، أو تواجه الخوارزمية حالة تختلف عما تدربت عليه. وهذا هو المجال الذي تحاول تقنيات المعايرة والميتا معرفة الاصطناعية تحسينه.

أما المستوى الآخر فأكثر تعقيداً: المعرفة التي لم تدخل البيانات أصلاً، أو السياق الذي لم يُمثَّل فيها، أو الخبرة الضمنية التي يصعب تحويلها إلى أرقام وكلمات. وهنا لا تكفي زيادة ثقة النموذج أو خفضها؛ لأن النظام قد لا يمتلك أساساً ما يخبره بأن شيئاً مهماً غائب عن الصورة.

وهذا هو الفارق الجوهري: يمكن للذكاء الاصطناعي أن يصبح أفضل في تقدير عدم يقينه فيما يستطيع معالجته، لكن ذلك لا يعني أنه أصبح قادراً على إدراك جميع حدود المعرفة التي لم تصل إليه. وبصياغة أبسط: قد تتعلم الآلة أن تقول: «لا أعلم» عندما تشك في إجابتها، لكن التحدي الأصعب هو أن تعرف متى ينبغي لها أن تشك أصلاً.

• الإنسان يرى ما قد لا تراه الخوارزميات. من المرجح أن تصبح النماذج المستقبلية أفضل في تقدير عدم اليقين والتعبير عنه، وقد يكون هذا التطور في المجالات الحساسة، وفي مقدمتها الطب، مهماً بقدر تحسين الدقة نفسها. فالنظام الذي يعرف متى يخفض ثقته، أو يطلب معلومات إضافية، أو يحيل القرار إلى الإنسان، قد يكون أكثر أماناً من نظام يسعى إلى تقديم إجابة في كل مرة.

متى تكون «لا أعلم» الإجابة الأكثر أماناً... والخبرة البشرية أعمق من البيانات؟