أيّ سيناريو في غزّة؟

فلسطينيون نزحوا من خان يونس إلى رفح الثلاثاء (د.ب.أ)
فلسطينيون نزحوا من خان يونس إلى رفح الثلاثاء (د.ب.أ)
TT

أيّ سيناريو في غزّة؟

فلسطينيون نزحوا من خان يونس إلى رفح الثلاثاء (د.ب.أ)
فلسطينيون نزحوا من خان يونس إلى رفح الثلاثاء (د.ب.أ)

لم تعد الحرب في غزّة إلى المربّع الأولّ. لا بل تخطّته وأصبحت في مرحلة متقدّمة. فظروف الوقفة الإنسانيّة خلقتها ظروف المعركة، فكانت منظومة القواعد (Regime) التي أدارت اللعبة بين «حماس» وإسرائيل، وبالواسطة بالطبع. ملكت «حماس» شيئاً حيوياً تريده إسرائيل، من رهائن وأسرى. فانصاعت إسرائيل مرغمةً للقبول بالوقفة الإنسانيّة. وعندما تلكّأت «حماس»، عجزاً أو عن قصد، في تلبية طلبات إسرائيل، عاد المدفع إلى دويّه. فهل كانت «حماس» تسيطر بالكامل على موضوع الرهائن، بالإدارة كما التفاوض؟ وهل فعلاً كانت تُدار أمور التفاوض من «حماس» فقط؟ أم تشاركت مع التنظيمات الأخرى، خصوصاً «الجهاد الإسلاميّ»؟ وهل هناك قطبة مخفيّة إقليميّة لدى «الجهاد الإسلاميّ» عقّدت موضوع التفاوض على الرهائن؟

لكن الذي لا يمكن لإسرائيل استرداده بسهولة هو منظومة الردع تلك التي لا يمكن لإسرائيل أن تقوم من دونها. فالصفعة تركت أثراً لن يُمحى في سجّل الهزائم الإسرائيليّة.

إذاً، هناك ظروف جديدة لأرض المعركة، كما للديناميكيّة السياسيّة المتعثّرة. وعليه، لا بد من إنتاج منظومة قواعد جديدة (New Regime)، ترتكز عليها الإدارة السياسيّة للعمليّة العسكريّة. لكن إنتاج منظومة القواعد الجديدة، يُحتّم رسم خرائط جديدة لتوزيع القوّة على مسرح الحرب. وهو فعلاً ما يحصل. فإسرائيل فاوضت في الدوحة، وحملت العصا في قطاع غزّة.

العملية العسكرية الإسرائيلية متواصلة ضد قطاع غزة (أ.ف.ب)

الأهداف الأميركيّة بين السطور

تفاوض أميركا في الدوحة عبر الخبير ويليام بيرنز مدير «س آي إيه». ويزور وزير خارجيّتها دولة إسرائيل. كما يطلب الرئيس بايدن حماية المدنيين الفلسطينيّين في حال الهجوم على جنوب القطاع. كما تعرض واشنطن عضلاتها في كلّ أرجاء منطقة الشرق الأوسط، بهدف ردع من تسوّل له نفسه الاستفادة من الحرب في غزّة. وهنا تتظهّر لغّة العصا والجزرة الأميركيّة. لكن من خلال قراءة تحليليّة للسلوك والخطاب الأميركيّين قد يمكن استنتاج ثلاثة خطوط عريضة للاستراتيجية الأميركيّة وهي:

• حماية إسرائيل ولجمها في الوقت نفسه.

• السماح بضرب حركة «حماس»، خصوصاً في البُعد العسكريّ، وبشكل لا تعود معه قادرة على تهديد أمن إسرائيل. وإذا تحقّق هذا الهدف، تكون «حماس» قد أُخرجت مما تُسمّى وحدة الساحات.

• وأخيراً وليس آخِراً، وفي حال نجاح الهدفين الأوّلين، قد يمكن للولايات المتحدة فتح باب الحلّ السياسيّ للقضيّة الفلسطينيّة.

السيناريو المُحتمل

يطول القصف الإسرائيليّ، بعد تجدّد القتال، كلاً من شمال غزة، مثل جباليا، كما جنوبها، وبخاصة خان يونس. فكيف سيكون عليه السيناريو المحتمل؟

مبنى دمرته الغارات الإسرائيلية على دير البلح بوسط قطاع غزة الثلاثاء (إ.ب.أ)

• من المنطقي والأسهل أن تبدأ إسرائيل من حيث توقّفت قبل الوقفة الإنسانيّة، أي من استكمال التطويق الكامل لمدينة غزّة، ومن ثم العمل على تقطيعها إلى مناطق صغيرة والتعامل معها كلّها وفي نفس الوقت.

• لا يمكن لإسرائيل أن تخوض هجومين في نفس الوقت على كلٍّ من مدينة غزّة، كما خان يونس. ويعود السبب إلى محدوديّة العديد العسكريّ للجيش الإسرائيليّ (169 ألف جندي في الخدمة الفعليّة). كما إلى حتميّة توزيع الجهد العسكريّ على جبهتين -شمال وجنوب.

• لا تجرؤ إسرائيل على زجّ كل جيشها في الخدمة الفعليّة، والمتمرّس على جبهتين في قطاع غزّة. فماذا لو فتحت جبهة لبنان عليها؟ ألا يحتّم التخطيط العسكريّ أن تؤّخذ كل السيناريوهات المحتملة في الحسبان؟

• لذلك قد يمكن اختصار السيناريو الأكثر احتمالاً على الشكل التالي:

o فصل القطاع إلى جنوب وشمال وبشكل كامل، مع تهجير أغلب السكان إلى الجنوب، حيث حُضّر الملاذ الآمن، كما المستشفيات الميدانيّة، في البر كما في البحر.

o استكمال عملية تطويق مدينة غزّة، والعمل على تدمير كلّ البنى التحتيّة لحركة «حماس»، من أنفاق، وقيادات وغيرها.

o السعي لتطويق خان يونس بالكامل، واقتراح التفاوض، على غرار ما حصل في بيروت عام 1982، مع الاختلاف الكامل بين الحالتين.


مقالات ذات صلة

أوسع اغتيالات إسرائيلية في غزة منذ بدء حرب إيران

المشرق العربي فلسطينيتان تبكيان بعد تدمير خيمتهما في غارة إسرائيلية بالنصيرات وسط غزة يوم الاثنين (أ.ب)

أوسع اغتيالات إسرائيلية في غزة منذ بدء حرب إيران

وسّعت إسرائيل اغتيالاتها لنشطاء «كتائب القسام»، الجناح المسلح لحركة «حماس» في غزة، وشنت أوسع غاراتها ضد القطاع منذ بدء الحرب على إيران، وقتلت 7 أشخاص.

«الشرق الأوسط» (غزة)
خاص المرشد الإيراني الراحل على خامنئي يستقبل زعيم «حماس» الراحل إسماعيل هنية وقائد حركة «الجهاد» زياد النخالة في طهران يوليو 2024 (أ.ف.ب)

خاص «قادتها يتحركون بين 3 دول»... ما الملاذات المتبقية لحركة «الجهاد»؟

فرضت الحرب الأميركية- الإسرائيلية ضد إيران متغيرات كبيرة على مستوى الفصائل الفلسطينية المدعومة من طهران، وأبرزها «الجهاد الإسلامي» التي تضررت أمنياً ومالياً.

«الشرق الأوسط» (غزة)
خاص خيام نازحين فلسطينيين في مدينة غزة (رويترز)

خاص «حماس» تحبط هجوماً لـ«عصابة مسلحة» في مدينة غزة

كشفت مصادر أمنية في قطاع غزة عن إحباط مخطط لعصابة مسلحة حاولت تنفيذه في عمق غرب مدينة غزة، بالمناطق الواقعة تحت سيطرة حركة «حماس».

«الشرق الأوسط» (غزة)
المشرق العربي مبانٍ وسيارات متضررة في أعقاب الغارات الجوية الإسرائيلية على بيروت (رويترز) p-circle

مقتل قيادي في «حماس» بضربة إسرائيلية في شمال لبنان

أفاد الإعلام الرسمي اللبناني بمقتل قيادي في «حماس» بضربة نفّذتها مسيّرة إسرائيلية في شمال لبنان، اليوم الخميس.

«الشرق الأوسط» (بيروت)
تحليل إخباري حريق في مبنى متضرر بعد غارة جوية إسرائيلية على الضاحية الجنوبية لبيروت فجر الاثنين (أ.ف.ب)

تحليل إخباري اتساع جبهات الحرب الإيرانية يهدد «اتفاق غزة» ويوسع الخروقات

دخلت جبهة لبنان دائرة الحرب الإيرانية، بعد تبادل إسرائيل و«حزب الله» الموالي لطهران الضربات، بينما لا يزال اتفاق وقف إطلاق النار في قطاع غزة تحت الخروقات.

محمد محمود (القاهرة)

مبادرة الرئيس اللبناني لوقف النار تحفّز المباحثات الداخلية والدولية

الرئيس اللبناني جوزيف عون يستقبل وزيرة الشؤون الاجتماعية حنين السيد (الرئاسة اللبنانية)
الرئيس اللبناني جوزيف عون يستقبل وزيرة الشؤون الاجتماعية حنين السيد (الرئاسة اللبنانية)
TT

مبادرة الرئيس اللبناني لوقف النار تحفّز المباحثات الداخلية والدولية

الرئيس اللبناني جوزيف عون يستقبل وزيرة الشؤون الاجتماعية حنين السيد (الرئاسة اللبنانية)
الرئيس اللبناني جوزيف عون يستقبل وزيرة الشؤون الاجتماعية حنين السيد (الرئاسة اللبنانية)

حرّكت مبادرة الرئيس اللبناني جوزيف عون، الجمود السياسي الذي كان قائماً حيال الحرب القائمة، وأوجَدَت أرضية لمحادثات دولية وداخلية، سرعان ما انعكست تفعيلاً لاتصالات خارجية ومحلية، وفي مقدمها لقاء عقد بين المعاونين السياسيين لرئيس البرلمان نبيه بري وأمين عام «حزب الله» نعيم قاسم، واستقبال بري لرئيس الحكومة نواف سلام الذي كان قد التقى الرئيس عون الثلاثاء.

رئيس البرلمان اللبناني نبيه بري يستقبل رئيس الحكومة نواف سلام (رئاسة مجلس النواب)

وتكثّف الحراك السياسي والدبلوماسي، بدءاً من يوم الثلاثاء، بعدما أعلن عون عن مبادرة لإرساء هدنة كاملة مع وقفٍ لكل الاعتداءات الإسرائيلية على لبنان، وهي المبادرة الأولى التي سلكت طريقها إلى النقاشات، حتى مع «حزب الله» عبر رئيس البرلمان نبيه بري، كما قوبلت بتأييد لبناني واسع. وتنص المبادرة على أن يسيطر الجيش اللبناني على مناطق التوتر الأخير، ويصادر السلاح منها، وينزع سلاح «حزب الله» ومخازنه ومستودعاته، ثم يبدأ لبنان وإسرائيل، بالتزامن، مفاوضات مباشرة برعاية دولية، للتوصل إلى تنفيذ تفاصيل كل ما سبق.

تعنّت إسرائيلي وملاحظات أميركية

ومع أن التسريبات الأولى من إسرائيل، تفيد بأنها لن توافق على المبادرة، وهي تصرّ على مواجهة «حزب الله» بجيشها، إلا أن ذلك لا يعني أن المبادرة تعرضت لضربة، بالنظر إلى أن الاتصالات الدولية لا تزال قائمة وتتفعل يومياً وتتوسع، في مساعٍ من أجل الوصول إلى نقاط مشتركة يمكن أن توقف الحرب.

وقالت مصادر وزارية مقربة من الرئاسة اللبنانية، إن لبنان «لم يتبلّغ رسمياً من إسرائيل بأنها لم توافق، بل جرى ذلك عبر تسريبات»، كما «لم يتبلغ لبنان من الولايات المتحدة أي رفض للمبادرة، بل وصل بيروت أن هناك ملاحظات أميركية على المبادرة» من غير الدخول في تفاصيلها. وقالت المصادر لـ«الشرق الأوسط» إن لبنان «ينتظر، فالاتصالات لم تنتهِ، والخطوط مفتوحة مع كل الأطراف الفاعلة والمؤثرة بالوضع اللبناني»، مشدّدة على أن «مبادرة الرئيس عون مستمرة، والرئيس يتابع الملف، ولا يوقف الاتصالات والجهود للوصول إلى حل لوقف الحل».

ولم تتبلغ مبعوثة الأمم المتحدة إلى لبنان، جينين هينيس بلاسخارت التي تزور تل أبيب، رفضاً إسرائيلياً رسمياً للمبادرة، وهي لا تزال في تل أبيب تواصل اللقاءات، بعد اللقاء بوزير الخارجية الإسرائيلي جدعون ساعر الثلاثاء، قال فيها إن إضعاف «حزب الله» يشكل مصلحة مشتركة لكل من إسرائيل ولبنان، علماً بأن بلاسخارت تضطلع بمهمة التواصل المباشر مع الجانب الإسرائيلي، في وقت كان الجانب الأميركي، حتى يوم الاثنين الماضي، يتجاهل ملف أي محادثات مع إسرائيل بشأن الحرب ضد «حزب الله».

تفعيل اتصالات داخلية

وأعادت المبادرة تفعيل الاتصالات في الداخل، إذ بدا لافتاً زيارة السفير الأميركي ميشال عيسى لرئيس البرلمان نبيه بري، للمرة الأولى منذ بدء الجولة الأخيرة من الحرب، فيما عقد سلام محادثات مع بري، الذي عقد مباحثات أيضاً مع مستشار الرئيس عون، العميد أندريه رحال... وقالت مصادر مطلعة على الحراك لـ«الشرق الأوسط» إن بري «طلب استيضاحات حول مبادرة عون، ويتشاور بها مع (حزب الله)»، إذ كلف معاونه السياسي النائب علي حسن خليل بالتواصل مع الحزب، وقد التقى خليل مع المعاون السياسي لأمين عام «حزب الله»، حسين الخليل في أول لقاء بعد صدور المبادرة.

رئيس البرلمان نبيه بري يستقبل مستشار الرئيس عون العميد أندريه رحال (رئاسة مجلس النواب)

تأييد داخلي

وحظيت مبادرة عون، حسب المصادر، بتأييد داخلي واسع من معظم الأطراف السياسية والمرجعيات الدينية، سهلت عبورها إلى مستوى النقاشات على المستوى الداخلي، وصولاً للنقاش مع «حزب الله». وظهر هذا الدعم من مجموعة مؤشرات، أبرزها دعم رئيس الحكومة، ورئيس الحكومات السابقين الذين أعلنوا الثلاثاء: «دعمنا الكامل للجهود التي يقوم بها الرئيس عون، والرئيس سلام، وبتأييد من الرئيس بري لدى جميع المراجع الدولية والدول الصديقة والشقيقة لوقف العدوان الإسرائيلي على لبنان».

وقالت مصادر وزارية مواكبة للحراك لـ«الشرق الأوسط»: «في الداخل، هناك تأييد واسع وارتياح للمبادرة من معظم القوى السياسية، وهو موقف مهم يسهم في إعطاء المبادرة زخماً دولياً»، رغم أن التفاعل الدولي في هذه الأوقات، يمكن أن يسهم في الضغط على إسرائيل التي ترفض النقاش في أي مسعى من أجل وقف الحرب في الوقت الحاضر، مطالبة بالقضاء على «حزب الله» وتجريده من سلاحه.

الرئيس عون يستقبل الرئيس سلام في القصر الجمهوري (الرئاسة اللبنانية)

وفيما تحدثت معلومات عن أن الأطراف الدولية تطالب الدولة اللبنانية بتجريم الحزب ككيان سياسي، نفت مصادر وزارية قريبة من الرئاسة اللبنانية أن يكون أي طرف دولي، فاتح الرئيس عون بملف تمثيل «حزب الله» في الحكومة اللبنانية، مشيراً إلى أن التركيز الدولي «يتركز على الجناح العسكري لـ(حزب الله) وليس الجناح السياسي».


قائد الجيش اللبناني من الجنوب: عازمون على بسط سلطة الدولة على جميع أراضيها

قائد الجيش العماد رودولف هيكل في قيادة لواء المشاة السابع في مرجعيون حيث اطّلع على الوضع العملاني في قطاع جنوب الليطاني (قيادة الجيش)
قائد الجيش العماد رودولف هيكل في قيادة لواء المشاة السابع في مرجعيون حيث اطّلع على الوضع العملاني في قطاع جنوب الليطاني (قيادة الجيش)
TT

قائد الجيش اللبناني من الجنوب: عازمون على بسط سلطة الدولة على جميع أراضيها

قائد الجيش العماد رودولف هيكل في قيادة لواء المشاة السابع في مرجعيون حيث اطّلع على الوضع العملاني في قطاع جنوب الليطاني (قيادة الجيش)
قائد الجيش العماد رودولف هيكل في قيادة لواء المشاة السابع في مرجعيون حيث اطّلع على الوضع العملاني في قطاع جنوب الليطاني (قيادة الجيش)

أكّد قائد الجيش العماد رودولف هيكل «العزم على بسط سلطة الدولة على جميع أراضيها عملاً بقرار السلطة السياسية»، مقرّاً بأن «المرحلة صعبة والتحديات كبيرة».

وأتت مواقف هيكل خلال تفقده قيادة لواء المشاة السابع في ثكنة فرنسوا الحاج - مرجعيون، حيث اطّلع على الوضع العملاني في قطاع جنوب الليطاني، والتقى الضباط والعسكريين، منوّهاً بصمودهم وتضحياتهم وسط استمرار الاعتداءات الإسرائيلية التي تطول مناطق مختلفة من لبنان، وتؤدي إلى وقوع شهداء وجرحى.

كما زار بلدة القليعة الجنوبية، معزياً بكاهن رعيّتها الأب بيار الراعي، ما شكّل رسالة واضحة إلى الأهالي بأن الدولة، عبر مؤسستها العسكرية، حاضرة إلى جانبهم في لحظة تتعاظم فيها المخاوف من دفع هذه القرى إلى النزوح أو تفريغها من سكانها.

وأكّد هيكل «أن الجيش هو الحلّ لخلاص لبنان، وضمانة وحدته»، معتبراً أنّ حملات التجنّي لن تثني المؤسسة عن أداء واجبها. وقال: «نحن عازمون على بسط سلطة الدولة على جميع أراضيها عملاً بقرار السلطة السياسية، وملتزمون بالمصلحة الوطنية العليا حفاظاً على وحدة لبنان وأبنائه». وأضاف: «المرحلة صعبة، والتحديات كبيرة، لكنْ تبقى عزيمتنا وقوّتنا وإيماننا بقدسية مهمتنا هي الأساس لنجاحنا». وختم داعياً العسكريين إلى اليقظة وعدم الأخذ بالشائعات التي تحاول النيل من المؤسسة.

مختار القليعة: رسالة معنوية

وأتت زيارة هيكل إلى القليعة بعد استهداف محيط البلدة، حيث قتل الكاهن الراعي، وأصيب أيضاً عدد من الأشخاص بجروح، وهو ما انعكس خوفاً في صفوف سكان القرى المسيحية الحدودية الذين يعيشون أصلاً تحت وطأة القلق المتزايد من تداعيات الحرب، وهم الذين يرفضون ترك بلداتهم، خاصة بعدما كان قد سجّل أيضاً مقتل مواطن قبل أيام في بلدة علما الشعب أثناء عمله في أرضه.

قائد الجيش العماد رودولف هيكل معزياً بكاهن بلدة القليعة الأب بيار الراعي (قيادة الجيش)

وقال مختار بلدة القليعة، أمين سعيد، لـ«الشرق الأوسط»: «زيارة قائد الجيش إلى البلدة حملت بعداً معنوياً كبيراً بالنسبة إلى الأهالي الذي فرحوا كثيراً بوجوده بينهم»، مشيراً إلى أن العلاقة بين أبناء المنطقة والمؤسسة العسكرية متجذّرة منذ سنوات طويلة. وأوضح أن «أهل القليعة وأبناءها كانوا ولا يزالون في صفوف الجيش، لذلك نشعر أن الجيش هو جزء منا، ونحن جزء منه».

وأضاف أن الأهالي عبّروا لقائد الجيش خلال اللقاء عن واقع المعاناة التي يعيشونها في ظل الظروف الأمنية الصعبة، لافتاً إلى أن «قائد الجيش أكّد أن المؤسسة العسكرية إلى جانب أبناء المنطقة، ولن تتركهم».

وأشار المختار إلى أن الأهالي يشعرون اليوم بأنهم متروكون في بعض الأحيان، رغم تقديرهم جهود الجيش، موضحاً أن «الجيش لا يقصّر، لكننا ندرك أحياناً أن هناك حسابات وظروفاً تحول دون قدرته على التدخل بالشكل الذي يريده الناس».

وأكّد أن ثقة أبناء القليعة بالمؤسسة العسكرية كبيرة، معتبراً أن الجيش يبقى الضامن الأساسي للمواطنين. وقال: «الحكومات قد تتغيّر، لكن ما يمثل المواطن فعلياً هو الجيش. نحن مع الجيش بغضّ النظر عن أي اعتبارات، لأنه المؤسسة التي تمثلنا وتحمي الجميع».

طرد النائب إلياس جرادي

وفي ظل الضغوط التي يعيشها أهالي القليعة والبلدات المسيحية في الجنوب، انعكس وجود نائب المنطقة إلياس جرادي، الذي عرف في الفترة الأخيرة بمواقفه المؤيدة لـ«حزب الله»، توتراً في القرية حيث رفض الأهالي حضوره وعمدوا إلى طرده، وقالوا له صراحة بحسب ما أكد المختار أمين سعيد، إن «وجوده غير مرحب به، انطلاقاً من مواقفه الأخيرة، رغم أنهم حاول توضيع ذلك، لكن قوبل بالرفض من الأهالي».

ويأتي ذلك في وقت تعيش فيه القرى المسيحية في جنوب لبنان حالة من القلق المتزايد بعد تسجيل حوادث متعددة خلال هذه الحرب، وهي إضافة إلى مقتل الراعي والمواطن في بلدة علما الشعب، الاتصالات التحذيرية التي يتلقاها أهالي المنطقة، محذرة إياهم من عدم استقبال نازحين من الطائفة الشيعية، وملوّحة باستهداف القرى التي تستضيفهم.

وفي محاولة لتجنيب أهالي هذه المناطق وأهلها أي مخاطر محتملة، جرى في الأيام الأخيرة نقل عدد من النازحين الذين كانوا يقيمون في بلدة رميش، بعد التواصل مع الجهات الرسمية والأجهزة الأمنية، كما اتُّخذ قرار بإخلاء بلدة علما الشعب بسبب وضعها الجغرافي الحساس، إذ تحيط بها الأودية والأحراج، ما يجعلها أكثر عرضة لأي تسلل أو احتكاك أمني، وهو ما دفع الجهات المعنية إلى تفضيل إخراج السكان حفاظاً على سلامتهم.


لبنان يسلِّم الدفعة الأولى من السجناء السوريين قبل عيد الفطر

توقيع اتفاقية نقل السجناء إلى سوريا بالسراي الحكومي في بيروت يوم 6 فبراير الماضي (رئاسة الحكومة)
توقيع اتفاقية نقل السجناء إلى سوريا بالسراي الحكومي في بيروت يوم 6 فبراير الماضي (رئاسة الحكومة)
TT

لبنان يسلِّم الدفعة الأولى من السجناء السوريين قبل عيد الفطر

توقيع اتفاقية نقل السجناء إلى سوريا بالسراي الحكومي في بيروت يوم 6 فبراير الماضي (رئاسة الحكومة)
توقيع اتفاقية نقل السجناء إلى سوريا بالسراي الحكومي في بيروت يوم 6 فبراير الماضي (رئاسة الحكومة)

أنجز القضاء اللبناني الإجراءات القانونية لتسليم عشرات السجناء السوريين المحكومين في السجون اللبنانية إلى بلادهم، تمهيداً لاستكمال تنفيذ محكوميتهم هناك، وذلك تطبيقاً لاتفاقية التعاون القضائي التي أبرمت بين لبنان وسوريا في 6 فبراير (شباط) الماضي، والتي تتيح نقل المحكومين بين البلدين وفق شروط قانونية محددة.

إنهاء ملف نحو مائة سجين

وكشف مصدر قضائي بارز لـ«الشرق الأوسط» أن النيابة العامة التمييزية في لبنان، أنهت حتى الآن دراسة ملفات نحو مائة سجين سوري، تمهيداً لتسليمهم إلى السلطات السورية قبل حلول عيد الفطر، في خطوة تعكس تسارع العمل القضائي في هذا الملف الذي يحظى باهتمام رسمي من الجانبين اللبناني والسوري؛ مشيراً إلى أن «القضاء سيستكمل ملفات الباقين في غضون شهر أو أكثر، وتتم عمليات تسليم الباقين في نهاية شهر أبريل (نيسان) المقبل كحدٍّ أقصى».

وأوضح المصدر أن المحامي العام لدى محكمة التمييز القاضي أحمد رامي الحاج «يعكف على دراسة ملفات 342 سجيناً سورياً يرغبون في نقلهم إلى بلادهم لاستكمال تنفيذ العقوبات الصادرة بحقهم». وأشار إلى أن غالبية هذه الطلبات «قد استوفت الشروط القانونية المطلوبة، باستثناء 3 أو 4 ملفات فقط لا تزال قيد التدقيق»، مؤكداً أن «دراسة بقية الملفات يمكن أن تُنجز خلال فترة لا تتجاوز شهراً إذا استمرت وتيرة العمل الحالية».

شروط التسليم

وتخضع طلبات التسليم لشروط محددة بموجب الاتفاقية التي وقَّعها عن الجانب اللبناني نائب رئيس الحكومة طارق متري، وعن الجانب السوري وزير العدل مظهر الويس. وبيَّن المصدر القضائي اللبناني أن تقديم الطلبات «جري عبر 3 قنوات مختلفة: الأولى من خلال السجين نفسه الذي تقدم بطلب نقل بواسطة إدارة السجن الموجود فيه، والثانية عبر وكيله القانوني الذي يتولى متابعة الملف أمام الجهات القضائية المختصة، أما الثالثة فجاءت من خلال الدولة السورية التي أوفدت لجنة من المحامين لمتابعة أوضاع السجناء السوريين في لبنان، وتسريع إجراءات تقديم الطلبات، واستكمال المستندات المطلوبة».

وزير الخارجية السوري أسعد الشيباني مستقبلاً نائب رئيس مجلس الوزراء اللبناني طارق متري خلال إحدى زياراته لدمشق بحضور وزير العدل مظهر الويس تحضيراً لتوقيع اتفاقية نقل السجناء (سانا)

وتخضع هذه الطلبات لدراسة دقيقة من قبل القضاء اللبناني، للتأكد من استيفائها الشروط القانونية المنصوص عليها في الاتفاقية القضائية الموقعة بين البلدين. ومن أبرز هذه الشروط ألا يكون السجين محكوماً في قضايا أخرى داخل لبنان، وأن يكون قد أمضى مدة لا تقل عن 10 سنوات سجنية من محكوميته؛ خصوصاً في الجرائم الخطيرة مثل القتل أو الاتجار بالمخدرات. كما يتعين التأكد من عدم وجود تعويضات مالية شخصية مترتبة للمتضررين من الجريمة؛ إذ يشكل هذا الأمر أحد العوائق القانونية التي قد تحول دون نقل السجين.

ويشدد المصدر القضائي على أن هذه الضوابط «تهدف إلى ضمان احترام حقوق المتضررين من الجرائم المرتكبة، وفي الوقت نفسه الالتزام بالقواعد القانونية التي تحكم عملية نقل المحكومين بين الدول».

ويأتي هذا الملف في إطار التعاون القضائي بين بيروت ودمشق، والذي شهد زخماً بعد توقيع اتفاقية التعاون القضائي الأخيرة. وتبدي السلطات السورية اهتماماً واضحاً بتسريع نقل رعاياها المحكومين في لبنان، سواء لأسباب إنسانية تتعلق بوجودهم قرب عائلاتهم، أو لأسباب إدارية مرتبطة بإدارة المؤسسات العقابية.

المسؤولون اللبنانيون والسوريون خلال توقيع اتفاقية نقل السجناء من لبنان إلى سوريا في السراي الحكومي يوم 6 فبراير الماضي (رئاسة الحكومة)

وفي هذا السياق، أشار المصدر إلى أن وزارة العدل السورية «تمتلك قاعدة بيانات مفصلة عن السجناء السوريين في لبنان، وقد زودت القضاء اللبناني بلائحة إضافية تضم أسماء سجناء باتت تتوفر فيهم شروط النقل بعد توقيع الاتفاقية، ومن شأن هذه اللوائح أن تسهم في تسريع دراسة الملفات واتخاذ القرارات المناسبة بشأنها».

ومن المتوقع أن تتواصل عملية دراسة الطلبات خلال الأسابيع المقبلة، على أن يُصار تباعاً إلى استكمال الإجراءات القانونية اللازمة لنقل السجناء الذين تستوفي ملفاتهم الشروط المطلوبة، في خطوة قد تؤدي إلى تخفيف الاكتظاظ في السجون اللبنانية، وفي الوقت نفسه تفعيل آليات التعاون القضائي بين البلدين.