أرزة صنين للأمل والذاكرة

خليل أبو عبيد في مبادرة تطلقها «جامعة الروح القدس»

يوم التشجير يتجاوز التعلّق بالجذور إلى هدم اليأس (جامعة الروح القدس الكسليك)
يوم التشجير يتجاوز التعلّق بالجذور إلى هدم اليأس (جامعة الروح القدس الكسليك)
TT

أرزة صنين للأمل والذاكرة

يوم التشجير يتجاوز التعلّق بالجذور إلى هدم اليأس (جامعة الروح القدس الكسليك)
يوم التشجير يتجاوز التعلّق بالجذور إلى هدم اليأس (جامعة الروح القدس الكسليك)

توقّع الحضور السياسي والثقافي والأكاديمي، الآتي إلى أعالي منطقة بسكنتا في خراج بلدة المتين المطلة على جبل صنين، تساقُط أمطار نوفمبر (تشرين الثاني) الحبيسة في غيمها، لكنّ الطقس ظلَّ صيفياً، مجنّباً حاملي الأشجار لزرعها، حرَّ أشهر اللهب. ظنَّ المؤلّف الموسيقي والمغنّي خليل أبو عبيد أنّ الحدث ضيّق النطاق، يقتصر على طلاب دعتهم «جامعة الروح القدس الكسليك» لغرس شجر أرز بأسمائهم. فاجأه الوافدون من فعاليات، معظمهم من خرّيجي الجامعة الذائعة الصيت في التشجير وتكثيف الجمال الأخضر.

مديرة «مكتب التقدّم المؤسّساتي والعلاقات مع الخرّيجين» في الجامعة كوزيت القمر، والفريق، بذلا الجهد لنجاح الحدث المُتّخِذ أهميته من واقع أنّ المناخ يتغيّر والتصحّر يعمّ. قدم اللبنانيان إميل وسليم عقل أرضهما لاحتضان الأرز المستلقي في التربة الطيّبة، وراحت الأيدي تزرع وتضيف الماء لإعلان الحياة.

الفنان اللبناني خليل أبو عبيد يزرع أرزة باسمه في صنين (جامعة الروح القدس الكسليك)

يُنجز خليل أبو عبيد دكتوراه عن «الأغنية اللبنانية، تاريخ وهوية» على مقاعد الـ«USEK»، التي، وإحساساً بالطلاب وسط الهمّ الاقتصادي، أقامت حفلاً في دبي، سألته إحياءه بالغناء والتأليف، أمام جمْع لبناني وخليجي حضر لدعم التعليم الوطني والطلاب اللبنانيين. علاقتهما جيدة، وفي يوم التشجير دعته، فزرع أرزة تحمل اسمه؛ سقاها، وأودعها أمنية إطالة العمر.

يتحدّث لـ«الشرق الأوسط» عن بَرَكة أن تحضن الأرض زرعاً جديداً: «في الجامعة نحو 8 آلاف طالب، يضاف إليهم الخرّيجون. المبادرة عظيمة، فكل أرزة مزروعة تُجمّل المكان وترفع مستوى الوعي حيال أهمية حماية الغطاء البيئي ونشر ثقافة الشجرة على الأرض اللبنانية».

في كلمة سليم وإميل عقل، وسط الهواء المنعش وانسياب أشعة الشمس بلا إزعاج، تحدّثا عن ألفي شجرة زُرعت في المنطقة قبل 40 عاماً، حين كانا في عمر الشقاوة. يشاءان تكرُّر المشهد، فإذا بالأرز المزروع يحفر ذكريات الحاضر حيال مستقبل عساه واعداً للطلاب.

كوزيت القمر تشدّد على ضرورة التحرّك في مواجهة التغيّر المناخي (جامعة الروح القدس الكسليك)

كذلك مشيئة رئيس الجامعة الأب طلال الهاشم المُدرك أنّ طلاب اليوم هم مهاجرو الغد، فيسألهم ترك أثر في تراب الوطن، متمثّلاً بزرع أرزة في سفح جبل صنين المرتفعة أعلى قممه 2695 متراً عن سطح البحر، وهو ثاني أعلى قمم جبال لبنان، يتراءى من بعيد لسكان بيروت. ينقل عنه أبو عبيد قوله: «إلى الطلاب، إن زرتم لبنان ليومين فقط، جِدوا وقتاً لزرع شجرة. هذا دوركم وواجبكم».

تتجاوز المبادرة، بالنسبة إلى كوزيت القمر، المسألة الرمزية المتعلّقة بإعادة التشجير وترسيخ الجذور ورفض الاقتلاع. تقول لـ«الشرق الأوسط»: «إنها محاولة لهدم اليأس. ففعل الزرع ينطوي على أمل. ومن المهم أيضاً التصدّي لظاهرة الاحتباس الحراري. مبادرتنا دورية، نجدّدها كل 6 أشهر، وفي أبعد تقدير، كل سنة».

الطلاب واعون لأهمية التشجير والحفاظ على البيئة (جامعة الروح القدس الكسليك)

من موقعها في «الروح القدس» وحسّها الإنساني، تعلم أنّ الطلاب سيستقلّون الطائرة إلى الوُجهة الأخرى. «شهادتهم هي مشروعُ الحصول على تأشيرة»، تضيف بأسف. «لذا؛ نلوّن وطننا، فإن غادروا بقيت بصمتهم، ولأولادهم من بعدهم».

حضرت المبادرة ضمن خطط الجامعة منذ عام 2016، بيد أن الظروف لم تساعد في تحقيقها. كوزيت القمر والفريق انشغلا بما يعيد اتصال الجبال بعضها ببعض عبر المنظر الأخضر. ورغم اعتقاد بأنّ طالباً في 22 من العمر قد لا يكترث للتشجير، تؤكد العكس: «ننمّي فيهم حب الأرض وأهمية إنقاذ البيئة. وبينما يزرعون الأرز بأسمائهم، تسري في العروق قشعريرة وفي الحنجرة غصّة. أرادوا ألا يغادروا هذه الأرض، إنما للأحلام الكبيرة ضريبة».

لستة أشهر، جرى التحضير والتنظيم. مثل خليل أبو عبيد، تتكلّم عن «Vibes» لم يتوقعها أحد: «تنوّع الحضور بين رسمي وثقافي وأكاديمي وأمني، وسط إجماع على عظمة المبادرة. الوعي يكبُر، والمسألة ليست ترفيهية. إنها ديمومة الحياة على مستوى الكوكب».

تتخيّل المشهد في عام 2100: «إن استمرّت الحرائق وتواصل قطع الأشجار، فسيزداد التلوّث ويموت الزرع أمام واقع التغيّر المناخي. التوعية مهمّة، وللجامعات دور. لذا؛ ندعوها للاقتضاء بمبادرات مماثلة تعود بالسلامة على البيئة».

زرع أرز في المساحة الخالية لإنقاذ البيئة (جامعة الروح القدس الكسليك)

إن سهُل إقناع سليم وإميل عقل بالزرع في أرضهما، فآخرون لا يتحلّون بوعي يخوّل الانخراط في المبادرة. تشير القمر إلى «المعاناة»: «أفراد ومؤسّسات يفضّلون شجراً يتيح حصاد المحاصيل. يقترحون الصنوبر مثلاً لوهب أراضيهم. ولا يتحمّلون أي تكاليف. ذلك يُبيّن عدم أخذ المسألة على محمل الجد». يقول خليل أبو عبيد بمزيد من الصراحة: «ثمة مَن يفضّل إبقاء الأرض جرداء، على منحها لمبادرة بيئية. تعاني الجامعة لإقناع أصحاب الأراضي بتقديم المساحة المناسبة». لذا؛ يثني على «التجاوب الشعبي». برأيه، «الجامعة والجمعيات يحتاجان إلى الإيمان الواسع بواجب الإنسان حيال البيئة، فلا تبقى المبادرات حبراً على ورق».

للسنوات الخمس الأخيرة، تصدّرت «جامعة الروح القدس الكسليك» المرتبة الأولى بين الجامعات الخضراء في لبنان والشرق الأوسط، وفق كوزيت القمر. هذا العام، أزاحتها «الجامعة الأميركية في بيروت» إلى المرتبة الثانية: «نسعى إلى استرجاع موقعنا في أعلى القائمة. فالجامعة نظيفة، آمنة، خضراء بالكامل، تدوّر النفايات وتُفرز، وتقيم فيها العصافير بين أشجار لا شبيه لها في مكان آخر».


مقالات ذات صلة

«فصول السنة» في يوم واحد... اضطرابات جوية تضرب مصر

يوميات الشرق شارع جامعة الدول العربية الخميس (تصوير: عبد الفتاح فرج)

«فصول السنة» في يوم واحد... اضطرابات جوية تضرب مصر

ضربت مصر الخميس موجة قوية من الاضطرابات الجوية وعدم الاستقرار تمثلت في تصاعد كثيف للأتربة وتدهور ملحوظ بالرؤية الأفقية.

محمد السيد علي (القاهرة)
يوميات الشرق القاهرة شهدت سقوط أمطار غزيرة الأربعاء (أ.ف.ب)

أمطار رعدية بالمنطقة في فصل الربيع... ما علاقة التغير المناخي؟

تشهد الدول العربية واحدة من أبرز التقلبات الجوية الموسمية التي يشهدها فصل الربيع بالمنطقة، إذ يتقاطع فيها تأثير المنخفضات الجوية المقبلة من حوض البحر المتوسط.

أحمد حسن بلح (القاهرة)
العالم طرق مغطاة بالطين في جنوب شرقي البرازيل بعد هطول أمطار غزيرة (د.ب.أ)

مقتل 22 شخصاً على الأقل جراء أمطار غزيرة في البرازيل

كشفت السلطات المحلية اليوم الثلاثاء أن ما لا يقل عن 22 شخصاً لقوا حتفهم بعد هطول أمطار غزيرة على ولاية ميناس جيرايس جنوب شرقي البرازيل.

«الشرق الأوسط» (برازيليا)
يوميات الشرق الشتاء في فنلندا يستمر ما بين مائة ومائتي يوم (رويترز)

حيث لا يذوب الجليد: ما أكثر دول العالم برودة؟

تشهد ولايات عدة في شمال شرقي الولايات المتحدة حالياً عاصفة ثلجية قوية، دفعت السلطات إلى إصدار تحذيرات لأكثر من 40 مليون نسمة، بسبب سوء الأحوال الجوية.

«الشرق الأوسط» (بيروت)
يوميات الشرق حبات البن بعد جمعها من على الشجر قبل تحميصها (بيكسباي)

دراسة تحذر من تأثير موجات الحر على زراعة قهوة «أرابيكا»

في ضوء دراسة جديدة، حذرت المنظمة الأمريكية غير الربحية «كلايمت سنترال» من عواقب محتملة لزيادة أيام الحر على محاصيل القهوة في المناطق الاستوائية.

«الشرق الأوسط» (برلين)

رحيل حياة الفهد سيدة الشاشة الخليجية

تدهورت الحالة الصحية للفهد في الفترة الأخيرة بشكل كبير (مؤسسة الفهد للإنتاج الفني)
تدهورت الحالة الصحية للفهد في الفترة الأخيرة بشكل كبير (مؤسسة الفهد للإنتاج الفني)
TT

رحيل حياة الفهد سيدة الشاشة الخليجية

تدهورت الحالة الصحية للفهد في الفترة الأخيرة بشكل كبير (مؤسسة الفهد للإنتاج الفني)
تدهورت الحالة الصحية للفهد في الفترة الأخيرة بشكل كبير (مؤسسة الفهد للإنتاج الفني)

غيّب الموت سيدة الشاشة الخليجية، الفنانة الكويتية حياة الفهد، عن عمر ناهز الـ78 عاماً.

عاشت الراحلة منذ بداياتها الأولى في ستينات القرن الماضي حتى رحيلها أمس، عبر الشاشة في بيوت الخليجيين، وتركت خلفها تاريخاً فنياً عصياً على النسيان.

بدأت الفهد رحلتها الفنية في وقت كان فيه حضور المرأة الخليجية في مجال التمثيل محدوداً ومحاطاً بحساسيات اجتماعية، ورغم ذلك دخلت المجال بخطوات مترددة لكنها حاسمة، وشقّت طريقها في بيئة لم تكن مهيأةً بالكامل لتقبّل هذا الحضور النسائي، وهو ما جعل تجربتها الأولى تتجاوز فكرة «الدور» إلى معنى أوسع في كسر الحاجز، وفتح الباب.


مركبة متنقلة لـ«ناسا» تكتشف المزيد من لبنات الحياة على المريخ

صورة ذاتية من زاوية منخفضة لمركبة «كيريوسيتي» التابعة لـ«ناسا» والمخصصة لاستكشاف المريخ (أ.ف.ب)
صورة ذاتية من زاوية منخفضة لمركبة «كيريوسيتي» التابعة لـ«ناسا» والمخصصة لاستكشاف المريخ (أ.ف.ب)
TT

مركبة متنقلة لـ«ناسا» تكتشف المزيد من لبنات الحياة على المريخ

صورة ذاتية من زاوية منخفضة لمركبة «كيريوسيتي» التابعة لـ«ناسا» والمخصصة لاستكشاف المريخ (أ.ف.ب)
صورة ذاتية من زاوية منخفضة لمركبة «كيريوسيتي» التابعة لـ«ناسا» والمخصصة لاستكشاف المريخ (أ.ف.ب)

أعلن علماء، الثلاثاء، أن مركبة «كيوريوسيتي» المتنقلة التابعة لوكالة «ناسا» اكتشفت المزيد من «لبنات الحياة» على سطح المريخ، وذلك بعد إجراء تجربة كيميائية لم يسبق لها مثيل على أي كوكب آخر، وفقاً لـ«وكالة الصحافة الفرنسية».

وأكد الفريق الذي تقوده وكالة «ناسا» أن الجزيئات العضوية ليست دليلاً قاطعاً على وجود حياة سابقة؛ إذ يحتمل أنها تشكلت على سطح المريخ أو سقطت نتيجة اصطدامها بالنيازك.

إلا أنها تكشف عن أن هذه المؤشرات حفظت في الصخور لأكثر من ثلاثة مليارات عام، عندما كان يعتقد أن الكوكب يضم مياهاً سائلة، وفق ما نشرت مجلة «نيتشر كوميونيكيشنز».

وحملت «كيوريوسيتي»، وهي بحجم سيارة، أنبوبين من مادة كيميائية تسمى TMAH وتستخدم لتحليل المواد العضوية ومعرفة مكوناتها.

وقالت عالمة الأحياء الفلكية العاملة في مهمة «كيوريوسيتي» إيمي ويليامز لـ«وكالة الصحافة الفرنسية»، إن «هذه التجربة لم تجرَ من قبل على كوكب آخر».

وأكدت ويليامز، وهي المؤلفة الرئيسية لدراسة تصف النتائج، أن الفريق «يرى لبنات الحياة، كيمياء ما قبل حيوية على المريخ، محفوظة في هذه الصخور منذ مليارات السنين».

هبطت مركبة «كيوريوسيتي» التابعة لـ«ناسا» في قاع بحيرة سابقة تسمى فوهة غيل عام 2012، ومنذ ذلك الحين وهي تبحث عن دلائل على وجود حياة سابقة محتملة.

وخلال تجربة أجريت عام 2020 باستخدام مادة TMAH، تم رصد أكثر من 20 جزيئاً عضوياً، بينها مركب «بنزوثيوفين» الموجود أيضاً في النيازك والكويكبات.

وقالت ويليامز إن «المواد نفسها التي هطلت على المريخ من النيازك هي نفسها التي هطلت على الأرض، وربما وفرت اللبنات الأساسية للحياة كما نعرفها على كوكبنا».

وأشارت دراسة جديدة نشرت في مجلة «نيتشر كوميونيكيشنز» إلى أن المهمات المستقبلية قد تستفيد من تجربة «كيوريوسيتي» التي أثبتت نجاح التجارب التي تستخدم مادة TMAH على عوالم أخرى.

وستحمل مركبة «روزاليند فرانكلين» التابعة لوكالة الفضاء الأوروبية، والتي تتميز بحفارة أطول بكثير من «كيوريوسيتي»، هذه المادة الكيميائية إلى المريخ.

وأعلنت «ناسا»، الأسبوع الماضي، أن مركبة الفضاء التابعة لوكالة الفضاء الأوروبية ستنطلق الآن نحو المريخ في أواخر عام 2028. وستكون المادة الكيميائية أيضاً على متن مركبة «دراغون» الدوارة، المقرر إطلاقها عام 2028 في مهمة لاستكشاف قمر تيتان التابع لكوكب زحل.


أسعار المساكن الفاخرة تعمّق «الهوة الطبقية» في مصر

جزء من تصميم مشروع «ذا سباين» لشركة هشام طلعت مصطفى (موقع الشركة)
جزء من تصميم مشروع «ذا سباين» لشركة هشام طلعت مصطفى (موقع الشركة)
TT

أسعار المساكن الفاخرة تعمّق «الهوة الطبقية» في مصر

جزء من تصميم مشروع «ذا سباين» لشركة هشام طلعت مصطفى (موقع الشركة)
جزء من تصميم مشروع «ذا سباين» لشركة هشام طلعت مصطفى (موقع الشركة)

يقطع المهندس المعماري محمد رجب يومياً أكثر من 30 كيلومتراً للذهاب إلى موقع عمله في الامتداد الصحراوي لمحافظة الجيزة (غرب القاهرة) حيث يشارك في بناء «كمبوند سكني فاخر»، وهو على يقين من أنه لا يمكنه أن يسكن فيه أو أي أحد من أولاده يوماً ما: «نبني لطبقات غنية. أما نحن فنسكن في إحدى المناطق الشعبية في الجيزة».

ويذكر أن شعور رجب بالتفاوت الطبقي الكبير يتزايد كلما سمع عن الأرقام التي تباع بها الوحدات التي يشارك في بنائها، ويقارنها براتبه هو وأصدقائه حيث «الفيلا الواحدة تباع بـ50 مليون جنيه» (الدولار الأميركي يعادل نحو 52 جنيهاً)، «وهو مبلغ لن أتحصل عليه طوال حياتي المهنية داخل مصر».

ووفق خبراء إسكان وعلم اجتماع، فإن بعض المشروعات السكنية في مصر اعتمدت خلال العقود الماضية على تغذية «مشاعر الفصل الطبقي»، بأسلوب المساحات المعزولة والمغلقة. يقول رجب بنبرة يملؤها الشجن: «بعد الانتهاء من عملي، لن يسمح لي الأمن بدخول المكان الذي شاركت في بنائه».

وأطلقت شركة هشام طلعت مصطفى العقارية أخيراً أحدث مشروعاتها العقارية شرق القاهرة «The Spine»، بأسعار مرتفعة جداً، وهو ما عزاه أحد مندوبي المبيعات بالشركة إلى أنها «أول مدينة ذكية استثمارية تقوم بالكامل على الذكاء الاصطناعي في العالم»، وفق ما ذكره لـ«الشرق الأوسط» عند الاستفسار هاتفياً عن طبيعة وأسعار الوحدات بالمشروع.

أحد المشاريع في العاصمة الجديدة (إدارة العاصمة الجديدة)

وكان رئيس الوزراء الدكتور مصطفى مدبولي وعدد من الوزراء قد شاركوا في مؤتمر صحافي للإعلان عن المشروع الضخم، السبت. وأثنى مدبولي عليه قائلاً إن «استثماراته تتجاوز 1.4 تريليون جنيه، ويوفر أكثر من 155 ألف فرصة عمل مباشرة وغير مباشرة كما يحقق عوائد ضريبية تتجاوز 800 مليار جنيه».

ويصل سعر الوحدة الكبرى (3 غرف نوم) في مشروع «The Spine» بمساحة 116 متراً، 50 مليون جنيه، ويضم المشروع 165 برجاً، داخل «مدينتي» المشروع السابق للشركة، على مساحة 5 كيلومترات. بينما تُطرح نفس مساحة الوحدة في مشاريع أخرى لـ«طلعت مصطفى» بـ10 ملايين جنيه.

ويُرجع موظف قسم المبيعات ارتفاع سعر الوحدات في المشروع إلى «المزايا الكبيرة والمختلفة فيه، منها شبكة المواصلات الضخمة تحت الأرض، ما يضع أماناً إضافياً إذا ما رغب السكان في التجول، ويحافظ على البيئة. كما أن ساكنه لن يحتاج إلى إطلاق الأوامر حتى تشتغل الإضاءة أو التكييف أو غيرهما من المهام في المشاريع الذكية، يكفي أن يُدخل البيانات لأول مرة، ليعرف الذكاء الاصطناعي تفضيلاته، ويعمل كل شيء نيابة عنه، يفتح المصعد، وباب الوحدة، ويضبط التكييف والإضاءة، حتى قبل أن تصل إلى شقتك».

أما سعر الوحدة ذات غرفة النوم الواحدة، بمساحة 77 متراً، فتصل إلى 20 مليون جنيه. وتقدم الوحدات بنظام تقسيط، أقل مقدم حجز فيها 160 ألف جنيه للمكتب الإداري، و250 ألف جنيه للوحدة السكنية، مع قسط نحو 50 ألف جنيه شهرياً، إلى جانب دفعات سنوية بمتوسط نصف مليون جنيه.

ووُصفت هذه الأسعار عبر مستخدمي مواقع التواصل بـ«المبالغ فيها وغير المنطقية»، وسط انتقاد الاهتمام اللافت بالمشروعات العقارية والإسكان الفاخر وعدم التركيز على توطين الصناعة والتكنولوجيا.

دار الأوبرا داخل مدينة الفنون في العاصمة الجديدة (إدارة العاصمة الجديدة)

وتتعزز هذه الانتقادات في وقت وصل فيه التضخم في مصر إلى 15.2 في المائة على أساس سنوي في مارس (آذار) الماضي، مرتفعاً نحو 2 في المائة عن فبراير (شباط) الماضي. بالإضافة إلى ارتفاع نسب الفقر إلى 32.5 في المائة، وفق تقرير للبنك الدولي عن مستوى الفقر في مصر عام 2022. مقارنة بـ29.7 في المائة في العام المالي 2019-2020.

وخلال السنوات الخمس الماضية، تراجعت قيمة الجنيه أمام الدولار بشكل حادّ، وارتفعت معدلات التضخم لمستويات غير مسبوقة، إذ انخفضت قيمة الجنيه من 15.5 جنيه في 2020 إلى 50 جنيهاً في 2025، ما ترتب عليه انخفاض القوة الشرائية للمواطنين، ما دفع الحكومة المصرية إلى رفع الحد الأدنى للأجور للعاملين في القطاع العام ليصبح 8 آلاف جنيه مصري شهرياً اعتباراً من يوليو (تموز) المقبل.

ويرى الكاتب الاقتصادي والخبير في أسواق المال، محمد مهدي عبد النبي، أن «المشروع الأحدث يعكس توجهاً من الدولة لفتح سوق عقارات دولي في مصر، لجذب عملة صعبة تساعد على تحسين أزمة العملة الأجنبية في مصر، ما سيؤثر إيجابياً على الاقتصاد الكلي، لكن في الوقت نفسه سينعكس سلباً على أسعار العقارات التي تستطيع شراءها الطبقة الوسطى، وسيزيد نسب التضخم في المجال العقاري».

ويتوقع عبد النبي، في حديثه لـ«الشرق الأوسط»: «أن يكون الأجانب، وبعض المواطنين العرب وبعض المصريين في الخارج الذين راكموا ثروات كبيرة، هم القادرين وحدهم على الشراء في مشروعات الإسكان الفاخر بمصر، أي أنه يستهدف ذوي الملاءة المالية الواسعة».

جزء من تصميم مشروع «ذا سباين» لشركة هشام طلعت مصطفى (موقع الشركة)

وهو ما أكّده موظف المبيعات في مجموعة «طلعت مصطفى»: «نستهدف بشكل أساسي الأجانب والعرب، لشراء الوحدات التي سيتم تسليم أول دفعة فيها بعد 5 سنوات».

الباحثة الثلاثينية منى محمد، تابعت الإعلانات التي تروج لمشروعات الإسكان الفاخر بالآونة الأخيرة، وقالت: «عانيت قبل عامين خلال رحلة بحثي عن شراء شقة بمنطقة حدائق الأهرام (غرب القاهرة)، ولأن المبلغ المطلوب كان (مليون جنيه) أكبر من إمكاناتي المادية أنا وزوجي، اضطررت لبيع مصوغاتي الذهبية والاقتراض حتى نتمكن من دفع ثمنها».

وتعلق منى على مشروعات الإسكان الفاخر، وتقول لـ«الشرق الأوسط» إن «هذا النوع من المشاريع يستفز مشاعر أبناء الطبقات الوسطى والدُنيا حتى الطبقة الغنية، التي ستجد نفسها جارة لطبقات أكثر رفاهية، وتتمتع بمزايا ليست لديها، وغالباً سيكونون من غير المصريين».

واعتبر رئيس الوزراء المصري مشروع «The Spine»: «عالمياً بكل المقاييس، ويحقق نقلة حقيقية في شكل التنمية العمرانية والنمو الاقتصادي للدولة المصرية».

ويرى الباحث في الإنثروبولوجيا، وليد محمود، أن «الكومباوندات السكنية أصبحت جزءاً بارزاً من المشهد العمراني في مصر، تعكس طموحاً نحو حياة أكثر تنظيماً ورفاهية، معتمدة على الخصوصية، والخدمات المتكاملة، والمساحات الخضراء، ما يجذب شريحة واسعة من الطبقة المتوسطة العليا والطبقة الميسورة للإقامة فيها».

خبراء يرون أن المساكن المرفهة تعمّق الهوة الاجتماعية في مصر (شركة طلعت مصطفى)

وأضاف محمود لـ«الشرق الأوسط» أنه «بعيداً عن الصورة المثالية التي تروج لها الحملات الإعلانية، يبرز تساؤل مشروع حول التأثيرات الاجتماعية لهذه الظاهرة، التي تعزز فكرة الانفصال الطبقي، وتخلق تصوراً بأن الحياة الأفضل لا تتحقق إلا داخل هذه الأسوار»، مشدداً على أن «الأزمة لا تقتصر على مفهوم الكمبوندات، بل في اتساع الفجوة بين أنماط السكن المختلفة، وما يصاحبها من شعور متزايد بعدم التكافؤ». على حدّ تعبيره.