أمطار رعدية بالمنطقة في فصل الربيع... ما علاقة التغير المناخي؟

تقلبات الطقس تربك أنحاءً عدة بالعالم العربي

القاهرة شهدت سقوط أمطار غزيرة الأربعاء (أ.ف.ب)
القاهرة شهدت سقوط أمطار غزيرة الأربعاء (أ.ف.ب)
TT

أمطار رعدية بالمنطقة في فصل الربيع... ما علاقة التغير المناخي؟

القاهرة شهدت سقوط أمطار غزيرة الأربعاء (أ.ف.ب)
القاهرة شهدت سقوط أمطار غزيرة الأربعاء (أ.ف.ب)

تشهد الدول العربية واحدة من أبرز التقلبات الجوية الموسمية التي يشهدها فصل الربيع بالمنطقة، إذ يتقاطع فيها تأثير المنخفضات الجوية المقبلة من حوض البحر المتوسط مع الخصائص والسمات المتباينة للأجواء والجغرافيا العربية.

وتشير البيانات الجوية الصادرة حديثاً إلى أن الدول العربية ومنطقة الشرق الأوسط، تتأثر بعاصفة شتوية قوية نادرة نسبياً خلال هذا الوقت من العام، بسبب تشكل منخفض جوي عميق ناتج عن حدوث تفاعل معقد بين كتل هوائية باردة مقبلة من المنطقة القطبية وأخرى مدارية دافئة، مما يؤدي إلى اضطرابات جوية شديدة، تتمثل في انخفاض ملحوظ في درجات الحرارة، وأمطار غزيرة، ونشاط قوي للرياح، مع احتمالية حدوث ظواهر جوية متطرفة.

ووفق الخبراء، فإن حالة الطقس الحالية ذات طابع إقليمي واسع النطاق، وتشمل تأثيراتها أجزاء كبيرة من الدول العربية جنوب البحر المتوسط ومناطق الخليج والشام والعراق، مع استمرار التحذيرات من أن هذه الظواهر الجوية قد تمتد كذلك إلى إيران وتركيا.

علماء أرجعوا التقلبات الحادة إلى تغير المناخ (الشرق الأوسط)

قال الدكتور مصطفى عصام، مدرس في قسم الفلك والأرصاد الجوية وعلوم الفضاء في كلية العلوم بجامعة القاهرة المصرية: «تتعرض منطقة الشرق الأوسط هذه الأيام لآثار توزيع معين للكتل الهوائية، إذ تشهد المنطقة تحرك منخفض جوي اتجه من شمال أوروبا إلى حوض البحر المتوسط، خلال يومي، الثلاثاء والأربعاء، حيث يؤثر على دول شمال أفريقيا المطلة على البحر المتوسط، ويكمل مسيرته عبوراً للبحر الأحمر، ليمتد تأثيره إلى دول الخليج وبلاد الشام.

مرتفع الأورال

وأضاف في تصريحات لـ«الشرق الأوسط» أن سبب تحرك هذا المنخفض الجوي من شمال أوروبا إلى الجنوب هو وجود مرتفع جوي معروف بمرتفع الأورال، من سماته إجبار أي منخفض يتكون على المحيط الأطلسي بالاتجاه جنوباً، وبالتالي ظهور تأثيره على الدول العربية.

ويأتي المنخفض الجوي قادماً من أوروبا عبر البحر المتوسط محملاً بكمية كبيرة من بخار الماء، ويعزز الإشعاع الشمسي في هذا الوقت من العام وجود كمية كافية من الطاقة الحرارية التي تؤدي إلى تكوُّن السحب الرعدية.

وأوضح عصام أن تأثير هذا المنخفض الجوي يستمر ليصل إلى السعودية مع احتمال كبير جداً لوجود السحب الرعدية وكميات من الأمطار على المناطق الغربية ووسط وشمال المملكة، والتي تتحرك باتجاه الشرق، وصولاً إلى المنطقة الشرقية من الجزيرة العربية والكويت والعراق والإمارات والبحرين وقطر وعمان، فجر يوم الجمعة.

فيضانات بجزر الكناري الإسبانية (إ.ب.أ)

وكان المركز الوطني للأرصاد في السعودية قد أصدر تحذيراً بشأن احتمال تشكّل أعاصير قمعية وشواهق مائية في البحر الأحمر ومناطق أخرى متأثرة بحالة مطرية نشطة. كما توقع المركز استمرار هطول أمطار رعدية تتراوح بين متوسطة وغزيرة اليوم (الأربعاء)، قد تؤدي إلى جريان السيول، وتكون مصحوبة بزخات من البرد ورياح شديدة السرعة مثيرة للأتربة والغبار، ما قد يتسبب في تدنٍ أو شبه انعدام في مدى الرؤية الأفقية.

وكتب الدكتور محمد الألفي، أستاذ الهيدروجيولوجيا ونظم المعلومات والاستشعار عن بعد في كلية العلوم بجامعة المنصورة المصرية، على صفحته في منصة «فيسبوك»: «تعد هذه الحالة من أبرز التقلبات الجوية الموسمية التي يشهدها فصل الربيع في مصر والمنطقة العربية».

عوامل متزامنة

وأضاف أن موجات عدم الاستقرار هذه تنشأ نتيجة لتضافر عدة عوامل متزامنة، وهي المنخفض الجوي المتوسطي، حيث تتسم موجات الربيع بتكون منخفضات جوية تنشأ فوق البحر المتوسط، تحمل معها هواءً رطباً وبارداً. ويحفز هذا الهواء الرطب تكون السحب الركامية والرعدية، خصوصاً حين يلتقي بالهواء الدافئ القادم من الجنوب.

وأضاف أن العامل الثاني هو التباين الحراري الحاد، إذ يأتي عدم الاستقرار بالتزامن مع ارتفاع مؤقت في درجات الحرارة على جنوب البلاد، مما يخلق حالة من التباين الحراري الحاد بين الشمال والجنوب، وهو ما يحفز تكون السحب الرعدية الممطرة.

من جانبه، وصف الدكتور عمر فكري، الحاصل على درجة الدكتوراه في الفيزياء الفلكية، رئيس القبة السماوية بمكتبة الإسكندرية سابقاً، مثل هذه الظواهر بأنها «ظواهر مناخية متطرفة وغير متوقعة على كوكب الأرض، موضحاً أن مثل هذه الظواهر لا تقتصر على منطقتنا العربية فقط، إنما تحدث الآن لكن بتأثير معاكس على مناطق مقابلة في نصف الكرة الجنوبي أيضاً، ولكن في صورة ظواهر مناخية شديدة الحرارة والجفاف مصحوبة بوقوع حرائق في تلك المناطق.

تطور غير متوقع

وأوضح في تصريحات لـ«الشرق الأوسط» أن مثل هذه الظواهر هي تطور غير متوقع في الظروف الجوية على كوكب الأرض، إذ إن الله خلق كوكب الأرض ليكون متزناً حرارياً، ولكن مع ارتفاع مستويات الاحتباس الحراري ارتفع المحتوى الحراري لكوكب الأرض بشكل عام، وبالتالي ظهور مثل هذه الظواهر المناخية المتطرفة وغير المعتادة.

أحد شوارع الجيزة المصرية غارق في الأمطار (الشرق الأوسط)

من جانبه، قال عصام إن هذه الظواهر المناخية تعد من الأمور المعتادة، ولكن ليس من الضروري حدوثها في كل عام، لأن من خصائص الجو التباين السنوي وفق توزيعات الكتل الهوائية التي تتأثر بالكتلة الجليدية في القطب الشمالي، والكتلة الهوائية القطبية التي تسبب تغير مسار المنخفضات الجوية الطبيعية.

وفيما يتعلق بتعزيز التغير المناخي لمثل هذه الظواهر الجوية، أوضح أن الدراسات العلمية أثبتت أن المرتفعات الجوية التي تسبب تحرك تلك المنخفضات للجنوب تزيد في الشدة، كما تزيد في مدة بقائها بفعل التغير المناخي، وبالتالي تزيد من تأثير الأجواء الممطرة أو الأجواء الجافة، وفق مكان تكون المرتفع، كما حدث في يناير (كانون الثاني) وفبراير (شباط) من هذا العام، حيث كانت الأجواء دافئة وجافة لمدة زمنية طويلة.


مقالات ذات صلة

موجة حارة تضرب مصر... وتحذيرات من «أوقات الظهيرة»

يوميات الشرق موجة حارة تضرب القاهرة (الشرق الأوسط)

موجة حارة تضرب مصر... وتحذيرات من «أوقات الظهيرة»

قرَّر مهندس الكمبيوتر الأربعيني محمد السعيد أنْ يعتذر عن عدم الذهاب لعمله في إحدى شركات الخدمات بالتجمع الخامس (شرق القاهرة) والعمل من المنزل يوم الثلاثاء.

محمد الكفراوي (القاهرة )
صحتك هناك عوامل يومية غير متوقعة قد تؤدي إلى نوبات مفاجئة من الربو (رويترز)

8 محفزات خفية للربو قد تتعرض لها يومياً

يكشف خبراء الصحة عن مجموعة من العوامل اليومية غير المتوقعة التي قد تؤدي إلى نوبات مفاجئة من الربو.

«الشرق الأوسط» (لندن)
صحتك رجل يبرِّد نفسه في نافورة أمام كاتدرائية برلين خلال يوم صيفي حار (رويترز)

موجات الحر والبرد المتطرفة تزيد خطر الأزمات القلبية والسكتات الدماغية

كشفت دراسة حديثة أن الظواهر الجوية المتطرفة، مثل موجات الحر الشديدة والبرد القارس، تسهم بشكل ملحوظ في زيادة معدلات الأزمات القلبية والسكتات الدماغية.

«الشرق الأوسط» (وارسو)
يوميات الشرق العواصف الترابية تؤثر على القيادة (الشرق الأوسط)

عاصفة ترابية تُربك تنقلات المصريين وتُعكّر الأجواء

شهدت مدن مصرية، الجمعة، بينها القاهرة والإسكندرية، عاصفة ترابية أدَّت إلى حجب الرؤية لمسافات بعيدة.

محمد الكفراوي (القاهرة )
الولايات المتحدة​ منازل متضررة جراء الطقس السيئ في ولاية كارولاينا الشمالية (الوكالة الفيدرالية لإدارة الطوارئ)

إدارة ترمب توافق على إعلان كوارث كبرى في 7 ولايات بسبب الطقس السيئ

وافقت إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترمب هذا الأسبوع على طلبات إعلان كوارث كبرى لسبع ولايات على الأقل.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)

رحيل المستشار حسان ياسين معاصر ملوك السعودية

الراحل حسان ياسين متحدثاً في لقاء تلفزيوني (شاشة روتانا)
الراحل حسان ياسين متحدثاً في لقاء تلفزيوني (شاشة روتانا)
TT

رحيل المستشار حسان ياسين معاصر ملوك السعودية

الراحل حسان ياسين متحدثاً في لقاء تلفزيوني (شاشة روتانا)
الراحل حسان ياسين متحدثاً في لقاء تلفزيوني (شاشة روتانا)

رحل المستشار السعودي حسان بن يوسف ياسين، بعد حياة زاخرة عاصر خلالها ملوك السعودية ومراحل تطورها، وأفنى عمره في خدمة البلاد، ومثل امتداداً عائلياً يتصل بتاريخ والده الشيخ يوسف ياسين المستشار السياسي المقرب من الملك المؤسس عبد العزيز آل سعود، وأحد رموز مرحلة التأسيس والدبلوماسيّة السعودية.

ولد الراحل حسان ياسين في مكة المكرمة نحو عام 1934، وعمل في بداية مسيرته مديراً لمكتب وزير البترول عبد الله الطريقي، وأسس المكتب الإعلامي السعودي في واشنطن.

جمع الراحل بين السياسة والتاريخ والإعلام، وتأثر بالشمول المعرفي الذي تميز به والده، وكان بين كتاب الرأي في «الشرق الأوسط». كما كان من أوائل السعوديين الذين تعلموا في الخارج، إذ انتظم في جامعة بروكلين الأميركية خلال الخمسينات، قبل أن يعود إلى بلاده ويعمل في إدارة البترول.

وخلال عقدي الستينات والسبعينات ‏عاش في واشنطن، وأسس المكتب الإعلامي السعودي فيها، وطور علاقات واسعة في العاصمة الأميركية مع أعضاء في مجلسي النواب والشيوخ ومع كبار المسؤولين، واستثمر تلك العلاقات في دعم مواقف السعودية وملفاتها، وترك بصمة مهمة في الأوساط الدبلوماسية في واشنطن.

الراحل حسان يوسف ياسين (الشرق الأوسط)

تلقى حسان ياسين تعليمه في المراحل العمرية المبكرة في مدينتي مكة المكرمة والطائف، قبل أن يلتحق بكلية فيكتوريا في مصر التي تُعد من أقدم وأعرق المدارس الإنجليزية في مدينة الإسكندرية، وفيها انتظم الراحل حسان مع العاهل الأردني السابق الملك حسين في فصل دراسي واحد.

وخلال إقامته في الرياض أيام الطفولة والصبا، ارتبط بالبيئة الاجتماعية للملك عبد العزيز، نظراً لعمل والده مستشاراً لدى الملك المؤسس، وقضى شطراً من طفولته في بيوت الطين بالمربع، وكانت النزهة المتاحة خلال تلك الحقبة تتمثل في الرحلات البرية في جبل أبو مخروق الذي مثل أقدم حديقة في منطقة الرياض بارتفاعه الذي يصل نحو 50 متراً.

وبرز والده يوسف ياسين كأحد الشخصيات السياسية المؤثرة في محيط الملك عبد العزيز، وأسهم في السياسة الخارجية والداخلية، كما رافق الملك المؤسس في أولى رحلاته إلى الحجاز، وشهد معه تسلم جدة عام 1925 وشارك مع حزمة من المستشارين بإدارتها في بواكير توحيد الدولة السعودية.

وطوال هذه المسيرة الزاخرة لوالده، كان حسان ياسين يتشكل على ضوء هذه الرحلة العمرية، وعاش تفاصيل وكواليس السياسة السعودية منذ طفولته، وألم بتفاصيل اللحظات المفصلية التي أسفرت عن قيام المملكة وتطورها، وتضاعف هذا الدور والحضور خلال ارتباطه الوثيق بوزير الخارجية السعودية الأسبق الأمير سعود الفيصل، وخلال تعاطيه مع كبرى الملفات السياسية المهمة والحساسة.

وسجل الراحل ذكرياته وأحداث حياته في مذكرات طبعت باللغة الإنجليزية، دوّن فيها العديد من المواقف والمحطات التي شكلت حياته، والأحداث التي عاصرها طوال عمره الذي انطوى برحيله الأحد، وأودع بين دفتي مذكراته مسيرة عملية ووطنية حافلة بالعطاء والإنجازات.


مَن يملك هذه الأعمال الفنية المنهوبة؟

خلف كل لوحة حكاية حياة تحطمت أو تبدلت إلى الأبد (متحف أورسي)
خلف كل لوحة حكاية حياة تحطمت أو تبدلت إلى الأبد (متحف أورسي)
TT

مَن يملك هذه الأعمال الفنية المنهوبة؟

خلف كل لوحة حكاية حياة تحطمت أو تبدلت إلى الأبد (متحف أورسي)
خلف كل لوحة حكاية حياة تحطمت أو تبدلت إلى الأبد (متحف أورسي)

تضمُّ قاعة جديدة ضمن العرض الدائم في متحف «أورسي» 13 عملاً فنياً استعيدت من ألمانيا والنمسا عقب الحرب العالمية الثانية، في حين لا تزال هوية أصحابها الأصليين مجهولة حتى اليوم.

ويضمُّ المعرض، الذي افتُتح رسمياً الأسبوع الماضي داخل المتحف الباريسي، أعمالاً لفنانين بارزين من روَّاد المدرسة الانطباعية، من بينهم بيير أوغست رينوار، وإدغار ديغا، إلى جانب منحوتة للنحَّات الفرنسي الشهير أوغوست رودان. غير أن الهدف من عرض هذه الأعمال لا يقتصر على إتاحتها للجمهور، بل يتمثل أساساً في السعي إلى التوصُّل إلى مالكيها الشرعيين.

الأعمال جزء من 225 قطعة سرقت أو بيعت قسراً وأُعيدت بعد الحرب (متحف أورسي)

وتُعدّ الأعمال الفنية الـ13 المعروضة جزءاً من 225 قطعة فنية سُرقت أو بيعت قسراً في فرنسا خلال الحرب العالمية الثانية، قبل أن تُستعاد من ألمانيا والنمسا مع نهاية الحرب. وقد بقيت هذه الأعمال، على مدى نحو نصف قرن، تحت وصاية المتحف.

ويعكس هذا المعرض التقدُّم الذي أحرزته فرنسا في السنوات الأخيرة في ملف إعادة الأعمال الفنية المنهوبة إلى أصحابها، بعدما واجهت سابقاً انتقادات بسبب بطء إجراءات الاسترداد. وفي هذا السياق، رأى جدعون تايلور، رئيس «المنظمة العالمية لاستعادة الممتلكات اليهودية»، أن القاعة الجديدة «تبعث برسالة قوية بشأن التزام فرنسا»، وذلك بعد 3 سنوات من إقرار قانون يتيح إعادة الممتلكات التي نُهبت من العائلات اليهودية.

من جانبه، قال ديفيد زيفي، رئيس فريق العمل الحكومي المكلّف بتنسيق إعادة الممتلكات الثقافية المنهوبة خلال الحرب، إن فكرة معرض متحف «أورسي» تقوم على أمل أن «يُزال أحد الأعمال المعروضة يوماً ما من القاعة، بعدما نتمكن من معرفة مصدره الحقيقي وصاحبه الأصلي».

وبحلول نهاية الحرب العالمية الثانية، كانت فرنسا قد أعلنت فقدان نحو 100 ألف قطعة فنية. وبمساعدة وحدات الحلفاء المعروفة باسم «رجال الآثار»، أُعيد إلى فرنسا نحو 60 ألف عمل فني عُثر عليه خارج البلاد، فيما استعاد أصحابها قرابة 45 ألف قطعة بين عامي 1945 و1950. أما بقية الأعمال، فقد باعت الدولة الفرنسية معظمها، باستثناء 2200 قطعة أودعتها لدى المتاحف الوطنية. ومنذ ذلك الحين، لم يُعَد سوى أقل من 200 قطعة، بينها 15 عملاً يحتفظ بها متحف «أورسي».

وأوضح فرنسوا بلانشتيير، أمين قسم النحت بالمتحف، أن التمييز بين الأعمال المنهوبة وتلك التي اقتُنيت بصورة قانونية يُعد مهمة معقدة، مشيراً إلى أن سوق الفن ظلت نشطة خلال الحرب تحت حكم النازيين ونظام فيشي، وأن كثيراً من الأعمال انتقلت ملكيتها بشكل مشروع.

وأضاف: «نحو 90 في المائة من الأعمال الموجودة لدينا اقتناها مواطن ألماني أو نمساوي في ظروف لا تزال غير واضحة بالكامل».

ومن بين الأعمال المعروضة نسخة أعاد إدغار ديغا إنتاجها عن لوحة للفنان الألماني أدولف مينتسل، وكانت مملوكة لجامع الأعمال الفنية اليهودي فرناند أوكسيه، الذي رُحِّل وقُتل في معسكر الهولوكوست في أوشفيتز، حسب القائمين على المعرض. وأوضح بلانشتيير أن العمل انتقل لاحقاً إلى معرض فني في باريس عبر مواطن فرنسي يُدعى كوتو، ثم بيع إلى متحف في مدينة كارلسروه الألمانية قبل أن يعود إلى فرنسا عام 1948.

يمكن للزوار مشاهدة أختام وملصقات تساعد الباحثين على تتبع ملكية اللوحات (متحف أورسي)

وقال بلانشتيير: «ما لا نعرفه حتى الآن هو كيفية انتقال اللوحة من السيد أوكسيه إلى السيد كوتو: هل جرى بيعها قسراً أم لا؟ لا نعرف».

كذلك هناك لوحة أخرى تجسد جبل سانت - فيكتوار، أحد المناظر الطبيعية المفضلة لدى الرسام الفرنسي بول سيزان. وقد بيعت اللوحة عام 1942 إلى تاجر الفن الألماني هيلدبراند غورليت، الذي كان يشتري أعمالاً فنية لصالح «متحف الفوهرر» الذي خطط الزعيم النازي أدولف هتلر لإقامته في النمسا. لكن السلطات الفرنسية، عندما استعادت اللوحة، احتفظت بها، ليس للاشتباه في تعرضها للنهب، بل لاعتقادها بأنها مزيفة.

غير أن أبحاثاً حديثة لم تجد أي أدلة تدعم تلك الشكوك، حسب مسؤولي المتحف.

وتُعرض اللوحة الجبلية اليوم بين لوحين زجاجيين يتيحان للزوار مشاهدة الجهة الخلفية من إطارها الخشبي، حيث تظهر أختام وملصقات استخدمها الباحثون أدلة لتتبع تاريخ اللوحة ومسار ملكيتها.

ومن بين زوار المعرض هذا الأسبوع جان لانييل، البالغ من العمر 73 عاماً، الذي عاشت والدته أجواء الاحتلال النازي بشكل مباشر في بلدة تقع شمال باريس.

وقال لانييل: «أعتقد أن عرض هذه الأعمال على أمل أن تتمكن عائلات الضحايا من العثور عليها أو التعرف إليها خطوة رائعة».

ولسنوات طويلة، لم تبذل فرنسا جهوداً كبيرة لتسريع عمليات إعادة الأعمال المنهوبة، إلى أن عاد الاهتمام بتاريخ ملكية الأعمال الفنية في تسعينات القرن الماضي. وفي عام 1998، كانت فرنسا ضمن 44 دولة أقرت «مبادئ واشنطن» الخاصة بإعادة الأعمال الفنية التي صادرها النازيون. وفي العام التالي، أنشأت الحكومة لجنة لدراسة طلبات التعويض المقدمة من ضحايا القوانين المعادية لليهود التي فُرضت خلال الحرب.

وفي عام 2019، أُنشئ فريق عمل حكومي لتنسيق إعادة الممتلكات الثقافية التي سُرقت بين عامي 1933 و1945.

كما أعادت المتاحف الفرنسية إحياء جهودها في هذا الملف، إذ نظمت بعض المؤسسات معارض مؤقتة للأعمال غير المطالب بها من مجموعة «رجال الآثار»، في حين خصص متحف «اللوفر» عام 2018 قاعتين صغيرتين ضمن عرضه الدائم لعرض أكثر من 30 لوحة من تلك الأعمال.

وقالت آنيك لوموان، رئيسة متحف «أورسي»، إن هذا المعرض يسلط الضوء على فصل مؤلم وعنيف من تاريخ فرنسا، مضيفة: «خلف كل لوحة وكل قطعة فنية غالباً ما توجد حكايات لحيوات تحطمت أو انقلبت رأساً على عقب أو دُمّرت بالكامل».

لسنوات لم تُبذل في فرنسا جهود تُذكر لتسريع وتيرة إعادة الأعمال الفنية إلى أصحابها (متحف أورسي)

وكان صاحب فكرة المشروع المدير السابق للمتحف سيلفان أميك، الذي أبدى اهتماماً واسعاً بملف استعادة الأعمال المنهوبة، سواء تلك التي نُقلت من فرنسا إلى ألمانيا النازية أو من أفريقيا إلى فرنسا خلال الحقبة الاستعمارية. وقبل وفاته المفاجئة العام الماضي، كان يقود مشروع عرض بعض هذه الأعمال اليتيمة أمام الجمهور.

وبفضل تبرع بقيمة مليون يورو، أي ما يعادل نحو 1.2 مليون دولار، قدمته منظمة «أصدقاء متحف أورسي الأميركيون» غير الربحية، تمكن المتحف من تمويل افتتاح القاعة الجديدة، إلى جانب مشروع بحثي يمتد لعشر سنوات.

ويأمل القائمون على المشروع أيضاً أن تسهم أدوات البحث الرقمية الحديثة في التوصل إلى أصحاب هذه الأعمال أو ورثتهم الشرعيين، خصوصاً مع تراجع احتمالات وجود شهود عيان عاصروا الحرب بعد مرور 80 عاماً على نهايتها.

وفي الوقت الراهن، يعتزم المتحف تبديل الأعمال المعروضة بصورة دورية، بما يتيح للجمهور مشاهدة عدد أكبر من الأعمال الـ225 الموجودة في حوزته.

وقالت فريدا فانديغير، وهي زائرة أميركية تبلغ من العمر 70 عاماً من ولاية ديلاوير، أثناء مغادرتها القاعة: «بالتأكيد هناك الكثير من الأعمال الفنية التي فُقدت إلى الأبد، وهذا أمر مؤسف، لكن من الجميل أن يحظى هذا الجزء من التاريخ ببعض الاهتمام».

* خدمة «نيويورك تايمز»


«متواضع» و«منضبط» و«أستاذ»... فنانون يتذكرون كواليسهم مع عادل إمام

الفنان عادل إمام والمخرج وائل إحسان في الكواليس (الشرق الأوسط)
الفنان عادل إمام والمخرج وائل إحسان في الكواليس (الشرق الأوسط)
TT

«متواضع» و«منضبط» و«أستاذ»... فنانون يتذكرون كواليسهم مع عادل إمام

الفنان عادل إمام والمخرج وائل إحسان في الكواليس (الشرق الأوسط)
الفنان عادل إمام والمخرج وائل إحسان في الكواليس (الشرق الأوسط)

يحتفل الفنان المصري عادل إمام، الملقَّب بـ«الزعيم»، بعيد ميلاده الـ86، الذي يوافق 17 مايو (أيار). وبالتزامن مع هذه المناسبة احتفى به جمهوره وزملاؤه، وأسرته، وتفاعلوا بشكل واسع عبر «السوشيال ميديا» بكلمات لافتة في عيد ميلاده، على الرغم من ابتعاده عن الفن منذ 6 سنوات، عقب تقديمه مسلسل «فلانتينو»، الذي شهد على آخر بطولة درامية له.

وتحدَّث فنانون شاركوا «الزعيم» في أعماله عن «الكواليس» التي جمعتهم به، وكشفوا عن طريقة تعامله معهم بعيداً عن عدسة الكاميرا، مؤكدين في تصريحات لـ«الشرق الأوسط» أن عادل إمام، على المستويين الفني والإنساني، كان فناناً منضبطاً ومتواضعاً وأستاذاً في تقديم «النصائح الذهبية» بشكل غير مباشر لزملائه؛ خصوصاً الجدد.

الفنان عادل إمام (حسابه على موقع فيسبوك)

الكاتب المصري نادر صلاح الدين الذي كتب آخر أفلام عادل إمام «زهايمر»، أكد لـ«الشرق الأوسط» أن «الزعيم» كان مدرسة في الالتزام، واحترام المهنة والوقت، ومصدر بهجة في الكواليس، و«إنساناً» في المقام الأول. فقد كان يرفض تماماً أن يعمل أي شخص أكثر من 8 ساعات في اليوم، حتى لو انتهى من تصوير مشاهده مبكراً. فقد كان يسأل في اليوم التالي: «حد زاد عن 8 ساعات؟».

ويتابع نادر صلاح الدين قائلاً: «عادل إمام فنان يقدِّر المخرج والنَّص، ولا يقبل التقليل منهما. وكان تحت أمر المخرج في كل شيء، ويحترم المكتوب، ولا يقبل أي تغيير أو تعديل ولو كان بسيطاً، إلا إذا كان ضرورياً، وفي وجودي».

وذكر نادر صلاح الدين أن «عادل إمام كان يتميز بأسلوب تعليمي غير مباشر، ولا يتعامل كأستاذ؛ بل يرسل رسائل وإشارات، وتعليمات ونصائح طوال الوقت، ومن يريد التعلم سيتعلم، ومن لا يريد فلن يعي ما يقوله»، لافتاً إلى أنه «كان مرحاً مع الجميع، ولكن وقت العمل كان للعمل».

عادل إمام وسعيد صالح وعمرو عرفة ونادر صلاح الدين في كواليس «زهايمر» (الشرق الأوسط)

وكشف نادر صلاح الدين عن أحد المواقف اللافتة خلال تصوير «زهايمر» قائلاً: «كانت الفنانة إيمان السيد متوترة من وقوفها أمام إمام للمرة الأولى، فبدأ يمزح معها، ويسألها عن (الشاي بالحليب)، ثم دخل معها في بروفة سريعة ليطمئنها، ويصحح لها أداءها بطريقة بسيطة، حتى كسر حاجز الخوف».

وأكد المخرج المصري وائل إحسان الذي أخرج لعادل إمام فيلم «بوبوس»، ومسلسل «أستاذ ورئيس قسم»، أن «(الزعيم) ينغمس بشكل كامل في تفاصيل الشخصية حتى بعد التصوير»، وأشار إحسان إلى أن إمام اتصل به ذات يوم بعد الانتهاء من تصوير طويل، ليخبره بتفاصيل أحد المشاهد، وإعجابه بطريقته الإخراجية في هذا المشهد».

ووصف وائل إحسان -خلال حديثه لـ«الشرق الأوسط»- عادل إمام، بأنه عبقري، و«رئيس جمهورية التمثيل»، مضيفاً: «لا يتدخل إلا قبل بدء التصوير؛ إذ يقرأ السيناريو بإمعان، ويقوم بالبروفات، ويناقش التفاصيل على الطاولة»، وبعدها «يسلِّم نفسه للمخرج وكأنه مبتدئ، ويحضر قبل التصوير بساعتين ليجهز نفسه للدور».

عادل إمام ويسرا ووائل إحسان في كواليس فيلم «بوبوس» (الشرق الأوسط)

وأكد وائل إحسان أن «الزعيم»، يمتلك مدرسة تمثيلية فريدة خاصة به وحده، وكل المدارس التي جاءت بعده حاولت أن تنهل منها، ولكنه يبقى «مدرسة فريدة»، على حد تعبيره.

وتربَّع عادل إمام على عرش «البطولة المطلقة»، لنحو 4 عقود، وقدم مجموعة كبيرة من الأعمال بالمسرح والسينما والتلفزيون والإذاعة منذ بداياته الفنية في ستينيات القرن الماضي، من بينها أفلام: «المشبوه»، و«الغول»، و«المتسول»، و«الأفوكاتو»، و«الحريف»، و«الهلفوت»، و«المولد»، و«النمر والأنثى»، و«حنفي الأبهة»، و«جزيرة الشيطان»، و«الإرهاب والكباب»، و«المنسي»، و«حسن ومرقص»، ومسلسلات من بينها: «دموع في عيون وقحة»، و«فرقة ناجي عطا الله»، و«العرَّاف»، و«صاحب السعادة»، ومسرحيات مثل: «الواد سيد الشغال»، و«الزعيم».