بين الأبيض والأسود وألوان الحاضر، ظلّ حضور سيدة الشاشة الخليجية حياة الفهد يتحرّك مع الزمن، عبر أدوار حُفرت في ذاكرة الجمهور، وجعلت منها فنانة استثنائية ووجهاً مألوفاً رافق أجيالاً، منذ بداياتها الأولى في ستينات القرن الماضي وحتى رحيلها أمس عن عمر ناهز 78 عاماً، في خبرٍ شكّل صدمة واسعة لجماهيرها.
الراحلة التي عاشت عبر الشاشة في بيوت الخليجيين، وتركت خلفها تاريخاً فنياً عصياً على النسيان، شهدت الفترة الأخيرة من حياتها تراجعاً ملحوظاً، بعد إصابتها بسلسلة من الجلطات الدماغية التي أثرت على وظائفها الحيوية، وأدخلتها في رحلة علاج طويلة تنقلت خلالها بين الكويت ولندن، قبل أن تعود لاستكمال علاجها تحت إشراف طبي دقيق. ومع تكرار الانتكاسات، تدهورت حالتها تدريجياً في الأشهر الأخيرة، لتنتهي هذه الرحلة بعد مضاعفات صحية معقدة أبعدتها عن الساحة الفنية، حتى رحيلها.
محمد دحام: لم تكن مجرد فنانة
لم يقتصر وقع رحيل حياة الفهد على الجمهور؛ إذ خيّمت حالة من الحزن على الوسط الفني الكويتي والخليجي، وتحدثت «الشرق الأوسط» مع بعض النجوم الذين غلبهم الأسى على فقدها، ومنهم المخرج محمد دحام الشمري، الذي قال: «حياة الفهد كانت صوت الأم، وملامح الحزن، وقوة المرأة... ترحل اليوم، ويبقى أثرها ممتداً في كل بيت عرفها، وفي كل قلب تأثر بها».
ويتابع الشمري كلماته العميقة في عزاء الفهد، قائلاً: «لم تكن مجرد فنانة، بل كانت زمناً من الصدق، ومدرسة في الإحساس، ومرآة تعكس واقعنا بكل تفاصيله... غيابها موجع، لكن حضورها لا يُغيب... سيظل حياً في أعمالها، وفي دعاء محبيها، وفي ذاكرة الفن الخليجي التي لن تنساها»

إلهام الفضالة: فقدنا روحاً جميلة
وبصوت مليء بالحزن، ردت الفنانة الكويتية إلهام الفضالة على «الشرق الأوسط»، معبرة عن أسفها لرحيل حياة الفهد، قائلة: «فقدنا أمّاً وأختاً وبنتاً في كل بيت خليجي، كانت قريبة من الجميع، حاضرة كأم وجدة ووجه مألوف عبر أجيال». وأضافت: «مرّت بظروف صحية صعبة في الفترة الأخيرة، تنقلت خلالها بين لندن والكويت، وكنت قد زرتها قبل سفرها، وكان حالها يحتاج إلى الدعاء... لكن هذا قضاء الله وقدره».
وتابعت الفضالة بالقول: «فقدنا روحاً جميلة، وظلاً إنسانياً وابتسامة قريبة من الناس... لكن هذا حال الدنيا». وأضافت: «أنا من الجيل الذي بدأ مع هؤلاء العمالقة، من حياة الفهد وعبد الحسين عبد الرضا وأحمد جوهر وخالد النفيسي وغام الصالح وعلي المفيدي... كانت بدايتي معهم وفقدناهم جميعاً». وتردف: «لا أجد ما أقول أكثر من الدعاء لها، والله يرحمها ويصبر بناتها».
عبد الستار ناجي: تجاوزت الصورة النمطية
وفي قراءة نقدية لحضورها الفني، تحدّث الناقد الكويتي عبد الستار ناجي لـ«الشرق الأوسط»، قائلاً إن حياة الفهد «شكّلت ركيزة أساسية في توثيق وتحليل دور المرأة في المجتمع الخليجي والكويتي، ولم تكتفِ بالأداء التمثيلي، بل قدّمت عبر كتاباتها الدرامية قراءة سوسيولوجية دقيقة لتحولات الشخصية النسائية عبر أزمنة مختلفة».
وأضاف أن حضور المرأة في أعمالها «تجاوز الصورة النمطية، حيث ظهرت بوصفها حافظة للهوية في الأعمال التراثية، وعنصراً فاعلاً في مواجهة التحديات الاقتصادية والاجتماعية، قبل أن تنتقل في أعمالها الحديثة إلى طرح قضايا أكثر تعقيداً، تتعلق بالتحولات المادية والعلاقات الأسرية المتغيرة».
وأشار إلى أن الفهد «تناولت قضايا الحماية والعدالة الاجتماعية، وقدّمت نماذج متعددة للمرأة بين القوة والهشاشة، وصولاً إلى أعمال مثل (أم هارون)، التي عكست بعداً إنسانياً أوسع في طرح قضايا التعددية والتعايش»، مؤكداً أن «تجربتها اتسمت بالشمولية، حيث قدّمت المرأة كصانعة قرار ومرجعية أخلاقية، وأسهمت في نقلها من إطارها التقليدي إلى فضاءات أوسع من التأثير الاجتماعي».

حكاية متفردة منذ البداية
ومنذ بدايتها في ستينات القرن الماضي وحتى رحيلها الحزين، ظلت حياة الفهد حكاية فريدة من نوعها، حيث بدأت في وقت كان فيه حضور المرأة الخليجية في مجال التمثيل محدوداً ومحاطاً بحساسيات اجتماعية، ورغم ذلك دخلت المجال بخطوات مترددة لكنها حاسمة، وشقّت طريقها في بيئة لم تكن مهيأة بالكامل لتقبّل هذا الحضور النسائي، وهو ما جعل تجربتها الأولى تتجاوز فكرة «الدور» إلى معنى أوسع في كسر الحاجز، وفتح الباب.
وفي فترة قصيرة، تشكّلت ملامح حضورها تدريجياً مع اتساع التجربة التلفزيونية الكويتية في السبعينات والثمانينات، حيث برزت بوصفها واحدة من الأسماء التي استطاعت ملامسة الجمهور عبر أدوار بطولة خالدة، من أبرزها فيلم «بس يا بحر» الذي يعد أول فيلم سينمائي كويتي، ثم لمع نجمها بقوة في عقد الثمانينات، حيث قدمت «خالتي قماشة» الذي يشكّل علامة فارقة في الدراما الخليجية، تبعته بمسلسل «رقية وسبيكة» الذي شكل المرحلة الأبرز في ثنائيتها مع رفيقة دربها الممثلة سعاد عبد الله، ثم اشتركتا لاحقاً في تجربة ناجحة جديدة، وهي «على الدنيا السلام» عبر شخصيتي «مبروكة ومحظوظة».
وفي عقد التسعينات، قدمت الفهد أعمالاً ناجحة عديدة، من أبرزها «سليمان الطيب» الذي عاش لسنوات مع الجمهور، أما في بداية الألفية الثالثة، فتحولت الفهد إلى نجمة أولى مطْلقة، وأنتجت العديد من أعمالها الخاصة، كما نضجت تجربتها أكثر وحملت أبعاداً تتجاوز حدود الكوميديا، حيث قدمت «جرح الزمن» الذي أثار ضجة كبيرة وقت عرضه، تبعته بمسلسل «الحريم»، و«عندما تغني الزهور»، ثم جاء «الفرية» الذي من تأليفها، والذي يعد من أهم الأعمال التراثية في الكويت.
العقد الأخير... نجاحات جديدة
وفي السنوات العشر الأخيرة، استمر عطاؤها عبر أعمال أخرى مميزة مثل «رمانة»، و«حال مناير»، و«أم هارون» الذي أثار الكثير من الجدل، وكان آخر ظهور فني لحياة الفهد في رمضان 2025 من خلال مسلسل «أفكار أمي»، لتختم مسيرة ستة عقود، حفلت فيها بالكثير من الجوائز والتكريمات والنجاحات الممتدة.
وعلى مستوى الصناعة، عملت حياة الفهد مع أجيال مختلفة من المخرجين والكتّاب، وشكّلت مع عدد من الفنانين شراكات فنية ممتدة، من أبرزهم سعاد عبد الله، وعبد الحسين عبد الرضا، وغانم الصالح... ما جعلها جزءاً من أكثر من مرحلة داخل المشهد الدرامي... ومنحها هذا الامتداد الزمني منحها موقعاً فريداً، بوصفها حلقة وصل بين بدايات الدراما وتحوّلاتها اللاحقة.
ولم يقتصر حضورها على التمثيل، بل امتد إلى الكتابة والإنتاج، وهو ما انعكس على طبيعة اختياراتها، وجعلها أكثر وعياً ببناء الشخصيات والنصوص، حيث كانت تدرك طبيعة الدور الذي تقدّمه، وتتعامل معه باعتباره جزءاً من مشروع فني أطول. كما استمر حضورها لسنوات طويلة دون انقطاع فعلي، محافظةً على مكانتها في المواسم الدرامية، خصوصاً في رمضان، حيث ارتبط اسمها بعرض سنوي منتظر.
وفي سنواتها الأخيرة، بدأ المرض يفرض حضوره على مسيرتها، لتقلّ مشاركاتها تدريجياً، قبل أن تتوقف عن الظهور، بعد رحلة امتدت لقرابة ستة عقود من العمل الفني، لتُطوى صفحة من تاريخ الدراما الخليجية، صفحة كتبتها تجربة فنية طويلة وفريدة من نوعها، عاشت في ذاكرة الجمهور، وبقيت جزءاً من ملامحها.





