أحمد صبري أبو الفتوح: لست نادماً على ترك منصّة القضاء... الأدب وحريتي أثمن من أي منصب

الروائي المصري أكد أن «فن الرواية» يتعرض لمؤامرة

الكاتب أحمد صبري أبو الفتوح
الكاتب أحمد صبري أبو الفتوح
TT

أحمد صبري أبو الفتوح: لست نادماً على ترك منصّة القضاء... الأدب وحريتي أثمن من أي منصب

الكاتب أحمد صبري أبو الفتوح
الكاتب أحمد صبري أبو الفتوح

يعد الكاتب أحمد صبري أبو الفتوح أحد أبرز الأسماء في المشهد الروائي المصري الراهن، نظراً لما تتضمنه أعماله من براعة في السرد وتنوع في الشخصيات وتعدد البيئات الزمانية والمكانية. كما يؤسس مشروعه الأدبي على الانحياز للفقراء والمهمشين وقيم العدالة الاجتماعية. ورغم أنه ارتقى مناصب رفيعة في السلك القضائي، إلا أنه ضحى بكل شيء من أجل التفرغ للأدب والكتابة بحرية. من أبرز أعمالة «ملحمة السراسوة» حصلت على جائزة مؤسسة ساويرس لأفضل عمل روائي فئة كبار الكتاب عام 2010، و«أجندة سيد الأهل»، و«برسكال».

هنا حوار معه حول روايته الجديدة «صاحب العالم» وهموم الكتابة.

* في روايتك الجديدة «صاحب العالم»، ثمة تحذير مكتوب برهافة من سطوة الوسائط التكنولوجية الحديثة، لا سيما مواقع التواصل الاجتماعي، وكيف أصبحت أداة للتجسس على البشر... هل أنت من مؤيدي «نظرية المؤامرة»؟

- إن الأكثر خطورة من تأييد نظرية المؤامرة هو الإقرار بأن العالم خالٍ من المؤامرات، وقد أثيرت على مدى العقود القليلة الماضية الكثير من الأمور المتعلقة بإتاحة البيانات الشخصية للغير من قبل الشركات المالكة لمنصات التواصل الاجتماعي، بل بيعها للشركات وللحكومات وغيرها. وهذا يعني ببساطة أن المعلومات التي يظن المتعاملون مع هذه المنصات أنها سرية هي في الحقيقة ليست كذلك، وهو ما دعا المشرعين في كل أنحاء العالم للتدخل لإقرار تشريعات جنائية تجرم هذا المسلك وتفرض عقوبات مغلظة عليه، والتشريعات لا تجرم أعمالاً تخيلية أو مفترضة، وإنما تواجه واقعاً يتطلب التدخل للحد من الجريمة، الأمر إذن ليس تأييداً أو إنكاراً لنظرية المؤامرة، إنه واقع ملموس ومحسوس ويتقاضى الناس بشأنه أمام المحاكم في جميع أنحاء العالم.

* يهرب البطل في نهاية العمل إلى منطقة نائية بعيداً عن ملاحقات شبكات الهاتف أو الإنترنت حيث الطبيعة والعزلة... هل هذه هي «وصفة السعادة» لإنسان العصر برأيك؟

- لقد اخترت للرواية نهاية مفتوحة يلتم فيها شمل الحب بين حبيبين من نوع خاص جداً، أحدهما مهدد بفضيحة تطيح بكل تاريخه وتدمر سمعته وأسرته، والأخرى امرأة لم تعرف في حياتها الحب، وبعد تجربة زواج مريرة لم تجن منها إلا المال عرفت الحب مع هذا الرجل المهدد بالفضيحة. إنه حب صادق عاقل فيه من معاني الأبوة ومعاني الهيام الكثير، وقد اختارت المرأة أن تذهب إليه حيث يختبئ لتكون معه في محنته، لكن هذا لا يعنى أن الانعزال هو وجهتهما، فالرواية لا تتحدث عن الانعزال إلا بوصفه مؤقتاً، حتى يخرج الرجل المهدد بالفضيحة من دائرة اهتمام وانتقام صاحب العالم وأعوانه، أما كيف سيتعاملان مع الأمر بعد تجنب الفضيحة فهذا أمر متروك للمستقبل، إذ إن هذه الإشكالية المتعلقة بإمكانية إتاحة الأسرار لأي جهة تدفع ثمنها لم تُحل عالمياً برغم القوانين التي تجرمها.

* إلى أي حد استفدت من خلفيتك رئيساً أسبق للنيابة في كتابة عالم السجن بنماذجه البشرية الفريدة التي تعج به هذه الرواية؟

- من حسن حظي أنني لم أكن فقط وكيلاً أول للنيابة الكلية ورئيساً للنيابة فقط، كنت أيضاً أحد أعضاء لجنة العُمد والمشايخ على مستوى محافظة الدقهلية، وكنت - وهذا هو المهم هنا - المختص من أعضاء النيابة العامة بالتفتيش على السجن العمومي. وأتاح لي هذا الاختصاص أن أفاجئ السجن بالزيارة في أي وقت وأتجول في أرجائه وأعاين عنابره وزنازينه وأستمع إلى شكاوى السجناء وأحقق منها ما يحتاج إلى تحقيق. ولهذا أقول بكل أريحية: نعم استفدت من كل ذلك ولم أجد أي صعوبة في تخيل الوضع بالسجن، لا من حيث جغرافيته، ولا من حيث تراتب الرتب فيه، ولا أيضاً من حيث العادات التي يسير وفق مجرياتها المحبوسون بتوافق مع الإدارة في بعض الأحيان.

* ما الذي يميز الأديب حين يكون قادماً من خلفية قضائية، كما في حالتك، وهل ندمت على الاستقالة من المناصب الرفيعة التي بلغتها، هل كان الأدب يستحق تلك التضحية؟

- يتميز الأديب القادم من خلفية قضائية بميزة قد لا توجد إلا لدى الكاتب الموهوب جداً، ألا وهي النظر إلى الموضوع من زوايا مختلفة ومتعددة، وهو ما أسميه «ليبرالية السرد الروائي»، الذي يعني بكل أطياف اللون وليس بالأبيض والأسود فقط. وفي النهاية أنا لم أندم أبداً على تركي العمل في القضاء، فالأدب وحريتي ككاتب أثمن عندي من أي منصب، ثم إن المحاماة التي أمارسها حالياً معنى آخر من معاني القضاء، إنها تجسيد لحق الدفاع وهو أقدس حق من حقوق الإنسان، وكل متهم لا بد أن يتمتع به، حتى لو كان الشيطان نفسه.

* في الجزأين الرابع والخامس من عملك الضخم «ملحمة السراسوة» وكذلك رواية «برسكال»، تتناول ثورة 23 يوليو (تموز) 1952 بشكل عدّه بعض النقاد منحازاً لها ومدافعاً عنها.. كيف ترى الأمر؟

- لقد اعتاد الناس أن يقولوا هذا، ولا أدرى لماذا، وما الذي زكّى هذا القول، وفي الحقيقة فإن أحداً من النقاد الذين كتبوا عن الملحمة، خصوصاً عن الروايتين الأخيرتين، لم يقل بهذا أبداً، لقد كتب عنها عشرات النقاد، هنا في مصر وفي الوطن العربي، وحتى في المطبوعات العربية في أوروبا، ولم يقل أحد ممن كتبوا هذا. أغلب الظن أن هذا القول منسوب إلى بعض من يريدون تسريب هذا وكأنه واقع، تماماً مثلما يلجأ البعض من باب العداء غير المعروفة أسبابه إلى نشر أكاذيب يجري التأكيد عليها حتى تصبح وكأنها حقيقة.

أما فيما يتعلق بثورة يوليو وانتمائي لها، فهذه تهمة لا أنفيها وشرف لا أدعيه، أنا من أبناء يوليو، وقد عاصرت ورأيت بأم عيني كيف كانت منحازة للفقراء والبسطاء، وكيف انتهجت برامج للتنمية غير مسبوقة، غيرت واقع الناس وحياتهم إلى الأفضل. ورغم ذلك، فإن «ملحمة السراسوة» وجهت نقداً موضوعياً جاداً لتجربة ثورة يوليو، ولو قرأ أصحاب هذا الادعاء العمل لما قالوا هذا، ولهذا أخذت تلك الرواية تحديداً مكانها اللائق في تاريخ الأدب العربي، لست أنا من يقول هذا، الجميع يقولونه.

*هل لا تزال تشعر بأن الآيديولوجية القومية المتعلقة بالعروبة والتي تتبناها جعلت النقاد يتعمدون تجاهلك؟

- لا يمكن إنكار أننا نعيش عصراً من العداء لثورة يوليو وللفكر الاشتراكي بمقارباته كافة، ولا يمكن أيضاً إنكار أن معظم من يمسكون بمقاليد الأمور أو يوجدون في الأماكن المؤثرة هم من الأعداء بالنسبة للفكرة القومية ومن أنصار الفكر اليميني ولديهم في الغالب هوى غربي على نحو أو آخر. ومن أسف فإن انهيار التجربة الاشتراكية في الاتحاد السوفياتي ألجأت بعض الماركسيين إلى التمنطق ببعض مقولات الفكر الليبرالي وتمويلاته خشية السقوط في الفراغ، وكذلك وقعوا تحت مطرقة أحد أوجه الفكر السلفي الديني، مطرقة التمويل والانحيازات ضد أعدائهم، فأصبح الجميع يقولون الشيء نفسه، كأنه لم يعد هناك فارق بين الماركسي والليبرالى والسلفي في تقييم ما يجري في العالم. لا ينجو من هذا إلا من رحم ربي، ربما لهذا يشكل كوني قومياً اشتراكياً عائقاً كبيراً لدى من يتأثرون بهذا، وفي الحقيقة هم لم يتجاهلوني، لكنهم يقرأونني لمتعتهم كقراء، جميعهم قال لي هذا.

* لماذا تهاجم عموماً النقد بضراوة وترى أنه مات أو على الأقل يحتضر منذ زمن؟

- هناك فارق كبير بين مهاجمة النقد وبين محاولة البحث عن أسباب ضعف دوره في متابعة ومواكبة وتقييم الإبداع. لدينا على المستوى الفردي نقاد عظام، منهم أساتذة في الجامعات وأستطيع أن أضرب عشرات الأمثلة على ذلك، ومنهم من ليسوا كذلك، ولكنهم لم يطوروا مدرسة نقدية عربية على غرار ما يفعلون في الغرب، ولهذا يختلف التقييم من ناقد إلى ناقد، وربما لا يكون الناقد ملماً بصورة الإبداع كاملة. من يريد للمدرسة النقدية العربية الكمال والازدهار لا يمكن عدّه مهاجماً للنقد، بالعكس أنا أحترم النقد والنقاد وأتمنى أن يتبوأ موقعه الصحيح رمزاً لموضوعية وعدالة التقييم الأدبي غير المبني على الشللية أو الهوى أو حتى المحدودية، أو المدرسية النمطية القديمة.

* أليس غريباً أنه في زمن تُرفع فيه شعارات التكثيف وعصر السرعة، تخرج أنت على الناس برواية ملحمية كلاسيكية متعددة الأجزاء... ألا تخشى اتهامك بمعاداة التجريب؟

- هذا ما حدث، الرواية العربية كانت تفتقر إلى كتابة كهذه «الساجا» أو الملحمة الروائية، لقد أدى هذا اللون من الإبداع دوره في فهم ومتابعة تطور المجتمعات الغربية، بل الشرقية أيضاً، في الصين واليابان مثلاً، أما في العالم العربي وفي مصر بالذات لم يكن لـ«الساجا» وجود ملحوظ، اللهم إلا باستثناءات محدودة للغاية. لم يكن الأدب جزءاً من التأريخ في مجتمعاتنا العربية، لقد أسهمت «ساجا» أو ملحمة «السراسوة» بجهد غير منكور في هذا الاتجاه، ولهذا هي التي دافعت عن نفسها، وشقت طريقها فبدأ الجميع يكتب أعمالاً كبيرة، بعضها نجح وبعضها لم ينجح لأنه يفتقر لشروط الأدب الكبير. أما الزعم بأن التاريخ دفن أشكالاً أدبية وأقام على روحها المآتم فهذا أعده نوعاً من التخريف، وهؤلاء الذين يتكلمون عن الكلاسيكية لا يعرفون عما يتحدثون، أيتحدثون عن الرواية البلزاكية مثلاً؟ جيد، بماذا إذن يصفون معظم الروايات الأخرى؟ هل «عمارة يعقوبيان» لعلاء الأسواني تجريبية؟ هل هي من تيار الرواية الجديدة؟ هل رواية «طيور العنبر» لإبراهيم عبد المجيد تجريبية؟ أنا لا أعادي التجريب، ولكن هذا التجريب يجري منذ خلق الله الإنسان وتكونت المجتمعات، لا أحد يستطيع أن يقاوم التجديد، و«السراسوة» مليئة بالتجريب لمن يقرأها عن وعي.

* تؤكد أن الرواية في محنة وتتعرض إلى مؤامرة كبرى. ما الذي تقصده تحديداً ومن يقف وراء ذلك برأيك؟

- لا أستطيع الإجابة عن هذا السؤال الكبير في عجالة، ولكنني أؤكد على أن الرواية تمر بظروف صعبة بعض الشيء، التجريب يأخذها بعيداً عن مسارها الطبيعي، إلى متاهات لا تمت لعالم الرواية بصلة. فكرة إلغاء الحكاية واحتقار الحبكة ونبذ التراتب وتعظيم وصف الأشياء كما هي وليس من وجهة نظر الإنسان أو بتأثيرها فيه أو تأثرها به وغيرها من الأمور التي لم تستقر على شاطئ حتى الآن تأخذ الفن الروائي بعيداً عن مساره الصحيح، لقد جرى تحديث المدارس الأدبية الروائية بطرق سرد جديدة وأعيد اكتشاف الواقعية مرات ومرات في صور جديدة وبقيت الرواية كما هي مغمورة بسحر الفن، هذا السحر الذي يسعى البعض الآن لتجريدها منه.


مقالات ذات صلة

«مهرجان الكُتّاب والقُرّاء 2026» ينطلق في الطائف بتجارب ثقافية وترفيهية

يوميات الشرق يحتفي المهرجان بالكُتّاب والقُرّاء بأسلوب معاصر يجمع بين عبق التاريخ وروح الثقافة الحديثة (واس)

«مهرجان الكُتّاب والقُرّاء 2026» ينطلق في الطائف بتجارب ثقافية وترفيهية

انطلقت، الجمعة، فعاليات «مهرجان الكُتّاب والقُرّاء» في نسخته الثالثة، وذلك في متنزه الردف بمحافظة الطائف (غرب السعودية)، تحت شعار «حضورك مكسب».

«الشرق الأوسط» (الطائف)
يوميات الشرق يؤكد طوني بارود أنّ سبب استمراريته يعود لمحبة الناس له (إنستغرام)

طوني بارود: أحصد اليوم مكافأة على مسيرة إعلامية حافلة

يُعدّ طوني بارود من الإعلاميين القلائل الذين يجيدون التحكّم بالبث المباشر، وهي ميزة برزت بوضوح في «يلا ندبك»

فيفيان حداد (بيروت)
يوميات الشرق من حفل إعلان أسماء الفائزين بالأفرع الأربعة لـ«جائزة الملك فيصل 2026» في الرياض الأربعاء (واس)

إعلان الفائزين بأفرع «جائزة الملك فيصل 2026»

أعلنت الأمانة العامة لـ«جائزة الملك فيصل» عن أسماء الفائزين بالأفرع الأربعة لعام 2026 خلال حفل أقيم الأربعاء في الرياض، بحضور الأمير تركي بن فيصل.

«الشرق الأوسط» (الرياض)
يوميات الشرق مخطوط نادر (وزارة السياحة والآثار المصرية)

مصر تحتفي بمقتنيات نادرة توثّق تطور أدوات الكتابة عبر العصور

تمتلك المتاحف المصرية مقتنيات متنوعة ونادرة تؤرخ لتطور الكتابة والتعليم عبر العصور المختلفة ضمن احتفال وزارة السياحة والآثار المصرية بـ«اليوم الدولي للتعليم».

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
يوميات الشرق برنامج «يلا ندبك» على شاشة «إم تي في» اللبنانية (صور المخرج)

«يلا ندبك» يُعيد الوهج إلى الشاشة اللبنانية

التحدّي الأكبر كان إقناع المُشاهد بمتابعة برنامج «حُكم عليه بالإعدام قبل ولادته»...

فيفيان حداد (بيروت)

كتّابنا قرأوا ماركيز... لكن هل تأثروا به حقاً؟

كتّابنا قرأوا ماركيز... لكن هل تأثروا به حقاً؟
TT

كتّابنا قرأوا ماركيز... لكن هل تأثروا به حقاً؟

كتّابنا قرأوا ماركيز... لكن هل تأثروا به حقاً؟

حين سُئل ماركيز عن سبب عدم انتشار رواية «مائة عام من العزلة» شعبياً في فرنسا، أجاب: «ربما بسبب الديكارتية. أنا أقرب إلى حماقات رابليه مني إلى صرامة ديكارت. في فرنسا فرض ديكارت نفسه. ربما لهذا السبب لم يصل الكتاب إلى الشعبية التي بلغها في بلدان أخرى».

إجابة ماركيز تبدو صادمة جداً، وغريبة في الوقت نفسه. فما علاقة ديكارت الفيلسوف الفرنسي الشهير برواية تُترجم إلى الفرنسية، وكيف أخضع ديكارت فرنسا وسيطر عليها كلياً حتى لا تتمكن من تقبل رواية من طراز «مائة عام من العزلة»؟

من جانب آخر، أستطيع أن أضع ثقافتنا الآن في مواجهة سؤال يشبه ما قاله ماركيز عن كبرياء الفرنسي العقلاني الذي رفض تذوق رواية من أميركا اللاتينية لأنها صدمت أركان العالم العقلي الذي بناه ديكارت للفرنسيين لـ«حمايتهم من الوهم والتأكيد على عالم التجربة المحدود الذي نعيش فيه».

بالنسبة لنا كقراء في ثقافة أخرى مختلفة عن الثقافة الفرنسية في كل شيء، أُعجبنا بأعمال ماركيز جميعها. لقد اعتبرنا كتاب أميركا اللاتينية صانعي رواية بامتياز. وانتشرت كتب ماركيز وبورخيس وكورتاثار وفوينتس وساباتو وغيرهم من الكتاب بيننا وما زلنا نقرأها. لكن السؤال الأهم الذي يطرح نفسه هو: هل أضافت روايات ماركيز على أقل تقدير إيقاعاً جديداً على أعمال روائية تكتب وتنشر عندنا؟ أو بعبارة أكثر دقة: هل استفدنا من الواقعية السحرية في تغيير وجهة نظر الروائي العربي تجاه الواقع الذي يعيش فيه، ويكتب عنه؟ وإذا كان ماركيز فسر عدم انتشار روايته شعبياً في فرنسا بسبب التفكير العقلاني الذي يتمتع به الفرنسي فكيف نفسر انتشار رواية الواقعية السحرية بين القراء، ومن ضمنهم كتاب روائيون، دون أن نستطيع تحديد ملامح هذا التأثر الفني بهذا الاتجاه الفني الرائد، أعني هل لدينا نماذج روايات استلهمت الواقعية السحرية وقربت لنا الواقع بطريقة مختلفة بحيث جعلتنا نراه من زاوية أخرى؟ من خلال متابعتنا لما يكتب هنا وهناك، وجدنا أن هناك فجوة كبيرة بين الإعجاب بماركيز واستلهام تراث الواقعية السحرية. كما أن هناك اهتماماً قليلاً بمنهج الواقعية السحرية كفن يحاول أن يعلمنا تحطيم الحدود الشكلية للأشياء، والأهم من هذا يسعى الروائي الذي يستلهم الواقعية السحرية إلى التقليل من سيطرة العقل على العالم. وهذا أحد أهداف الواقعية السحرية المهمة.

ولو كان ماركيز متابعاً للأعمال الروائية الصادرة عندنا ربما لتعجب من عدد القراء المعجبين بأدبه مع قلة التأثر بهذا النوع من الأدب. لا أعرف كيف سيفسر ماركيز هذه الظاهرة الغريبة التي تندرج ضمن الإعجاب بأدبه دون أي تأثر بما كتب. فما زلنا نفكر بالعالم وكأنه كتلة تخضع لتفسير واحد وعلينا تصديق هذا التفسير... هذا ما يجعلني أقول إن ماركيز منفي عندنا كما نفته فرنسا قبلنا حين وضعته في سجن عقلها الديكارتي.

لكن كيف فهمنا الواقعية السحرية في نهاية المطاف. هل هناك رواية عربية تعاملت مع الواقع من خلال وجهة نظر خاصة تقودنا إلى الشعور بالعالم وهو يسير بسرعة فائقة أمامه؟ أليست هذه هي رسالة ماركيز أولاً، ورسالة واقعيته السحرية قبل كل شيء؟

بهذا الوعي تنفتح الواقعية السحرية على عالم الأشياء، وهنا في إطار هذا الإحساس الشفاف بالعالم تخضع التقنية لوجهة نظر الروائي فتندمج بها وتذوب بشكل كامل. التقنية مرآة تكشف لنا حقيقة العالم وإظهاره بصورة جديدة مختلفة. لذا سيكون تساؤلي بعد كل ما قلت: هل لدينا عائق ما من حدوث التغير الجمالي الذي يجعلنا نفكر بأسلوب جديد وبعاطفة أكثر تسامحاً؟ هل مرت عاصفة روايات ماركيز دون أن تحدث التغير المطلوب في طريقتنا المتعلقة برؤية العالم من حولنا؟

ليست الواقعية السحرية تكتيكاً سردياً يستخدمه الروائي للتأثير في القراء، كما أنها ليست نقلاً مباشراً للواقع كما نراه. تقترب الواقعية السحرية من الوجودية إلى درجة يختفي الحد الفاصل بينهما. وهنا يتشابه الروائي ذو الخيال الأكثر نقاء مع الوجودي الذي يكره سيطرة الاحتمال الواحد على الواقع. نحن إذن أمام تمرد كبير يحاول تخليصنا من الإحساس المتكرر بالعالم من حولنا وكأننا نقوم بالدور نفسه كل يوم متناسين أفعالنا الإنسانية وقلقنا الوجودي الذي لا يهدأ.

بعد هذه المقدمة لا بد من التوقف عند وجهة نظر محددة طرحها الناقد فاضل ثامر في كتاب «المقموع والمسكوت عنه في السرد العربي». الحقيقة أحسست بأن الواقعية السحرية التي تحدث عنها ثامر في كتابه تختلف جذرياً عن الواقعية السحرية التي أشار ماركيز إليها في بعض أحاديثه ومقالاته وأعماله الروائية.

فعلى مستوى المفهوم استخدم فاضل ثامر ثلاث مفردات هي الغرائبي والفانتازي والواقعي السحري ظناً منه أنها كلمات مترادفة. والحقيقة أن هناك فرقاً بينها لا بد من إيضاحه، فما يستخدم في مجال النقد هو «Magico»؛ أي الواقعية السحرية، وهذا المصطلح هو الأكثر شهرة والأكثر استخداماً في إسبانيا وفي أميركا اللاتينية، والأدق في التعبير عن هذه المدرسة الفنية.

أما الغرائبي فهي مفردة تشير إلى ما هو غريب عن الواقع، وهي ليست أفضل من كلمة «الفانتازي»؛ هذه الكلمة المعربة التي تعني الوهم، ولا علاقة لهاتين الكلمتين بالواقعية السحرية. ولو عدنا إلى ماركيز فقد حاول تببين وجهة نظره التي ترتبط بالخيال كمفهوم نقدي قبل كل شيء.

إذن استخدام هذه الكلمات الثلاث مترادفاتٍ خطأ نقدي لا بد من الانتباه له. ولا يمكن بأي حال من الأحوال الاعتقاد أن الواقعية السحرية هي مجرد أسلوب أدبي يمكن تعلمه بل هي وجهة نظر فكرية تنتقد أي تفكير يحاول السيطرة على الواقع ويفرض عليه طابعاً واحداً. إن قوة الرواية تأتي من هذا الإيمان بأن الحياة تنوع مذهل يصدم الإنسان ويدفعه للتساؤل والحيرة إزاء ما يراه.

لكن إذا عدنا لوجهة نظر فاضل ثامر فسنرى أن الواقعية السحرية شيء آخر يختلف كثيراً عما قدمه ماركيز، وما تحدث عنه. وفاضل ثامر يضرب مثلاً للواقعية السحرية بماركيز نفسه.

أظن أن الخطأ النقدي الثاني الذي وقع فيه فاضل ثامر هو محاولته تفسير ظهور الواقعية السحرية وكأن هذا النمط من السرد خضع لمنطق السبب والنتيجة، إذ لعبت الظروف في دفع الروائي إلى اللجوء لسرد غير تقليدي تماشياً مع تغييرات العصر. يقول فاضل ثامر «إن القاص العربي لم يعد قادراً على تصوير معاناة الإنسان في عالم شديد التعقيد بالأدوات الواقعية أو التقليدية التي كان معتاداً عليها، خاصة بعد أن راح هذا الإنسان يتعرض لسلسلة من الضغوط والإحباطات والعذابات التي لا يمكن قهرها أو مواجهتها» (ص 2).

هذا أحد أسباب تفضيل الروائي العربي للواقعية السحرية. لنتابع كي نتعرف على أسباب أخرى يعرضها الناقد لنا، يقول أيضاً: «كما يسهم هذا المنحى في تحرير السرد العربي من الرتابة والتقليدية والفوتغرافية والآلية ويكسبه المزيد من الشفافية والرهافة والفنية» (ص 3).

إذن هناك سبب فني أيضاً دفع الروائي لاختيار أسلوب الواقعية السحرية، ثم نصل إلى النقطة الأخيرة التي يقول فيها فاضل ثامر: «إضافة إلى ما تقدم فإن هذا المنحى الغرائبي والسحري والفنطازي يعيد سرد ما انقطع بين السرد العربي الحديث والموروث السردي والحكائي العربي القديم» (4).

الواقعية السحرية هي منحى أدبي لجأ إليه الروائي ليتمكن من وصف واقعه بأسلوب لا تستطيع الأدوات التقليدية فعله. وكانت هناك أسباب خارجية دفعت الروائي لممارسة هذا اللون من السرد، أهمها إمكانية تصوير الواقع بشكل أفضل كما بينا. لكن هل هذه الأسباب كل ما جعلت ماركيز هو ماركيز؟ هل هذه هي كل أسرار الواقعية السحرية التي عرضها لنا فاضل ثامر بأمانة كبيرة؟

أين الوعي النقدي بالواقعية السحرية كما تكشف عنها أحاديث ماركيز؟ أين فاعلية الخيال التي ترفض الاحتمال الواحد وتقدم الحياة على أنها أكثر رحابة وأكثر جمالاً؟ أين الصدمة التي تعرض لها ماركيز وهو يلمس في لحظة قصيرة فناء ماكوندو مدينته الأثيرة عنده؟

أسئلة أخرى لن نجد أجوبتها في الصورة التي رسمها فاضل ثامر لهذا المنهج السردي الرائع الذي أجد فيه صرخة ضد عقلانية الاحتمال الواحد.

ثم كيف نفسر إصرار الناقد على ربط الواقعية السحرية بأسلوب قديم سردي قديم يجد الناقد فيه بذوراً لواقعية سحرية قديمة. ولو أن الناقد فاضل ثامر عرف لنا الخيال، ولو أنه حلل ما قاله ماركيز عن عمله لوجد أن هناك مسافة كبيرة بين السرد الحكائي الموروث وسرد الواقعية السحرية. أظن أن مشكلة فهمنا للواقعية السحرية ينشأ من افتقار ثقافتنا للاهتمام بعنصر الخيال قبل كل شيء. إننا نجيد معركة الجدل والاستنتاج والبحث عن حقيقة وحيدة ومطلقة. وكل هذا يطبع وعينا ويجعله لا يهضم عملاً لماركيز أو بورخيس.

لست متفقاً مع الناقد في أن هناك بذوراً للواقعية السحرية في أنماط سردية قديمة يعددها الناقد فاضل ثامر مثل «ألف ليلة وليلة»، والسير والمغازي وسيرة عنترة بن شداد والسيرة الهلالية. وهنا أتساءل كيف لم تترك هذه السرديات المتنوعة فناً خاصاً بنا له ملامح واقعية سحرية قرأناها في أعمال أدبية شهيرة. فكل هذه الأنماط من السرد تضم ملامح واقعية ساذجة مطابقة للواقع أو تستخدم الوهم الذي يكرهه ماركيز أو تصف واقعاً معيناً وكأنه واقع ساكن ثابت لا ينتهي. مثل هذه الملامح السردية تحاربها الواقعية السحرية. وعلى النقد أن يقوم أولاً بتحديد المصطلحات ثم دراسة وجهة النظر النقدية الخلاقة التي تعلمنا إياها رواية حقيقية غير تقليدية وتستحق أن نقول بحق إنها رواية تعكس روح الواقعية السحرية.


هل الذاكرة عقلانية؟

بلند الحيدري
بلند الحيدري
TT

هل الذاكرة عقلانية؟

بلند الحيدري
بلند الحيدري

حين فاتحني الصديق الدكتور عارف الساعدي برغبته في أن أشارك في ذكرى مرور مائة عام على ميلاد الشعراء الثلاثة (السياب والبياتي وبلند الحيدري) أذهلتني الفكرة من حيث قيمة الوفاء لذاكرة الثقافة، ثم من حيث تحريك ذهني لمعنى الحديث عن ميلاد أي أحد بعد مائة عام من الحدث؛ ذاك الحدث الذي كان من حقه الأفول كما هي حال كل مواليد ذاك العام البعيد عنا زمناّ ومكاناّ ومعنى. وهذه لعبة مخاتلةٌ من ألاعيب الذاكرة التي تبتكر احتيالاتها الخاصة فتختار واحداً منا لكي يتذكر وهذا ليس اختياراّ عشوائياّ بدليل أن الذاكرة اختارت هذا الواحد لأمرٍ توسمته فيه وهو أن يحترم هدية الذاكرة، من حيث هي ذاكرةٌ ثقافيةً تحمل برهانها الخاص وعلامة ذلك هي الدهشة التي تختالنا مع مثل هذه الحالة العجائبية، وكيف اختارني عارف ليطلب مني طلباّ كهذا، وماذا لو اعتذرت منه بحجة ما، مثل أن أبتكر أي كذبةٍ يسمونها عادة بالبيضاء كي أتخلص.

بدر شاكر السياب

ولكني لم أبحث عن عذر، وكل ما قلته له هو «أبشر»، ولم أزد عليها، ولم أتردد عن استخدام كلمةٍ هي من موروثي الخاص فأنا أعيش في بيئة إذا قال أحدنا كلمة «أبشر» فهو يعلن الاحتفال بالوعد وهو وعدٌ محملٌ ببهجة البذل دون منةٍ ولا تسويف. وليس من عادتي أن أطلق «أبشر» بسهولةٍ لأنها كلمةٌ ذات حمولةٍ قيميةٍ عالية المعنى، والتراخي معها يحدث وحشةّ روحية لا تدع لحظاتك تمر دون أن تشعر بخجلٍ يحاصر معانيك وهذا ميثاق وفاء للذاكرة، تلك الذاكرة التي حركت الساعدي ومن ثم حركت الغذامي، وقد لا تكون الذاكرة هنا غريبةّ على الساعدي لأنه عراقي ولأنه شاعرٌ ولأنه معروف بالوفاء لذاكرة الثقافة العراقية ولشعراء العراق.

أما أنا فمحبٌّ للعراق وللذاكرة العراقية وهذا أكيدٌ عندي ولا شك، ولكن أن تتحرك ذاكرة مائة عام فهذه مسألة لها دواعيها الأخرى، وهي دواعٍ لن أحاول تحديدها لأني أرى أن الذاكرة تختارنا ولسنا من يختارها، وإذا هي اختارتنا دفعتنا للقبول دون تفكر، وهل تفكر الذاكرة...؟!، لن أقول نعم لأن الذاكرة تشتغل بشروطها الخاصة وشرطها غير عقلاني، إنه يحدث فقط. وإذا حدث تحقق، وستعتري الدهشة كل واحدٍ يتلقى خبراً عن ميلاد ثلاثةٍ سيكونون شعراء وسيمرون بحياة صاخبة، فيها نورٌ ونارٌ، وفيها بهجةٌ وانتصار بمثل ما فيها من وجعٍ، ولكنها ستصنع خريطةّ ثقافيةّ تلونها بألوانها الخاصة وهي ألوانٌ لا يمكن محوها وكلما غفلنا عنها أو نسيناها عادت لنا عبر سفراء لها مثل الساعدي.

وهنا نفتح صفحات الزمن ونقف نتبصر بحال مواليدَ دخلوا الدنيا غرباء وعاديين كغيرهم من أبناء جغرافيتهم، ولكنهم خرجوا من الدنيا بأصوات مدويةٍ تكتب أثرهم وتروي قصصهم، وتكتب لهم شهادات ميلاد غير تلك التي كانت لهم، وإنما هي شهاداتٌ كتبوها بدمهم وأرقهم وقلقهم وبمعانيهم التي احترقوا بها فأنضجتهم بمقدار ما أوجعتهم، وكل وجعٍ هو قصيدةٌ انتزعتها الروح من سكون النفس المكلومة لكي تتحول لقصيدةٍ ينشغل بها النقاد كما ستكون ميراثاّ إبداعياّ يوقع أجيالاّ بحبائل حيله عليهم لكي يوقعهم بصحبةٍ مع أشقياء الحياة ونسميهم صناع الحياة، أولئك الذين يموتون قبل غيرهم لأنهم كالسيف في غمده يأكل بعضه بعضاّ، كما وصف الفيلسوف الكندي أبا تمام وتوقع له موتاّ مبكراّ.

عبد الوهاب البياتي

وبعض الثلاثة عاش أطول من بعض، والسياب أسرعهم للموت وكأنه كان مستعجلاّ أكثر من رفيقيه، ولكنهم كلهم ماتوا مكفنين بالقصائد ووجع القصائد منذ صرختهم الأولى حتى صرختهم الأخيرة، أو بالأحرى صرخة الثقافة عليهم حين رحلوا وصار الكل يحبهم، وفي حياتهم كان الكل يلعنهم. هؤلاء الجنس البشري العجيب الذي لا يعيش إلا بالشقاء ولا يموت إلا تحت الشقاء، وكلهم تعرضوا للتشرد وكان لا بد لهم أن يتشردوا كي يبرهنوا على استحقاقهم الشعري، واستحقاقهم لمكانٍ أثيرٍ في الذاكرة ولكي نتحرك نحن لنتذكر أنهم ولدوا قبل مائة عام من هذه الوقفة التي نقفها عليهم وعلى صورهم في أذهاننا وأبيات قصيدهم في رؤوس أقلامنا نحن النقاد، وفي أشعار أجيالٍ من شعراء العرب ورثوا الشعر عنهم واستداموا شعلته بعد غيابهم.


رواية أردنية عن «التنمية الذاتية» لليافعين

رواية أردنية عن «التنمية الذاتية» لليافعين
TT

رواية أردنية عن «التنمية الذاتية» لليافعين

رواية أردنية عن «التنمية الذاتية» لليافعين

تلعب رواية «صيف مختلف... مذكرات سالم» للكاتبة الأردنية روند الكفارنة على وتر التنمية الذاتية لليافعين، وتخاطب فيهم الوجدان والعقل معاً.

اختارت الكاتبة أن تجعل روايتها الصادرة حديثاً عن «الآن ناشرون وموزعون» في الأردن، على صورة يوميات على لسان سالم؛ بطل القصة، إذ يبدأ حديثه باليوم الأخير في المدرسة فيقول: «هذا هو آخر يوم لنا في المدرسة، كنت أراقب السَّاعة على حائط الصفِّ وهي تقترب من آخر اختبار، رنَّ الجرس، قفزتُ من دَرجي، وناولت الأستاذ ورقة الاختبار، وانطلقتُ مُسرعاً تجاه الباب؛ مُعلناً أنَّ العطلة بدأت».

ولمجرد أن العطلة قد بدأت فلا يشغل بال سالم سوى اللعب والحلوى واللهو والنوم، معلناً أنه سيمارس هواية النَّوم حتَّى الظُّهر: «أسهَرُ حتَّى الصَّباح، فلا مدرسة، ولا مزيد من الطَّوابير الصباحيَّة. لا وجود للمدير الذي يصرُّ على انضباط الصفِّ، ورياضة الصَّباح، دون الاهتمام إن كان الطَّقس بارداً وماطراً، أو كانت حرارة شهر آب الذي يشبه خليَّة نحل، أو مُحرِّك درَّاجة ناريَّة، ودون أصوات الطَّلبة العالية، وحتَّى أستاذ الأحياء (فرج الله) بنظَّارته السَّميكة، وإشاراته الحمراء الكثيرة على دفتري، ثُمَّ من أخبره أنَّني أحبُّ مادَّتي الأحياء والجغرافيا؟».

وككثيرين من أبناء هذا الجيل فكل ما يشغل سالم هو اللعب واللهو والركض مع الرفاق، ولكن ليس كل شيء يتمناه الفرد يجده، فحين راودت سالم فكرة الراحة في الإجازة تذكر أن أمه ستدعو عمته وأبناءها لقضاء أسبوع في بيتهم، وبدأ يشكو من أبناء عمته وما يسببونه من إزعاج، كما أنه يشعر أن أمه لن تتركه دون أن تكلفه بمهام كثيرة، فيقول سالم: «عندما تكون الولد الأكبر، وتبدأ العطلة سيكون هنالك مهام كثيرة، ستستغلُّني أمِّي بعمل أشياء كثيرة لاعتقادها بأنَّ هذا يصنَعُ منِّي ولداً صالحاً، وهكذا أخبرتني أنَّه يترتَّبُ عليَّ تنظيف العِليَّة، فالعِليَّةُ تُشكِّل المخزن الرَّسميّ للعائلة، بها كلّ ما لا ترغب أمِّي في رؤيته، كانت جدَّتي ترفضُ رفضاً قاطعاً أن نقترب منها، لم تخبرني أبداً... ما المانع من عدم السَّماح لي أتجوَّل فيها ومُعاينة ما فيها؟».

وعندما بدأ سالم في تنظيف العِلّيّة لفت نظره مظروف مغلق يمكن القول إنه قد تسبب في تغيير أشياء كثيرة في شخصية سالم، وفي أحداث أيامه خلال فترة الإجازة الصيفية.

وعندما شاهد سالم رسائل كثيرة وحكى له أبوه عن الوقت الذي كانت تستغرقه المخاطبات والرسائل بين الناس، وأنهم كانوا ينتظرون أحياناً لشهر أو أكثر حتى تصلهم أخبار الغائبين أو المسافرين أخذ يفكر: «تأكَّدتُ أنَّنا نملك كثيراً من النّعَم بين أيدينا، إذا أحسنَّا ورشَّدنا استخدام التكنولوجيا، بما ينفعنا في حياتنا ومُستقبلنا. حقيقة هي نعمة كبيرة جدّاً يجب أن نشكر الله عليها».

وتختتم الكفارنة روايتها على لسان سالم الذي توصَّل إلى حكمة بعد كل ما رآه وعاشه، تُعدُّ خلاصة تجربته: «أظنُّ أنَّ الكُنوز تتعلّق بكيف تجعلنا سعداء وأنا اليوم سعيد، سعيد جدّاً، ولكنَّني توقَّفتُ عن العبث بمُكوِّنات أيّ عِليَّة في أيِّ مكان، يكفيني كلُّ ذلك، والغريب أنَّ ذلك لم يُعفِني من لعب الكاراتيه أبداً، وعندما عُدنا أخبرتني أمِّي أنَّ الدروس التي سآخذها ستكون مضاعفة لألحق بالطلَّاب الآخرين».

وللمؤلفة مجموعتان قصصيتان: «للأشياء أسماء أخرى»، و«ذاكرة متكسرة»، ورواية بعنوان «فستان أحمر».