المهدي لـ«الشرق الأوسط»: أنصار البشير أشعلوا الحرب ويذكون نارها

القيادي في «حزب الأمة» السوداني قال إن العسكر لن يكونوا جزءاً من المشهدين السياسي والاقتصادي

الصدّيق الصادق المهدي القيادي في قوى «الحرية والتغيير»، وحزب «الأمة» السوداني («الشرق الأوسط»)
الصدّيق الصادق المهدي القيادي في قوى «الحرية والتغيير»، وحزب «الأمة» السوداني («الشرق الأوسط»)
TT

المهدي لـ«الشرق الأوسط»: أنصار البشير أشعلوا الحرب ويذكون نارها

الصدّيق الصادق المهدي القيادي في قوى «الحرية والتغيير»، وحزب «الأمة» السوداني («الشرق الأوسط»)
الصدّيق الصادق المهدي القيادي في قوى «الحرية والتغيير»، وحزب «الأمة» السوداني («الشرق الأوسط»)

اتهم عضو المجلس المركزي لتحالف «قوى إعلان الحرية والتغيير»، ومساعد رئيس «حزب الأمة» القومي، الصدّيق الصادق المهدي، منتقدي أنصار وقف الحرب، بأنهم يتمسكون باستمرارها «خشية تضرر مصالحهم»، ويتنصلون من مسؤوليتهم عن الحرب بتحميلها لـ«القوى المدنية التي تعمل على إصلاح مؤسَسي للدولة يقطع الطريق أمامهم».

وقال المهدي في مقابلة مع «الشرق الأوسط»، إن خلاف «أنصار نظام البشير البائد الرئيسي، ليس مع قوات (الدعم السريع) التي صنعوها ومكّنوها، بل مع القوى المدنية التي تسعى لتحقيق إصلاح مؤسسي لمؤسسات الدولة، بما في ذلك القوات النظامية، بما هدد ويهدد تمكينهم واستثماراتهم ونهبهم موارد البلاد».

وكشف المهدي عن اقتراب القوى المدنية من «تشكيل جبهة مدنية عريضة، تعمل على إنهاء الحرب، مؤلفة من قوى مدنية وسياسية ولجان مقاومة ومهنيين وشخصيات مستقلة، وتم التوافق على لجنة اتصال للقيام بالاتصالات اللازمة لإعلان الجبهة وعقد مؤتمرها في العاصمة الإثيوبية أديس أبابا».

حرب مدمرة اشتعلت في الخرطوم تتضارب المعلومات حول من أشعلها (أ.ف.ب)

وأوضح أن النظام البائد وأنصاره «أشعلوا الحرب ويعملون على استمرارها ويقفون ضد وقفها، ليعودوا إلى السلطة من بوابتها، وليفتحوا منافذ جديدة للفساد، لذلك صنعوا ودعموا انقلاب 25 أكتوبر (تشرين الأول) 2021، ثم جاءوا بالطامة الكبرى، حرب منتصف أبريل (نيسان) الماضي، لقطع الطريق أمام أي تحول ديمقراطي مدني مضاد لمصالحهم».

ووصف المهدي الاتهامات التي يطلقها أنصار نظام الرئيس السابق عمر البشير، على القوى المدنية بـ«الخيانة»، بأنها «مخالفة للمنطق السليم»، وأكد أن من يدعون لاستمرار الحرب أشخاص قد تضررت مصالحهم من وقفها، مضيفاً أن «أنصار حزب المؤتمر الوطني، والإسلاميين عموماً، وأصحاب التمكين السابق، أشعلوا الحرب، ويريدون استمرارها».

​ ونفى المهدي وجود مشكلة رئيسية بين حزب «المؤتمر الوطني» (الحاكم في عهد البشير) وأنصاره، وقوات «الدعم السريع»؛ «لأنهم صنعوها ومكنوها من اقتسام السلطة والتمكين معها، ليعودوا من بوابتها بشكل من الأشكال»، مؤكداً أن «مشكلتهم الحقيقية مع القوى السياسية التي تدعو للإصلاح. فهم يريدون المحافظة على مصالحهم المشبوهة وتمكينهم وتهريب موارد البلاد، وإعادة فتح أبواب الفساد على مصراعيها، لذلك أشعلوا الحرب ويتمسكون باستمرارها، وهذا هو السبب المباشر لهجمة فلول النظام البائد على المدنيين».

وأكد المهدي أن معركة حزب «المؤتمر الوطني» وأنصاره الأساسية «ليست مع قوات (الدعم السريع)، مهما تصاعدت ودمرت البلاد وقتلت المواطنين وهجرت من هجرتهم، وعرضت البلاد وأهلها للمعاناة».

واتهم المهدي أنصار النظام البائد والعسكريين الموالين لهم «بإهدار مبالغ ضخمة تتراوح بين 6 و9 مليارات دولار سنوياً. فالسودان ينتج من الذهب سنوياً ما يتراوح بين 120 و200 طن، لا تحصل الدولة منها إلا على نحو من 20 إلى 30 طناً، ويذهب الباقي هدراً عن طريق التهريب».

وأوضح أن عناصر نظام عمر البشير البائد تسعى للحفاظ على هذه المصالح، وقال إن «وقوف هؤلاء وراء انقلاب 25 أكتوبر كان لقطع الطريق أمام إصلاح مؤسسات الدولة الاقتصادية والعسكرية، وإنهم زادوا الطين بلة بإشعال الحرب العبثية، وعملوا على استمرارها، منطلقين من عدائهم للقوى المدنية التي تدعو لتحول مدني ديمقراطي، ولإصلاح مؤسسي للدولة السودانية».

لا شراكة مع العسكر

وقطع المهدي بـ«استحالة قيام شراكة جديدة بين المدنيين والعسكريين في المرحلة المقبلة»، وقال: «هم أقروا بأنهم لن يكونوا جزءاً من المشهد السياسي، فإذا كانوا صادقين وجادين، فإن ممارساتهم، منذ نظام عمر البشير وأثناء الانتقال وصولاً إلى الحرب العبثية والكوارث التي ترتبت عليها، كفيلة بجعلنا نضغط ونتوافق على أن يلتزموا بما ألزموا أنفسهم به في الاتفاق الإطاري، بأن يبتعدوا عن ممارسة السياسة والاقتصاد والاستثمار».

ورأى المهدي أن استمرار الحرب «يهدد بانزلاق البلاد نحو مأساة الحرب الأهلية، وتحول السودان لبؤرة ومصدر للكوارث في العالم والإقليم»، قاطعاً بأن «الطريق الأصوب لوقف الحرب تكون بإعلاء صوت مصالح السودان، ومحاصرة دعاوى من أشعلوا الحرب والمستفيدين من استمرارها».

ووفقاً للمهدي، فإن الحرب «تسببت في معاناة للمدنيين في دارفور، خصوصاً غربها، ما اضطر كثيراً منهم للجوء إلى دول الجوار في ظل ظروف في غاية المأساوية، ويليهم في المعاناة من ظلوا في الخرطوم، وجميعهم يعانون قسوة العيش وندرة مقومات الحياة».

ووصف المهدي قرار مجلس حقوق الإنسان بتشكيل لجنة تقصي حقائق بشأن الانتهاكات في السودان، بأنه «قرار يستحق الإشادة، ويؤكد في الوقت ذاته أن تبعات الحرب العبثية تقع على المدنيين، وأن القادة العسكريين يستمرون في حربهم دون مراعاة لدمار البلاد وقتل المدنيين وعمال الإغاثة، ما جعل السودان يصنف ثاني أخطر دولة على عمال الإغاثة، إذ قتل فيه 19 عامل إغاثة خلال عام واحد، وذلك وفقاً لمسؤول في الأمم المتحدة».

وأعرب المهدي عن قناعته بأن قرار مجلس حقوق الإنسان سيكشف مرتكبي الانتهاكات ويقطع سجال الطرفين واتهام أحدهما للآخر، وتابع: «هذا تحقيق مستقل مدعوم بخبرات مجلس حقوق الإنسان وإمكاناته المالية»، داعياً للاستعانة بسودانيين من «أصحاب الخبرة والكفاءة والتأهيل في تكوين لجنة تقصي الحقائق لتكون لجنة وطنية ودولية، تستطيع إنجاز تحقيق مستقل وشفاف يحدد الانتهاكات ويكشف المسؤولين عنها، وينهي اتهامات طرفي الحرب لبعضهما بتلك الانتهاكات، ويحاسب من تسببوا بها، ويسهم في تحقيق العدالة للضحايا ووضع أسس العدالة الانتقالية».

ودعا المهدي إلى «وضع أسس عملية وفنية دقيقة لتعويض ضحايا الانتهاكات، وفق منهج لا يقوم على الروايات، بل على آليات التدقيق العلمية التي تحدد ما فقده الضحايا»، مؤكداً أن الأعمال العدوانية والانتهاكات ضد المدنيين لم تبدأ بالحرب الحالية، بل بدأت بانقلاب يونيو (حزيران) 1989، الذي مكن الإسلاميين وارتكب جرائم الإبادة الجماعية والحرب، ومارس التعذيب والقتل ونهب موارد البلاد، ثم قتل وانتهك حقوق الثوار السلميين في عملية فض اعتصام القيادة العامة، حتى الحرب الحالية.

العسكر مسؤول عن جريمة فض الاعتصام

وحمّل المسؤولية عن هذه الانتهاكات لـ«المكون العسكري بشقيه، وهذا أمر يجب إخضاعه للتحقيق، وأنا أحمل المجلس العسكري الانتقالي المسؤولية كاملة، فالجيش يقول إنه لم يقم بفض الاعتصام، لكن الجريمة حدثت أمام قيادته العامة، ومن واجبه حماية المدنيين، وفي الحد الأدنى هم مسؤولون عن التقصير»، مضيفاً أن «المدنيين السودانيين تعرضوا لانتهاكات عديدة من قبل المكون العسكري، توجت بهذه الحرب التي وصفوها هم بأنفسهم بالعبثية». وأكد المهدي أن المدنيين ليسوا ضد العسكريين والجيش السوداني، لكنهم يعملون من أجل الإصلاح المؤسسي في البلاد، بإقامة مؤسسة عسكرية لا تعمل لأجندة سياسية تخصها. وتابع: «هذه مهمة المكونات السودانية جميعها، بأن يكون هناك جيش مهني قومي احترافي واحد، يعمل على حماية الوطن ومواطنيه. وهذه من المهام التي يجب التوافق عليها للخروج من الحرب والدخول في فترة انتقال مدني، لذلك هناك ضرورة لصوت مدني واضح في إصلاح المؤسسات، بما فيها القوات النظامية».

وعدّ المهدي أن استمرار الحرب «لن يحقق نتيجة إيجابية لأي من طرفيها، ناهيك بالبلاد»، وقال: «حتى لو دارت الحرب خارج المدن لتدخل المدنيون لوقفها، لأنها تستنزف أرواح أبناء السودان، وتستهلك إمكانات البلاد، وتهدد مجتمعها بالانقسام».

تحذير من حرب أهلية

وحذر المهدي من اتساع نطاق الحرب وتحولها إلى حرب أهلية، بقوله: «أصبح كل طرف يستنصر بمكونات اجتماعية موالية له، وهذا التوجه قد يقود البلاد للانزلاق إلى حرب أهلية تهدد بتقسيمها». وتابع: «لذلك يجب أن تقف، وأن يعلو الصوت المدني في التعبير عن ضرورة إيقافها، وهذا ما نعمل عليه الآن، من خلال توحيد هذا الصوت المدني».

وبمواجهة الانقسام الواضح بين المدنيين، أكد المهدي أن توحيد الصف المدني قطع شوطاً مهماً، موضحاً أن «هناك تياراً يرى أن إنهاء الاضطراب في البلاد والتباين العسكري يكمن في العمل المسلح فقط، لكن هذا التيار انحسر بشكل كبير، وعلا صوت الدعوة لإيقاف الحرب».

ويتمسك المهدي بأهمية توحيد الصف المدني من أجل مخاطبة العسكريين بضرورة «تجنيب البلاد حرباً أهلية تهدد بتقسيمها إذا أعلن كل طرف حكومة موالية له في مناطق سيطرته». ورأى أن «وقف الحرب يعني وقف الدمار والموت، وهو يفتح الباب لمساعدة الناس ووقف معاناتهم القاسية ومعالجة التباينات المدنية والعسكرية سلمياً، وتقديم المساعدات الإنسانية للمتضررين، وإطلاق عملية سياسية تنقل البلاد إلى اتفاق شامل يزيل كل أسباب الحروب، ويعالج جذور الأزمة ليجعل من الحرب الحالية آخر الحروب».

جهود لتشكيل جبهة مدنية

وأرجع المهدي تأخر التوافق المدني إلى أسباب موضوعية وذاتية، قائلاً: «استغرق توافق وتوحيد القوى المدنية زمناً طويلاً، لظروف موضوعية وذاتية، تتمثل في صعوبة التواصل بين المدنيين ووجود مجموعات كبيرة داخل البلاد». وفي إشارة إلى اجتماع «الكتلة الديمقراطية» التي أيدت انقلاب أكتوبر في مدينة أسمرا الإريترية، قال المهدي: «خرجوا بإعلان لا يخاطب قضية إيقاف الحرب بشكل فعال، وتبنوا موقفاً يعد إعادة إنتاج لموقفهم السابق، دون اتعاظ بتجربة الحرب، ودعوا لشراكة مع العسكريين وتكوين مجلس سيادة من 9 أشخاص بقيادة عسكرية ومشاركة مدنية، وهذه رؤيتهم قبل الحرب». واستطرد: «هذه رؤية مدنية، رغم تبايننا معها، فإننا نحترم توجهها ورأيها».

وكشف المهدي عن العمل على بلورة جبهة مدنية عريضة، تعد امتداداً للجبهة المدنية التي أعلن عنها في 27 أبريل (نيسان) الماضي، بمبادرة من «لجان مقاومة الحاج يوسف»، وقال إنها «جبهة تضم لجان مقاومة وقوى سياسية ومنظمات مجتمع مدني وقوى نقابية ومهنيين وشخصيات وطنية مستقلة، وعقدت تنسيقيتها في أديس أبابا اجتماعاً يومي 17 و18 سبتمبر (أيلول) الماضي». وأضاف أن المجموعات المدنية «اتفقت على تكوين لجنة اتصال للتواصل مع المكونات المدنية والحركات المسلحة غير المنضوية في إعلان أبريل، وتجديد الاتصالات مع المكونات التي استبطأت عمل الجبهة وكونت مبادرات أخرى».

وبدا المهدي متفائلاً «باتفاق الأطراف المدنية على تكوين جبهة عريضة وموسعة»، وقال: «أستطيع القول إن هناك بشائر بتحقيق توافق مدني عريض، وإننا مقبلون على جبهة مدنية عريضة بالفعل، تتكون من أنصار وقف الحرب، وتتوافق على رؤية واضحة لتقديم المساعدات للمواطنين، وتؤسس لانتقال يعلي الصوت المدني ويعير عنه بشكل واضح وبين وجلي». وتابع: «سيرى الناس هذه الجبهة ويقيمون موضوعياً أعمالها».


مقالات ذات صلة

المسيرات تغرق جنوب شرقي السودان بالظلام

شمال افريقيا قصف بالمسيرات لمحطة كهرباء عطبرة (أرشيف - متداولة)

المسيرات تغرق جنوب شرقي السودان بالظلام

قصفت طائرات مسيرة يرجح أنها لـ«قوات الدعم السريع» 5 محطات تحويلية للكهرباء في السودان ما تسبب في انقطاع التيار عن ولايات «سنار، القضارف، النيل الأبيض، والجزيرة»

أحمد يونس (كمبالا)
شمال افريقيا وزير الخارجية والتعاون الدولي السوداني محيي الدين سالم أحمد مستقبلاً الأمين العام للجامعة العربية نبيل فهمي في الخرطوم الاثنين (إكس)

الجامعة العربية تجدد من الخرطوم دعمها للحوار السوداني

أعلنت جامعة الدول العربية مجدداً دعمها للحوار السوداني - السوداني، وكشفت عن استعدادها لتقديم المساندة المطلوبة، مؤكدة ضرورة أن يكون بقيادة سودانية.

وجدان طلحة (الخرطوم)
شمال افريقيا سودانية هاربة من مدينة الفاشر متأثرة خلال مقابلة مع وكالة «رويترز» بمعسكر للاجئين شرق تشاد 27 نوفمبر 2025 (رويترز) p-circle

بريطانيا تعاقب 15 قائداً سودانياً ضالعاً في «اغتصابات الفاشر»

أعلنت المملكة المتحدة فرض عقوبات ضد 15 قائداً عسكرياً من طرفَي النزاع في السودان يشتبه بـ«ارتكابهم فظائع، من بينها عنف جنسي مرتبط بالنزاع»، في وقت سقوط الفاشر.

«الشرق الأوسط» (لندن)
تحليل إخباري جانب من الاجتماع التشاوري بشأن السودان في جنيف 21 أكتوبر 2026 (الخارجية السعودية) p-circle

تحليل إخباري السودان... «الهدنة» تسابق «المسيرات»

بين قاعات الاجتماعات الدولية وسماء المدن السودانية، يتسارع سباق غير متكافئ... وساطات تحاول انتزاع هدنة... ومسيّرات توسّع رقعة القصف.

عيدروس عبد العزيز (لندن)
شمال افريقيا قوات حفظ السلام الأممية (يونيسفا) في أثناء محاولات إطفاء النيران في سوق النعام بمنطقة أبيي (الأمم المتحدة - «فيسبوك»)

الخرطوم تنفي مسؤولية الجيش عن «مجزرة أبيي»

نفت الحكومة السودانية أي صلة للجيش بهجوم الطائرة المسّيرة الذي استهدف سوق النعام بمنطقة أبيي الحدودية مع دولة جنوب السودان.

محمد أمين ياسين (نيروبي)

رئيس الصومال يدعو المعارضة للحوار... هل تتفكّك الأزمة؟

الرئيس الصومالي حسن شيخ محمود (وكالة الأنباء الصومالية)
الرئيس الصومالي حسن شيخ محمود (وكالة الأنباء الصومالية)
TT

رئيس الصومال يدعو المعارضة للحوار... هل تتفكّك الأزمة؟

الرئيس الصومالي حسن شيخ محمود (وكالة الأنباء الصومالية)
الرئيس الصومالي حسن شيخ محمود (وكالة الأنباء الصومالية)

دعا الرئيس الصومالي حسن شيخ محمود المعارضة في البلاد إلى الحوار للتوصل لحلول بشأن قضايا الوطن، بعد أيام من رفض قوى سياسية مسار الانتخابات المباشرة المقررة لأول مرة منذ عقود في عام 2027.

ذلك الطرح الرئاسي الجديد يعتقد خبير صومالي في الشؤون الأفريقية تحدث لـ«الشرق الأوسط» أنه «لا يمكن وحده أن يفكك الأزمة ما لم يُطرح مسار تفاوضي جاد ليس فيه شروط للوصول لتوافق بشأن المسار الانتخابي محل الأزمة منذ أكثر من عامين».

وتتمسك المعارضة بنظام المحاصصة القبلية في تقاسم المناصب السيادية، الذي يجري فيه توزيع المقاعد على القبائل الأربع الرئيسية، في حين يُمنح «نصف مقعد (حصة)» للمجموعات العرقية الصغيرة.

باب الحوار

وأفادت وكالة «الأنباء الصومالية» بأن حسن شيخ محمود وجّه خطاباً للشعب بشأن «تطوير المسار الديمقراطي، وتنفيذ الانتخابات المباشرة القائمة على مبدأ (صوت واحد لكل مواطن)، إلى جانب الجهود الرامية إلى تعزيز الحوار السياسي والوحدة الوطنية». وأكد أن «باب الحوار يظل مفتوحاً في جميع الأوقات للتوصل إلى حلول توافقية للقضايا الوطنية»، وفق ما نقلته الوكالة مساء الأحد.

ويأتي الخطاب الرئاسي بعد أيام من تحذير «مجلس مستقبل الصومال» المعارض، في بيان، من إجراء انتخابات أحادية الجانب في البلاد، مؤكداً «معارضته الشديدة لجدول انتخابات مجلسَي البرلمان الفيدرالي ورئاسة الجمهورية»، الذي قال إنه «صدر بأمر من الرئيس حسن شيخ محمود، دون التوصل إلى اتفاق سياسي شامل بشأن عملية انتخابية قابلة للتنفيذ في البلاد».

ودعا «مجلس مستقبل الصومال» أخيراً إلى «اتفاق بشأن الانتخابات»، مشدداً على «أهمية استئناف المحادثات والسعي إلى اتفاق سياسي مقبول لدى جميع الأحزاب السياسية ويحظى بدعم الشركاء الدوليين».

وأوضح «المجلس» أنه في حال إصرار الرئيس حسن شيخ محمود على القرارات «سيتخذ تدابير دستورية وسياسية أخرى لحماية حقوق الشعب وشرعية الانتخابات»، داعياً الشعب إلى «معارضة هذه الإجراءات بشكل جماعي».

وفي منتصف أكتوبر (تشرين الأول) الحالي، أعلنت «اللجنة الوطنية المستقلة للانتخابات» بالصومال إجراء الاقتراع البرلماني والرئاسي في أبريل (نيسان) ومايو (أيار) المقبلين بنظام الانتخابات المباشرة.

الرئيس الصومالي في لقاء سابق مع قيادة «منتدى الإنقاذ» الذي يضم قوى معارضة (وكالة الأنباء الصومالية)

ويرى الخبير الصومالي في الشؤون الأفريقية علي محمود كلني أنه «لا يكفي أن تقتصر الجهود على الدعوة إلى الحوار، ما لم تقترن بخطوات عملية لبناء الثقة والتوصل إلى اتفاق واضح بشأن الإطار الانتخابي وضمانات مشاركة الأطراف السياسية والإدارات الإقليمية».

وشدد على أن «التسوية المبكرة تظل الخيار الأقل تكلفة للحفاظ على استقرار المؤسسات وتجنب انزلاق الخلافات إلى مواجهة مفتوحة».

مزيد من التعقيد

وحذر من أن «الأزمة السياسية في الصومال نحو مزيد من التعقيد حال لم يتم تقديم الأطراف تنازلات متبادلة، ومعها تتزايد المخاوف من اتساع فجوة الثقة وتراجع فرص التوصل إلى تسوية سياسية قبل استحقاقات عام 2027».

ولم يكن طرح حسن شيخ محمود الأول نحو مسار الحوار؛ إذ ذكّرت الحكومة عقب إعلان جدول الانتخابات الشعب الصومالي وسائر الأطراف المعنية بأنها «عملت خلال الأشهر الـ18 الماضية على تهيئة أجواء التشاور والحوار»، مؤكدة أن «المشاورات والمفاوضات ستتواصل»، ومشددة على حرصها على «إنجاحها وتحقيق نتائج ملموسة تفضي إلى توافق واسع بين مختلف الأطراف».

وسبق أن عقدت الرئاسة والحكومة في مقديشو جولات حوار عديدة مع المعارضة بدعم تركي وغربي للوصول إلى تفاهمات حول الخلافات دون الوصول إلى نتائج حاسمة.

احتواء الخلافات

ووفق محمود، فإن «قدرة الحكومة الفيدرالية على احتواء هذه الخلافات ستتوقف إلى حد كبير على مدى استعدادها لإبداء مرونة سياسية وإدارية، وفتح المجال أمام تفاهمات تتجاوز الحسابات الضيقة للصراع على السلطة».

وشدد على أن «استمرار النهج القائم على فرض الخيارات السياسية دون توافق واسع قد يدفع مزيداً من الأطراف إلى الابتعاد عن الحكومة، ويعمّق الانقسام داخل النظام الفيدرالي».

كما يعتقد أن الصومال أمام مفترق طرق سياسياً؛ فإما إطلاق مسار تفاوضي قائم على حوار جاد يفضي إلى توافق بشأن الانتخابات وانتقال السلطة، أو استمرار الاستقطاب بما قد يوسّع دائرة الخلاف ويضعف تماسك النظام الفيدرالي.


خبراء: زيارة أمين عام الجامعة العربية للخرطوم تُمهد لحوار سوداني - سوداني

وزير الخارجية السوداني في أثناء استقباله أمين عام الجامعة العربية في مطار الخرطوم الاثنين (الخارجية السودانية)
وزير الخارجية السوداني في أثناء استقباله أمين عام الجامعة العربية في مطار الخرطوم الاثنين (الخارجية السودانية)
TT

خبراء: زيارة أمين عام الجامعة العربية للخرطوم تُمهد لحوار سوداني - سوداني

وزير الخارجية السوداني في أثناء استقباله أمين عام الجامعة العربية في مطار الخرطوم الاثنين (الخارجية السودانية)
وزير الخارجية السوداني في أثناء استقباله أمين عام الجامعة العربية في مطار الخرطوم الاثنين (الخارجية السودانية)

قال دبلوماسيون سابقون وخبراء إن زيارة الأمين العام لجامعة الدول العربية نبيل فهمي إلى الخرطوم «تمهد لحوار سوداني - سوداني»، وأكدوا لـ«الشرق الأوسط» أن «دعم الجامعة العربية خطوة مهمة لتدشين (خريطة سياسية) تنهي أزمة الحرب الداخلية».

وزار الأمين العام لجامعة الدول العربية، الاثنين، الخرطوم، في زيارة عمل للسودان، هي الأولى له منذ تولي منصبه في يوليو (تموز) الماضي.

وتأتي زيارة فهمي في إطار «حرص الجامعة العربية على دعم الجهود الرامية إلى وقف الحرب السودانية، وتخفيف معاناة السودانيين»، وفق بيان لـ«الجامعة العربية»، الاثنين.

ومنذ بداية الحرب الداخلية بالسودان، في أبريل (نيسان) 2023، اتخذت «الجامعة العربية» قرارات على مستويات مختلفة، تؤكد «دعم وحدة السودان وسلامة أراضيه، وتدعو إلى وقف الحرب الداخلية».

وحسب بيان «الجامعة العربية»، تأتي زيارة الأمين العام للخرطوم في إطار «تضامن الجامعة مع السودان، دولة وشعباً، في هذا الظرف الدقيق»، وانطلاقاً من «المواقف الثابتة للجامعة الداعم لوحدة السودان، وسيادته وسلامة أراضيه، وصون مؤسساته الوطنية»، بجانب حرصها على «دعم الجهود الرامية لوقف الحرب، وتخفيف معاناة السودانيين».

واعتمد مجلس الجامعة العربية في مايو (أيار) الماضي، القرار رقم 9246 خلال الاجتماع غير العادي على مستوى المندوبين الدائمين، والذي شدد على «أهمية الحفاظ على أمن السودان واستقراره»، وأدان المجلس «بأشد العبارات الهجمات التي تستهدف البنى التحتية والمنشآت المدنية في السودان، وما تسببت به من خسائر في الأرواح والممتلكات العامة والخاصة»، وتضمن القرار تكليف الأمانة العامة للجامعة بـ«اتخاذ الإجراءات اللازمة لإحالة القرار إلى الدول والمنظمات ذات الصلة، في إطار دعم الجهود الرامية إلى حماية السودان، والحفاظ على استقراره».

ويرى سفير مصر الأسبق لدى السودان حسام عيسى أن «زيارة فهمي للخرطوم تكتسب أهمية سياسية في هذا التوقيت»، وأشار إلى أنها «تأتي في وقت يسعى فيه السودان لبدء حوار سياسي داخلي سوداني - سوداني، ومن ثم، فإن دعم الجامعة العربية لهذا المسار، خطوة مهمة لتدشين (خريطة سياسية) تنهي أزمة الحرب الداخلية».

ودعت الحكومة السودانية إلى حوار سوداني - سوداني، داخلي، وأعلنت «لجنة تهيئة الحوار»، المشكَّلة من مجلس السيادة، انطلاق أعمالها في نهاية أغسطس (آب) الماضي، للتواصل مع القوى السياسية والمجتمعية داخل السودان وخارجه، تمهيداً للحوار الشامل.

أمين عام الجامعة العربية في أثناء وصوله لمطار الخرطوم الاثنين (الخارجية السودانية)

ويعتقد عيسى أن «التأييد العربي لمسار الحوار السياسي الداخلي، مهم خصوصاً في ظل أزمة انعدام الثقة بين الفرقاء السودانيين»، وقال إن «محادثات أمين الجامعة العربية مع المسؤولين في الخرطوم، تأتي بعد أيام من اجتماعات (الرباعية) الدولية في جنيف، التي ناقشت الأوضاع الإنسانية في السودانية، وفرص التسوية السياسية للأزمة»، وقال إن «التعويل على الدور العربي مهم في هذه المرحلة».

وعقدت مجموعة الرباعية الدولية بشأن السودان (التي تضم المملكة العربية السعودية، ومصر، والإمارات، والولايات المتحدة) اجتماعات مكثفة في مدينة جنيف السويسرية، الأسبوع الماضي، بحضور كبير مستشاري الرئيس الأميركي للشؤون العربية والأفريقية مسعد بولس، وأكدت على أنه «لا حل عسكرياً للنزاع داخل السودان».

بينما يشير مدير وحدة العلاقات الدولية بـ«المركز السوداني للفكر والدراسات الاستراتيجية» مكي المغربي إلى أن «دور الجامعة العربية مطلوب في المسألة السودانية والحوار السوداني - السوداني»، لافتاً إلى أن «الدعم المباشر من الجامعة للسودان ربما يدفع إلى حلول فعلية على الأرض».

ويوضح المغربي أن «الجامعة العربية، الأجدر على حشد الجهود نحو موقف عربي موحد، داعم للشرعية في السودان، ورافض لأي محاولات للمساس بسيادته»، وقال إن «مواقف الجامعة قاطعة في هذا الأمر، وسبق أن أكدت على الرفض القاطع للمساس بوحدة السودان وسلامة أراضيه»، بجانب «رفض التعامل مع أي كيانات موازية في السودان».


المسيرات تغرق جنوب شرقي السودان بالظلام

قصف بالمسيرات لمحطة كهرباء عطبرة (أرشيف - متداولة)
قصف بالمسيرات لمحطة كهرباء عطبرة (أرشيف - متداولة)
TT

المسيرات تغرق جنوب شرقي السودان بالظلام

قصف بالمسيرات لمحطة كهرباء عطبرة (أرشيف - متداولة)
قصف بالمسيرات لمحطة كهرباء عطبرة (أرشيف - متداولة)

أغرقت طائرات مسيرة، يرجح أنها لـ«قوات الدعم السريع»، جنوب شرقي السودان بالظلام، إذ قصفت خمس محطات تحويلية للكهرباء في السودان، ما تسبب في انقطاع التيار عن ولايات «سنار، القضارف، النيل الأبيض، والجزيرة»، وألحق القصف أضراراً بالغة قالت السلطات إنها تهدد استقرار الشبكة القومية للكهرباء.

وقالت شركة كهرباء السودان القابضة، في بيان الاثنين، إن الهجمات استهدفت محطات «سنجة بولاية سنار، والفاو، والحواتة بولاية القضارف، ومشكور بولاية النيل الأبيض، والجنيد بولاية الجزيرة» التحويلية، وسببت أضراراً بالغة بمكونات هذه المحطات، وأدت لإظلام تام بالشبكة الجنوبية الشرقية للبلاد.

اتهام «الدعم السريع»

واتهمت الشركة صراحة «قوات الدعم السريع» بمهاجمة محطاتها، بقولها: «تودّ شركة كهرباء السودان القابضة أن تطلع الرأي العام والمواطنين الكرام، على تفاصيل الاعتداءات الإرهابية الغادرة التي نفذتها ميليشيا (الدعم السريع) المتمردة صباح اليوم عبر الطائرات المسيرة، والتي استهدفت بشكل مباشر عدداً من المحطات التحويلية والحيوية بالبلاد، موضحة أنها استنفرت فرقها الهندسية والفنية للوصول إلى المحطات المتضررة وحصر الأضرار، وبدء المعالجات اللازمة لإعادة التيار واستقرار الشبكة، دون تحديد موعد لاستعادة الخدمة».

وبينما لم يعلق الجيش السوداني رسمياً على الأحداث، نقلت منصات موالية تابعة له عن مصادر «عسكرية»، أن المسيرات التي استهدفت محطات الكهرباء، كانت قادمة من جهة «إثيوبيا» التي يتهمها السودان بدعم «قوات الدعم السريع»، وهو اتهام درجت على نفيه مراراً.

من جهتها، أعلنت لجنة أمن ولاية سنار أن طائرة مسيرة استراتيجية، استهدفت محطة سنجة التحويلية بصاروخين، ما أسفر عن أضرار مادية وإصابة أفراد من طاقم الحراسة، وحددت مجموعة «محامو الطوارئ» في بيان منفصل، عدد المصابين باثنين.

وقالت المجموعة إن انقطاع الكهرباء، امتد أيضاً إلى أجزاء من ولايتي شمال كردفان وكسلا، وإن الهجوم على محطة مشكور بمحلية الدويم تسبب في تلف المحول.

مستودعات الوقود

وتأتي الهجمات بعد محاولة استهداف مستودعات «أم عليلة للوقود» شرق ود مدني، فجر أمس الأحد، ونقلت تقارير صحافية وقتها أن الدفاعات الجوية أسقطت أربع مسيرات انقضاضية كانت تستهدف المستودعات.

وتعرضت المستودعات ذاتها لهجوم في 27 سبتمبر (أيلول) الماضي، تسبب في اندلاع حريق، وقالت هيئة إذاعة وتلفزيون ولاية الجزيرة وقتها، إن المسيرة أصابت خزانين للجازولين من أصل أربعة، قبل أن تتمكن فرق الدفاع المدني من السيطرة على النيران.

محطة تحويلية تعرضت لقصف (أرشيف - متداولة)

وشهدت الأيام الأخيرة أيضاً هجمات على محطات وقود في كل من مدن «أم روابة، والرهد» بولاية شمال كردفان، وذكرت مصادر ميدانية أن الهجوم طال أربع محطات وقود في مدنية الرهد الخميس وأسفر عن مقتل شخص، كما طال محطتي وقود في أم روابة، مسبباً أضراراً وإصابات.

وقالت مجموعة «محامو الطوارئ» إن هجمات الاثنين سبقها ست هجمات على محطات كهرباء خلال أكتوبر (تشرين الأول) الحالي، شملت: «الدبة، مروي، عطبرة، الروصيرص، تندلتي، والفاو»، وحذرت من تداعيات تعطيل الكهرباء على المرافق الصحية ومصادر المياه والخدمات الأساسية.

تبديد الآمال

ونقلت «وكالة الصحافة الفرنسية» عن المزارع بمشروع الجنيد عبد الحافظ دفع الله، أن إصلاح المحطة وتحسن الكهرباء خلال الأشهر الثلاثة الماضية، أعادا الأمل في تشغيل مضخات الري واستئناف الزراعة، قبل أن يبدد الهجوم الحالي هذه الآمال، وقوله: «كنا نأمل في أن نتمكن أخيراً من أن نزرع مجدداً، لكنّ المحطة ضربت الآن».

وقال بابكر يوسف من مدينة الفاو إن انقطاع الكهرباء يهدد حفظ «الإنسولين» الخاص بابنه، وإن شراء الدواء مجدداً سيمثل عبئاً إضافياً على أسرته في ظل صعوبات الموسم الزراعي، وتابع: «لا نعرف متى تعود الكهرباء».

تصاعد الغارات

وتزامنت هجمات منشآت الطاقة مع تصاعد الغارات التي ينفذها الجيش على مدينة نيالا، الخاضعة لسيطرة «الدعم السريع» في جنوب دارفور، ونقلت صحيفة «دارفور 24» عن شهود أن غارات استهدفت مواقع لـ«الدعم السريع» ومحيط سوق المواشي، وأوقعت قتلى وجرحى، بينهم أجانب.

وذكرت أن شخصاً على الأقل قتل بقصف قالت إن الجيش السوداني نفذه على منجم «أغبش» في محلية الردوم بولاية جنوب دارفور بأربعة صواريخ، حيث استهدف مقر شركة تابعة لـ«قوات الدعم السريع»، اليوم الاثنين.

ويستخدم طرفا الحرب، المستمرة منذ أبريل (نيسان) 2023، الطائرات المسيرة لضرب مواقع بعيدة عن خطوط القتال، وسط تحذيرات أممية متكررة من أن استهداف منشآت الطاقة، يهدد الرعاية الصحية والخدمات الأساسية لملايين السكان.