الخرطوم تتحول إلى مدينة أشباح هجرها سكانها

اختيار بورتسودان عاصمة اضطرارية يعيد للأذهان أسطورة «خراب سوبا»

TT

الخرطوم تتحول إلى مدينة أشباح هجرها سكانها

لقطة من فيديو وزّعته «الدعم السريع» لعناصرها قرب معسكر المدرعات التابع للجيش جنوب الخرطوم (الشرق الأوسط)
لقطة من فيديو وزّعته «الدعم السريع» لعناصرها قرب معسكر المدرعات التابع للجيش جنوب الخرطوم (الشرق الأوسط)

حوّلت حرب الجيش و«الدعم السريع» العاصمة السودانية الخرطوم إلى مدينة «أشباح» هجرها معظم سكانها... نزحوا إلى مدن أخرى داخل البلاد، بينما لجأ بعضهم إلى دول الجوار. وتقدر إحصائيات غير رسمية عدد الفارين من المدينة بأكثر من 4 ملايين من جملة السكان المقدر عددهم بأكثر من 8 ملايين ليلاً، و10 ملايين نهاراً.

أصبحت الخرطوم بسبب الحرب «مدينة مهجورة». لم يهجرها سكانها وحدهم، بل هجرتها أيضاً «الحكومة» نفسها إلى مدينة بورتسودان، شرق البلاد، كـ«عاصمة اضطرارية»، وذلك بعد سيطرة قوات «الدعم السريع» على معظمها، بما في ذلك دواوين الحكومة والجسور ووسط المدينة، بل مساكن المواطنين العادية، وما تعرضت له من خراب وتخريب بفعل القتال والحرب المستمرة منذ قرابة 5 أشهر.

ومنذ الأسابيع الأولى للقتال الذي اندلع في أبريل (نيسان) 2023، انتقلت الحكومة السودانية «مضطرة» إلى مدينة بورتسودان كعاصمة بديلة. ولم تكن وحدها، بل انتقل إليها معظم البعثات الدبلوماسية ومقرات منظمات إنسانية، بما في ذلك الأمم المتحدة.

سيارات ومبانٍ مدمرة في السوق المركزية شمال الخرطوم (رويترز)

ووفقاً لتقارير رسمية، فإن الحكومة «المكلفة» تمارس عملها من هناك، بل انتقل إليها رئيس مجلس السيادة وقائد الجيش عبد الفتاح البرهان، عقب إفلاته من الحصار الذي كان مفروضاً عليه وعلى هيئة قيادته داخل القيادة العامة، وكان قد سبقه إليها نائبه مالك عقار، ووزير المالية جبريل إبراهيم.

تقع العاصمة البديلة بورتسودان على الساحل الغربي للبحر الأحمر على بعد نحو 1000 كيلومتر من الخرطوم، وتعد الميناء الرئيسي ومدخل البلاد إلى البحار، وميناء واردات السودان من السلع وغيرها، وتصدر منها منتجاته، بما فيها النفط المحلي، ونفط دولة جنوب السودان عبر ميناء بشاير النفطي الواقع في المدينة.

وشهدت بورتسودان وقت اندلاع المواجهة اشتباكات محدودة بين الجيش وقوات «الدعم السريع»، سيطر خلالها الجيش على الأوضاع في المدينة، وسلمت قوة «الدعم» الموجودة هناك قاعدتها العسكرية، ومنذ ذلك الوقت تعيش المدينة استقراراً لافتاً، وتحولت بسببه لعاصمة فعلية للبلاد بعد خراب الخرطوم.

توزع النفوذ

أما العاصمة الخرطوم، فقد تعرضت لخراب ليس له مثيل بسبب القتال والقصف الجوي والمدفعي الذي شمل أنحائها كافة. ومنذ وقت مبكر، سيطرت قوات «الدعم السريع» على مطار الخرطوم الدولي، وجزء من القيادة العامة للجيش، ورئاسة جهازي الأمن والمخابرات، والقصر الجمهوري، ووزارة الخارجية، ووزارة الداخلية، ومراكز الشرطة في وسط الخرطوم، ومعظم أحيائها، وبنك السودان المركزي، والمنطقة العسكرية الوسطى، والمنطقة العسكرية الاستراتيجية، وتحول وسط الخرطوم لثكنة عسكرية لقوات «الدعم»، واكتفى الجيش بوجوده في الجزء الشمالي من القيادة العامة ومعسكر المدرعات بمنطقة الشجرة جنوب الخرطوم.

غارات جوية دمرت منازل ومباني في وسط الخرطوم (من مقطع فيديو)

ولم تكتفِ «الدعم السريع» بالسيطرة على وسط الخرطوم والمنشآت الحكومية، بل تسيطر بشكل كامل أيضاً على معظم أحياء الخرطوم الممتدة في الجنوب الغربي إلى جبل أولياء، على بعد 40 كيلومتراً من مركز المدينة، وإلى حدود ولاية الجزيرة جنوباً وشرقاً. كما سيطرت بشكل شبه كامل على مدينة الخرطوم بحري عدا دائرة صغيرة تقع فيها قيادة سلاح الإشارة الملاصق للنيل الأزرق على ضفته الغربية، وترتبط مع القيادة العامة عبر جسر النيل الأزرق، كما تسيطر على مقار عسكرية، مثل مقر سلاح المظلات ومقر قوات جهاز العمليات، إضافة إلى مصفاة البترول في منطقة قري، على بعد نحو 50 كيلومتراً من وسط الخرطوم بحري.

نازحون من الخرطوم لجأوا إلى مدينة ودمدني القريبة (أ.ف.ب)

وفي أمدرمان، تسيطر قوات «الدعم السريع» على المنطقة القديمة، والمناطق الغربية والجنوبية منها، بينما يسيطر الجيش على قيادة سلاح المهندسين على النيل الأبيض، والسلاح الطبي المجاور له، إضافة إلى منطقة كرري العسكرية شمال المدينة، وتضم مطار «وادي سيدنا» الحربي الذي تنطلق منها المقاتلات لتلقي بمقذوفاتها على قوات «الدعم» المنتشرة في كل الأمكنة،

بل الجسور أيضاً... فالخرطوم التي تربط بين مدنها الثلاث 9 جسور، تسيطر قوات «الدعم» بشكل كامل على جسري سوبا والمنشية، اللذين يربطان منطقة شرق النيل بالخرطوم، وجسر كوبري الجيش الذي يربط أحياء شرق ووسط بحري بالخرطوم، وجسر المك نمر النار بقرب القصر الرئاسي، وجسر شمبات الرابط بين الخرطوم بحري وأمدرمان، وجسر الحلفايا الرابط بين شمال أمدرمان وشمال الخرطوم بحري.

بينما يسيطر الجيش على جسر النيل الأزرق، ويتقاسم السيطرة على عدد من الجسور مع «الدعم السريع»، مثل جسر الفتيحات من جهة أمدرمان، بينما تسيطر «الدعم» من جهة الخرطوم، على الجزء الغربي من جسر النيل الأبيض الرابط بين الخرطوم وأمدرمان، وتتقاسم القوتان السيطرة على جسر الحلفايا، فمن جهة الخرطوم بحري توجد «الدعم»، ومن جهة أمدرمان يوجد الجيش.

آثار الدمار الذي لحق بمنزل أصيب بقذيفة مدفعية في حي الأزهري جنوب الخرطوم (أ.ف.ب)

كما شهد معظم أنحاء الخرطوم عمليات قتال عنيفة وقصفاً مدفعياً بالطيران الحربي، إضافة إلى الأسلحة والرشاشات الثقيلة والمتوسطة والخفيفة، والدبابات، ما أدى إلى تدمير معظم البنى التحتية في المدينة. فمطار الخرطوم الدولي، الذي شهد أولى المعارك، يكاد يكون قد تدمر كلياً، بينما قصف الطيران الحربي ومدفعية الجيش مبنى القصر الجمهوري ومناطق تمركزات قوات «الدعم» في أنحاء الخرطوم كافة، وعادة ترد الأخيرة بمضادات الطيران والمدفعية الثقيلة والصواريخ المحمولة على الكتف «كاتيوشا».

«مقبرة كبيرة»

وأدى القتال العنيف إلى نزوح قرابة نصف سكان المدينة، فيما تقول تقارير طبية إن نحو 5 آلاف قتلوا، معظمهم من الخرطوم، وأصيب عدد غير محدد بجروح.

وفضلاً عن الدمار في المنشآت، فإن قطاعي الصحة والتعليم تعطلا تماماً عن العمل. وتقول تقارير إن الخدمات الصحية توقفت في الخرطوم بنسبة 90 بالمائة، بينما توقفت خدمات التعليم كلياً، بما في ذلك المدارس والجامعات حتى رياض الأطفال، بل تحولت المدينة إلى «مقبرة كبيرة»، دفن فيها آلاف من العسكريين والمدنيين في الميادين العامة وداخل البيوت والطرقات لتعذر دفنهم في المدافن المعروفة، بينما يتوقع أن يكون هناك مئات من الجثث لم تدفن حتى الآن لصعوبة الوصول إليها، وتوقف مقدمي خدمات الدفن.

مستشفى شرق النيل لم ينجُ من التدمير والقصف (رويترز)

وتدمرت منشآت حيوية وتاريخية بشكل شبه كامل، مثل القصر الجمهوري القديم، والقيادة العامة للجيش، ومطار الخرطوم الدولي، وما تزال تتعرض للقصف من قبل الجيش في محاولته لاستردادها. يقول المهندس محمد طاهر لـ«الشرق الأوسط» إن الدمار الذي لحق بالخرطوم كبير جداً، ويصعب بسببه أن تعود إلى حالتها الطبيعية، كما من الصعب جداً إعادة إعمارها ضمن الظروف التاريخية التي يعيشها السودان، وهي خسائر تقدر قيمتها بأكثر من 5 مليارات دولار، بحسب تقارير اقتصادية. وينتظر ارتفاع كلفة الخسائر كلما استمرت الحرب أكثر، هذا من دون حساب الخسائر الباهظة جراء الدمار الذي لحق بمساكن المواطنين جراء القصف، وعمليات النهب الواسعة.

«عجوبة» وخراب سوبا...

يقول شهود عيان إن القطاع الصناعي في الخرطوم تعرض لتخريب كبير وعمليات نهب واسعة، قد تستغرق سنوات لاستعادته، بينما نقل مستثمرون أعمالهم من الخرطوم إلى مدن أخرى، مثل مدينة ود مدني حاضرة ولاية الجزيرة، وبورتسودان العاصمة الاضطرارية، وعدد من مدن وولايات البلاد الأخرى، ولا ينتظر أن يعودوا إلى الخرطوم في وقت قريب.

ربما أعاد التاريخ نفسه وذكر الناس بـ«خراب سوبا» عاصمة مملكة علوة النوبية في القرن السادس عشر الميلادي، بعد أن حكمت معظم السودان الأوسط الحالي لنحو 10 قرون. وتقول الرواية الشعبية إنه كانت لامرأة تدعى «عجوبة» ابنة فائقة الجمال، وظّفت تنافس وزراء المملكة على الزواج منها لتخريب المدينة ذائعة الصيت وقتها، حيث كانت تشترط على كل وزير يتقدم للزواج من بنتها قتل الوزير الذي سبقه في التقدم للزواج منها، ومع تكرار قتل الوزراء بعضهم بعضاً من أجل الحسناء، تضعضعت المملكة وانهارت، وتحولت القصة لأسطورة ومثل يضرب لكل مخرب: «عجوبة الخربت سوبا».

لكن خراب الخرطوم الحالي ليس رواية شعبية، بل واقع يعيشه السودانيون والعالم، تقول أسطورته إن جنرالين صديقين تنافسا على السلطة فتقاتلا وسحقت تحت أسلحتهما المدينة الأجمل والأعرق «الخرطوم»، التي قد لا تستعيد فتوتها لعقود من الزمان.


مقالات ذات صلة

قتلى وجرحى سودانيون في قصف جوي قرب الحدود المصرية

شمال افريقيا جرافة تستخدم لفصل المواد الحاملة للذهب في موقع تعدين في «دلقو المحس» شمال السودان 7 مايو 2026 (أ.ب)

قتلى وجرحى سودانيون في قصف جوي قرب الحدود المصرية

استهدف قصف جوي الثلاثاء والأربعاء، مناجم للتعدين عن الذهب في أقصى شمال السودان مع الحدود المصرية أسفر عن قتلى وجرحى وسط صمت رسمي بشأن الجهة المنفذة.

محمد أمين ياسين (نيروبي)
خاص سيدتان تتجولان في أحد أحياء الخرطوم المهدمة (أ.ف.ب)

خاص من قلب الدمار... الخرطوم تبحث عن فرحها المفقود

بعد سنوات من الحرب التي تركت وراءها دماراً هائلاً، بدأت العاصمة الخرطوم تستعيد نضبها بعودة بعض الأنشطة الرياضية والموسيقية والفنية.

«الشرق الأوسط» (الخرطوم)
شمال افريقيا جانب من الدمار الذي ألحقته مسيَّرات «الدعم السريع» بمدينة الأُبيّض في إقليم كردفان (متداولة)

هجوم «المسّيرات» يزيد الضغط على مدينة الأُبَيِّض السودانية

تسود مخاوف جدية من احتمال تجدد المعارك بين الجيش السوداني و«قوات الدعم السريع» في مدينة الأُبَيِّض، أكبر مدن إقليم كردفان.

محمد أمين ياسين (نيروبي)
أفريقيا سودانية نازحة من الفاشر في مخيم للنازحين شرق تشاد يوم 27 نوفمبر 2025 (رويترز)

أطباء بلا حدود تفصل 18 موظفاً متهمين بالاستغلال الجنسي للاجئات سودانيات

أعلنت منظمة أطباء بلا حدود اليوم الاثنين أن العشرات من موظفيها اتُّهموا بالاستغلال الجنسي للاجئات سودانيات في تشاد، مشيرة إلى أنها فصلت 18 موظفاً.

«الشرق الأوسط» (جنيف)
شمال افريقيا عربات متجهة نحو تشاد عند مركز أدري الحدودي في 8 يونيو 2026 إذ تصل أعداد متزايدة من التشاديين الفارّين من حرب السودان (أ.ف.ب) p-circle

مقتل أكثر من 1000 مدني بالمسيّرات في السودان خلال 5 أشهر من 2026

استنكر مفوض الأمم المتحدة السامي لحقوق الإنسان، اليوم الاثنين، «الزيادة الحادة» في استخدام الطائرات المسيّرة خلال الحرب بالسودان.

«الشرق الأوسط» (جنيف)

انشقاق فارس النور مستشار حميدتي السياسي يعمّق أزمة «الدعم السريع»

فارس النور المستشار السياسي لحميدتي (أرشيفية - متداولة)
فارس النور المستشار السياسي لحميدتي (أرشيفية - متداولة)
TT

انشقاق فارس النور مستشار حميدتي السياسي يعمّق أزمة «الدعم السريع»

فارس النور المستشار السياسي لحميدتي (أرشيفية - متداولة)
فارس النور المستشار السياسي لحميدتي (أرشيفية - متداولة)

تتواصل موجة الانشقاقات داخل «قوات الدعم السريع»، وكان أحدثها إعلان القيادي البارز فارس النور استقالته من جميع مناصبه في «قوات الدعم السريع» وتحالف «تأسيس» الداعم لها.

وأكد النور في تصريح لـ«الشرق الأوسط» قراره بالانشقاق، قائلاً إنه استقال بهدف البحث عن فرص جديدة للسلام والحوار. ويشغل فارس النور عضوية المجلس الرئاسي في تحالف «تأسيس»، كما عينته الحكومة الموازية التي تتخذ من مدينة نيالا مقراً لها حاكماً لإقليم الخرطوم. وشغل لسنوات منصب مستشار قائد «قوات الدعم السريع» محمد حمدان دقلو «حميدتي»، وكان من أبرز أعضاء وفد التفاوض التابع للقوات خلال مفاوضات جدة عام 2023.

وتكتسب هذه الخطوة أهمية خاصة لكونها تختلف عن معظم حالات الانشقاق السابقة التي شهدها معسكر «الدعم السريع» خلال الفترة الأخيرة؛ ففي حين ارتبطت الانشقاقات السابقة بقادة ميدانيين يمتلكون قوات أو نفوذاً عسكرياً على الأرض، ينتمي فارس النور إلى خلفية سياسية ومدنية، وارتبط اسمه بالمشروع السياسي لتحالف «تأسيس» أكثر من ارتباطه بالعمليات العسكرية المباشرة.

وأوضح النور أسباب استقالته قائلاً: «قدمت استقالتي نتيجة قناعة متزايدة بأن الأزمة السودانية وصلت إلى مرحلة من الانسداد السياسي والجمود. ومع استمرار الحرب وتفاقم معاناة المواطنين، أصبح من الضروري إيجاد مساحات جديدة للعمل. ومن هذا المنطلق اتخذت قرار الاستقالة حتى أتمكن من إدارة حوار مع مختلف الأطراف السودانية، بعيداً عن أي تصنيف سياسي أو عسكري، والمساهمة في الوصول إلى حل شامل للأزمة السودانية».

ويأتي انشقاق فارس النور ضمن سلسلة من الانشقاقات التي شهدتها «قوات الدعم السريع» خلال الأشهر الماضية.

ففي شهر مايو (أيار) الماضي أعلن بشارة الهويرة، الذي كان يتولى مسؤولية العمليات العسكرية بمحور مدينة بارا في ولاية شمال كردفان، انشقاقه عن القوات.

كما سبقه إعلان القائد الميداني البارز النور آدم، المعروف باسم «النور القبة»، انسحابه من «قوات الدعم السريع» وانضمامه إلى الجيش السوداني بعد مغادرة قواته مواقعها في شمال دارفور.

وقبل ذلك أعلن أبو عاقلة كيكل، أحد أبرز قادة «الدعم السريع» في ولاية الجزيرة، تعاونه مع الجيش السوداني في خطوة اعتبرت من أهم الانشقاقات خلال الحرب نظراً للنفوذ الكبير الذي كان يتمتع به في وسط السودان.

كما أعلن مؤخراً القيادي علي رزق الله، المعروف باسم «السافنا»، انشقاقه عن «قوات الدعم السريع» والتحاقه بالجيش.

ورغم تفاوت الوزن العسكري والسياسي لكل حالة من هذه الحالات، فإن تكرار الانشقاقات خلال فترة زمنية قصيرة أثار تساؤلات متزايدة حول مدى تأثيرها على تماسك «قوات الدعم السريع» ومستقبل تحالفاتها السياسية والعسكرية.


ديون مصر... وفاء بالالتزامات يحبطه الاقتراض المتجدد

وزير النقل المصري كامل الوزير متحدثاً في جلسة برلمانية (رويترز)
وزير النقل المصري كامل الوزير متحدثاً في جلسة برلمانية (رويترز)
TT

ديون مصر... وفاء بالالتزامات يحبطه الاقتراض المتجدد

وزير النقل المصري كامل الوزير متحدثاً في جلسة برلمانية (رويترز)
وزير النقل المصري كامل الوزير متحدثاً في جلسة برلمانية (رويترز)

على الرغم من التأكيدات المصرية الرسمية على الالتزام بسداد الديون الخارجية وعدم التأخر في أي قسط مستحق، فإن الأرقام تُظهر ارتفاع الدين الخارجي باستمرار، وهو ما أرجعه خبراء ومحللون إلى أن عمليات السداد تقابلها قروض مستمرة من مؤسسات مانحة، وأن أقل هذه القروض من صندوق النقد الدولي.

وارتفع الدين الخارجي لمصر بنحو 198 مليون دولار خلال الربع الأخير من العام الماضي، ليسجل 163.9 مليار دولار، مقابل 163.7 مليار دولار في الربع الثالث، وهي الأرقام نفسها تقريباً التي استمرت حتى نهاية الربع الأول من العام الحالي، وفق تقديرات البنك المركزي المصري.

وفي ديسمبر (كانون الأول) 2024، أكد رئيس الوزراء مصطفى مدبولي التزام مصر بسداد التزاماتها الدولية، مشيراً إلى سداد نحو 38.7 مليار دولار من الديون الخارجية خلال ذلك العام.

الديون الجديدة

ويُرجع الخبير الاقتصادي، عبد النبي عبد المطلب، سبب ارتفاع الديون رغم الالتزام بالسداد إلى أن جدول سداد التزامات الديون على مصر يتضمن أقساط القروض الأساسية وفوائدها، مضيفاً: «في حال وجود دين ثابت، فإن سداد التزامات الأقساط والفوائد يقود بالضرورة لخفض الديون بمقدار ما تم سداده؛ ولكن في الحالة المصرية الأمور مختلفة، فمصر فعلاً ملتزمة في سداد الأقساط والفوائد ولا يوجد أي تأخير فيها، ولكن في الوقت نفسه تتم إضافة ديون جديدة من المانحين، سواء دول أو مؤسسات دولية».

واستطرد عبد المطلب، في حديثه لـ«الشرق الأوسط»: «تركيز واهتمام المراقبين دائماً يكون منصباً على قروض صندوق النقد الدولي، في حين أن أقل القروض تأخذها منه مصر، ولكن هناك قروضاً من بنك التنمية الأفريقي، وقروضاً من البنك الدولي، وهي قروض ممتدة لأكثر من 25 عاماً، بجانب قروض من مؤسسات أخرى ومن الاتحاد الأوروبي وكذلك من بعض الدول. ومن هنا، نجد أن ما يُضاف من قروض جديدة أكبر مما يُسدد، ولذلك نجد أن الدين يزيد رغم الالتزام بالسداد».

محافظ البنك المركزي المصري قدّم تطمينات للسيسي حول سداد الالتزامات قصيرة المدى من الديون (الرئاسة)

وتشير بيانات البنك الدولي الصادرة في مايو (أيار) الماضي إلى أن التزامات مصر الخارجية تبلغ حتى نهاية العام الحالي نحو 38.65 مليار دولار، تتضمن نحو 12.7 مليار دولار ودائع لدى «البنك المركزي» لصالح دول الخليج.

اليورو أحد الأسباب

الخبير الاقتصادي محمد أنيس أشار إلى أن عملية الإصلاح الاقتصادي التي تعمل الحكومة المصرية على تنفيذها، سواء أكانت في شكل إجراءات تستهدف إعادة الهيكلة أو الاستمرار في تنفيذ مشروعات قومية كبرى، تقابلها أعباء مالية تستلزم الحصول على قروض جديدة، خاصة أن معظم المشروعات القومية ليست لها عوائد مالية سريعة أو مباشرة لسداد القروض أو الأعباء المحملة عليها من فوائد.

وتقدر أعباء خدمة الدين في الموازنة العامة المصرية للعام المالي الحالي بنحو 5.27 تريليون جنيه (105.4 مليار دولار)، تشمل أقساط الديون وفوائدها.

وحدّد الخبير المصرفي طارق إسماعيل، في حديثه لـ«الشرق الأوسط»، أسباب الارتفاع المستمر للدين الخارجي في عدة نقاط. منها «تحليل سلة العملات للديون الخارجية المصرية، ما يشير إلى أن اليورو ثاني أكبر عملة من حيث حجم الدين، بما يقارب 19 في المائة من حجم الدين الخارجي».

وتابع قائلاً: «وفق أداء العملات عام 2025، فإن الدولار انخفض عالمياً بما يوازي ارتفاع اليورو أمام الدولار بنحو 14 في المائة تقريباً، والدين الخارجي المصري مقوِّم بالدولار الأميركي. وعليه، فكل مليار يورو تم اقتراضه أثَّر بالزيادة على حجم الدين بنحو 140 مليون دولار بنهاية العام. الأمر نفسه تكرر مع عملات أخرى، ولكن بنسب أقل لانخفاض حجم تمثيلها في محفظة الدين الخارجي المصري، مثل العملات الآسيوية».

ومن ضمن الأسباب أيضاً، بحسب إسماعيل، أن «فكرة تدوير الديون عند استحقاق آجالها قائمة بقوة؛ فمثلاً عند استحقاق سداد سندات خارجية عادة تقوم مصر بطرح سندات جديدة لسداد المستحقة، نتيجة لأن هناك فجوة ضخمة بين إيرادات الدولة ومصروفاتها، ما يضطر الدولة لتمويل عجز الموازنة عن طريق الاقتراض، وأيضاً زيادة اقتراض القطاع الخاص للاستفادة من التمويلات الإنمائية الميسرة التي توفر مكوناً دولارياً بشروط أقل صرامة من البنك المركزي».

جانب من جلسة لمجلس الوزراء المصري (المجلس)

وكان محافظ البنك المركزي حسن عبد الله قد قدم تطمينات رسمية بشأن سداد الالتزامات قصيرة المدى خلال اجتماعه، الشهر الماضي، مع الرئيس عبد الفتاح السيسي، مشيراً إلى أن صافي الاحتياطيات الدولية لمصر، التي بلغت نحو 53 مليار دولار في أبريل (نيسان) الماضي، تعادل نحو 158 في المائة من الديون الخارجية قصيرة الأجل.

وتحدث نائب رئيس مجلس الوزراء المصري للشؤون الاقتصادية حسين عيسى، الشهر الماضي، عن ملف الديون، ووصف وضع الدَّين العام بأنه «مأساوي»، مؤكداً أن «خدمة الدين تلتهم نحو 60 في المائة من إيرادات الدولة».

الحلول المقترحة

يحدد عبد المطلب سبل الحلّ في «التوقف نهائياً عن الحصول على قروض جديدة أياً كان مصدرها، والعمل على زيادة موارد النقد الأجنبي حتى يمكن تقليل رصيد الدين الخارجي، وترويج فرص الاستثمار في مصر، بما يسمح بزيادة فرص تحويل جزء من القروض إلى استثمارات».

بينما يكمن الحلّ، بحسب أنيس، «في تحديد الحكومة سقفاً للدين يجب ألا تتخطاه، وليكن 168 مليار دولار، وهو أعلى رقم وصل إليه الدين الخارجي لمصر، وأيضاً إعادة ترتيب الأولويات بالنسبة للمشروعات التي يتم تنفيذها بحيث تعاد جدولة تنفيذها مرة أخرى، وإطالة أمد التنفيذ بما لا يضطر البلاد لاستمرار الاقتراض في الوقت الذي تسدد فيه الديون القديمة».

وفي ظل الاتهامات المستمرة له بأنه أكثر أعضاء الحكومة حصولاً على القروض، ردّ وزير النقل كامل الوزير، خلال جلسة لمجلس النواب، الثلاثاء، على اعتراضات بعض أعضاء المجلس على التوسع في الاقتراض لصالح وزارته، قائلاً: «لا نقترض لنستهلك، بل نقترض لننمو. نحن لا ننظر لتكاليف اليوم فقط، وإنما للعائد في المستقبل»، مؤكداً أنه يسدد قروض وزارته، ويحقق فائضاً بالدولار لخزينة الدولة.


قتلى وجرحى سودانيون في قصف جوي قرب الحدود المصرية

جرافة تستخدم لفصل المواد الحاملة للذهب في موقع تعدين في «دلقو المحس» شمال السودان 7 مايو 2026 (أ.ب)
جرافة تستخدم لفصل المواد الحاملة للذهب في موقع تعدين في «دلقو المحس» شمال السودان 7 مايو 2026 (أ.ب)
TT

قتلى وجرحى سودانيون في قصف جوي قرب الحدود المصرية

جرافة تستخدم لفصل المواد الحاملة للذهب في موقع تعدين في «دلقو المحس» شمال السودان 7 مايو 2026 (أ.ب)
جرافة تستخدم لفصل المواد الحاملة للذهب في موقع تعدين في «دلقو المحس» شمال السودان 7 مايو 2026 (أ.ب)

أدى قصف جوي استهدف مناطق للتعدين الأهلي عن الذهب في أقصى شمال السودان، بالقرب من الحدود مع مصر، يومي الثلاثاء والأربعاء، إلى سقوط عدد من القتلى والجرحى وسط المعدنين التقليديين، في وقت لا تزال فيه الحصيلة الدقيقة للضحايا غير معروفة بسبب صعوبة الوصول إلى المواقع المستهدفة.

وتداول ناشطون على منصات التواصل الاجتماعي مقاطع فيديو قالوا إنها توثق غارات نفذتها طائرات حربية أو طائرات مسيرة استهدفت بصورة مباشرة مواقع التعدين المنتشرة حول منطقة جبل العقيدات. وتعد هذه المنطقة، إلى جانب الجبل الأحمر، من أكبر مناطق التعدين الأهلي عن الذهب في شمال السودان، حيث يعمل آلاف المعدنين التقليديين، وتمتد أنشطة التعدين فيها حتى منطقة أوسيف بولاية البحر الأحمر شرقي البلاد. وبحسب إفادات عدد من العاملين في التعدين الأهلي، فإن طائرات حربية وطائرة مسيرة واحدة على الأقل شنت، يوم الثلاثاء، غارات مباشرة على مواقع مكتظة بالمعدنين، ما أسفر عن مقتل عدد من الأشخاص في الحال وإصابة عشرات آخرين بجروح متفاوتة الخطورة. وأشارت مصادر محلية إلى أن القصف تجدد مرة أخرى في ساعات الصباح الأولى من يوم الأربعاء، الأمر الذي زاد من حجم الخسائر البشرية وحالة الذعر بين العاملين في المنطقة. وأظهرت مقاطع فيديو أخرى دوي انفجارات عنيفة ناجمة عن سقوط مقذوفات أطلقتها طائرات مجهولة الهوية، بينما كانت مجموعات كبيرة من المعدنين موجودة في مواقع العمل، وهو ما عزز المخاوف من ارتفاع عدد الضحايا.

عامل يقوم بتشغيل آلة لفصل المواد الحاملة للذهب في موقع تعدين في «دلقو المحس» شمال السودان 7 مايو 2026 (أ.ب)

وتسببت الهجمات في حالة واسعة من الخوف والهلع بين المعدنين، ما دفع المئات منهم إلى مغادرة مواقع التعدين سيراً على الأقدام خشية التعرض لغارات جديدة. ووفقاً لمصادر محلية، جرى نقل أعداد من الفارين بواسطة مركبات إلى سوق الأنصاري في مدينة أبو حمد بولاية نهر النيل.

الجيش يصمت و«الدعم» يتهم

وفي الوقت الذي لم تصدر فيه الحكومة السودانية أو القوات المسلحة السودانية أي تعليق رسمي بشأن الحادثة حتى مساء الأربعاء، وجه تحالف «تأسيس»، المتحالف مع «قوات الدعم السريع»، اتهامات مباشرة إلى مصر بالوقوف وراء الضربات الجوية التي استهدفت مناطق التعدين الأهلي في شمال الوادي والأنصاري داخل الأراضي السودانية. وقال التحالف، في بيان نشره عبر موقعه على «فيسبوك»، إن المعلومات الأولية تشير إلى سقوط أعداد كبيرة من المعدنين السودانيين بين قتيل وجريح، مضيفاً أن عدداً من الأشخاص ما زالوا عالقين تحت أنقاض آبار التنقيب، الأمر الذي قد يؤدي إلى ارتفاع حصيلة الضحايا. كما دعا المجتمع الدولي والمنظمات المعنية بحقوق الإنسان إلى متابعة ما وصفه بالانتهاكات الخطيرة للقانون الدولي الإنساني وحقوق الإنسان، الناتجة عن الهجوم الذي اعتبره اعتداءً على السيادة السودانية. ولم يتسن الحصول على تعليق من السلطات المصرية حتى ساعة نشر هذا الموضوع مساء الأربعاء.

أرشيفية لعمال يقومون بالتنقيب عن الذهب في السودان

وفي موازاة ذلك، تفاعل مستخدمو وسائل التواصل الاجتماعي مع مقاطع فيديو لمعدنين يناشدون السلطات السودانية بالتدخل العاجل لحمايتهم ووقف الهجمات، إلى جانب إطلاق عمليات إنقاذ للذين فروا باتجاه منطقة الأنصاري وسط مخاوف من تعرضهم لمخاطر الضياع في المناطق الصحراوية الوعرة.

من جانبه، أعلن حزب الأمة القومي، برئاسة فضل الله برمة ناصر، أنه يتابع بقلق بالغ الأنباء المتعلقة باستهداف مناطق في شمال السودان وما ترتب عليها من خسائر بشرية بين المواطنين العاملين في قطاع التعدين الأهلي. واعتبر الحزب، في بيان رسمي، أن استخدام القوة العسكرية داخل الحدود السودانية يمثل تطوراً بالغ الخطورة من شأنه تهديد الأمن والاستقرار في المنطقة إذا لم يتم التعامل معه بصورة عاجلة.

وطالب الحزب بإجراء تحقيق دولي مستقل وشفاف للكشف عن ملابسات الحادث وتحديد المسؤولين عنه، وضمان إنصاف الضحايا وتعويض المتضررين، واتخاذ إجراءات تمنع تكرار مثل هذه الحوادث مستقبلاً.

كما جدد تمسكه بالحلول السلمية واحترام مبادئ حسن الجوار وعدم التدخل في الشؤون الداخلية للدول. وتأتي هذه التطورات بعد أشهر قليلة من حادثة مشابهة شهدتها منطقة وادي الأنصاري القريبة من الحدود السودانية المصرية، حيث قُتل تسعة أشخاص وأصيب 13 آخرون في مارس (آذار) الماضي.

ويعد السودان من أكبر الدول المنتجة للذهب في أفريقيا، إذ يقدر إنتاجه السنوي بنحو ستين طناً من المعدن النفيس. ويشكل التعدين الأهلي العمود الفقري لقطاع الذهب في البلاد، حيث يعمل فيه أكثر من مليوني شخص ويسهم بما يقارب ثمانين في المائة من إجمالي إنتاج الذهب السوداني.