الحكومة السودانية ترفض استبعادها عن مؤتمر برلين

يناقش الوضع الإنساني بمشاركة واسعة من القوى المدنية المناهضة للحرب

رئيس الوزراء السوداني كامل إدريس خلال المؤتمر الصحافي بمطار الخرطوم الاثنين (مجلس الوزراء)
رئيس الوزراء السوداني كامل إدريس خلال المؤتمر الصحافي بمطار الخرطوم الاثنين (مجلس الوزراء)
TT

الحكومة السودانية ترفض استبعادها عن مؤتمر برلين

رئيس الوزراء السوداني كامل إدريس خلال المؤتمر الصحافي بمطار الخرطوم الاثنين (مجلس الوزراء)
رئيس الوزراء السوداني كامل إدريس خلال المؤتمر الصحافي بمطار الخرطوم الاثنين (مجلس الوزراء)

احتجَّت الحكومة السودانية، برئاسة كامل إدريس، رسمياً على عدم دعوتها للمشارَكة في «مؤتمر برلين»، المزمع عقده في الـ15 من أبريل (نيسان) الحالي، والذي يهدف إلى مناقشة الوضع الإنساني في السودان.

وأعلنت رفضها القاطع لتنظيم المؤتمر دون موافقتها أو التشاور معها بشأن جميع الترتيبات المتعلقة به. ويأتي هذا في وقت تستعد فيه القوى السياسية والمدنية السودانية لعقد اجتماع تحضيري في أديس أبابا؛ بهدف التوصُّل إلى رؤية مشتركة حول الملف الإنساني لعرضها خلال المؤتمر.

ويُعقَد المؤتمر بمبادرة من ألمانيا والمملكة المتحدة، إلى جانب الاتحاد الأوروبي وفرنسا والاتحاد الأفريقي، مع مشارَكة لدول «الآلية الرباعية»، التي تضم المملكة العربية السعودية، والولايات المتحدة، والإمارات ومصر. وسارعت وزارة الخارجية السودانية إلى انتقاد النهج الذي اتبعته الحكومة الألمانية، عادّةً أنَّه يضع الدولة السودانية في موضع مساواة مع «قوات الدعم السريع». وأوضحت الوزارة، في بيان رسمي، أنَّ السفيرة السودانية في برلين، إلهام إبراهيم محمد أحمد، سلَّمت مسؤولة ملف أفريقيا في وزارة الخارجية الألمانية، جيسا براوتيغام، مذكرةً رسميةً، مساء الجمعة، تضمَّنت موقف الحكومة الرافض لانعقاد المؤتمر دون مشاركتها أو التشاور معها بشأن ترتيباته.

نازح سوداني يقول إنه سُجن وعُذِّب في سجون «قوات الدعم السريع» في مأوى مؤقت ببلدة الطويلة بدارفور (أ.ف.ب)

وأكدت المذكرة أنَّ أي محاولة لمناقشة الشأن السوداني دون إشراك حكومته تُعدُّ انتهاكاً صريحاً للقانون الدولي وميثاق الأمم المتحدة، فضلاً عن كونها تجاوزاً لسيادة الدول والأعراف الدبلوماسية المعروفة. كما حذَّرت السفيرة من أنَّ استبعاد الحكومة السودانية يُفقد المؤتمر قيمته العملية، ولن يسهم في تحقيق السلام أو الاستقرار. وأعربت السفيرة كذلك عن قلق بلادها من دعوة دول متورطة بشكل مباشر أو غير مباشر في النزاع للمشاركة في المؤتمر، عادّةً أن ذلك يُضعف مصداقيته ويشجِّع التدخلات التي تُؤجِّج الصراع وتُقوِّض الأمن والاستقرار في السودان والمنطقة.

وجدَّدت الحكومة السودانية التزامها بالحلِّ السلمي، استناداً إلى خريطة الطريق التي قدَّمها سابقاً رئيس مجلس السيادة الانتقالي وقائد الجيش، عبد الفتاح البرهان، إضافة إلى مبادرة السلام التي طرحها رئيس الوزراء كامل إدريس أمام مجلس الأمن الدولي في ديسمبر (كانون الأول) الماضي. وفي هذا السياق، أكدت وزارة الخارجية استعداد الحكومة للانخراط بإيجابية في أي جهود إقليمية أو دولية جادة تحترم سيادة السودان ووحدته. كما أشارت إلى أنَّ استبعادها من المؤتمر قد يدفعها إلى إعادة النظر في علاقاتها مع الدول المُنظِّمة والراعية له، استناداً إلى مبدأ «المعاملة بالمثل».

سكان من مدينة أم درمان يتلقون مساعدات من برنامج الأغذية العالمي... 11 مارس 2026 (أ.ف.ب)

في المقابل، انتقدت أوساط مدنية سودانية موقف الحكومة الرافض، عادّةً أن المؤتمر يركز أساساً على حشد التمويل لمواجهة الكارثة الإنسانية التي أدت إلى نزوح ملايين المواطنين؛ نتيجة الحرب الدائرة بين الجيش و«قوات الدعم السريع».

ويأتي «مؤتمر برلين» تزامناً مع الذكرى الثالثة لاندلاع الحرب في السودان، ويمثل امتداداً لسلسلة من المؤتمرات التي عُقدت في باريس ولندن وواشنطن، والتي هدفت جميعها إلى دعم العمليات الإنسانية، والدعوة إلى وقف فوري لإطلاق النار وإنهاء النزاع. ولم تتم دعوة الحكومة السودانية ولا الحكومة الموازية المرتبطة بـ«قوات الدعم السريع» للمشارَكة في مؤتمر برلين، حيث اقتصرت الدعوات على الأطراف المدنية غير المنخرطة في النزاع. ومن المتوقع أن يشارِك في المؤتمر نحو 40 شخصية سودانية من قادة القوى السياسية والمدنية، من بينهم ممثلون عن «التحالف المدني الديمقراطي لقوى الثورة (صمود)»، إلى جانب أحزاب سياسية ومنظمات مجتمع مدني ولجان مقاومة وغرف طوارئ، وذلك برعاية دولية تشمل الاتحاد الأفريقي والأمم المتحدة والاتحاد الأوروبي وجامعة الدول العربية ومنظمة «إيغاد». وأفادت مصادر مشارِكة في المؤتمر بأنَّ النقاشات قد تشمل محاولة تقريب وجهات النظر بين القوى المدنية بشأن وقف الحرب، مع التأكيد على أنَّ الهدف الأساسي يتمثَّل في جمع مزيد من التمويل لدعم العمل الإنساني في السودان.

وفي سياق متصل، أعلنت قيادات في تحالف «الكتلة الديمقراطية» الموالي للحكومة السودانية مقاطعتها المؤتمر. كما كان نائب رئيس مجلس السيادة، مالك عقار، قد عبَّر الأسبوع الماضي، عن رفضه للمؤتمر، عادّاً أنَّه لا يعكس إرادة الشعب السوداني ولا يلبي تطلعاته.


مقالات ذات صلة

انهيار جديد للجنيه السوداني يُعمّق التدهور المعيشي جراء الحرب

الاقتصاد بائع يبيع الفاكهة في سوق بمدينة أم درمان بالخرطوم (أ.ف.ب)

انهيار جديد للجنيه السوداني يُعمّق التدهور المعيشي جراء الحرب

سجل الجنيه السوداني انهياراً جديداً ليعادل نحو 6400 جنيه مقابل الدولار خلال أيام قليلة ليفقد أكثر من 90 % من قيمته وهو أدنى مستوى له منذ اندلاع الحرب 

محمد أمين ياسين (نيروبي)
شمال افريقيا عناصر من الجيش السوداني خلال عرض عسكري بمدينة القضارف 17 أغسطس الحالي (أ.ف.ب)

الجيش السوداني يدفع بقوات «النخبة» إلى جبهة «النيل الأزرق»

دفع الجيش السوداني، السبت، بوحدات قتالية من قوات «النخبة»، لإسناد قواته في خطوط المواجهة الأمامية في إقليم النيل الأزرق بجنوب شرقي البلاد، مع الحدود الإثيوبية

محمد أمين ياسين (نيروبي)
شمال افريقيا «ييل» ترصد حشداً عسكرياً في قاعدة إثيوبية على حدود السودان

«ييل» ترصد حشداً عسكرياً في قاعدة إثيوبية على حدود السودان

كشف تقرير مدعوم بصور للأقمار الاصطناعية لجامعة «ييل» الأميركية عن تصاعد كبير ومفاجئ في النشاط العسكري داخل قاعدة إثيوبية قرب الحدود السودانية

«الشرق الأوسط» (لندن)
شمال افريقيا لاجئون سودانيون في مخيم «أورا» بأسوسا في منطقة بني شنقول - جوموز في إثيوبيا (أ.ف.ب)

الحرب السودانية تقترب أكثر من الحدود الإثيوبية

قُتل 8 أشخاص على الأقل وأُصيب العشرات من المدنيين في هجمات بطائرة مسّيرة في منطقة سرو بولاية شمال كردفان غرب السودان.

محمد أمين ياسين (نيروبي)
العالم العربي وزير الخارجية المصري ونظيره السوداني خلال لقاء سابق في القاهرة (الخارجية المصرية)

مصر تدعم «عملية سياسية دون تدخلات خارجية» في السودان

أكدت مصر دعمها تدشين «عملية سياسية ذات ملكية سودانية ودون تدخلات خارجية»، بما يُسهم في إنهاء الأزمة الراهنة واستعادة الأمن والاستقرار.


أنصار القذافي يراهنون على مشاركات واسعة في ذكرى «الفاتح»

احتفالات سابقة في ليبيا بذكرى «ثورة الفاتح» من سبتمبر 2025 (صفحات موثوقة على مواقع التواصل)
احتفالات سابقة في ليبيا بذكرى «ثورة الفاتح» من سبتمبر 2025 (صفحات موثوقة على مواقع التواصل)
TT

أنصار القذافي يراهنون على مشاركات واسعة في ذكرى «الفاتح»

احتفالات سابقة في ليبيا بذكرى «ثورة الفاتح» من سبتمبر 2025 (صفحات موثوقة على مواقع التواصل)
احتفالات سابقة في ليبيا بذكرى «ثورة الفاتح» من سبتمبر 2025 (صفحات موثوقة على مواقع التواصل)

يراهن أنصار الزعيم الليبي الراحل معمر القذافي على مشاركة واسعة في احتفالات ذكرى «ثورة الفاتح من سبتمبر» هذا العام؛ إذ يعد الحدث أول اختبار سياسي وتنظيمي لتيارهم عقب اغتيال نجله سيف الإسلام القذافي في فبراير (شباط) الماضي بمدينة الزنتان.

ويسعى الموالون للنظام السابق، وفق متابعين، لإثبات أن تيارهم لا يرتكز على شخصية بعينها، بل على أفكار «الجماهيرية» وإرثها الذي يقولون إنه حاضر في وجدان قطاع واسع من الليبيين، مع توظيف المناسبة للمطالبة بكشف ملابسات مقتل سيف الإسلام، الذي اعتبره كثير من أنصاره «الوريث السياسي المحتمل لوالده».

جانب من احتفالات بني وليد الليبية بـ«ثورة الفاتح» (صفحات موثوقة على مواقع التواصل)

وفي خطوة تعكس رغبة هذا التيار في حشد الزخم وتأكيد حضوره قبيل الموعد، ضجت المواقع الإعلامية ومنصات التواصل القريبة منه والمحسوبة عليه بمقاطع وصور توثق استعدادات مبكرة في بعض المدن، تمثلت في تجهيز الأعلام الخضراء ورفع لافتات تحمل أبرز أقوال معمر القذافي وصوره، وكذلك صور سيف الإسلام قبل وفاته بل وطباعتها على بعض قطع الملابس.

وتوقع علي مصباح أبو سبيحة، رئيس «فريق المصالحة الوطنية» بتيار سيف الإسلام القذافي أن تكتسب احتفالات هذا العام «زخماً شعبياً واسعاً مقارنة بالأعوام السابقة»، نظراً لمقتل سيف الإسلام.

وقال لـ«الشرق الأوسط»: «أنصار نظام القذافي عموماً، وتحديداً أنصار سيف الإسلام، سيسعون للوجود بقوة في الساحات لنفي ما يردده البعض من أن مقتله أضعف التيار الجماهيري وأنه سيتلاشى تدريجياً»، مشيراً إلى أن «تزايد أعداد المشاركين المتوقع هذا العام لا يمكن فصله عما تمر به البلاد من أزمات».

وتعيش ليبيا منذ سنوات انقساماً بين حكومتين: الأولى «الوحدة الوطنية» المؤقتة برئاسة عبد الحميد الدبيبة، والثانية مكلفة من البرلمان برئاسة أسامة حماد وتدير الشرق وأجزاء من الجنوب بدعم من قائد «الجيش الوطني» خليفة حفتر.

ولا يستبعد أبو سبيحة، وهو «رئيس المجلس الأعلى لقبائل ومدن فزان»، وجود أطراف «قد تحاول إجهاض الاحتفال»، موضحاً أن هناك أصواتاً أعلنت صراحة أنها «ستقاوم هذا الاحتفال وتحاول منعه».

بدوره، أعرب الباحث السياسي والكاتب الليبي مصطفى الفيتوري عن «احتمالية اتساع رقعة الاحتفال جراء الغضب على غياب سيف الإسلام».

وتحدث الفيتوري، وهو من الموالين للنظام السابق، عن «استعدادات كبيرة للاحتفال في المناطق الموالية لنظام القذافي مثل بني وليد، وجنوب غربي ليبيا، وسبها، ومنطقة الجفرة».

واعتبر أن الانتشار الأمني المكثف في طرابلس منذ أسبوعين، والتابع في أغلبه لتشكيلات مسلحة لا لقوى نظامية، يعد «ورقة ضغط لترهيب المواطنين المؤيدين للنظام السابق ومنعهم من الاحتفال»، مستبعداً مع ذلك أي «احتكاك من شأنه تفجير الوضع في ظل الأزمات المعيشية الخانقة».

معمر القذافي (إ.ب.أ)

في المقابل، حرصت أصوات محسوبة على «ثورة 17 فبراير» على تذكير الأجيال الجديدة بـ«انتهاكات حكم القذافي الممتد 42 عاماً، مستحضرة ملفات الإعدامات الميدانية وقمع التعددية السياسية».

وأعلن وزير الثقافة الأسبق الحبيب الأمين دعمه لبيان «حراك العدالة الانتقالية»، الذي أكد أن الدعوة إلى الاحتفال بما سماه بـ«انقلاب سبتمبر 1969» تعد تمجيداً «لفعل أسقط الحياة الدستورية، وفتح البلاد لعقود من الاستبداد ومصادرة الحريات وانتهاك الحقوق ونهب الممتلكات».

ودعا بيان الحراك مؤسسات الدولة إلى منع أي مظهر رسمي «يمجد الاستبداد، وتطبيق القانون على من يحرض على العنف، واستصدار تشريع يجرم الاحتفاء بحقبة الاستبداد».

وقللت أصوات سياسية وشخصيات عسكرية شاركت في العمل المسلح لإزاحة نظام القذافي «من الضجيج المعتاد بذكرى الفاتح»، بحسب وصفها، معتبرة في تعليقات عبر منصات التواصل أن «الترحّم على أيام القذافي يأتي في الأغلب نكاية في القوى المتصدرة للمشهد شرقاً وغرباً، وبوصفه رسالة احتجاج على تدهور الأوضاع المعيشية لا أكثر».

جدير بالذكر أن ليبيا كانت تحت حكم الملك محمد إدريس السنوسي، قبل أن يقود القذافي حركة «الضباط الوحدويين» في الجيش الليبي، ليحكم البلاد نحو 42 عاماً منذ مطلع سبتمبر 1969.


بعد 14 عاماً من الغياب... الدبلوماسية السورية تستعيد حضورها في ليبيا

الدبيبة رئيس حكومة «الوحدة» خلال اجتماعه مع الشيباني وزير الخارجية والمغتربين السوري يوم الأحد (مكتب الدبيبة)
الدبيبة رئيس حكومة «الوحدة» خلال اجتماعه مع الشيباني وزير الخارجية والمغتربين السوري يوم الأحد (مكتب الدبيبة)
TT

بعد 14 عاماً من الغياب... الدبلوماسية السورية تستعيد حضورها في ليبيا

الدبيبة رئيس حكومة «الوحدة» خلال اجتماعه مع الشيباني وزير الخارجية والمغتربين السوري يوم الأحد (مكتب الدبيبة)
الدبيبة رئيس حكومة «الوحدة» خلال اجتماعه مع الشيباني وزير الخارجية والمغتربين السوري يوم الأحد (مكتب الدبيبة)

​طوت الدبلوماسية السورية نحو 14 عاماً من الغياب عن ليبيا إثر مباحثات أجراها وزير الخارجية والمغتربين السوري، أسعد الشيباني، الأحد، في العاصمة طرابلس بهدف تعزيز العلاقات الثنائية وتطوير مجالات التعاون المشترك بين البلدين.

ويفتتح الشيباني خلال الزيارة سفارة بلاده في ليبيا، كما التقى والوفد المرافق له عدداً من المسؤولين الليبيين.

رئيس حكومة «الوحدة» الليبية عبد الحميد الدبيبة مستقبلاً وزير الخارجية والمغتربين السوري أسعد الشيباني يوم الأحد (مكتب الدبيبة)

وكانت السفارة السورية في طرابلس قد أُغلقت عام 2012 بعد شهور من سقوط نظام الزعيم الليبي الراحل معمر القذافي في أغسطس (آب) 2011، وذلك عقب اعتراف «المجلس الوطني الانتقالي» الذي تشكل في ليبيا آنذاك بالثورة السورية. ومنذ ذلك الحين انقطعت العلاقات بين البلدين خلال عهد الرئيس السوري المخلوع بشار الأسد.

وسعت الإدارة السورية الجديدة، برئاسة أحمد الشرع، إلى فتح قنوات اتصال مع ليبيا عبر زيارة رسمية أجراها مسؤولون سوريون إلى طرابلس، لبحث سبل تعزيز العلاقات الثنائية وآفاق التعاون المشترك في مختلف المجالات، في خطوة عدّها متابعون تستهدف رسم «علاقات جديدة تفيد البلدين».

«مرحلة جديدة»

وصل الشيباني والوفد المرافق له إلى مطار معيتيقة الدولي في طرابلس، صباح الأحد، في مستهل زيارته الرسمية التي التقى خلالها عبد الحميد الدبيبة، رئيس حكومة «الوحدة الوطنية» المؤقتة.

واستبق الشيباني لقاء الدبيبة بمباحثات أجراها مع الطاهر الباعور، المكلف بتسيير شؤون وزارة الخارجية بحكومة «الوحدة»، والذي كان في استقباله بالمطار.

الطاهر الباعور المكلف بتسيير شؤون الخارجية بحكومة «الوحدة» الليبية مستقبلاً وزير الخارجية السوري أسعد الشيباني في طرابلس - الأحد (خارجية «الوحدة»)

وقالت وزارة الخارجية والتعاون الدولي بطرابلس، إن الشيباني والباعور عقدا مباحثات بمقر وزارة الخارجية بالعاصمة «تناولت عدداً من الملفات ذات الاهتمام المشترك، وسبل دفع العلاقات الليبية - السورية، وتعزيز التنسيق والتشاور بين البلدين، بما يخدم المصالح المشتركة للشعبين الشقيقين».

وأشارت «الخارجية» إلى أن الجانبين بحثا «الإجراءات المتعلقة بإعادة افتتاح السفارة السورية في العاصمة طرابلس؛ بما يسهم في تعزيز التواصل الدبلوماسي بين البلدين، وتسهيل متابعة شؤون المواطنين، وتطوير أوجه التعاون الثنائي».

وتناولت محادثات الدبيبة مع الشيباني «إعادة تفعيل أطر التعاون الليبي - السوري، ورفع مستوى التمثيل الدبلوماسي، وتنشيط عمل اللجنة العليا المشتركة، إلى جانب ملفات التعاون الاقتصادي والاستثماري والتجاري، ومعالجة عدد من القضايا المالية والمستحقات القائمة بين مؤسسات البلدين».

وتناول اللقاء أيضاً، بحسب مكتب الدبيبة، التعاون الأمني ومكافحة الإرهاب، وأوضاع الجاليتين والخدمات القنصلية، وملفات السجناء والموقوفين واللاجئين والنازحين، إضافة إلى إعادة افتتاح القنصلية السورية في بنغازي.

وأكد الدبيبة أهمية «فتح مرحلة جديدة من العلاقات... تقوم على المصالح المشتركة والتعاون العملي، ومعالجة الملفات العالقة بما يخدم مواطني البلدين».

الطاقة والاستثمار

أشارت وزارة الخارجية السورية إلى أن الوزير الشيباني اجتمع أيضاً مع وزير النفط والغاز الليبي، خليفة عبد الصادق، ورئيس مجلس الإدارة والمدير التنفيذي للمؤسسة الليبية للاستثمار، علي محمود حسن.

وبحث الجانبان خلال الاجتماع «التعاون الثنائي في مجالات الطاقة والاستثمار، وسبل توسيع الشراكة وتبادل الخبرات في القطاعات ذات الاهتمام المشترك، بما يسهم في تعزيز العلاقات الاقتصادية، وتحقيق المصالح المشتركة للبلدين الشقيقين».

يُذكر أن العلاقات السورية - الليبية خلال الفترة الماضية، شهدت تطوراً ملحوظاً في مجالات التعاون والتنسيق بين البلدين، سواء على صعيد العلاقات الثنائية أو القضايا الإقليمية ذات الاهتمام المشترك.

ففي أغسطس 2025، أعلن الوفد التقني الدبلوماسي السوري إلى ليبيا رفع علم بلاده على مبنى سفارة دمشق في طرابلس، تمهيداً لإعادة افتتاحها.

وكان الشيباني قد التقى في الرابع من الشهر الحالي، القائم بأعمال سفارة ليبيا في دمشق وليد حسن عمار، حيث بحثا سبل تعزيز العلاقات الثنائية وتبادل وجهات النظر بشأن عدد من القضايا ذات الاهتمام المشترك.

كما التقى الشرع مع الدبيبة على هامش «منتدى أنطاليا الدبلوماسي»، في أبريل (نيسان) 2025، وبحثا عدداً من الملفات المشتركة، كما اتفقا على تفعيل اللجنة العليا الليبية - السورية.

خطوة تحمل «أبعاداً عملية»

بحسب وزارتي الخارجية السورية وتلك التابعة لحكومة «الوحدة» الليبية، تأتي زيارة الشيباني في إطار الحرص المشترك على تعزيز العلاقات التاريخية والأخوية التي تجمع البلدين، والارتقاء بمستوى التعاون والتنسيق الثنائي، بما يحقق تطلعات البلدين والشعبين الشقيقين.

ونوهت «الخارجية» في طرابلس بأن مباحثات الباعور والشيباني تطرقت إلى «استكمال الإجراءات المتعلقة بتفعيل اللجنة العليا الليبية - السورية المشتركة، والتوقيع على الاتفاقية المنظمة لأعمالها، بما من شأنه فتح آفاق أوسع للتعاون بين البلدين في المجالات الاقتصادية والتنموية، وغيرها من المجالات ذات الاهتمام المشترك».

ويرى الباحث التركي في العلاقات الدولية، مهند حافظ أوغلو، أن الانفتاح المتبادل بين طرابلس ودمشق «يعكس مساعي الدولتين للخروج من أزماتهما عبر صياغة خريطة علاقات خارجية مغايرة؛ فليبيا تجد في دمشق نافذة لتوسيع شراكاتها الإقليمية، بينما تسعى سوريا لاختراق عمق شمال أفريقيا عبر البوابة الليبية».

وذهب أوغلو في تصريح لـ«الشرق الأوسط»، إلى أن «هذه الخطوة الدبلوماسية تحمل أبعاداً عملية تتجاوز البروتوكول، لا سيما في معالجة الملفات العالقة المرتبطة بالوجود السوري في ليبيا من لجوء، و(عسكريين) وترتيبات إدارية»، معتقداً أن «هدف الجانبين هو بناء شراكة قائمة على المنافع المتبادلة وتجنب أخطاء الماضي عبر التنسيق المشترك».

ملف المفقودين والمحتجزين

كان وفد ممثل لحكومة «الوحدة الوطنية» في طرابلس، برئاسة وزير الدولة الليبي للاتصال والشؤون السياسية وليد اللافي، قد التقى الشرع بدمشق في 28 ديسمبر (كانون الأول) 2024، حيث ناقش الطرفان العلاقات الدبلوماسية ومسائل الطاقة والهجرة غير النظامية.

الرئيس السوري أحمد الشرع يستقبل وزير الدولة الليبي للاتصال والشؤون السياسية وليد اللافي في دمشق - 28 ديسمبر 2024 (منصة «حكومتنا» التابعة لحكومة «الوحدة»)

وفي منتصف أغسطس الحالي، استقبلت ليبيا وفداً برئاسة القائم بالأعمال السوري سمير الشلبي، استهدف بحث التحديات التي تعيق تطوير العلاقات الاقتصادية بين البلدين، ومن بينها صعوبات منح التأشيرات للسوريين وبعض الإجراءات الجمركية على الصادرات الليبية إلى سوريا.

مقاتلون سوريون يحتجون في طرابلس على تأخر مستحقاتهم المالية - 15 أغسطس (صفحة «حراك ضد التوطين»)

ولا تزال سلطات طرابلس تحتفظ بأعداد من السوريين الذين نُقلوا من قبل تركيا للقتال في ليبيا، في ظل وجود قوات روسية في مناطق تابعة للقيادة العامة لـ«الجيش الوطني»، تحت اسم «الفيلق الأفريقي».

وفي منتصف أغسطس الحالي، احتشد عدد من المقاتلين السوريين قبالة كلية ضباط الشرطة في طرابلس، لمطالبة حكومة «الوحدة» بتسوية أوضاعهم المالية، الأمر الذي أثار حفيظة ليبيين، وأعاد ملف «المرتزقة» إلى الواجهة بعد تجاهل.

وتحدث الحقوقي الليبي طارق لملوم عن أهمية زيارة الشيباني إلى ليبيا ولقائه رئيس الحكومة، وكتب على صفحته في «فيسبوك»: «من الضروري أن يكون ملف السوريين المفقودين والمحتجزين في ليبيا ضمن أولويات الزيارة، والمطالبة بقوائم السوريين الموجودين في مؤسسات الإصلاح والتأهيل وبقية أماكن الاحتجاز، للمساعدة في حسم مصيرهم، وهل هم محتجزون أم فُقدوا خلال رحلات البحر».


المدن المصرية الجديدة... «إقبال محدود» رغم تقديرات حكومية بـ«إشغال تدريجي»

بنايات داخل مدن جديدة في مصر (وزارة الإسكان المصرية)
بنايات داخل مدن جديدة في مصر (وزارة الإسكان المصرية)
TT

المدن المصرية الجديدة... «إقبال محدود» رغم تقديرات حكومية بـ«إشغال تدريجي»

بنايات داخل مدن جديدة في مصر (وزارة الإسكان المصرية)
بنايات داخل مدن جديدة في مصر (وزارة الإسكان المصرية)

مع التوسع العمراني الملحوظ في مصر لتخفيف الضغط على التكتلات السكانية القديمة في ظل الزيادة المستمرة بأعداد السكان، طُرحت تساؤلات بشأن قدرة المدن الجديدة على أن تكون بيئة جاذبة للمواطنين، مع وجود دراسات أشارت إلى «فجوات بين المستهدفات السكانية وأعداد المقيمين فعلياً».

وقدم عضو مجلس النواب ياسر الهضيبي سؤالاً إلى كل من وزيرة الإسكان والمرافق والمجتمعات العمرانية راندا المنشاوي، ووزير العمل حسن رداد، «بشأن جدوى الاستثمارات الضخمة التي ضختها الدولة في المدن الجديدة على مدار 50 عاماً»، مشيراً إلى عدد من «مدن الجيل الرابع» بينها العاصمة الإدارية الجديدة (شرق القاهرة) وأكتوبر الجديدة (جنوب القاهرة) والعلمين الجديدة (شمال)، حققت حتى الآن أقل من 1 في المائة من مستهدفاتها السكانية.

واستند الهضيبي في سؤاله البرلماني، إلى نتائج دراسة حديثة أجراها «المركز المصري للدراسات الاقتصادية»، خلُصت إلى أن معدلات الإشغال في عدد من المدن الأقدم، تتراوح بين 5 في المائة و20 في المائة من الأعداد المستهدفة، رغم مرور سنوات وعقود على إنشائها.

وتؤشر تقديرات الحكومة إلى أن هناك إشغالاً تدريجياً مرتقباً خلال السنوات المقبلة، وتشير «هيئة المجتمعات العمرانية الجديدة» (حكومية تتبع وزارة الإسكان)، إلى أن «المدن الجديدة تستهدف مواجهة الزيادة السكانية المرتقبة، وإنقاذ القاهرة والمحافظات من كارثة حقيقية تهددها وتتمثل في التكدس المروري».

وبحسب تصريحات تلفزيونية سابقة لرئيس شركة «العاصمة الإدارية الجديدة» خالد عباس، فإن «عدد السكان المقيمين في المدينة حالياً تجاوز 30 ألف مواطن»، متوقعاً وصول العدد بنهاية العام الحالي إلى ما بين 50 و60 ألف شخص.

وتتضمن خطط الحكومة بشأن المحاور المرتبطة بالمدن الجديدة، تحقيق أهداف «إعادة توزيع السكان عن طريق إعداد مناطق جذب مستحدثة خارج نطاق المدن والقرى القائمة مع زيادة معدلات التنمية وتشجيع السكان على الانتقال والاستثمار في المدن الجديدة»، وفق بيان لوزارة الإسكان.

وأنشأت الحكومات المتتابعة منذ عام 1979، نحو 49 مدينة جديدة على مساحة تتجاوز 2.2 مليون فدان، وبطاقة استيعابية تزيد على 27 مليون نسمة، لتخفيف الضغط عن الوادي والدلتا وخلق مجتمعات عمرانية جديدة للسكن والعمل والاستثمار، بحسب «المركز المصري للدراسات الاقتصادية».

وتشير الحكومة المصرية إلى أنها «حققت طفرة عمرانية كبرى رغم التحديات الاقتصادية والنمو السكاني، حيث توسعت في إنشاء المدن الجديدة ومشروعات البنية الأساسية، ما أسهم في مضاعفة مساحة المعمور المصري من نحو 7 في المائة عام 2014 إلى 14 في المائة بنهاية عام 2024، بهدف إعادة توزيع السكان وتخفيف الضغوط عن المدن القائمة وخلق مراكز تنموية جديدة».

توسع عمراني مصري نجح في تدشين البنايات السكنية وبحاجة لمزيد من التسويق لشغلها (وزارة الإسكان المصرية)

خبير «التطوير الحضاري والتنمية المستدامة»، الدكتور الحسين حسان، يشير إلى أن «تراجع التوطين في المدن الجديدة يرجع إلى ضعف آليات التسويق من جانب الحكومة، وضآلة المبادرات التي تحفز المواطنين للانتقال إليها، وعدم ملاءمة أسعار العقارات مع متوسط الأجور لدى غالبية المواطنين»، مضيفاً: «من الممكن أن يتحقق الجذب في بعض الوحدات التي ينفذها (الإسكان الاجتماعي) وهو موجه لمحدودي الدخل، لكن ذلك لا يكفي لتعمير المدن وشغلها بالسكان».

وأوضح في تصريح لـ«الشرق الأوسط»، أن «أسعار المواصلات تعد عاملاً مهماً أيضاً؛ إذ إن التنقل داخل المدن القديمة، إذا قسنا ذلك على العاصمة القاهرة، يبقى أقل كثيراً من الانتقال إلى مدينة جديدة»، مشيراً إلى أن الحكومة «وفرت بالفعل وسائل مواصلات، لكنها لا تناسب قطاعات كبيرة من المواطنين بسبب أسعارها، بالإضافة إلى ارتفاع أسعار الطعام والشراب مقارنة بالمدن القديمة»، وفقاً لحسان الذي أشار إلى أن «استمرار بقاء فرص العمل المركزية بالمدن القديمة، يُصعّب من مهمة الجذب».

وبحسب الدراسة الأخيرة لـ«المركز المصري للدراسات الاقتصادية»، فإنه خلال الربع الأول من العام الحالي، تم تسجيل نحو 15 ألف وظيفة شاغرة معلن عنها في محافظة القاهرة، مقابل نحو 240 وظيفة فقط في 6 محافظات؛ هي: «المنيا وأسيوط وسوهاج وقنا وأسوان وبني سويف» (جنوب)، بفارق يتجاوز 60 ضعفاً.

مدن عمرانية جديدة بانتظار السكان (وزارة الإسكان المصرية)

ولا يرتبط تراجع الإشغال على المدن التي أنشاتها الحكومة المصرية خلال العقد الأخير، بل إن مدن الجيل الأول التي تم تأسيسها في نهاية سبعينات القرن الماضي، تعاني الأزمة ذاتها، وفقاً لأستاذ التخطيط العمراني بـ«جامعة عين شمس»، الدكتور محمد جبر، مشيراً إلى أن «المواطن لا يحتاج فقط توفر البنايات السكنية، ولكن أيضاً فرص العمل والخدمات التجارية والترفيهية».

وأضاف في تصريح لـ«الشرق الأوسط»، أن تخطيط المدن «يرتبط بصورة وثيقة بمفهومي الجذب والطرد، فالقاهرة، على سبيل المثال، كانت تمثل عامل طرد نتيجة الزيادة السكانية والضغوط العمرانية، بينما لم تكن المدن الجديدة قادرة بالقدر الكافي على خلق عوامل جذب موازية تتمثل في فرص العمل والخدمات والأنشطة الاقتصادية، وهو ما أدى إلى استمرار ارتباط السكان بمراكز عمرانية أخرى».

و«استطاعت المدن التي ظهرت في صورة أكثر ارتباطاً بالنشاط الصناعي، تحقيق قدر أكبر من الجذب، لأن النشاط الاقتصادي وفر قاعدة للوظائف. ومن هنا، فإن التفكير في المدن الجديدة كان يجب أن يقوم منذ البداية على إنشاء ظهير اقتصادي وإنتاجي يوفر فرصاً رئيسية للسكان، وليس الاكتفاء بإنشاء ظهير سكني»، بحسب جبر.

وأوضح أن «إعادة رسم الحدود الإدارية للمحافظات والأقاليم، إذا تمت وفق رؤية تنموية متكاملة، يمكن أن تساعد في بناء أقاليم أكثر قدرة على استغلال مواردها، بحيث يتوافر داخل كل إقليم مزيج من فرص الاستثمار والعمل والخدمات، بدلاً من إنشاء تجمعات سكنية منفصلة عن محيطها الاقتصادي».