تجدد الاتهامات للحركة الإسلامية بتأجيج الحرب في السودان

بعد توقيع عقوبات أميركية على أمينها العام

صورة أرشيفية متداولة للقيادي في تحالف «الحرية والتغيير» خالد عمر يوسف
صورة أرشيفية متداولة للقيادي في تحالف «الحرية والتغيير» خالد عمر يوسف
TT

تجدد الاتهامات للحركة الإسلامية بتأجيج الحرب في السودان

صورة أرشيفية متداولة للقيادي في تحالف «الحرية والتغيير» خالد عمر يوسف
صورة أرشيفية متداولة للقيادي في تحالف «الحرية والتغيير» خالد عمر يوسف

بعد العقوبات الأميركية التي طالت وزير الخارجية السوداني الأسبق، علي كرتي، طالب قادة مدنيون ومسؤولون في قوى الحرية والتغيير، بعدم الاكتفاء بالعقوبات، بل بعدّ الحركة الإسلامية، خصوصاً الجناح المتطرف منها، «جماعة إرهابية»، عقب تأكد دورها في إشعال الحرب وإصرارها على استمرارها من أجل المحافظة على مصالحها.

وعدّ القيادي في «قوى الحرية والتغيير»، خالد عمر يوسف، هذه العقوبات تأكيداً على ضلوع «الطرف الثالث» في الحرب الدائرة منذ 6 أشهر بين الجيش وقوات «الدعم السريع»، فيما انتقدت «الحركة الإسلامية» القرار وعدّته جائراً، بل و«قلادة شرف» على صدر أمينها العام، وتموضعاً في الصف الخطأ من الصراع في السودان.

وقال عمر، الذي شغل منصب وزير مجلس الوزراء في حكومة رئيس الوزراء عبد الله حمدوك، وفقاً لبيان نشره على حسابه في منصة «إكس»، اليوم (الجمعة)، إن العقوبات شملت للمرة الأولى «طرفاً ثالثاً» غير الطرفين المتقاتلين، وهو «الحركة الإسلامية»، ممثلة بشخص زعيمها الحالي علي أحمد كرتي.

علي كرتي الأمين العام لـ«الحركة الإسلامية» في السودان (غيتي)

وشدد على أن النقطة الأهم التي وردت في بيان وزارة الخزانة الأميركية، هي الإشارة إلى دور الإسلاميين في «الوقوف بوجه محاولات التوصل إلى اتفاق للتهدئة بين القوات المسلحة والدعم السريع»، مضيفاً أن «عقوبات الخميس تأكيد على أدلة ضلوع عناصر النظام السابق في الكارثة التي تحل ببلادنا الآن».

الإسلاميون يسعون إلى عسكرة الحياة السياسية

وأوضح عمر أن استمرار الحرب الحالية لا يصب في مصلحة أي جهة بالسودان سوى عناصر النظام السابق. وأضاف: «هم يريدون عسكرة الحياة في البلاد، إذ إن هذا هو المناخ الذي يجيدون العيش فيه، وهم يريدون الانتقام من الثورة وتصفيتها». واستطرد قائلاً: «القضية الأهم للمؤتمر الوطني هي استمرار الحفاظ على نفوذه داخل المؤسسات الأمنية والعسكرية، فهم مجموعة معزولة شعبياً ولا قوة لهم، إلا بوجودهم داخل المنظومة الأمنية والعسكرية التي يستخدمون نفوذهم داخلها لتحقيق أجندتهم السياسية».

من جهته، قال القيادي في تحالف قوى إعلان الحرية والتغيير شهاب إبراهيم، لـ«الشرق الأوسط»، إن العقوبات ضد الحركة الإسلامية تأخرت، وكان من المفترض أن تتم في وقت أبكر، بيد أنه استدرك بتفهم تحالفه لطرق اتخاذ القرارات لدى بعض المجموعات الإقليمية والدولية.

غارات جوية دمرت منازل ومباني في وسط الخرطوم (من مقطع فيديو)

وأوضح إبراهيم أن العقوبات أكدت دور الحركة الإسلامية بقيادة كرتي في إشعال الحرب ابتداء، وعملها على استمرارها من أجل المحافظة على مصالحها والعودة للحكم مجدداً، أو في الحد الأدنى لبقائها مؤثرة على الساحة السياسية، وبقاء «الدولة العميقة» التي كانت لجنة تفكيك نظام 30 يونيو (حزيران) على تفكيكيها. ودعا إبراهيم إلى عدم الاكتفاء بالعقوبات التي صدرت بحق أمين عام الحركة الإسلامية، بل إلى تصنيف الحركة «جماعة إرهابية»، دون أن يشمل ذلك التصنيف «كل الإسلاميين»، ويقتصر تصنيف «جماعة إرهابية» على من يسعون لتخريب الانتقال المدني الديمقراطي. وتابع: «يكفي أن حزب المؤتمر الشعبي - حزب الترابي - وقّع معنا الاتفاق الإطاري، ونحن على استعداد للنقاش مع الإسلاميين غير المنضوين للواجهة السياسية للنظام البائد».

الحركة الإسلامية: أميركا تسترضي أبواقها

وفي أول رد فعل من «الحركة الإسلامية» السودانية، وصفت قرار وزارة الخزانة الأميركية بأنه «قلادة شرف على صدر الأمين العام للحركة الإسلامية، الذي وقف بنفسه وماله مجاهداً في سبيل الله والوطن». وقالت «الحركة الإسلامية» في بيان، الخميس: «ليس مستغرباً أن تسعى الولايات المتحدة الأميركية لاستصدار قراراتها الجائرة، وتعاود الوقوف في الصف الخطأ في حقبة مهمة بتاريخ السودان». وأضاف البيان أن الإدارة الأميركية تريد أن تسترضي «أبواقها» الذين يتهمون قيادة «الحركة الإسلامية» بإشعال الحرب «وهي منها براء، وتسعى لمزيد من الاستفزاز لصفٍ وقف في جانب الوطن، لا في جانب الخونة والعملاء». وأوضح البيان أنّ موقف «الحركة الإسلامية» وأمينها العام مُعلن منذ الانقلاب العسكري في 11 أبريل (نيسان) 2019، بانحيازها لصف المحافظة على سلامة البلاد وأمنها واستقرارها.

وزير الخارجية الأميركي أنتوني بلينكن أعلن العقوبات الخميس (أ.ف.ب)

وقال وكيل الخارجية الأسبق، السفير عبد الله الأزرق، في تدوينة على «تلغرام»، إن قرار العقوبات الأميركية ضد الأمين العام لـ«الحركة الإسلامية» علي كرتي، يعني غض الطرف عمّا سمّاه «دور عملائها» في التخطيط للحرب، متهماً جهات خارجية بلعب دور في صدور القرار الأميركي، مستنداً إلى «الإسلاموفوبيا»، على حسب تعبيره، ومحاولة لإضعاف الإسلاميين لصالح قوى إعلان «الحرية والتغيير».

وأصدرت الولايات المتحدة عقوبات ضد زعيم الإسلاميين، علي أحمد كرتي، واتهمته بالعمل على إضعاف الجهود الرامية للوصول إلى حل سلمي في السودان، وبزعزعة الاستقرار وعرقلة الانتقال المدني الديمقراطي، وتقويض الحكومة الانتقالية، ما أسهم في اندلاع الحرب الحالية، وبأنه يعمل مع إسلاميين متشددين على عرقلة الجهود المبذولة لوقف إطلاق النار، ويتحمل بطريقة أو بأخرى المسؤولية عن أعمال وسياسات تهدد السلام والأمن والاستقرار في البلاد.

قصف محطة مواصلات

من جهة أخرى، قالت وزارة الخارجية السودانية، الجمعة، إن قوات «الدعم السريع» قصفت محطة مواصلات عامة في منطقة جرافة شمال أمدرمان، ما أدى إلى مقتل 10 مدنيين، وإصابة عدد كبير بجروح، بعضهم إصابته خطيرة، ما قد يؤدي إلى ارتفاع أعداد القتلى. وواصل طرفا القتال في السودان، الجيش وقوات «الدعم السريع»، الاشتباكات وتبادل القصف المدفعي في عدة مناطق بمدن العاصمة الخرطوم، طوال الأيام الماضية، بما في ذلك اليوم (الجمعة). ومساء الخميس، قتل 6 أشخاص بينهم أطفال، أثناء وجودهم داخل حافلات في محطة للنقل، وأصيب عدد من الموجودين في محيط المحطة بشظايا القذائف المدفعية إصابات متفاوتة، وفق شهود عيان. وأعلنت لجنة المقاومة في «الجرافة» (تنظيم أهلي)، على صفحتها في منصة «فيسبوك»، وفاة 9 مواطنين وإصابة عشرات بجروح. وقالت إن المواطن وهيب محمد الرباطابي فقد زوجته وجميع أطفاله نتيجة للقصف. واتهمت الخارجية السودانية في بيان، اليوم (الجمعة)، قوات «الدعم السريع المتمردة» بارتكاب المجزرة، بقصف محطة مواصلات عامة في منطقة الجرافة شمال أم درمان، بالمدفعية الثقيلة، في ذروة ازدحام المحطة بالمواطنين. وأضافت في بيان، أن الحصيلة الأولية للقصف بلغت 10 قتلى، من بينهم أطفال، بينما لا يزال عدد كبير من الجرحى يتلقون العلاج، وبعضهم إصابته خطيرة، ما يرشح عدد الضحايا للارتفاع، ودمرت المركبات والمحلات التجارية في المنطقة.

الفريق حميدتي خلال مناسبة سابقة للحرب (أ.ف.ب)

ووصفت الخارجية الحادثة بأنها «جريمة» تأتي امتداداً لمخطط «الدعم السريع» لإخلاء العاصمة من سكانها، بغرض الاستيلاء على منازلهم وممتلكاتهم، وتحويل المناطق السكنية إلى ثكنات عسكرية، مشيرة إلى أن المنطقة التي استهدفت تخلو من أي أهداف عسكرية للجيش. وأشار البيان إلى أن قوات «الدعم السريع» لا تزال تحتل عدداً كبيراً من المستشفيات والمراكز الصحية في العاصمة، وتستخدمها مراكز عسكرية. بدوره، أفاد مكتب المتحدث الرسمي باسم القوات المسلحة، نبيل عبد الله، في تقرير عن الموقف العملياتي ليل الخميس، بقيام قوات «الدعم السريع» بقصف عشوائي استهدف مدنيين في منطقة الجرافة بمحلة كرري الكبرى، أدى إلى مقتل 10 أشخاص، من ضمنهم أسرة كاملة.

اشتباكات في محيط القيادة العامة

وفي موازاة ذلك، تجددت اليوم المعارك بين الجيش و«الدعم السريع» في محيط القيادة العامة للجيش بوسط الخرطوم، والقصر الرئاسي ومناطق أخرى متفرقة في مدن العاصمة. وقال شهود من الأحياء المتاخمة للقيادة، إن أعمدة الدخان تصاعدت بكثافة في سماء المنطقة بسبب القصف والاشتباكات بين القوتين المتقاتلتين.

وقال الجيش إنه نفذ ضربات جوية بالمسيرات على تجمعات ومواقع عسكرية لقوات «الدعم السريع» في حي الجريف غرب، شرق الخرطوم، كما استهدف بالقصف المدفعي مواقع أخرى لتلك القوات في أحياء الصحافة وجبرة والمعمورة، جنوب الخرطوم.


مقالات ذات صلة

مصر وإثيوبيا... هل تنطبق المادة الأممية 51 على نزاع «سد النهضة»؟

شمال افريقيا «سد النهضة» الإثيوبي (رويترز)

مصر وإثيوبيا... هل تنطبق المادة الأممية 51 على نزاع «سد النهضة»؟

تلويح مصري جديد باستخدام «حق الدفاع الشرعي» تجاه تطورات ملف نهر النيل وأزمة «سد النهضة» جاء مشفوعاً بالتأكيد على «استخدام المادة 51 من ميثاق الأمم المتحدة»...

محمد محمود (القاهرة )
شمال افريقيا قائد الجيش الفريق البرهان دفع بضمانات قانونية للسماح لمعارضين في الخارج للمشاركة في الحوار (أ.ف.ب)

«الحوار السوداني» يطرق أبواب المعارضة متسلحاً بضمانات البرهان

أفادت مصادر مطلعة بأن اللجنة المعنية بالحوار السوداني باشرت إعداد الخطوات الأولية والترتيبات لبدء عملية الحوار، وبدأت مشاورات لتحديد مكان وموعد الانطلاق

وجدان طلحة (الخرطوم)
خاص نازحات من شمال كردفان مع أطفالهن (الشرق الأوسط)

خاص رحلة الموت من كردفان تنتهي بالجوع في أم درمان

نزحت أكثر من ثلاثة آلاف أسرة إلى أم درمان بالعاصمة الخرطوم، بعد تجدد القتال بين الجيش السوداني و«قوات الدعم السريع» في شمال كردفان.

بهرام عبد المنعم (الخرطوم)
شمال افريقيا قائد الجيش الفريق البرهان لدى حضوره فعالية بولاية الخرطوم 15 أغسطس (أ.ف.ب) p-circle

البرهان يدعو إلى عدم الالتفات للدعوات بفرض حظر على السودان

دعا رئيس مجلس السيادة وقائد الجيش السوداني، عبد الفتاح البرهان، إلى عدم الالتفات لما يُروَّج له بشأن فرض حظر جوي على البلاد.

محمد أمين ياسين (نيروبي)
شمال افريقيا مقاتلون من «قوات الدعم السريع» في بلدة بشمال السودان (أرشيفية - أ.ب)

واشنطن تقترح توسيع حظر الأسلحة ليشمل كامل السودان

تقدمت واشنطن بمقترح أمام الأمم المتحدة، الاثنين، لتوسيع نطاق حظر توريد الأسلحة المفروض على إقليم دارفور السوداني ليشمل كامل البلاد.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)

مقتل 12 شخصاً جراء حرائق الغابات في الجزائر

فرق الإطفاء تحاول إخماد النيران في برج أوخريس بضواحي العاصمة الجزائر (أرشيفية - د.ب.أ)
فرق الإطفاء تحاول إخماد النيران في برج أوخريس بضواحي العاصمة الجزائر (أرشيفية - د.ب.أ)
TT

مقتل 12 شخصاً جراء حرائق الغابات في الجزائر

فرق الإطفاء تحاول إخماد النيران في برج أوخريس بضواحي العاصمة الجزائر (أرشيفية - د.ب.أ)
فرق الإطفاء تحاول إخماد النيران في برج أوخريس بضواحي العاصمة الجزائر (أرشيفية - د.ب.أ)

أعلن وزير الداخلية الجزائرية، سعيد سعيود، مساء الأربعاء، مقتل 12 شخصاً جراء موجة حرائق الغابات التي اندلعت في عدد من مدن شرق البلاد.

ونقلت وسائل إعلام محلية عن سعيود، قوله إن 5 أشخاص لقوا حتفهم بولاية جيجل، و4 بولاية بجاية، و3 بولاية تيزي وزو.

كان جهاز الدفاع المدني الجزائري أعلن مساء الأربعاء، تسجيل 173 حريقا جرى إخماد 56 منها، بينما لا يزال 75 حريقا مشتعلا أغلبها بولايات بجاية، وتيزي وزو، وسكيكدة، وجيجل، والطارف، وميلة، وسطيف، كما كشف عن عمليات إجلاء وقائية للسكان بولايات جيجل وبجاية والطارف.

من جهته، أعلن جهاز الدرك الوطني غلق عدد من الطرق الوطنية بولايات سطيف وبجاية وجيجل.

ووصل سعيود، مساء الأربعاء إلى ولاية بجاية، للوقوف ميدانيا على عمليات إخماد الحرائق، يرافقه كل من وزير الصحة، محمد الصديق آيت مسعودان، والمدير العام للأمن الوطني، علي بداوي، والمدير العام للحماية المدنية العقيد بوعلام بوغلاف.

وكانت مصالح الأرصاد الجوية حذرت، الثلاثاء من موجة حر وارتفاع ملحوظ في درجات الحرارة بعدد من مناطق البلاد، وسط ظروف مناخية تساعد على انتشار الحرائق، لا سيما مع اشتداد الرياح.


«الحوار السوداني» يطرق أبواب المعارضة

متداولة لعضو لجنة الحوار السوداني المحامي نبيل أديب
متداولة لعضو لجنة الحوار السوداني المحامي نبيل أديب
TT

«الحوار السوداني» يطرق أبواب المعارضة

متداولة لعضو لجنة الحوار السوداني المحامي نبيل أديب
متداولة لعضو لجنة الحوار السوداني المحامي نبيل أديب

تستعد لجنة وطنية مستقلة في السودان، لإطلاق الترتيبات لحوار سوداني - سوداني من الخرطوم، مطلع الأسبوع المقبل، على أن يُحدَّد موعد هذا الجلسات بعد مشاورات مع القوى السياسية والمدنية والاجتماعية.

وقال عضو اللجنة، القانوني نبيل أديب، لـ«الشرق الأوسط» إن المهمة تتمثل في هيئة الحوار وإزالة العقبات، من دون فرض قرارات على المشاركين، مؤكداً عدم صلتها بالحكومة.

وتعتزم اللجنة، التي تضم 18 عضواً وقابلة للتوسّع، طرق أبواب المعارضة في الخارج، في مقدمها تحالف «صمود» بقيادة رئيس الوزراء السابق عبد الله حمدوك؛ لإقناعها بالمشاركة، متسلحة بضمانات أطلقها رئيس مجلس السيادة، عبد الفتاح البرهان بعدم تدخل الدولة في تحديد الأطراف أو الأجندة والمخرجات، وتوفير الحماية القانونية والأمنية للمعارضين. لكن قوى مدنية ترفض حواراً يُعقد في مناطق سيطرة طرفي الحرب.

وستعرض اللجنة تفاصيل خطتها خلال مؤتمر صحافي في الخرطوم الأسبوع المقبل، وسط استمرار الخلافات بشأن مشاركة الحركة الإسلامية وحزبها «المؤتمر الوطني» المعزول.


الدور السياسي لـ«العلمين» المصرية يتسع بموازاة ازدهارها السياحي

الرئيس المصري وملك البحرين في القصر الرئاسي بالعلمين (الرئاسة المصرية)
الرئيس المصري وملك البحرين في القصر الرئاسي بالعلمين (الرئاسة المصرية)
TT

الدور السياسي لـ«العلمين» المصرية يتسع بموازاة ازدهارها السياحي

الرئيس المصري وملك البحرين في القصر الرئاسي بالعلمين (الرئاسة المصرية)
الرئيس المصري وملك البحرين في القصر الرئاسي بالعلمين (الرئاسة المصرية)

رسخّت مدينة «العلمين الجديدة» المصرية، مكانتها السياسية مع استقبال الرئيس عبد الفتاح السيسي فيها لقادة دول ومسؤولين، فضلاً عن اجتماعاته المستمرة مع وزراء الحكومة، لتتجاوز المدينة بذلك الصورة التقليدية عن كونها «مصيفاً فاخراً»، إلى كونها مدينة لـ«صناعة القرار»، وفق مراقبين.

وتعد مدينة «العلمين» الساحلية، أبرز الوجهات السياحية في مصر راهناً، وهي تقع في الساحل الشمالي، وتمتد على مساحة أكثر من 48 ألف فدان، وتشتهر بأبراجها الفارهة، فنادقها وشواطئها، وتعد مقصداً للمشاهير والسياح.

وقد صُنفت في العام الماضي 2025 على أنها «عاصمة المصايف العربية» من قبل «المنظمة العربية للسياحة».

في الأسابيع الماضية، طفا على السطح دور المدينة السياسي إلى جانب ازدهارها السياحي. فعلى هفيف هوائها تُفتح النقاشات حول ليبيا وغزة وتطورات «حرب إيران» وغيرها من القضايا الإقليمية والدولية، وتدار ملفات التعليم والطرق والتموين والطاقة.

وفي العلمين استقبل الرئيس السيسي، رئيس دولة الإمارات الشيخ محمد بن زايد آل نهيان في 12 يوليو (تموز) الماضي، وفي الشهر ذاته استقبل رئيس جمهورية مدغشقر الأفريقية، ميكائيل راندريانيرينا، واستقبل ملك البحرين حمد بن عيسي في 5 أغسطس (آب) الحالي.

ويعتبر رئيس «مركز الأهرام للدراسات الاستراتيجية» سابقاً والمفكر السياسي، عبد المنعم سعيد، أن العلمين حالياً يمكن اعتبارها «العاصمة الساحلية لمصر، وهو أمر ليس بالجديد، فقد كان وجود مثل هذه العواصم غير الرسمية دارجاً في حقب سابقة»، لافتاً إلى ميزة العلمين باعتبارها «مدينة معروفة عالمياً مرتبطة بمعارك العلمين خلال الحرب العالمية الثانية، وبها مقابر ألمان وإيطاليين، ما يجعلها مقصداً سياحياً للكثيرين»، معتقداً أن التركيز الإعلامي على وجود الرئيس فيها يهدف بالأساس إلى الترويج للمدينة باعتبارها وجهة سياحية واستثمارية، وفق حديثه لـ«الشرق الأوسط».

السيسي يستقبل رئيس دولة الإمارات في العلمين منتصف يوليو 2026 (الرئاسة المصرية)

وناقش السيسي تطورات اتفاق «وقف إطلاق النار» في قطاع غزة، بعد التوصل لتفاهمات بشأن «سلاح المقاومة»، واستقبل في 16 أغسطس الحالي، صهر الرئيس الأميركي جاريد كوشنر، وكذلك فإن قضية توحيد المؤسسات الليبية كانت حاضرة خلال استقباله قائد «الجيش الوطني» الليبي المشير خليفة حفتر، في 19 الشهر الجاري، وذلك بعد ثلاثة أسابيع من استقباله رئيس حكومة «الوحدة الوطنية» الليبية، عبد الحميد الدبيبة في 30 يوليو الماضي بالمدينة نفسها.

المدينة ذاتها كانت شاهدة على محادثات واجتماعات أخرى بعيداً عن اللقاءات الرئاسية، حيث شهدت هذا الشهر اجتماعات للفصائل الفلسطينية هدفت إلى توحيد الصف والاستعداد للانتخابات التشريعية المقبلة، وبالتزامن معها جرت لقاءات بين مسؤولين مصريين وفلسطينيين.

وشهدت المدينة لقاء رئيس المخابرات العامة المصرية، اللواء حسن رشاد، مع نائب القائد العام للقوات المسلحة الليبية، الفريق أول صدام حفتر يوم 22 أغسطس الجاري، للتباحث بشأن الجهود المبذولة لدفع مسار التسوية السياسية في ليبيا.

مصايف الرؤساء

وضع الرئيس المصري حجر أساس تدشين «مدينة العلمين» في مارس (آذار) من عام 2018. وآنذاك «لم يرتبط اسم السيسي بمصيف مفضل، كما كان لغيره من الرؤساء»، وفق الباحث في علم الاجتماع عصام فوزي، قائلاً لـ«الشرق الأوسط»، إن «فكرة وجود عاصمة صيفية للأنظمة السياسية حول العالم موجودة منذ القدم، هرباً من الحرارة، ولم تختفِ الفكرة في زمن المكيفات، بل تطورت لأغراض أخرى».

وأضاف: «في روسيا توجد عاصمة شتوية وأخرى صيفية، وكذلك في مصر منذ العهد الملكي حيث مدينة الإسكندرية (شمالاً) التي كان الملك ينتقل إليها في فصل الصيف ويقيم بقصر التين... وشرم الشيخ (على ساحل البحر الأحمر) في عصر الرئيس الراحل حسني مبارك».

وأضاف فوزي أن «العلمين بذلك تختلف عن شرم الشيخ، فالأخيرة اقتصر دورها على عرض القرارات، أي إقامة مؤتمرات واجتماعات، أكثر من كونها مركزاً لصناعة قرار سياسي مثل العلمين حالياً».

وزراء خارجية مصر والسعودية وتركيا في العلمين (مدينة العلمين الجديدة)

ومنذ 26 يوليو الماضي، يوجد الرئيس المصري بصورة مستمرة في العلمين، حيث دارت كل اجتماعاته بالوزراء المصريين، كان آخرها ترأس اجتماع حضره رئيس الوزراء مصطفى مدبولي والرئيس التنفيذي لشركة «إيني» الإيطالية كلاوديو ديسكالزي، الثلاثاء، وكان السيسي قد استقبل في المدينة المنتخب الوطني عقب عودته من كأس العالم في 11 يوليو الماضي.

واللافت في مدينة «العلمين الجديدة» أنها مدينة حديثة وليدة النظام الحالي، في «انعكاس لفلسفة التوسع وتدشين المدن الجديدة»، وفق أستاذ علم الاجتماع السياسي سعيد صادق، قائلاً لـ«الشرق الأوسط»، إن الرئيس «يتبنى المدن الجديدة باعتبارها حلاً هيكلياً لتخفيف الضغط عن الوادي والدلتا بإنشاء مراكز حضرية جديدة، بداية من العاصمة الإدارية، ثم العلمين وغيرهما من مدن الجيل الرابع»، معتبراً أن «العلمين هي النسخة الساحلية للعاصمة الإدارية».

العمل الميداني

وأضاف صادق، أن «وجود الحكومة في العلمين يعكس أيضاً فلسفة الوجود الرمزي في مواقع التنمية، على اعتبار أن الحكومة لا تدير من المكاتب فقط، بل من مواقع التنفيذ، ما يعزز صورة الدولة التي تبني والقيادة التي تتابع»، لافتاً إلى أنه «في الوقت الذي يحتفي بعض المواطنين بالمدينة باعتبارها مركزاً حضارياً جديداً، يراها قطاع آخر من الطبقات الأقل دخلاً، انعكاساً لاتساع الهوة المجتمعية».

مدينة «طول العام»

منذ مرحلة التأسيس، استهدفت الحكومة المصرية بناء مدينة تضم مراكز صناعية وسكنية وتعليمية، وهو ما عبر عنه رئيس الوزراء المصري الدكتور مصطفى مدبولي، خلال جولة منتصف الشهر الماضي، لتفقد مشروعين غذائيين في المدينة، قائلاً إنها «تشهد طفرة كبيرة في المشروعات، وتسليم الوحدات السكنية فيها»، لافتاً كذلك إلى «محطة الضبعة النووية» التي توجد في المدينة، وستبدأ العمل في غضون عامين.

السيسي مستقبلاً المنتخب الوطني بعد مشاركته في كأس العالم بمدينة العلمين (الرئاسة المصرية)

ويؤكد أستاذ الاقتصاد والخبير العقاري، ماجد عبد العظيم، أن «عقد الرئيس لقاءاته فيها، يوجه الأنظار عالمياً لها، ويقدمها بوصفها مدينة مكتملة وليس مجرد مصيف»، خصوصاً مع «تدشين 4 جامعات فيها، ستبدأ الدراسة فيها بعد الإجازة الصيفية، أي أننا أمام حركة مستمرة في المدينة».

وأضاف عبد العظيم لـ«الشرق الأوسط»، أن الامتداد العمراني في المدينة ووجود مراكز للحكم بها مثل القصر الرئاسي ومقر الحكومة، من عوامل جذب للاستثمار أكثر، خصوصاً من الخليج. ويضيف المفكر السياسي عبد المنعم سعيد، أن «العلمين تعكس بشكل رئيسي التوجه الحكومي المصري في تنمية السواحل الشاطئية»، معتبراً أن «الهدف من العلمين ليس المدينة فقط، ولكن باعتبارها مدخلاً للساحل الشمالي المصري الذي يشهد حركة تنمية غير مسبوقة».